إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [2]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للصلاة آداب وأحكام منها: وجوب قضائها على من كان نائماً حتى خرج وقتها أو كان مغمىً عليه أو زال عقله بسكر أو نحوه، ويشترط لصحتها العقل والإسلام، وصلاة الكافر أو أذانه علامة على إسلامه، ويجب على ولي الصبي أن يأمره بالصلاة وهو ابن سبع سنين، ويضربه عليها وهو ابن عشر.

    1.   

    تابع قضاء الصلاة على من زال عقله

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد:

    فقد قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويقضي من شرب محرماً حتى زمن جنون طرأ متصلاً به تغليظاً عليه، ولا تصح الصلاة من مجنون وغير مميز لأنه لا يعقل النية، ولا تصح من كافر لعدم صحة النية منه، ولا تجب عليه، بمعنى أنه لا يجب عليه القضاء إذا أسلم، ويعاقب عليها وعلى سائر فروع الإسلام ].

    من زال عقله بنوم أو إغماء

    ذكرنا أنه تجب الصلاة على من زال عقله بنوم، وقلنا: إن عبارة المؤلف في قوله: (زال عقله بنوم) فيها نوع تجوز؛ لأن النوم لا يزول به عقل الإنسان وإن كان يذهب إحساسه، وذكرنا إجماع أهل العلم على هذا.

    وأما الإغماء فذكرنا أن الراجح في المغمى عليه أنه لا يلزمه أن يصلي الصلاة التي خرج وقتها إلا إذا كانت مما يُجمع معها لعذر، فإن كان قد أُغمي عليه قبل الظهر ثم أفاق بعد العصر فإن أكثر أهل العلم يقولون في وقت الأعذار في حق المسلم: إنه يجمع بين الظهر والعصر، أما لو لم يفق إلا بعد الغروب فلا يلزمه أن يصلي الظهر ولا العصر.

    وقلنا: إن هذا هو مذهب مالك و الشافعي فقد روى مالك في موطئه عن نافع عن ابن عمر : أنه أُغمي عليه يوماً وليلة ثم أفاق ولم يقضِ، وفي رواية عند البيهقي : أُغمي عليه ثلاثاً، كما في رواية أيوب عن نافع . وهذا يدل على عدم القضاء؛ لأنه يكون حكمه كحكم المجنون.

    وأما حديث عمار فقد ذكرنا أن في سنده إسماعيل السُدي ، ثم إن أكثر الروايات عن عمار : أنه أُغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء ثم أفاق نصف الليل، وليس فيه أنه أغمي عليه ثلاثاً، بل المعروف والمحفوظ من أقوال الصحابة أن ابن عمر هو الذي أُغمي عليه ثلاثاً فلم يقضِ.

    من زال عقله بسكر متعمداً

    وإن زال عقله بسُكر فقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن من زال عقله بسُكر إن كان متعمداً للشرب فإنه يقضي، ولا شك أن الراجح إن شاء الله أن من زال عقله بسكر متعمداً حتى خرج الوقت أنه يلزمه القضاء، ولكن ليس ذلك محل إجماع, فقد خالف الحسن البصري و أبو العباس بن تيمية رحمهما الله حيث إنهما يريان أن العبد إذا لم يفعل العبادة في وقتها المحدد شرعاً حتى خرج وقتها فإنها لا تصح منه قضاءً.

    وهذه قاعدة طرد عليها أبو العباس ابن تيمية ، فمن أفطر في نهار رمضان متعمداً من غير عذر فإنه لا ينفعه أن يقضيه في يوم آخر.

    ومن ترك الصلاة متعمداً بسُكر أو نوم قاصداً خروج الوقت كالذي يوقت منبه ساعته على الساعة الثامنة وهو ناو ألا يقوم للفجر, فإن أبا العباس بن تيمية يقول: يتوب إلى الله ويستغفر ولكن لا يصح منه القضاء؛ لأنهم قالوا: إن من خالف المأمور متعمداً ليس له قضاء إلا التوبة، ولم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا عن أحد من الصحابة أنهم أمروا بالقضاء.

    والذي يظهر والله تبارك وتعالى أعلم هو قول عامة أهل العلم من الصحابة والتابعين ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين وهو أن عليه القضاء؛ وذلك لأمور:

    الأمر الأول: أنه صح عن أبي هريرة و ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن من ذرعه القيء فلا قضاء عليه، ومن استقاء عمداً فليقض )، ومن المعلوم أن من استقاء عمداً: سواء كان عمداً لعذر، أو عمداً لغير عذر قد أمر بالقضاء، فدل ذلك على أنه أخل في وقت هذه العبادة ومع ذلك أُمر بالقضاء.

    وقد نقل الخطابي إجماع أهل العلم على هذا الحكم.

    وقلت: صح عن أبي هريرة ؛ لأنه لا يصح مرفوعاً: ( من ذرعه القيء ) فالصواب أنه موقوف، وقد أخطأ فيه هشام بن حسان أو عيسى بن يونس على خلاف عند أهل العلم, وقد ضعفه مرفوعاً أحمد و أبو داود وغيرهما.

    الأمر الثاني: نقول: إن الله أمرنا بالعبادة وأمرنا أن نفعلها في وقت, فالأمر حقيقته أمران: أداء العبادة، وأداؤها في وقتها، فإذا أخطأ المسلم أحد الواجبين وهو أداؤها بوقت، فلا يخطئ الواجب الآخر وهو أداؤها مطلقاً.

    الأمر الثالث: أن القول: إن القضاء يلزم منه أمر جديد لم يكن معروفاً عند السلف كالصحابة وغيرهم، بل المعروف أن القضاء يحكي الأداء من حيث الأمر به، وهذا هو الراجح، ولسنا بحاجة إلى أن نضعف حديث أبي هريرة : (من أفطر في نهار رمضان متعمداً لم يقضه ولو صام الدهر كله )، كما رواه البيهقي وغيره وهو حديث ضعيف.

    وعلى هذا فإن من شرب المسكر متعمداً صار حكمه كحكم من ترك العبادة متعمداً، ومن ترك العبادة متعمداً حتى خرج وقتها فإنه يلزمه التوبة والقضاء.

    ولعل من أدلة ذلك أيضاً: أن الله أمر في الحج بإجماع أهل العلم خلافاً لـابن حزم أن من أفسد حجه متعمداً يجب عليه المضي فيه، ويجب عليه القضاء، أما المضي فيه فهو مستثنى في الحج؛ لأن الأصل أن الفاسد لا يجوز الاستمرار فيه إلا في الحج، لكن أن يؤمر بأداء العبادة مرة ثانية دليل على الأصل عند السلف, وهو أن القضاء يحكي الأداء.

    من زال عقله بسكر مكرهاً أو مخطئاً

    أما إن شرب المسكر كُرهاً كالذي أُكره على ذلك، أو شربه وهو يظن أنه غير مُسكر أو نحوه كمن شرب دواءً، أو أجرى عملية جراحية فأُغمي عليه وقت أو وقتان فحينئذ نقول: هذا في حُكم المُغمى عليه، والمُغمى عليه الراجح أنه لا يقضي إلا إن أفاق في وقت أحد الصلاتين التي يُجمع بينهما له، كمن أفاق في العصر فإنه يصلي الظهر والعصر، وكما لو أفاق قبل منتصف الليل فإنه يصلي المغرب والعشاء، كما هو رأي أكثر الصحابة، وأكثر الأئمة الأربعة وغيرهم.

    وعلى هذا فالذين يصابون بالحوادث ويُغمى عليهم وتجرى عليهم عمليات جراحية فإنه لا يلزمهم قضاء الصلوات إلا الصلاة التي أفاقوا في وقتها.

    دليل ذلك: ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها )، يقول ابن تيمية : هذا دليل على أن من ترك الصلاة من غير تعمد يقضي, وأما المتعمد فلا، من باب مفهوم المخالفة.

    لكننا نقول: إن هذا الحديث إنما ذُكر لبيان أنه لا يأثم بدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا كفارة لها إلا ذلك ).

    من زال عقله بجنون أثناء سكره

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقضي من شرب محرماً حتى زمن جنون طرأ متصلاً به تغليظاً عليه), يعني: لو أن مسلماً شرب الخمر متعمداً ثم جُن أثناء سُكره واستمر به الجنون عشرة أيام ثم أفاق، فإن الحنابلة يقولون: يلزمه أن يقضي عشرة أيام؛ تغليظاً عليه.

    والذي يظهر والله تبارك وتعالى أعلم أنه لا يلزمه القضاء؛ لأن الجنون مانع وضعي وليس حُكماً تكليفياً، كما لو أن امرأة شربت دواء لنزول الحيض متعمدة فإنها تقضي، ولا قائل بذلك.

    ولأن قولكم: (تغليظ) يُفهم منه أن ذلك عقوبة, ومن المعلوم أن العقوبات مقدرة, والتعزيرات مقدرة، ولم يُحفظ عن السلف أنهم عزروا في العبادة إلا في الزكاة، ( إنا آخذوها وشطر ماله عزمة من عزمات ربنا ).

    وبالمناسبة الآن هناك بحوث يقول أصحابها: هل للقاضي إذا أراد أن يعاقب الإنسان بدلاً من أن يعاقبه بالسجن أو بالجلد يأمره بأن ينظف المساجد التي على طريق مكة والرياض؛ فإنها أنفع للأمة وأصلح له؟ وإذا أرادوا أن يعاقب الشباب الذين يبقون في الشوارع يعاقبهم بتنظيف بعض المساجد الكبيرة، أو بأن يصوموا شهراً.

    وهذه المسألة ربما تكون من ضمن أدلة من يرى ذلك؛ لأنهم قالوا: تغليظاً عليه حيث أنه سكر وجن وأفاق فعاقبوه بزيادة العبادة عليه، ولكن الراجح عدم ذلك.

    1.   

    علة عدم صحة صلاة المجنون وغير المميز والكافر

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تصح الصلاة من مجنون وغير مميز لأنه لا يعقل النية) وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( إنما الأعمال بالنيات )، وقد روى الإمام أحمد و أبو داود من حديث عائشة وكذلك روي من حديث علي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( رُفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن الصبي حتى يبلغ ). لكن لو أفاق المجنون في وقت العصر فيجب عليه أن يصلي العصر، وهل يصلي الظهر؟ هذا مبني على المسألة التي قال العلماء فيها: إذا زال المانع في وقت إحداهما وجب عليه أن يصلي جميع الصلاتين التي يُجمع بينهما، كما قالوا في الحائض: إذا طهُرت في العشاء، أو طهُرت في العصر صلت الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، وسوف نتحدث عن هذه المسألة ونُبين أن الأحوط فيها هو قول السلف رضي الله عنهم أجمعين.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تصح من كافر لعدم صحة النية منه)؛ لأن الكافر ليس له نية؛ لأن النية يلزم منها الإسلام، والكافر ليس بمسلم. وقول العلماء: (ولا تجب عليه) بمعنى أنه لا تجب عليه أداءً, وإن كان مكلفاً يُعاقب عليها.

    وعلى هذا فقولهم: الكفار غير مخاطبين بفروع الشريعة، بمعنى: غير مخاطبين أداءً حتى يسلموا، وإن كانوا مخاطبين من حيث التكليف والعقوبة عليهم كما قال تعالى: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ * وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ * حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ [المدثر:42-47]، فعاقبهم الله سبحانه وتعالى بتركهم تلك الفروض.

    1.   

    ثبوت إسلام الكافر بأداء الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن صلى الكافر على اختلاف أنواعه في دار الإسلام أو الحرب، جماعة أو منفرداً بمسجد أو غيره فمسلم حكماً ].

    الآن المؤلف يبين متى نقول للكافر: إنه مسلم؟ ومتى يلزمه أحكام الإسلام؟ فإن صلى ولو على غير طهارة، لكننا رأيناه دخل المسجد وصلى معنا وهو يفهم معنى الصلاة فهو مسلم, أما لو دخل الصيني أو غير العربي المسجد فوجدنا نصلي الظهر فأراد أن يصلي معنا حتى لا نشك فيه، حتى إذا انتهينا من الصلاة ذهب في زاوية من زوايا المسجد لينام, فهذا لا يأخذ الحكم إلا إذا كان يفهم الخطاب العربي.

    وعلى هذا فإذا صلى الكافر جماعة أو منفرداً، بمسجد أو غير مسجد (فمسلم حُكماً)، ومعنى حُكماً أي: يُحكم بإسلامه، وتُجرى عليه أحكام أهل الإسلام في الدنيا، فإن قال: كنت أستهزئ فلا يقبل قوله؛ ولهذا لو مات عقب الصلاة فتركته لأقاربه المسلمين، ويُغسل ويُصلى عليه، ويُدفن في مقابر المسلمين، هذا حقه علينا، وحق الأمة عليه أنه إن ارتد عوقب بعقوبة الارتداد؛ وهو قوله صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه)، يُستتاب ثلاثاً فإن تاب وإلا قُتل مُرتداً.

    والعجب أن بعض المفكرين، وبعض المفتين في هذا الزمان أبطلوا حكم الردة؛ وقالوا: لا نقول بأن من بدل دينه فاقتلوه؛ لأن ذلك يخالف قوله تعالى: لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ [البقرة:256]، ولا شك أن ضغط الواقع، وتأثير قوى الغرب على أهل الإسلام ربما جعلتهم يفكرون تفكيراً بعيداً لدرجة أن يبطلوا حكماً نصياً شرعياً ثابتاً في البخاري .

    وكنت أقول لبعضهم مناظراً له: ما رأيك لو أن شخصاً خالف دستور بلد معين وناقض ما أجمع عليه الدستور وخان ما أجمعت عليه البلد، ما حقه في جميع أنظمة الأرض العربي منها وغير العربي؟ أليس يقال: للجندي وللمسئول الكبير: عهد بينه وبين بلده ألا يخون؛ ولا يخفر الذمم؟

    ثم قلت للمناظر: أرأيت لو خفر الذمة، وخان العهد، وغير ما اتفق عليه، أليس عقوبته الإعدام في كل العالم؟ قال: نعم. قلت: فإن الذي نشأ في الإسلام، ورعاه الإسلام، وأعطاه حقوقاً، وأوجب على الأمة أن تراعي حقوقه إذا هو خالف دستور هذا البلد، وخالف ما اتفق عليه فكأنه خالف الدستور, ومن خالف الدستور فإن حجابه غير مستور.

    وهذا أمر معلوم, لكننا الآن بحاجة إلى أن يبين طلبة العلم والعلماء شرع الله بالمفهوم الذي تقوم به الحجة على مخالفيه؛ ولهذا أبو العباس بن تيمية رحمه الله خاطب أهل الاعتزال وأهل الأهواء بحججهم التي تثبت بطلان ما توهموا أنه تنزيه بحق الله تعالى.

    ومع أن المعلوم أن أبا العباس بن تيمية خاطبهم ولم يكن عند الصحابة وعند كبار التابعين أحدا يناظر أهل الأهواء بمثل ما كانوا يناظرون به في القرن الثامن أو السابع من قبل أبي العباس بن تيمية وغيره، وهل نقول كما كانوا يقولون لـابن تيمية في زمانه: إنك خالفت السلف فناظرت أهل الأهواء بما لم يكن أهل السلف يناظرونهم به، وقد أُلفت كتب في وقت ابن تيمية يردون فيها على ابن تيمية ، حتى قال الذهبي متأثراً: وقد دخل في علم الكلام وناظر وكافح, ويا ليته لم يدخل.

    لكن قال شيخنا محمد بن عثيمين قال: الحمد لله أنه دخل, فنحن بحاجة إلى أن نخاطب الناس اليوم بالحجج التي يستدلون بها على ضلالهم وأن نجعلها عليهم؛ كما قال ابن تيمية : وأنا مستعد أن كل صاحب شبهة يستدل لها بالكتاب والسنة, أن أجعل هذه الحجة عليه لا له، وهذا الذي ينبغي أن نكون عليه.

    وأحياناً أعداء الإسلام لو خاطبتهم بقال الله وقال رسوله صلى الله عليه وسلم لا يستجيبون, لكنك لو خاطبتهم بمنطق العقل السليم الذي لا يخالف الكتاب والسنة فربما استجابوا؛ لأنهم أحياناً لا يقبلون الكتاب والسنة والعياذ بالله، وليس بينك وبينهم أرضية يمكن أن تناظرهم فيها.

    ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يناظرهم بحجج الله في القرآن والبراهين التي تثبت بطلانهم، كما قرأ على عقبة بن أبي معيط أول سورة فصلت، وبين لهم أن هذا القرآن ليس من عند محمد صلى الله عليه وسلم بل من عند الله، والدليل إعجازه وبراهينه، وأثبت لهم البعث بمنطق عقلي، واقرأ إن شئت قوله تعالى في آخر سورة يس: وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ [يس:78-79].

    ثم بين سبحانه وتعالى الذي جعل من الشجر الأخضر ناراً، فكان أخضر رطباً ثم جعله يابساً فهو قادر سبحانه وتعالى أن يصير هذه اليبوسة إلى رطوبة وغير ذلك.

    وهذا هو واجب العالم وطالب العلم أن يُبين مثل ذلك حتى تقوم الحجة وتظهر المحجة ونكون ورثة الأنبياء؛ لأننا نظهر دين الله كما كان الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يبينونه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ فلو مات عقب الصلاة فتركته لأقاربه المسلمين ويغسل ويصلى عليه ويدفن في مقابرنا، وإن أراد البقاء على الكفر وقال: إنما أردت التهزء لم يُقبل].

    هذه الحقوق التي علينا فقد ثبت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من صلى صلاتنا, واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم، الذي له ذمة الله وذمة رسوله, فلا تخفروا الله في ذمته )، متفق عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وكذا لو أذن ولو في غير وقته ].

    يعني: حتى لو أذن في غير وقت الأذان فإنه يكون مسلماً؛ لأن العبرة بأداء الشهادتين، قالوا: فلو صام أو حج أو زكى ولم ينطق الشهادتين لا يحكم له بالإسلام؛ لأن أهل الكفر كانوا يحجون، وكانوا يصومون في أديانهم المحرفة، وكذلك يزكون ويتصدقون، كما قالت عائشة رضي الله عنها: ( يا رسول الله! ابن جدعان كان يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذلك نافعه؟ قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوماً: ربي اغفر لي خطيئتي يوم الدين )، رواه مسلم في صحيحه، وعلى هذا فالصلاة والأذان فيهما الشهادتان، والصلاة بهذه الطريقة خاصة بأمة محمد صلى الله عليه وسلم فيحكم لمن فعل ذلك بالإسلام.

    1.   

    الأحكام المتعلقة بصلاة الصبي

    أمر الصبي بالصلاة والطهارة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويؤمر بها صغير لسبع، أي: يلزم وليه أن يأمره بالصلاة لتمام سبع سنين ].

    يؤمر الصبي، يأمره وليه: أبوه، أو وصيه، أو أخوه الكبير؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع، واضربوهم عليها وهم أبناء عشر، وفرقوا بينهم في المضاجع )، فيؤمر تعويداً.

    وقوله صلى الله عليه وسلم: ( واضربوهم عليها لعشر )، فهم بعض الأصحاب أن الصلاة تجب على الصبي لعشر سنين، والصحيح أن ضرب الصغير على الصلاة لعشر إنما هو من باب التأديب لا من باب التكليف، بدليل أنه لا يُعاقب على تركها, والتكليف إنما هو معاقبة على تركها.

    وذهب بعض أهل العلم إلى أن أمر الصبي بالصلاة وهو ابن سبع إنما خرج مخرج الغالب، وإلا فإن الصبي إذا كان يفهم الخطاب ويرد الجواب فإنه يؤمر بالصلاة, مثل الآن أصحاب أول ابتدائي الآن النظام يقبل أقل من سبع، ومن المعلوم أن الحنابلة يقولون: مروهم بها وهم أبناء سبع وليس المراد من دخل السبع ولكن من أكمل السبع، يعني: شرع في الثمان، ولو كان كذلك لصار الطالب في ثالث ابتدائي. ولكن الأقرب أن الأب يأمر ابنه ولو كان أقل من سبع إذا كان يفهم الخطاب، ويرد الجواب.

    وهل يؤجر الصبي على هذا؟ نقول: نعم يؤجر؛ لقول الله تعالى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَه * وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه [الزلزلة:7-8]، وقد روى مسلم في صحيحه من حديث ابن عباس : ( أن امرأة رفعت صبياً فقالت: يا رسول الله! ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر )، فقوله: نعم، دليل على أنه يُثاب على ذلك، وينفعه بعد بلوغه، والله أعلم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ وتعليمه إياها والطهارة ليعتادها ].

    يعني: يعلمه العبادة، فليس المراد أنه يُخرج ابنه من البيت ويجعله بجانبه، ولا يعلمه حتى تعلمه المدرسة فقط، بل يعلمه طريقة الصلاة، وقد قال أبو العباس بن تيمية : وإذا فرط الولي بأمر الصبي يعزر.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ذكراً كان أو أنثى، وأن يكفه عن المفاسد ].

    أي: ويُبعده عن المفاسد ويُبين له أضرارها، فيبين له خطورة الفواحش ما ظهر منها وما بطن، وعقوبة اللواط، حتى يعلم؛ لأن بعض الأولياء لا يبينون لأبنائهم ولا لإخوانهم الصغار ما يُحاك عليهم، فيبين لهم بألفاظ توصلهم إلى المقصود من غير بيان واضح جلي حتى يفهم الطفل شيئاً فشيئاً.

    الغاية من ضرب الصبي على الصلاة إذا بلغ عشر سنين

    قال المؤلف رحمه الله: [ويضرب عليها لعشر سنين؛ لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده يرفعه: ( مروا أبناءكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين، واضربوهم عليها لعشر، وفرقوا بينهم في المضاجع)، رواه أحمد وغيره ].

    هذا الحديث إسناده جيد، والضرب هنا ليس المراد به ضرباً مبرحاً يعني موجعاً ولكنه ضرب مقصود به التوبيخ وعدم الرضا؛ لأنك لو أخذت الطفل ورفعت صوتك عليه، ثم أهويت بيدك إلى ظهره ولو كانت قليلة ستجد أن الطفل يبكي، لكنك حين تمازحه ترفعه إلى الأعلى ويسقط إلى الأرض وهي أشد ثم يقوم وهو يضحك! إذاً: المقصود به التأديب، وهذا هو الفرق، والله أعلم.

    حكم قضاء صلاة الصبي إذا بلغ في أثناء الصلاة أو بعدها

    قال المؤلف رحمه الله: [ فإن بلغ في أثنائها بأن تمت مدة بلوغه وهو في الصلاة أو بعدها في وقتها أعاد، أي: لزمه إعادتها؛ لأنها نافلة في حقه فلم تجزئه عن الفريضة، ويعيد التيمم لا الوضوء والإسلام ].

    الحنابلة رحمهم الله, وهو أيضاً مذهب الحنفية والمالكية قالوا: إن الصبي لو توضأ ثم كبر وبلغ لا يعيد الوضوء؛ وهذه الصورة تكون فيمن لم يبلغ بإنبات شعر العانة، ولا بالإنزال، ولا بالحيض في حق المرأة، ولكن ببلوغ خمس عشرة سنة، وهل هذا بلوغ أم لا؟

    خلاف عند أهل العلم, وإن كان الذي يظهر والله تبارك وتعالى أعلم أن هذا ليس ببلوغ، لكن في الغالب لا يبلغ الشخص خمس عشرة سنة إلا وقد حصل له من علامات البلوغ بعض العلامات غير السن، لكن لنفترض أنه ولد الساعة الواحدة ظهراً من يوم كذا، فلم يُنزل، ولم تنبت شعر عانته، فلما بلغ خمس عشرة سنة وهو يصلي في ذلك الوقت أو أنه صلى وأنهى الصلاة ثم بلغ، بأن نام بعد الظهر فاحتلم، فحينئذ يأمره الجمهور بالإعادة سواء بلغ أثناء العبادة أو بعدها. قالوا: لأنه صار مكلفاً، و ( من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة ).

    وذهب أبو العباس بن تيمية رحمه الله إلى أنه لا يؤمر بالإعادة سواء بلغ في أثناء أداء العبادة أو بعدها ولو في الوقت، والأحوط الأخذ بقول الجمهور، والله تبارك وتعالى أعلم؛ لأن العلماء أجمعوا على أن من شرع في نافلة فلا يجوز له أن يقلبها إلى فرض، فالصبي شرع في صلاة الظهر وهي نافلة في حقه فإذا بلغ في أثنائها فلا يسوغ له يقلبها إلى فرض، والله أعلم.

    وكذلك لو صلاها مع الجماعة ثم بلغ، فإننا نقول: يؤمر بالإعادة؛ لأنها في الوقت والله أعلم، ولا يقال ذلك في حق الصبي الذي صام ثم بلغ في أثناء النهار فإنه يستمر في صومه ولا يلزمه القضاء؛ لأن الوجوب لم يجب في حقه إلا أثناء النهار وهو قد صام فلا بأس؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في قصة الرُبيع بنت معوذ : ( أن من أمسك يومه هذا فليتم صومه فإن اليوم يوم عاشوراء )، لأنه كان واجباً في أول الإسلام، فهذا منه.

    إعادة الصبي إذا بلغ التيمم لا الوضوء والإسلام

    قال المؤلف رحمه الله: (ويعيد التيمم لا الوضوء والإسلام) الحنابلة يرون أن التيمم مُبيح للصلاة وليس برافع للحدث، وفرعوا على هذا القول تفريعات، فقالوا: لو تيمم لنافلة لم يجز له أن يصلي بها فريضة، وعلى هذا فالصبي عندما تيمم تيمم لنافلة في حقه قبل البلوغ, فإذا بلغ وجب عليه أن يعيد التيمم؛ لأنه سوف يصلي فريضة.

    ولكن الراجح كما هي رواية عند الإمام أحمد فسرها أبو العباس بن تيمية أن التيمم رافع وليس بمُبيح وهو قول أبي حنيفة فيما أحفظ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الصعيد الطيب طهور المؤمن وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته )، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة وكذلك روي من حديث أبي ذر ، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2966301399

    عدد مرات الحفظ

    711287481