إسلام ويب

الروض المربع - كتاب الصلاة [1]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصلاة من أركان الإسلام العظيمة التي ثبت وجوبها بالقرآن والسنة والإجماع، والتي فرضت في ليلة الإسراء والمعراج، لكن يشترط لأدائها شروط، ويجب قضاؤها لمن تركها حتى خرج وقتها بسبب نوم أو إغماء أو غير ذلك، ولا تسقط عنه إلا بالجنون.

    1.   

    تعريف الصلاة وسبب تسميتها بذلك

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، وبعد: فقد قال المؤلف رحمه الله: [ كتاب الصلاة.

    في اللغة: الدعاء قال الله تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103]، أي: ادع لهم، وفي الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير مختتمة بالتسليم، سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء، مشتقة من الصلوين، وهما عرقان من جانب الذنب، وقيل: عظمان ينحنيان في الركوع والسجود، وفرضت ليلة الإسراء ].

    تعريف الصلاة في اللغة والشرع

    الصلاة كما ذكر المؤلف في اللغة: الدعاء، وهذا هو المعروف عند العلماء، وفي الشرع أيضاً، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( اللهم صل على آل أبي أوفى )، ومن المعلوم أن الصلاة من الله ثناء الله على عبده، ومن الملائكة استغفارهم، ومن العبد الدعاء أو طلب الدعاء، أي طلب أن يثني الله سبحانه وتعالى على عبده، فإذا قلنا: اللهم صل على محمد وعلى آل محمد فإننا نسأل الله أن يثني على نبينا صلى الله عليه وسلم في الملأ الأعلى.

    إذاً فالصلاة هي: الدعاء، كما قال تعالى: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [التوبة:103]، أي: ادع لهم، وقد ذكر المؤلف التعريف في الشرع، ودائماً يا إخوان لا نبالغ في التعاريف؛ لأن العلماء كانوا يعرفون المعنى، أو يعرفون بالرسم لا بالحد كما يقول الفقهاء، فالصلاة عند كثير من الفقهاء -خاصة في كتب المذاهب- يعبر عنها بالتعريف بالرسم لا بالماهية، ولهذا تجدونهم يذكرون شروطاً في التعريف ليست داخلة في ماهيات المعرف، ولهذا يقولون مثلاً: القرض: أخذ مال لمن ينتفع به ويرد بدله، هذا فيه نوع شروط من شروط القرض.

    وفي السلم: عقد على موصوف في الذمة مؤجل بثمن مقبوض في مجلس العقد، هذا نوع من الشروط في السلم، وعلى هذا فقس، فهم لا يتكلفون فمتى فهم المراد فالحمد لله.

    والصلاة في الشرع: أقوال وأفعال مخصوصة مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، وعلى هذا فصلاة الجنازة تعد صلاة، وصلاة الوتر تعد صلاة كذلك؛ لأنها مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم.

    سبب تسمية الصلاة بهذا الاسم

    قال المؤلف رحمه الله: (سميت صلاة لاشتمالها على الدعاء).

    هذا هو الراجح، وأما كونها مشتقة من الصلوين وهما عرقان من جانب الذنب فقد قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله: ومن كان قبلنا فلهم صلاة ليست مماثلة لصلاتنا في الأوقات ولا في الهيئات، فربما كانوا يصلون وهم قيام من غير سجود، فهل يلزم من ذلك أن تكون مشتقة من الصلوين، وهي في السابق عند الأمم قبلنا تسمى الصلاة، فدل ذلك أن الصلاة مقصودة بالدعاء، والله أعلم.

    ولهذا سميت صلاة الجنازة صلاة وليس فيها ركوع ولا سجود، وقد جاء في السنن من حديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء )، فدل على أن الصلاة مشتقة من اشتمالها على الدعاء.

    1.   

    أدلة وجوب الصلاة

    ومن المعلوم أن الصلاة ثابتة بالكتاب والسنة وإجماع أهل العلم.

    فالكتاب قول الله تعالى: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، وقد أجمع أهل العلم على فرضية الصلاة، ومن المعلوم أن هذا الإجماع يسمى عند العلماء إجماعاً صريحاً؛ لأن الإجماع نوعان:

    إجماع سكوتي، وإجماع صريح.

    ومن أمثلة الإجماع الصريح عند العلماء: فرائض العبادات كالصلاة والصوم والحج، والمحرمات من الفواحش كالربا والزنا وغير ذلك.

    وعلى هذا فهذا إجماع صريح، نقله غير واحد من أهل العلم فكل من كتب في الإجماع أو في مراتب الإجماع ذكر هذه المسألة كـابن هبيرة و ابن حزم و ابن المنذر وغير واحد من أهل العلم.

    1.   

    وقت فرضية الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (وفرضت ليلة الإسراء).

    بإجماع أهل العلم أن الصلاة من حيث الوجوب فرضت ليلة الإسراء، وإلا فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يتحنث الليالي ذوات العدد قبل الإسلام وبعد الإسلام، لكن الصلاة بهذه الطريقة فرضت ليلة الإسراء، وهذا بالإجماع أن الصلاة فرضت ليلة الإسراء كما في حديث أنس بن مالك وحديث عبد الرحمن بن أبي صعصعة، لكن متى ليلة الإسراء؟

    معلوم قصة النبي صلى الله عليه وسلم عندما ذهب إلى موسى فقال: ( ارجع إلى ربك فإني قد بلوت بني إسرائيل وخبرتهم، فرجع إلى ربه فقال: يا رب! خفف عني فوضع عني عشراً ثم عشراً ثم عشراً، فقال: هي خمسون في الميزان وهي خمس على أمتك )، أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

    العلماء اختلفوا في تحديد ليلة الإسراء إلى أكثر من سبعة أقوال: فبعضهم قال: ليلة الإسراء بعد مبعثه صلى الله عليه وسلم بخمس سنين، وبعضهم قال: هي ليلة السابع والعشرين من شهر ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، والراجح والله أعلم كما حكى ذلك غير واحد من أهل العلم أن تحديد ليلة الإسراء بيوم محدد لا يعلم، ولعل في إخفائها حكمة، وعلى هذا فنحن نعلم خطأ من يظن أن ليلة الإسراء هي ليلة السابع والعشرين من رجب، وقد ابتدعوا لأجل ذلك بدعاً، ولو كان خيراً لسبقنا إليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة، وهم على الخير أحرى، وفي اجتهادهم في العبادة أولى رضي الله عنهم.

    1.   

    من تجب عليه الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ تجب الخمس في كل يوم وليلة على كل مسلم مكلف، أي: بالغ عاقل، ذكر أو أنثى أو خنثى، أو عبد أو مبعض إلا حائضاً ونفساء فلا تجب عليهما ].

    يعني أن الصلوات الخمس واجبة على كل مسلم مكلف، والمكلف هو البالغ العاقل، فيدخل في ذلك الخنثى والعبد والمبعض الذي بعضه حر وبعضه ليس بحر، وكذلك الذكر والأنثى فيجب عليهم جميعاً أن يصلوا الصلوات الخمس في أوقاتها من غير عذر، ولا يجوز أن يتركوا هذه الصلاة في أوقاتها، فلو أن شخصاً قال: أنا لا أستطيع أن أقوم في الليل؛ لأن عندي ورديات من الليل وأنام قبل الفجر بساعتين فأريد أن أصلي بعد الفجر. نقول: يحرم عليك ذلك؛ لأن الله يقول: إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا [النساء:103]، كذلك الخنثى، قالت: أنا لا أدري ربما أكون ذكراً وربما أكون أنثى، قلنا: واجب عليك أن تصلي سواء كنت ذكراً أم كنت أنثى، وإشكالك لا يضر وغير ذلك، إلا الحائض والنفساء لوجود المانع، فإنه يحرم عليهما الصوم والصلاة بالإجماع.

    وقد ذكر أهل الحديث عن أهل البصرة كـخالد بن معدان وغيرهم رضي الله عنهم وغفر الله لنا ولهم، قالوا: إن الحائض والنفساء -إذا دخل وقت صلاة الظهر مثلاً- تذهب إلى مصلها وتلبس ثياب صلاتها، وتجلس تذكر الله ولا تصلي، وهذه الطريقة لم تكن في عهد الخلفاء الراشدين، وهذا بلا شك من الإحداث في الدين، فالمرأة تذكر الله سبحانه تعالى على جميع أحوالها، كما قالت عائشة في الصحيحين: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحواله ).

    1.   

    قضاء الصلاة على من زال عقله

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويقضي من زال عقله بنوم أو إغماء أو سكر طوعا أو كرها أو نحوه كشرب دواء؛ لحديث ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها ) رواه مسلم، وغشي على عمار ثلاثا ثم أفاق وتوضأ، وقضى تلك الثلاث، ويقضي من شرب محرماً حتى زمن جنون طرأ متصلاً به تغليظاً عليه ].

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقضي من زال عقله بنوم).

    النائم قولنا: إنه زال عقله محل تأمل، ولعل المؤلف ذكر ذلك من باب التجوز، إذ إن النائم لا يزول عقله، ولكنه يذهب إحساسه، وفرق بين ذهاب الإحساس وزوال العقل، وعلى هذا فالنائم لا يزول عقله، ولكن العلماء أجمعوا على أن النائم يقضي كما نقله ابن قدامة وغيره، لما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أما إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصلِ الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى، فإذا كان ذلك فليصلها )، وقال صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث أنس : ( من نام عن صلاة أو نسيها فليصليها إذا ذكرها )، ومن المعلوم كما في الصحيحين من حديث عمران بن حصين وفي صحيح مسلم من حديث أبي قتادة أن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه ناموا عن صلاة الفجر فلم يستيقظوا إلا والشمس على أظهرهم، وفيه فكان رسول الله إذا نام لا يوقظ، فجاء عمر فقال: الله أكبر الله أكبر الله أكبر حتى استيقظ الرسول صلى الله عليه وسلم ثم قال: تغيروا عن مكانكم ذلك فصلى بهم بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام.

    أما الإغماء، فإن الحنابلة يقولون: من أغمي عليه فإنه يجب عليه أن يقضي ما لم يتعد ثلاثة أيام، فإن تعدى ثلاثة أيام فلا يقضي؛ لأن ذلك مما يشق، ولم ينقل عن أحد من الصحابة أنه قضى في أكثر من ثلاث، واستدلوا على القضاء بما رواه ابن أبي شيبة من طريق إسماعيل بن عبد الرحمن السدي عن يزيد مولى عمار بن ياسر أن عماراً أغمي عليه ثلاثة أيام فلما أفاق قضى، والمعروف أن عماراً في رواية السدي أغمي عليه الظهر والعصر والمغرب والعشاء فأفاق نصف النهار أو نصف الليل فقضاهن، هذا المحفوظ عن عمار ، وهو أحسن حديث في هذا الباب عن عمار ، وأما رواية ثلاثاً فهي ضعيفة، في سندها السدي إسماعيل وقد تكلم فيها الحفاظ.

    ثم إن قول الصحابي إذا خالفه صحابي آخر ليس بحجة، ومن المعلوم أن مالك بن أنس روى عن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه فلم يقض، وروى أيوب عن نافع أن ابن عمر أغمي عليه ثلاثة أيام فلم يقض، وروى غيرهما -يعني غير مالك بن أنس وغير أيوب - عن نافع عن ابن عمر أنه أغمي عليه يوم وليلة فلم يقضِ، فهذا أصح من حديث عمار ولهذا فالأولى بالحنابلة أن يأخذوا بقول ابن عمر لا بقول عمار، لكنهم أخذوا بقول الصحابي عمار ولم يأخذوا بقول ابن عمر قالوا: لأنه إذا اختلف الصحابيان فالأخذ بالاحتياط من أحدهما أولى وهذه قاعدة عندهم، فأخذوا بالاحتياط من فعل عمار .

    ولكن الراجح -والله أعلم- هو مذهب مالك و الشافعي على أن المغمى عليه لا يقضي الصلوات التي أغمي عليه فيها، فلو أغمي عليه المغرب والعشاء وأفاق بعد صلاة الفجر أو بعد طلوع الفجر فلا يلزمه القضاء، إلا أنهم قالوا: من أغمي عليه الظهر فأفاق العصر صلى العصر والظهر؛ لأن وقتهما وقت واحد حال العذر، ومن أغمي عليه أخر العصر وأفاق بعد العشاء صلى المغرب؛ لأن المغرب والعشاء وقت واحد حال العذر، هذا مذهب الشافعي .

    وهذا معروف عند عامة أهل العلم أن الظهر والعصر وقت واحد فإن فعل ذلك فهو أحوط، إلا أن مالك بن أنس لم يأمره أن يصلي الظهر؛ لأن كل صلاة لها وقتها، وهذا القول أقوى، وهو اختيار بعض محققي المالكية.

    أنا أرى أن الاحتياط أن يقضي الظهر والعصر إذا كان قد أغمي عليه ضحى وأفاق العصر، ولكني لا أقول: يأثم؛ لأن قول مالك قوي، والله تبارك وتعالى أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    3007963130

    عدد مرات الحفظ

    720603753