إسلام ويب

فقه الأسرة - كتاب دليل الطالب - كتاب الخلع وكتاب الطلاقللشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب للزوج إذا كرهته زوجته أن يجيب طلبها إن أرادت الخلع، والشروط الصحيحة للخلع ثلاثة: أن يقع من زوج يصح طلاقه، وأن يكون على عوض ولو كان مجهولاً، وألا يقع حيلة لإسقاط الطلاق، وتأتي على الطلاق الأحكام التكليفية الخمسة، والراجح أنه لا يقع طلاق المميز والسكران والنائم والمكره ومن زال عقله.

    1.   

    الإذن من الزوج في الخلع والمراد منه

    الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

    اللهم أرنا الحق حقاً وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلاً وارزقنا اجتنابه، ولا تجعله ملتبساً علينا فنضل، أما بعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الخلع.

    وشروطه سبعة:

    الأول: أن يقع من زوج يصح طلاقه.

    الثاني: أن يكون على عوض، ولو مجهولاً ممن يصح تبرعه من أجنبي وزوجة، لكن لو عضلها ظلماً لتختلع لم يصح.

    الثالث: أن يقع منجزاً.

    الرابع: أن يقع الخلع على جميع الزوجة.

    الخامس: ألا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق.

    السادس: ألا يقع بلفظ الطلاق بل بصيغته الموضوعة له.

    السابع: ألا ينوي به الطلاق.

    فمتى توفرت الشروط كان فسخاً بائناً لا ينقص به عدد الطلاق.

    وصيغته الصريحة لا تحتاج إلى نية وهي: خلعت وفسخت وفاديت، والكناية: باريتك وأبرأتك وأبنتك، فمع سؤال الخلع وبذل العوض يصح بلا نية، وإلا فلا بد منها ويصح بكل لغة من أهلها كالطلاق].

    المراد بالخلع

    قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الخلع).

    والخلع في اصطلاحهم: فراق الزوجة بعوض يأخذه الزوج منها أو من غيرها بألفاظ مخصوصة، وهذا على رأي الحنابلة والجمهور، وإن كان الأقرب -والله أعلم- أنه ليس في الخلع لفظ خاص، فمتى وجد العوض جاز وسمي خلعاً سواء كان بلفظ الطلاق أو بأي لفظ كان، وهذا هو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله، ونسبه إلى مذهب أحمد وقدماء أصحابه، ولا يلزم أن تدفع المرأة هذا العوض، بل يجوز من أجنبي ولو من غير رضاها كما سوف يأتي.

    صفة الخلع في الكتاب والسنة

    يباح الخلع لسوء العشرة فإذا كرهت الزوجة زوجها، وأرادت أن تدفع الصداق أو أزيد من ذلك أو أقل جاز ذلك.

    قال أبو العباس بن تيمية : والخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة زوجها، فتريد أن تدفع الصداق أو بعضه فتفتدي من نفسها، كما يفتدي الأسير فهذا الذي جاء به الكتاب والسنة، وأما إذا كان كل منهما مريداً لصاحبه فهذا الخلع محدث في الإسلام.

    وهذا هو الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة، وهو أمر ذهب إليه عامة أهل العلم خلافاً لبعضهم كما نقل عن بكر بن عبد الله المزني ، وإن كان هذا أمر معروف لدى أئمة الإسلام، إلا أن أهل العلم قالوا: يكره طلب الخلع من المرأة مع استقامة حال الزوجين، واستدلوا على ذلك بما رواه ابن ماجه وغيره كما في حديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة )، وهذا الحديث أخرجه الخمسة إلا النسائي ، وبعض أهل العلم تكلم في إسناده، وإن كان الأقرب أن الحديث لا بأس به.

    وهذا الحديث ظاهر في التحريم وليس في الكراهة؛ لأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: ( فحرام عليها رائحة الجنة )، وهذا هو الأظهر والله تبارك وتعالى أعلم.

    مدى اشتراط استئذان المرأة زوجها في الخلع

    يستحب للزوج إذا كرهته المرأة أن يجيب على طلبها، وهذا بناء على أنه لم يقصر في ذلك، ومسألة استحباب قبول الزوج مبنية عند الحنابلة على أن الخلع لا بد فيه من إذن صاحبه، وهو الزوج.

    والقول الآخر في المسألة: إن الخلع حق للمرأة متى ما كرهت زوجها جاز لها ذلك من غير إذن الزوج؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما عند البخاري وغيره: ( عندما جاءت امرأة ثابت وقالت: يا رسول الله! والله ما أعيب على ثابت من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال صلى الله عليه وسلم: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم، قال: اقبل الحديقة وأمره أن يفارقها ) فقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أتردين حديقته؟ ) لم ينظر فيه إلى طلب وإلى رضا الزوج، وهذا القول أظهر، والله أعلم.

    وأما حديث: ( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة )، فالمشهور في كتب الفقهاء أنهم يقولون: رواه البخاري في صحيحه، وهذا الحديث رواه البخاري نعم في صحيحه، لكنه ذكره على سبيل التضعيف، حيث أنه روى بعد ذلك من طريق خالد بن معدان مرسلاً وقال: وهو أظهر، فقوله: ( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ) هذه رواية ضعيفة ضعفها البخاري في صحيحه.

    1.   

    شروط الخلع

    قال المؤلف رحمه الله: (وشروطه سبعة) هذه الشروط بناءً على رأي المؤلف، وإن كان في بعض الشروط خلاف كما سوف يأتي بيانه.

    الأول: أن يقع من زوج يصح طلاقه

    قال المؤلف رحمه الله: (الأول: أن يقع من زوج يصح طلاقه).

    فإذا وقع الخلع من زوج يصح طلاقه جاز؛ لأن الطلاق مجرد إسقاط من غير تحصيل عوض، فلا يجوز هذا الإسقاط مع تحصيل العوض للزوج من باب أولى، فالنكاح قيد أسقطه الطلاق، فهذا القيد أسقط من غير تحصيل عوض، فإذا كان الطلاق يصح من غير تحصيل عوض فلا يجوز هذا الإسقاط مع وجود الخلع من باب أولى؛ لأن الحنابلة كما سوف يأتي في المذهب عندهم أنه يصح طلاق الصبي المميز إذا كان يعقل الطلاق.

    وذهب الجمهور من الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن الطلاق لا يصح إلا من بالغ.

    ولهذا جاء في شرح هذه الكلمة من المنار قالوا: سواء كان مسلماً أو ذمياً وهذا صحيح، حراً أو عبداً وهذا صحيح، وهو موافق لقول الأئمة الأربعة وغيرهم، كبيراً كان أو صغيراً يعقل؛ ولهذا قالوا: ولأن الطلاق مجرد إسقاط من غير تحصيل عوض، فيجوز هذا الإسقاط مع وجود العوض من باب أولى.

    ولكننا نقول: هذا تعليل قوي، إلا أن هذا لا يلزم منه أن يكون الصبي المميز يصح خلعه؛ لأنه ربما لا يعلم، هذا بناءً على رأي الحنابلة: أن الخلع لا بد فيه من إذن الزوج.

    وعلى القول الراجح فإن الخلع حق للزوجة، يجوز أن تعتاض بما تصدق به عليها في المهر، ولا ينظر فيه إلى إذن الزوج، وعلى هذا فيصح خلع الصبي ولو قلنا إن طلاقه لا يصح، فعلى هذا ليس كل من صح طلاقه صح خلعه، أو ليس كل من صح خلعه صح طلاقه، وأصح العبارتين الثانية: ليس كل من صح خلعه صح طلاقه، وإن كان كل من صح طلاقه صح خلعه؛ لأن الطلاق إسقاط من غير تحصيل عوض بخلاف الثاني، والله أعلم.

    الثاني: أن يكون على عوض

    قال المؤلف رحمه الله: (الشرط الثاني: أن يكون على عوض).

    فإذا كان ثمة خلع من غير عوض فلا يصح؛ لقوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229]، فعلق الشارع عدم الإثم وعدم الحرج في حال وجود العوض، وهذا القول نسبه أبو العباس إجماعاً، وإن كان في المسألة خلاف، ولكن هذا هو الراجح -والله أعلم- أنه لا يصح خلع إلا بوجود عوض من قبل الزوجة أو طرفها، لا بد لوجود خلع من عوض من جهة الزوجة أو منها.

    هذا الخلع لا يلزم منه أن يكون معيناً؛ ولهذا قال المؤلف: (ولو مجهولاً) فلو قالت: خالعني بما معي من المال فقال: خالعتك، أو قالت: على ما بيدي فقال: خالعتك جاز، سواء كان ما بيدها كثيراً أم قليلاً، أو قال لها: خالعتك بما في حسابك لدى البنك الفلاني فقبلت، فإذا فيه عشرة ريالات صح الخلع، ولو قالت: خالعني بما لي من الوصية في وقفة من أوقافها التي لها جاز ذلك، لم؟ قال العلماء: لأن الخلع إبراء وإسقاط، والإبراء والإسقاط يجوز الاعتياض عنه لا على وجه المعاوضة، هذه فائدة مهمة.

    كثيرون يظنون أن مجرد وجود المال يسمى معاوضة والأمر ليس كذلك، فلا يلزم من وجود المال أن يسمى الشيء معاوضة، فجائز أن يكون الصلح عن عدم ليس عن معاوضة، والنكاح فيه مال ولكن ليس هو معاوضة، فالقاعدة أن الإبراء والإسقاط يصح الاعتياض عنه لا على وجه المعاوضة، مثل ذلك في الصور المعاصرة: إذا كان إنسان له رقم من شركة الاتصالات مثلاً جاز أن يعتاض عن هذا الرقم ويعطيه شخصاً آخر، لم؟ لأن هذا إبراء وإسقاط على حقه بمال لا على وجه المعاوضة، فلا يقال لنا: لا يجوز؛ لأنك لا تملك هذا الرقم، نحن نقول: لم أبعه على أنه ملك لي، ولكني بعته لأن لي حق الانتفاع، فأسقطت حقي بعوض، فنقول: الإبراء والإسقاط يجوز الاعتياض عنه لا على وجه المعاوضة.

    قول المؤلف: (أن يكون على عوض ولو مجهولاً ممن يصح تبرعه) لم قال المؤلف: (ممن يصح تبرعه؟) لأن العوض بذل مال، وبذل المال لا يصح إلا ممن يصح تبرعه، والذي يصح تبرعه هو المكلف غير المحجور عليه، فلو كانت المرأة تتعامل بالتجارة وحجر عليها وطلبت من الزوج أن يخالعها فقال: أخالعك في العمارة الفلانية فقبلت لا يصح خلعها؛ لأن المال الذي سوف تبذله محجور عليها؛ ولهذا قلنا: (ممن يصح تبرعه من أجنبي وزوجته)، فهذا يدل على ما ذكرناه في تعريف الحنابلة وهو: فراق الزوج من الزوجة أو من غيرها بألفاظ مخصوصة، فلا يلزم أن تدفع الزوجة العوض بل يصح من أجنبي.

    قول المؤلف: (لكن لو عضلها ظلماً لتختلع لم يصح).

    الظلم أنواع: أن يمنعها حقوقها حتى تفتدي فهذا ظلم، أو لا يعطيها حقها من المعاشرة ويجعلها كالمعلقة، فهذا ظلم، ويتركها حتى تفتدي من نفسها، تقول له: طلقني، فيقول: لا، أعطيني المهر، وهو ظالم لها لا يؤدي حقها، المؤلف يقول: لو عضلها لتختلع فخالعت لم يصح الخلع هذا ما ذهب المؤلف إليه؛ قالوا: لقوله تعالى: وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ [النساء:19]، والقاعدة عند الحنابلة أن النهي يقتضي الفساد، وهذا منهي وهو فاسد، وعلى هذا فعقد الخلع فاسد، فيقولون: إن كان هذا الخلع المحرم بلفظ الطلاق صار طلاقاً وجاز لها مطالبة الزوج بالعوض، وإن كان بغير لفظ الطلاق كلفظ الخلع لم يزل عقد النكاح باقياً، هذا في مذهب الحنابلة هو العضل من قبل الزوج حتى تفتدي المرأة بنفسها إن كان بلفظ الطلاق صح طلاقاً وحرم على الزوج أخذ العوض، وإن كان بغير لفظ الطلاق كلفظ: فاديتك أو أبرأتك أو خالعتك صار لاغ وعقد النكاح بحاله، فلا يجوز لها أن تتزوج زوجاً آخر.

    والقول الآخر في المسألة وهو قول لبعض الأصحاب قالوا: إذا كان الزوج قد عضل الزوجة حتى تفتدي من نفسها فيصح الخلع ويحرم أخذ العوض؛ لأنه يجوز للزوجة أن تطالب بالفسخ إذا منع الزوج الزوجة حقها فيثبت الخلع الذي هو الفسخ ويحرم أخذ العوض، وهذا القول أظهر، والله تبارك وتعالى أعلم.

    الثالث: أن يقع منجزاً

    قال المؤلف رحمه الله: (الثالث -أي: الشرط الثالث- أن يقع منجزاً).

    يعني: يقع الخلع منجزاً، ومعنى منجزاً أي: غير معلق، فلو قال الزوج: إن بذلت لي ألف ريال خالعتك وإلا فلا، هذا خلع أم ليس بخلع؟ قالوا: هذا خلع ولكنه معلق، وعلى هذا قالوا: لا يصح التعليق في الخلع؛ لأن مذهب الأئمة الأربعة أنه لا يصح التعليق في المعاوضات، والخلع فيه نوع معاوضة فلا يصح التعليق فيه، هذا دليل الحنابلة والجمهور.

    وإذا قلنا بصحة التعليق في المعاوضات إذا كان فيه منفعة للطرفين أو أحدهما ولم يتضمن محرماً جاز وهو اختيار أبو العباس بن تيمية وتلميذه ابن القيم قلنا: جاز التعليق في عوض الخلع.

    أعيد على عجل: مذهب الحنابلة وتبعهم على ذلك الجمهور قالوا: لا يصح أن يكون الخلع معلقاً بحيث يقول الزوج: إن بذلت لي ألف ريال أو مائة ألف ريال أو خمسين ألف ريال طلقتك، وإلا فلا طلاق بيننا، قالوا: هذا خلع لا يصح؛ لأنه لا يصح التعليق في عقود المعاوضات، فهكذا لا يصح التعليق في الخلع، وهذا مبني على أن عقود المعاوضات لا يصح التعليق فيها.

    والراجح والله تبارك وتعالى أعلم أن التعليق في عقود المعاوضات إذا كان فيه منفعة للطرفين أو أحدهما، ولم يتضمن ما حرمه الله ورسوله جاز، وهذا اختيار ابن تيمية و ابن القيم وإن كنت أقول: إنه لا بد من قيد إذا كان ثمة وقت وزمن يمكن أن يصار إليه، يعني يقول: إن بذلت لي الخلع لمدة سنة أو شهر أو ستة أشهر، فلا بد من التحديد حتى لا يكون العقد ضرراً، وعلى هذا فهذا الشرط الراجح خلافه.

    الرابع: أن يقع الخلع على جميع الزوجة

    قال المؤلف رحمه الله: (الرابع: أن يقع الخلع على جميع الزوجة).

    وهذا بناءً على القول الراجح يكون الرابع أم الثالث؟ يكون الثالث، يقول المؤلف: أن يقع على جميع الزوجة، فلو قال: خالعت يدك، أو رأسك أو رجلك، فإن الحنابلة يقولون: لا يصح؛ لأن الخلع فسخ، فلا يصح خلع جزء منها، ولو قيل بصحة خلع جزء لا ينفك عنها بالغالب إلا بموتها لجاز، مثل رأسك ونحو ذلك، وهذا القول ربما يكون أظهر.

    وإن كان قول: خالعت يدك أو غيرها، إذا قصد الخلع الشرعي جاز أيضاً ولو قال: خالعت يدك، وقصد بالخلع الخلع المعروف عند الفقهاء جاز أيضاً؛ لأن هذا هو المراد، والله أعلم، وعلى هذا فهذا الشرط أيضاً لا يصح في القول الراجح.

    الخامس: ألا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (الخامس: ألا يقع حيلة لإسقاط يمين الطلاق)، أي: فراراً من وقوع الطلاق المعلق.

    صورة المسألة: لو قال الرجل لزوجته: إن غربت الشمس فأنت طالق، فصلى الفجر ثم أتى إلى زوجته، وحصل بينهما شجار، فقال: إن غربت شمس هذا اليوم فأنت طالق، فذهبوا إلى فقيه صاحب حيل، فقال الزوج: أريدها، وقالت: أريده، فما الحيلة؟ قال: خالعها قبل غروب الشمس، فيقول: خالعتك بألف ريال، وتقول له: قبلت، وتعطيه ألف ريال فيقع الخلع، حتى إذا غربت شمس هذا اليوم وقع الطلاق على أجنبي، فخالعها بألف ريال، فدفعت له ألف ريال، والآن صارت منه أجنبية، ثم بعد وقوع هذا يراجعها أو يتزوجها، ومعلوم أن الخلع لا يحسب من عدد الطلاق.

    هذا هو الذي قال به أبو العباس بن تيمية : وإن كان كل منهما مريداً لصاحبه فهذا محدث في الإسلام؛ ولهذا قال أبو العباس بن تيمية : إن هذا الخلع لا يصح؛ لأن القصد من الخلع هو فكاك عقد النكاح وإسقاطه؛ لأن المرأة كارهة للزوج، وهذا الخلع الذي هو حيلة لإسقاط الطلاق مناقض لمقصود الخلع، فهو حيلة لإبقاء النكاح لا إلى إسقاطه، وكل ما كان مخالفاً لمقصود العقد فهو باطل هذا هو مذهب الحنابلة، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية .

    في الشرح قال المؤلف: واختار ابن القيم في إعلام الموقعين أنه يحرم ويصح، أي: يقع ولكنه يأثم، قال: ونصره من عشرة أوجه، الذي وجدته في إعلام الموقعين لـابن القيم رحمه الله أنه نصر قول شيخه، وأيده بالنصر، وقال رحمه الله: ولم يقع في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا زمن أصحابه قط خلع حيلة، ولا في زمن التابعين ولا تابعيهم، ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة، وجعله طريقاً للتخلص من الحنث، ثم قال: والله تعالى لا يشرع عقداً لا يقصد واحداً من المتعاقدين حقيقته، وإنما يقصدان به ضد ما شرعه الله له فإنه شرع الخلع لتخلص المرأة من الرجل، والمتحيل يفعله لبقاء النكاح، فالشارع شرعه لقطع النكاح والمتحيل يفعله لدوام النكاح، فهذا نص من ابن القيم على أن خلع الحيلة لا يصح لإبطال الطلاق.

    نعم ذكر ابن القيم رحمه الله في إعلام الموقعين، هذا الكلام في المجلد الثالث صفحة مائتين وثمانية عشرة، وقال رحمه الله في صفحة ثلاثمائة وخمسة وتسعين: حيلة بالجواز نقل عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة ولها صور جوزها، لكنه ليس فيه إلا يمين الطلاق، يقول: إن لم تخالعيني فأنت طالق، وقالت هي: إن لم أخالعك فملكي ليس لي بل هو حرام، أو كلمة نحوها، فذهب الزوج إلى أبي حنيفة فقال أبو حنيفة : احضر زوجتك فحضرا جميعاً، فقال أبو حنيفة : قولي: خالعتك بمائة ألف، فقالت: خالعتك بمائة ألف، قال: قل لا أقبل، فقال الرجل: لا أقبل، قال: قم، الزوجة زوجتك، وأنتما في عقدكما.

    هو قال: إن لم تخالعيني أليس كذلك؟ ولو قال: إن لم أخالعك فأنت طالق هذا شيء آخر، فقال: إن لم تخالعيني، قالت: خالعتك، فرفض الزوج، فوجد منها الخلع، ولكنه لم يقبل وانتهى هذا اليمين، هذا صحيح، لكنه ليس بمثل صورتنا نحن ألا يقع حيلة بإسقاط يمين الطلاق، وهو فرار من الطلاق المعلق على مستقبل كما ذكره أبو العباس بن تيمية .

    السادس: ألا يقع بلفظ الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (السادس: ألا يقع بلفظ الطلاق بل بصيغته الموضوعة له).

    وهذا بناءً على أن الخلع لو كان بلفظ الطلاق صار طلاقاً، والراجح والله أعلم، وهو مذهب أحمد وقدماء أصحابه، وهو المنقول عن ابن عباس وأصحابه، وهو اختيار أبي العباس بن تيمية وتلميذه ابن القيم أن الخلع يصح ما دام فيه عوض بأي لفظ كان سواء كان بلفظ الطلاق أم كان بغير لفظ الطلاق، ولا يحسب به عدد الطلاق، خلافاً للحنابلة.

    السابع: ألا ينوي به الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (السابع: ألا ينوي به الطلاق).

    وعلى هذا فلو كان بلفظ الطلاق أو نيته صار طلاقاً رجعياً أو بائناً على حسب ما يكون هذا الخلع الذي هو بلفظ الطلاق هو رقم ثلاثة من الطلاق أم كان هو الأول أو الثاني فيكون رجعياً، وعلى القول الراجح أن الخلع ولو كان بلفظ الطلاق ما دام العوض موجوداً صار خلعاً وافتداءً، وعلى هذا فالشرط السابع والشرط السادس والشرط الثالث والشرط الرابع الراجح خلافه، فعلى هذا الشروط الصحيحة ثلاثة: الشرط الأول: أن يقع من زوج يصح طلاقه، والثاني: أن يكون على عوض ولو مجهولاً، والثالث: ألا يقع حيلة لإسقاط الطلاق.

    1.   

    توفر الشروط في الخلع بين الطلاق وعدمه

    قال المؤلف رحمه الله: (فمتى توفرت الشروط كان فسخاً بائناً لا ينقص به عدد الطلاق).

    مراد المؤلف هنا أن الخلع ولو كان بعوض ما دام بلفظ الطلاق فإنه ينقص به عدد الطلاق، وإن كان الخلع بغير لفظ الطلاق أو نيته فإنه لا ينقص به عدد الطلاق، وهذا بناءً على قول المؤلف حينما استدل على قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اقبل الحديقة وطلقها تطليقة ) وقلنا: إن القول الراجح أن هذه الرواية ضعيفة، وأن الصواب في هذه الرواية أنها مرسلة، والصواب فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يفارقها، والمفارقة غير الطلاق.

    واستدل العلماء على ذلك -يعني: ابن تيمية ومن تبعه على ذلك- بما ثبت بإسناد صحيح عن ابن عباس رضي الله عنه في تفسيره للآية: فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ [البقرة:229] قال: ذكر الباري تطليقتين، ثم افتداء ثم تطليقة، فلو كان الخلع طلاقاً لكان عدد الطلاق أربعاً؛ ولكنه ذكر الافتداء بين تطليقتين وتطليقة، فلو كان الخلع طلاقاً لكان أربعاً، وهذا الراجح والله تبارك وتعالى أعلم أن الخلع فسخ ما دام أن فيه عوضاً.

    1.   

    صيغ الخلع

    قال المؤلف رحمه الله: (وصيغته) هنا شرع المؤلف في الصيغة، فقال: (وصيغته الصحيحة لا تحتاج إلى نية -كأن يقول:- خلعت وفسخت وناديت) القاعدة الفقهية: الصريح لا يحتاج معه شيء، وقد قال صلى الله عليه وسلم -وإن كان في الحديث ضعف ففيه الحبلي - عن أبي هريرة : ( ثلاث جدهن جد وهزلهن جد: الطلاق والرجعة والنكاح )، وهذا الحديث ضعيف كما سوف يأتي.

    قال المؤلف: (والكناية: باريتك وأبرأتك وأبنتك) وقلنا: إن هذا بناءً على مذهب الحنابلة والراجح خلاف ذلك.

    قال المؤلف: (فمع سؤال الخلع وبذل العوض يصح بلا نية) فلو قال: أخالعك، أو قالت الزوجة: خالعني بألف ريال، أو خالعني بهذا الألف فقبل، فلا يلزم منه وجود نية؛ لأن هذا في حكم الصريح، والله أعلم.

    القاعدة الفقهية عند الحنابلة: أن قرينة الحال مع الكناية كالصريح، والصريح لا يلزم منه نية، ويدين بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

    قول المؤلف: (وإلا) يعني: وإن كان الخلع من غير سؤال الزوجة ولا بذل عوض (فلا بد منها) يعني: لا بد من وجود النية، فالكناية من غير سؤال الزوجة ومن غير بذل العوض يلزم منه النية، فلو قال الزوج لزوجته: أبرأتك، فقالت: خذ الألف، قال: لا، أنا ما قصدت الخلع، إنما قصدت شيئاً آخر، أبرأتك من مستلزمات أخرى فننظر إلى يمينه، وإلى نيته، هل نيتك الخلع أم لا؟ من غير سؤال الزوجة، هذا هو مراد الحنابلة.

    قول المؤلف: (ويصح بكل لغة من أهلها كالطلاق) معنى العبارة أي: ويصح الخلع بكل لغة تدل على الفسخ والافتداء عند أهل هذه اللغة، فلو كان في لغة غير اللغة العربية أن هذه الكلمة يقصد بها الفسخ، فقالتها الزوجة وسألتها زوجها فقبلها الزوج صار خلعاً؛ ولهذا قال: ويصح بكل لغة من أهلها، يعني: من أهل هذه اللغة التي تدل على الخلع أو الفسخ أو الافتداء كالطلاق، فإذا صح الطلاق بأي لفظ فهم المراد منه بلغة القول فكذلك يصح الخلع؛ لأن لفظ الطلاق ولفظ الخلع لا يقصد به التعبد كألفاظ الصلاة التكبير وغير ذلك.

    1.   

    الطلاق وأحكامه

    قال المؤلف رحمه الله: [كتاب الطلاق.

    يباح لسوء عشرة الزوجة ويسن إن تركت الصلاة ونحوها، ويكره من غير حاجة، ويحرم في الحيض ونحوه، ويجب على المؤلي بعد التربص قيل: وعلى من يعلم بفجور زوجته، ويقع طلاق المميز إن عقل الطلاق، وطلاق السكران بمائع، ولا يقع ممن نام أو زال عقله بجنون أو إغماء، ولا ممن أكرهه قادر ظلماً بعقوبة أو تهديد له أو لولده.

    فصل: ومن صح طلاقه صح أن يوكل غيره فيه، وأن يتوكل عن غيره، وللوكيل أن يطلق متى شاء مالم يحد له حداً، ويملك طلقة مالم يجعل له أكثر، وإن قال لها: طلقي نفسك كان لها ذلك متى شاءت، وتملك الثلاث إن قال: طلاقك أو أمرك بيدك، أو وكلتك في طلاقك، ويبطل التوكيل بالرجوع وبالوطء].

    المراد بالطلاق

    قول المؤلف رحمه الله: (كتاب الطلاق).

    الطلاق في اللغة: هو التخلية والإرسال والترك، يقال: طلقت الناقة، وطلقت الزوجة، والأفصح ضم اللام تقول: طلقت الزوجة، هذا هو الأفصح كما ذكر ذلك الزمخشري في صرح الفصيح.

    وفي الاصطلاح: فراق الزوجة بحل قيد النكاح أو بعضه بلفظ مخصوص.

    حكم الطلاق

    المؤلف رحمه الله في كتاب الطلاق شرع في بيان حكم الطلاق، والطلاق تأتي عليه أحكام التكليف الخمسة من إباحة وسنية وكراهة وتحريم ووجوب، بدأ المؤلف رحمه الله في هذه الأحكام.

    الأول الإباحة فقال: (يباح -يعني: يباح الطلاق- لسوء عشرة الزوجة) كسوء خلقها، أو لتضرره ببقائها عنده ينفق عليها ولا تحسن معاشرته أو عشرته، ولا يؤدي بقاء النكاح الغرض منه، فيباح للزوج أن يطلق.

    والدليل قالوا: لأن بقاء الزوجة مع عدم إعطاء حق الزوج لها رضا منه بذلك، ويجوز أن يطلق؛ لأن الطلاق حقه؛ لقوله صلى الله عليه وسلم كما في حديث ابن عباس : ( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق )، فهو أسقط حقه وإسقاط الحقوق مباح.

    الثاني: يقول المؤلف: (ويسن إن تركت الصلاة ونحوها).

    وهذا إن عجز عن إجبارها ونصحها، أو كانت ليست بذاك من الدين والعفة بأن تكون متساهلة في الحجاب، بأن تكون متبرجة لا تبالي بذلك، فالمؤلف يقول: يسن إذا كانت غير عفيفة، والأقرب والله أعلم أن المرأة إذا كانت غير عفيفة، أو تكون متبرجة سافرة بعد نصحها ولم تجبه إلى ذلك أنه يجب عليه طلاقها، وهذا اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله حتى لا يوصف بالدياثة، ولربما أفسدت عليه فراشه كما يقول الفقهاء.

    ومن صور السنية: أن تكون الزوجة لا تعين الزوج على طاعة الله، ولا على مكارم الخلق، كما قال إبراهيم عليه السلام لزوجة إسماعيل: إن جاء إسماعيل فسلمي عليه وقولي له: غير عتبة بابك، وإن صبر الرجل جاز البقاء.

    الثالث يقول المؤلف: (ويكره من غير حاجة).

    يعني: أن الطلاق يكره مع حال استقامة الزوجين، وهذا عند جمهور الفقهاء خلافاً لـأبي حنيفة فإنه قال: الطلاق في حال استقامة الزوجين محرم كما نقل ذلك ابن هبيرة ، واستدل الأحناف بقوله صلى الله عليه وسلم: ( أيما امرأة سألت زوجها الطلاق في غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة ).

    وهناك قول ثالث وهو وسط: وهو أن يقال: في حال استقامة الزوجين يكره من جانب الزوج ويحرم سؤال المرأة، ولعل هذا القول أظهر، والله أعلم.

    الرابع يقول المؤلف: (ويحرم -أي: الطلاق- في الحيض ونحوه).

    يعني: أن الطلاق في غير وقت الطلاق يحرم، وله صور:

    الصورة الثانية: أن يطلق في الحيض، وهذا أمر مجمع عليه بلا نزاع، أن الطلاق في الحيض محرم.

    الصورة الثانية: أن يطلق ثلاثاً في مجلس واحد، وهذا محرم عند الحنفية والحنابلة -كما سوف يأتي- خلافاً للشافعية و ابن حزم .

    الصورة الثالثة: أن يطلق في طهر جامعها فيه فهذا محرم، هذه ثلاث صور في الطلاق المحرم.

    الخامس: يقول المؤلف: (ويجب).

    يعني: يمكن أن يكون الطلاق واجباً، (ويجب على المؤلي بعد التربص)، الرجل إذا قال لزوجته: والله! لا أقربك وأطلق، أو قال: والله! لا أقربك أكثر من أربعة أشهر، فإنه إذا مضت الأربعة أشهر وتربص الزوج أربعة أشهر أمره الحاكم أن يراجع أو يطلق، فإن أبى طلق الحاكم عن الزوج، ويمضي هذا الطلاق، وهنا نقول للزوج: يجب بعد التربص، والأقرب والله أعلم أنه لا يجب بعد التربص؛ لأننا لا نقول للرجل بعد التربص أربعة أشهر: يجب عليك أن تطلق، لكن نخيره فنقول: طلق أو راجع، ولو قال المؤلف: ويجب على المؤلي بعد التربص وعدم الرجوع لكان أصح؛ لأنه ضرر على المرأة ويجب عليه أن يطلق، ومن صور الوجوب: أن تكون المرأة غير عفيفة فيجب، كما قال أبو العباس بن تيمية رحمه الله.

    طلاق المميز

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقع طلاق المميز إن عقل الطلاق).

    هذا هو الصحيح من المذهب أن طلاق المميز إذا كان يعقل النكاح ويعقل الطلاق يصح، واستدلوا بما رواه ابن ماجه و الدارقطني عن ابن عباس رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الطلاق لمن أخذ بالساق )، وهذا الحديث تكلم في إسناده، وله طرق يدل على أن له أصلاً، وهو أن الطلاق بيد الزوج، ولكنه لا يفيد غرض المؤلف في الاستدلال، فلا يلزم من أن يكون الطلاق بيد الزوج أن يقع من الزوج سواء كان مميزاً أو غير مميز.

    والراجح -والله أعلم- هو مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية أن الطلاق لا يصح إلا من بالغ؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاثة -وذكر- الصبي حتى يبلغ )؛ لأن الصبي ضعيف الرأي وباديه، ولا يتصور غور الأشياء إلا كامل العقل، وهو منوط بما يغلب تحققه فيه وهو البلوغ، فالذي يتصور الأشياء على حقيقتها ويدرك غور الأشياء هو كامل العقل، وهو منوط أي: كمال العقل بما يغلب تحققه فيه وهو البالغ، فالبالغ هو الذي يغلب تحققه في كمال العقل في الجملة؛ ولهذا قلنا: إنه لا يصح طلاق الصبي المميز، فلربما تكون زوجة ذات حسب ونسب وكرم وحسن عشرة لهذا الصبي، ولكن أحداً أغراه بمال على أن يطلقها فطلقها؛ ولهذا نقول: إن الأقرب -والله أعلم- أن طلاق المميز لا يصح.

    طلاق السكران

    قال المؤلف رحمه الله: (وطلاق السكران بمائع).

    مذهب الحنابلة ومن تبعهم كالشافعية والمالكية أن طلاق السكران يقع؛ قالوا: لأن السكران تناول المسكر بمحض إرادته واختياره، وهو مدرك أن هذا السكر يؤدي إلى زوال العقل، ويترتب على هذا الزوال بعض التصرفات منها الطلاق قالوا: لذا فما ترتب على المأذون فإنه يقع كأنه راض بوقوع الطلاق، ألم يشرب السكر باختياره؟ قالوا: نعم، ألم يعلم بأن السكر سوف يؤدي إلى هذيانه وهو لا يشعر؟ قالوا: نعم، إذاً هو راض بذلك، هذا هو مذهب الجمهور، أعني به جمهور الفقهاء.

    واستدلوا بقصة خالد بن الوليد رحمه الله ورضي عنه أن الناس تحاقروا عقوبة الخمر، فقال عمر لرسوله خالد بن الوليد : عندك هؤلاء فسلهم، فقال علي رضي الله عنه: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون، قالوا: فجعلوا كلام السكران مقام الصاحي، وهذا الحديث في سنده ضعف، منصور بن المعتمر يرسله إلى علي بن أبي طالب و منصور لم يسمع من علي .

    والأقرب والله أعلم هو القول الثاني، وهو أن طلاق السكران لا يقع، وهذا هو المشهور وهو الذي رجع إليه الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول عثمان بن عفان و ابن عباس رضي الله عنهما كما روى ذلك البخاري عنهما في صحيحه معلقاً بصيغة الجزم، ولا يعرف عن غيرهما خلاف من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، ولهم أدلة منها:

    الدليل الأول: قال عثمان رضي الله عنه: ليس لمجنون ولا لسكران طلاق، وقال ابن عباس رضي الله عنه: طلاق السكران والمستكره ليس بجائز، وهذان الأثران أخرجهما ابن أبي شيبة في مصنفه، و البخاري معلقاً بصيغة الجزم.

    الدليل الثاني: ولأن السكران غير مكلف، ولا يعلم ما يقول؛ لقوله تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]، فجعل الشارع السكر لا يعلم ما يقول، ومن لا يعلم ما يقول فليس بمكلف.

    الدليل الثالث: أننا نقول -وهو قوي-: إنكم يا أصحاب القول الأول- إنما أوقعتم طلاق السكران عقوبة له، فنقول: هذا محل نظر وذلك لأمور:

    الأول: لأن عقوبة السكران مقدرة شرعاً، ولا يجوز إيقاع العقوبة إلا بدليل شرعي.

    الثاني: أن الأصل في العقوبة أنها لا تناط إلا بصاحب الجرم، وأنتم لو أوقعتم طلاق السكران لأمضيتم العقوبة على السكران وعلى زوجته وعلى أولاده؛ ولذا لا يجوز إمضاء طلاق السكران بما يعود بالعقوبة على غير السكران؛ ولهذا قال الإمام أحمد رحمه الله: كنت أقول بطلاق السكران حتى تبينتم، وقال في رواية أبي طالب : إني إن لم أمض طلاق السكران وقعت في محذور ما وهو تحليلها لزوجها على فرض أنها طالق، ولو أمضيت طلاق السكران لوقعت في محذورين هما: حرمتها على زوجتها وأحللتها لزوج آخر.

    والقاعدة -هذه مهمة لطالب العلم يا إخوان- أنه لا يلزم، وقد ذكر ابن القيم في شفاء العليل أنه لا يلزم الفقيه عند اختياره أحد الأقوال أن يرد على كل شبهة، فأحياناً يعتريك أدلة لأصحاب القول الأول، وأدلة لأصحاب القول الثاني، فتجد بعد تأمل وتروٍ أن أدلة القول الأول مثلاً أقوى من أدلة القول الثاني، وإن كان في أدلة القول الثاني قوة، فلا يلزم أن تردها.

    والواقع المأساوي حقيقة أن كثيراً من طلاب العلم خاصة في بعض الرسائل الجامعية إذا أراد أن يختار أحد الأقوال يجد أن في أصحاب القول الثاني أدلة من الكتاب أو السنة، فتجده مع الأسف يتكلف الرد على هذه الأدلة ولو كان هو غير ظاهر الكتاب والسنة، يقول أبو العباس بن تيمية وهذه لفتة منه رحمه الله: وينبغي أن يحمل كلام الله وكلام رسوله على ما أراده الله وأراده رسوله لا على ما أراده المجتهد في نفس الأمر، ولا يسوغ ولا ينبغي أن يتأول كلام الله على ما أراده، وهذا يكثر في المناظرات، وهذه عبارة أبي العباس بن تيمية أو كلمة نحوها.

    فعلى هذا لا يلزم أن ترد؛ ولهذا تجدون أحمد رحمه الله، أو الشافعي في مناظراته تجده أحياناً يسكت، ثم يقول له: والراجح ماذا تذهب؟ يقول: أذهب إلى كذا، يقول: أليس في هذا حديث فيسكت، الله أعلم، لكن لا يلزم أن ترد على هذا إلا عن علم؛ لأن بعض الناس إذا جاءه حديث يقول: يحتمل كذا، ويحتمل كذا، ويحتمل كذا، والقاعدة أن الاستدلال إذا تطرق إليه الاحتمال بطل به الاستدلال، مع العلم أن هذا الاحتمالات عقلية بعيدة عن ظاهر وواقع الأمر.

    إذاً هذا هو القول الراجح، والله تبارك وتعالى أعلم.

    طلاق النائم ومن زال عقله والمكره

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يقع ممن نام أو زال عقله بجنون أو إغماء).

    هذا هو الراجح؛ لقول عثمان رضي الله عنه: ( لا طلاق لمجنون ولا لسكران )، ولقوله صلى الله عليه وسلم: ( رفع القلم عن ثلاثة ). ومثله طلاق الموسوس فإن بعض الموسوسين أشد من النائم، وهذا هو مذهب ابن القيم رحمه الله أن طلاق الموسوس لا يقع.

    (ولا ممن أكرهه قادر ظلماً بعقوبة أو تهديداً له أو لولده)، فالمكره لا يقع طلاقه إذا كان مكرهه قادراً على تنفيذ ما هدده به، ويفهم من ذلك أن طلاق المكره بحق يصح مثل الحاكم في المولي إذا أبى الرجعة.

    نقف عند هذا والله تبارك وتعالى أعلم وصلى الله وسلم على نبينا محمد.

    1.   

    الأسئلة

    حصر تحريم الطلاق بما ذكره المؤلف

    السؤال: أحسن الله إليكم وبارك في علمكم هل صورة تحريم الطلاق محصورة في هذا الكلام؟

    الجواب: هذا الذي يذكره العلماء رحمهم الله، وإن كان أصل الطلاق ليس بمحرم، بل هو جائز، وأما حديث: ( أبغض الحلال إلى الله الطلاق ) فهذا الحديث ضعيف يرويه محارب بن ديثار عن ابن عمر ولا يصح، والصواب أن الحديث مرسل، والله تبارك وتعالى أعلم.

    المرأة غير العفيفة بين وجوب طلاقها وإبقائها

    السؤال: أحسن الله إليكم! ذكرتم وجوب طلاق المرأة إذا كانت غير عفيفة أو متبرجة، ثم قلتم: فإن صبر جاز البقاء، كيف يجب عليه الطلاق، ويجوز له البقاء؟

    الجواب: إذا كانت المرأة غير عفيفة بعد نصح الزوج لها، فإن أبا العباس يرى الوجوب، وقلت أنا: إذا كانت المرأة ليست هي عفيفة، لكنها تتساهل في التبرج، فإذا كان عنده منها أولاد واستطاع أن يمنعها من الخروج فإن شاء الله لا أن أقول: يجب، القضية في الوجوب إذا خشي فساد فراشه، والله أعلم.

    معنى الرجعة في حديث: (ثلاث جدهن جد...)

    السؤال: أحسن الله إليكم! ما معنى الرجعة في حديث: ( ثلاث جدهن جد ... ) إلى آخره؟

    الجواب: إذا قال لها: راجعتك بعد طلاقها، فإنه يصح الرجعة، ولا يقول: أنا كنت أمزح، أو لم أقصد الرجعة التي هي عود المرأة إليه وغير ذلك؛ لأن أحياناً في الرجعة وجوب النفقة، فأحياناً تطالبه فيقول: لا، أنا طلقتها، تقول: لا، أنت راجعتني وأشهدت على رجعتي، قال: نعم، أنا راجعتها لكن لست أقصد بالرجعة التي هي عودة المرأة إليّ إنما راجعتك بكلمة، ثم يأتي بتأويلات، فهذا عند العلماء لا يقبل منه، والله أعلم.

    وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2986382431

    عدد مرات الحفظ

    715559934