إسلام ويب

كتاب منهج السالكين - كتاب البيوع [2]للشيخ : عبد الله بن ناصر السلمي

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينبغي للمسلم أن تكون تعاملاته مضبوطة بضابط الشرع الحنيف، فيجتنب الربا في بيعه وشرائه؛ لأن الربا معناه إعلان العبد محاربته لمولاه، ولا يلجأ إلى التحايل على الربا الصريح ببعض الصور التي ظاهرها أنها ليست من الربا، لكنها في الحقيقة تؤدي إلى ما يؤديه الربا، كل ذلك حرام والله سبحانه لا تخفى عليه خافية.

    1.   

    تابع شروط البيع

    بسم الله الرحمن الرحيم.

    والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن شروط البيع أيضاً: ألا يكون فيه ربا، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم، إذا كان يداً بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى ) رواه مسلم.

    فلا يباع مكيل بمكيل من جنسه إلا بهذين الشرطين، ولا موزون بجنسه إلا كذلك، وإن بيع مكيل بمكيل من غير جنسه أو موزون بموزون من غير جنسه جاز بشرط التقابض قبل التفرق، وإن بيع مكيل بموزون أو عكسه جاز ولو كان القبض بعد التفرق، والجهل بالتماثل كالعلم بالتفاضل].

    الشرط الرابع: ألا يكون البيع فيه ربا

    هذا الشرط ذكره المؤلف: وهو (ألا يكون البيع فيه ربا)، وبعضهم يقول: إن هذا داخل في القدرة على التسليم؛ لأن القدرة على التسليم إما أن تكون حساً كما مر، وإما أن تكون شرعاً فلا يجوز أن يسلمه وهو عقد فيه ربا، وبعضهم يذكر هذا الشرط ألا يكون فيه ربا، والربا هو الزيادة في الثمن من غير عوض.

    فإذا بعتك مائة ريال بتسعين ريالاً، صار كل ريال بريال، وصار فيه زيادة عشرة ريالات، هذه العشرة زيدت من غير عوض فصارت رباً، فالزيادة من غير عوض أو الأجل في المتماثلين يسمى ربا.

    ومن ذلك أن أقول لك: بعني مائة ريال وبعد سنة أعطيك إياها مائة ريال، فهذا محرم؛ لأنه بلفظ المعاوضة فصارت بيع نسيئة. ‏

    الضابط في علة الربويات وتطبيقاتها

    ذكر المؤلف حديث عبادة بن الصامت وهو أساس الأحاديث في باب الربا.

    من المعلوم أن الذهب والفضة لهما علة غير علة البر والتمر والشعير والملح، فعلة هذه الأربعة شيء، وعلة الذهب والفضة شيء آخر.

    وقد اختلف العلماء في علتيهما، والذي يظهر والله أعلم أن علة الذهب والفضة هي مطلق الثمنية، وعلى هذا فيدخل الدولار والريال والجنيه والين والإيوان وغير ذلك من العملات المتبايع بها؛ لأن العلة فيها هي نفس العلة في الذهب والفضة.

    والعلة في البر والشعير والتمر هي الطعم مع الكيل أو الوزن، وعلى هذا فإذا باع ذهباً بذهب اجتمع فيهما أمران: الجنس، فجنس الذهب هو نفسه في الذهب والعلة؛ لأن علتهما الثمنية، فإذا وجد العلة والجنس حرمت الزيادة التي نسميها الفاضل، وحرم النسأ.

    وبعبارة أخرى نقول: وجب التماثل ووجب التقابض؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( الذهب بالذهب مثلاً بمثل ).

    وإذا اختلف الجنس مع وجود العلة مثل ذهب بفضة، ذهب بريالات، ذهب بدولارات، دولار بريال؛ لأن الدولار جنس والريال السعودي جنس، والريال اليمني جنس، والريال البرازيلي جنس، والدرهم جنس وغير ذلك من العملات؛ لأن كل دولة لها قوتها الاقتصادية، فهنا إذا اتفقت العلة واختلف الجنس جاز الزيادة التي هي التفاضل، وحرم النسأ ووجب التقابض.

    وعلى هذا فلو اشتريت مائة دولار بمائة ريال سعودي، مع أن الدولار الآن يساوي ثلاثة ريالات وخمسة وسبعين أو ستة وسبعين هللة، فإن ذلك يجوز بشرط التقابض، ولا نقول: بشرطين؛ لأنه الآن انتهى شرط التفاضل، وعلى هذا فالذين يقولون: أعطنا مائة ريال أو ألف ريال سعودي ونحولها في اليمن أو في تشاد أو في أثيوبيا، وليست هذه الشركة معتبرة بحيث يكون قيدها في حساباتها قيداً مصرفياً، بل هي مجرد تعاملات بين الناس، فهذا لا يجوز؛ لأنه ربا، أما إذا كان هناك شركة تقيد في حساباتها وفي نظامها المصرفي فهذا يعتبر في حكم القبض؛ لأنه قيد مصرفي.

    وقل مثل ذلك في البر والشعير والتمر ومثله الأرز؛ لأن العلة فيه الطعم مع الكيل أو الوزن، فعلى هذا لو بعتك كيس أرز أبو كأس بعشرة صناديق برتقال أفريقي، وصندوق البرتقال الأفريقي بستين ريالاً فإذا ضربا في عشرة صار ستمائة، والكيس الأرز بثلاثمائة أو مائتين وستين، فالراجح أن ذلك يجوز؛ لأن البرتقال هو طعم لكنه ليس كيلاً أو وزناً، بل يعد، لذا فلا بأس ببيعه؛ لأنهما لم يتفقا في الجنس ولم يتفقا في العلة.

    فإذا قيل: إن البرتقال يوزن، قلنا: الوزن عندنا الآن، لكن في السابق لا، والعبرة بكيل أو وزن ما كان عليه محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه، أما الآن فلا؛ لأن هناك أموراً كثيرة توزن وليست من الموزونات، فالخروف يوزن، والأرز يوزن مع أنه يكال.

    بيع مكيل بمكيل من جنسه

    يقول المؤلف: (فلا يباع مكيل بمكيل من جنسه)، إلا بهذين الشرطين وهما:

    التقابض والتماثل، (ولا موزون بجنسه إلا كذلك) واعلم أنه لا يجوز بيع كيلو أرز بصاع أرز، ولا كيلو تمر بصاع تمر؛ لأن كل ما يكال لا يجوز بيعه بمثله موزوناً، وكل ما يوزن لا يجوز بيع بمثله مكيلاً؛ لأن ثمة اختلافاً بينهما، والجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، فإذا جهلنا التساوي كأننا علمنا التفاضل، وإذا علمنا التفاضل فإنه لا يجوز؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد ).

    بيع مكيل أو موزون بمكيل أو موزون من غير جنسه

    يقول المؤلف: (وإن بيع مكيل بمكيل من غير جنسه، أو موزون بموزون من غير جنسه، جاز بشرط التقابض قبل التفرق)، مثاله: شخص عنده قمح قد اشتد حتى اصفر، فجاءه شخص، وقال: بعني هذا القمح، قال: بكم؟ قال: بتريلة أرز سوف تأتي بعد يومين وهي في الميناء، فهذا لا يجوز لعدم التقابض.

    شخص يقول: اشتريت منك مائة صاع تمر سكري، بمائة صاع تمر خضري، فهنا القيمة تختلف؛ لأن التمر الخضري أقل من التمر السكري، لكنه يجوز؛ لأن الصفة لا أثر لها في النوع.

    ولتوضيح المثال نقول: عندي صاعين تمر رديء، يساوي مائة ريال، وعندي صاع تمر من هذا السنة يساوي مائة ريال، فهنا لا تجوز المبادلة به.

    إذاً: الصفة لا أثر لها في النوع، فلا يجوز بيع مائة صاع بخمسين صاعاً، أو صاعين بصاع، ولو كانت القيمة واحدة.

    بيع مكيل بموزون أو عكسه

    قوله: (وإن بيع مكيل بموزون أو عكسه جاز)، ومن أمثلة الموزون على مذهب الحنابلة الحديد؛ لأن الحنابلة يرون أن الحديد يجري فيه الربا، والصحيح: أن الموزون إن كان مطعوماً فلا يجوز بيعه بمكيل، فلا يجوز مثلاً بيع تمر بزيت زيتون؛ لأن العلة اتفقت فيهما، فالعلة الطعم مع الكيل أو الوزن ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا مثلما شئتم إذا كان يداً بيد ).

    ولو بعتك سيارة قيمتها مائة ألف بمائة كيس أرز بعد سنة فهذا يجوز؛ لأن السيارة لا يجري فيها الربا؛ لأنها ليست مطعومة وليست ثمنية، والله أعلم.

    بيع المزابنة

    قال رحمه الله تعالى: [ كما ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنه وهو شراء التمر بالتمر في رءوس النخل )، متفق عليه.

    و(رخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق للمحتاج للرطب، ولا ثمن عنده يشترى به بخرصها)، رواه مسلم ].

    يقول المؤلف: ( كما ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع المزابنة )، وبيع المزابنة: هو أن يكون عند شخص تمر أو رطب في رءوس النخل، وعند آخر طن من التمر فلا يجوز بيع التمر الموجود بالتمر الذي على رءوس النخل؛ لأن هذا مزابنة، فنحن لا نعلم مقدار ما في رءوس النخل؛ ولأن علة الربا فيهما واحدة، والجنس واحد فيحرم التفاضل، وإذا كنا لا نعلم أيساويه أم لا يساويه؟ فنقول: إن الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل، ولم يرخص ذلك إلا في أهل العرايا، وسمي أهل العرايا؛ لأن النخل تعرى عن غيرها، وقيل: لأن أهل العرايا يعرون هذه النخل في الحكم في جواز البيع وإلا فإن الأصل أنه لا يجوز بيع ما في رءوس النخل ألبتة بتمر مثله، فيعرى بعض النخل -وهو خمسة أوسق أو ما دون خمسة أوسق- عن هذا الحكم.

    وصورتها أن يكون أناس عندهم تمر من هذه السنة أو من السنة الماضية ضميد الذي نسميه مكنوز، وليس عندهم مال يشترون به رطباً هذه السنة، وهم يحتاجون إلى أكل الرطب، فجوز النبي صلى الله عليه وسلم هذا الأمر مع أن فيه أحياناً نوع من الزيادة الربوية.

    والمتأمل في هذه المسألة يعلم أن الشارع يتساهل فيما تتعلق به أنفس الناس بشرط أن يتحقق من التماثل بقدر الإمكان، فيقال: كم عندك من التمر الآن؟ قال: عندي خمسة أوسق أو عندي عشرة أوسق. قلنا: لا يجوز بيعه كاملاً، فقط خمسة أوسق، وبعضهم يقول: دون خمسة أوسق، والصحيح: أنه يجوز خمسة أوسق؛ لأنها وردت روايتان: خمسة أوسق ( وفيما دون خمسة أوسق ) لذا فيجوز خمسة أوسق، خلافاً لمن قال: الاحتياط دون خمسة أوسق.

    فمثلاً يقال: هذه خمسة أوسق، فيأتي الخراص الذي يخرص التمر يقول: عندي الآن نخل كثير، نقول له: تعال يا خراص! هذا التمر الرطب الذي في رءوس النخل إذا يبس كم تقدره؟ فيقول: هذه النخلة وهذه النخلة وهذه النخلة وهذه النخلة تقدر بخمسة أوسق، فيجز فيوضع خمسة أوسق.

    ومن المعلوم أن الرطب كيله غير التمر اليابس، كما قال صلى الله عليه وسلم: ( أينقص الرطب إذا جف؟ )، فالرطب فيه ماء ولذا إذا يبس قل، وإذا كانت التمرة كبيرة فبمجرد زوال الماء عنها تذبل، وإذا جعلته في الصاع يمكن تقدر بمائة تمرة، وإذا كان يابساً كانت مائة وعشرين تمرة تقريباً.

    إذاً جوز لأهل العرايا، وهم الفقراء الذي ليس عندهم مال يشترون فيه، وهم يشتهون الرطب، فجوز النبي صلى الله عليه وسلم لهم فيما دون خمسة أسق أو في خمسة أوسق، على الخلاف، والراجح جواز خمسة أوسق، والله أعلم.

    الشرط الخامس: ألا يقع العقد على محرم شرعاً

    ثم ذكر المؤلف الشرط الخامس فقال: [ومن الشروط: ألا يقع العقد على محرم شرعاً، إما لعينه كما ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الخمر والميتة والأصنام )، متفق عليه.

    وإما لما يترتب عليه من قطيعة المسلم، كما (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع على بيع المسلم، والشراء على شراء المسلم والنجش)، متفق عليه.

    ومن ذلك: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفريق بين ذوي الرحم في الرقيق.

    ومن ذلك: إذا كان المشتري يعلم منه أنه يفعل المعصية بما اشتراه، كاشتراء الجوز والبيض للقمار، أو السلاح للفتنة، وعلى قطاع الطريق.

    ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب، فقال: ( لا تلقوا الجلب، فمن تلقى فاشترى منه فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار )، رواه مسلم.

    وقال: ( من غشنا فليس منا )، رواه مسلم].

    مدى صحة العقد على محرم

    هذا هو الشرط الخامس، قال المؤلف: (ألا يقع العقد على محرم شرعاً)، هذا شرط من شروط المالكية، والحنابلة لا يقولون بهذا؛ ونحن قلنا في شروط البيع: إنها إذا لم تتوفر بطل البيع، لكن المؤلف هنا في بعض مسائله لا يبطل البيع، كما لو باع على بيع أخيه فالصحيح أنه لا يبطل، والله أعلم.

    لكننا سنمشي على شرح المؤلف: (ألا يقع العقد على محرم شرعاً)، وإن شئت فقل: أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة، فإذا كانت العين مباحة النفع فيخرج بذلك أن تكون العين غير مباحة مثل الخمر، فهذا محرم لعينه كالخمر وكالأصنام، وكالأدهان النجسة، وكالميتة فلا يجوز بيعهما.

    وأما إذا كان محرماً لما يترتب عليه من الفساد فإن الظاهر والله أعلم أن البيع صحيح والفعل محرم، مثل بيع النجش، ومتلقي الركبان، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار )، والخيار لا يكون إلا بعقد صحيح، وعلى هذا فلو قيل: أن تكون العين مباحة النفع من غير حاجة لكان حسناً.

    وقولنا: (من غير حاجة) ليخرج بذلك الكلب، فإن إباحته لحاجة، فلا يجوز بيع الكلب كما هو مذهب الجمهور خلافاً للحنفية وبعض المالكية؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ( نهى عن ثمن الكلب ومهر البغي وحلوان الكاهن ).

    بيع المسلم على بيع أخيه

    وقول المؤلف: (وإما لما يترتب عليه من قطيعة المسلم، كما (نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن البيع على بيع المسلم).

    من المعلوم أن الإنسان لو اشترى خمراً فإن البيع باطل، وعلى هذا فالثمن لا يملكه، فهذا يسميه العلماء: المقبوض بعقد فاسد، وإذا باع مثلاً ميتة فهذا لا يجوز.

    وأما حكم بيع الحيوانات المحنطة، فالذي يظهر والله أعلم أن الحيوانات المحنطة إنما بيعت لأجل منظرها كما تباع وتشترى المناظر فلا حرج في ذلك، لكن ينهى عنها لما فيها من السرف إذا كان سعرها باهظ الثمن.

    وأما البيع على بيع أخيه فصورته: أن أبيعك السيارة على أن لك الخيار ثلاثة أيام، فيأتيني شخص في زمن الخيار فيقول لي: أنا أشتري منك يا عبد الله! السيارة التي بعتها بمائتي ألف بمائتين وخمسين ألفاً.

    صورة أخرى: إذا أنا بعت السيارة على عبد الرحمن ولم يبق إلا قبض الثمن، فيأتي زيد من الناس فيقول: أنا سوف أشتريها بأكثر مما اشتراها عبد الرحمن، فهنا أيضاً لا يجوز، وقد أجمع أهل العلم على تحريم ذلك؛ لما فيه من العدوان، والله أعلم.

    حكم بيع النجش وبعض صوره

    والنجش نهى النبي صلى الله عليه وسلم عنه.

    وقد ذكر ابن خويز منداد المالكي الإجماع على صحة البيع خلافاً لقول عند الحنابلة، والله أعلم.

    والنجش: هو أن يزيد في السلعة أو يعيبها لقصد التقليل من الثمن وهو لا يريد شراءها، ومن ذلك أن يأتي شخص فيقول: هذه السيارة سيارة فقراء، وأنا أريد أن أزيد فيها؛ حتى يستفيد هؤلاء، فهذا لا يجوز، ومن ذلك ما يفعله بعض الإخوة الشريطية هداهم الله، حينما يأتي الشخص لأجل أن يقوم بإيقاف السيارة للحراج فإن الشريطية يتفقون فيما بينهم على ألا يزيدوا على سعر محدد، فمثلاً: يتفقون على ثلاثين ألفاً مع أن السيارة تساوي أربعين، والعجيب أنهم يخونون ويؤتمنون، فهم فيما بينهم يتفقون على أن أول من يدخل السوق يأتي إليه أحد الشريطية ويقول الآخرون: هذا هو نصيب فلان، أو هذا صيد فلان، فلو جئت بسيارتي مثلاً من جهة شرقي المعرض فاستقبلني أحد الشريطية، فإنه ينظر إلى بقية الشريطية يقول: هذا صيدي، ويتفقون على ذلك، ثم يقوم الداخل بعرض السيارة التي تساوي ستين، فيقول الشريطية: ثلاثين، خمسة وثلاثين، أربعين، ويقفون على أربعين، ثم يأخذ السيارة هذا الشخص الذي صاد هذا الصيد، وهذا لا يجوز.

    ومن النجش أيضاً: أن يقوم بعرضه على السوق، ثم يأتي المشتري فيقول: بثلاثين، بأربعين، ثم يقف على أربعين، ثم يقول: تعال لأجرب السيارة؛ لأجل أن يوقف السيارة عن الحراج، فيقول: نعم أنا اشتريت فيركب معه بالسيارة يريد أن يستعملها، ويطلع من المعرض ومعه صاحب السيارة، ثم يبدأ بذكر عيوب للسيارة، فيقول مثلاً: لماذا هذا كذا؟ ولماذا هذا الصوت؟ أنا ما أريد هذا، حسبي الله عليك، أنت غشيتني، فيخاف الشخص لو قام بعرض السيارة مرة ثانية أن يقولوا: أكيد ما عرضت إلا لأجل أن بها عيباً، فهذا نوع من النجش ذكره بعض علماء الشافعية، وهو تعييب السلعة، وهذا لا يجوز.

    التفريق بين ذوي الأرحام الأرقاء عند البيع

    ومن ذلك قول المؤلف: (التفريق بين ذوي الرحم في الرقيق)، هذه العبارة من المؤلف فيها نوع من التوسع، ومن أمثلة هذا التفريق: أن يفرق بين الأم وولدها، كأن تكون امرأة أمه ومعها ولدها فيقوم ببيع الولد دون الأم، فهذا لا يجوز بإجماع العلماء، كما حكى ذلك ابن أبي عمر في الشرح الكبير.

    والحديث في هذا الباب ضعيف، بل كل الأحاديث الواردة في هذا الباب ضعيفة، من ذلك حديث أبي أيوب قال صلى الله عليه وسلم: ( من فرق بين والدة وولدها، فرق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة )، وهذا الحديث في سنده حيي بن عبد الله المعافري قال فيه البخاري: فيه نظر، وروي من طريق آخر من حديث عبادة بن الصامت وفي سنده عبد الله بن عمرو الواقعي وهو ضعيف، وفي الحديث الآخر حديث علي بن أبي طالب وفي سنده انقطاع، لكن العلماء أجمعوا عليه، والله أعلم.

    والمؤلف يقول: (التفريق بين ذوي الرحم)؛ ليشمل الأم وولدها، والأخ وأخيه، فجوزه مالك ، ومنعه الحنابلة.

    والعمة وابنة أخيها، فهذا على كلام المؤلف يدخل فيه، والراجح أن ذلك لا يدخل، والله أعلم.

    بيع ما يُعلم استخدامه في الحرام

    يقول المؤلف: (ومن ذلك إذا كان المشتري يعلم منه أنه يفعل المعصية بما اشتراه) فلا يجوز بيع السلاح في زمن الفتنة؛ لأجل أن المسلم سوف يشتريه ليذبح ويقتل أخاه المسلم، ومن ذلك بيع التمر الخضري للذين يشربون الخمر؛ لأنهم يقولون: إن الخضري يصنع أفضل به أنواع الخمور، هكذا ذكرها أهل الخبرة، والله أعلم بما يصفون.

    فإذا علم أن الذي يشتريه لأجل هذا فلا يجوز بيعه، وكذلك بيع العنب لمن يتخذه خمراً لا يجوز.

    وهل العقد صحيح أم فاسد؟ ذهب الحنابلة والمالكية إلى فساده، وذهب الشافعية والحنفية إلى صحته مع الإثم، والذي يظهر أن المعقود عليه حينئذ صار بهذا النية فاسداً، ولو قيل بفساده ليس ببعيد، والله أعلم.

    تلقي الركبان وبيع المصراة

    يقول المؤلف: (ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الجلب )، الجلب: هم الذين يجلبون الطعام والسلع إلى البلد، فهؤلاء لا يجوز لشخص أن يتلقاهم قبل أن يدخلوا السوق؛ لأنه إذا تلقاهم قبل أن يدخلوا السوق فهم يجهلون السعر، فربما باعوه بأقل مما في السوق فيكون في ذلك غرر وغبن، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تلقي الركبان حتى يأتي صاحب السلعة السوق، فإذا جاء السوق وعلم السعر فحينئذ يجوز الشراء منه، والله أعلم.

    وهذا يدل على أن العقد صحيح بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتى سيده السوق فهو بالخيار ). وقد قال صلى الله عليه وسلم: ( من غش فليس منا ).

    إذاً: بيع المصراة غش، والمصراة: هي الشاة أو البقرة أو الناقة التي لبنها قليل، فيبقي الإنسان اللبن لا يحلبه، حتى إذا كان ليومين صار ضرعها كبيراً، ثم يذهب بها إلى السوق، فيظن المشتري أن هذه الناقة حلوب، أو أن هذه البقرة حلوب فيشتريها، فإذا حلبها مرة ثم انتظر المرة الثانية ربما لا يجد شيئاً، فجعل له الخيار ثلاثة أيام، فهذا غش لكن البيع صحيح، وهو قول عامة أهل العلم.

    1.   

    صور التحايل على الربا الصريح

    قال المؤلف رحمه الله: [ومثل الربا الصريح: التحيل عليه بالعينة، بأن يبيع سلعة بمائة إلى أجل ثم يشتريها من مشتريها بأقل منها نقداً أو بالعكس، أو بالتحيل على قلب الدين].

    الآن المؤلف يريد أن يبين لك صور التحايل على الربا الصريح.

    ربا العينة

    قال: من ذلك (التحيل على الربا بالعينة) العينة عند الحنابلة لها معنى، وعند المالكية لها معان، وعند الحنفية لها معان، لكن العينة هنا التي ذكرها المؤلف، هي أن يبيع سلعة بأجل ثم يشتريها من صاحبها بأقل مما باعها بسعر حال.

    مثلاً: أن يبيع زيد على بكر سيارته بمائة ألف إلى سنة، فيقبض بكر السلعة، ثم يأتي بكر فيبيع السلعة على زيد بستين ألفاً بسعر حال، هنا العقد محرم؛ لأنه الآن كمن باع مائة ألف بستين ألفاً فدخلت السلعة محللة، وهذا لا يجوز، وهو مذهب جمهور أهل العلم خلافاً للشافعية، وتحريمها لحديث ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم )، والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

    وقال ابن تيمية : إن بيع العينة دليله ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن بيعتين في بيعة )، كما روى الإمام أحمد و أبو داود و النسائي من حديث أبي هريرة ، ( ونهى عن صفقتين في صفقة )؛ لما روى الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ، وقال ابن تيمية : إن بيعتين في بيعة هي بيع العينة.

    وعلى هذا فبيع العينة لا يجوز.

    قلب الدين

    ومن بيوع الربا: التحيل على قلب الدين، وهو أن يبيع زيد سلعة على بكر بمائة ألف إلى سنة، فيقبضها بكر إلى سنة، فإذا حلت السنة يقول زيد لبكر: أعطني مائة ألف، قال: والله ما عندي.

    فلو قال زيد لبكر: إما أن تقضي وإما أن ترابي صار رباً صريحاً، فيقول زيد لبكر: تعال أعطيك سلعة ثانية أبيعها لك بالأجل لتقوم بتسديد ديني الأول ويكون عليك دين ثاني، وهذا يسمى بالمصطلح المعاصر: إعادة التورق، فإذا حصلت من البنك على تمويل ثم أردت تمويلاً آخر، قال البنك: لا أستطيع إلا بشرط، قلت له: كيف؟ قال: كم تريد الآن؟ قلت: أريد مائة ألف، قال: والآن الحال عليك مائة وخمسون فأعطيك تمويلاً بمائتين وخمسين ألف ريال، على أن تسدد ديني الأول، ويكون عليك دين مائة ألف فتبيع، هذا يسميه العلماء: قلب الدين، ويسميه المالكية: فسخ الدين، وهذا محرم، وقد نقل الإجماع أبو العباس بن تيمية و علي بن محمد بن عبد الوهاب رحمة الله تعالى على الجميع، وهذا لا يجوز، وإعادة التورق أيضاً في حكم قلب الدين.

    ومن ذلك أن يبيع زيد على بكر سيارة بمائة ألف، فإذا حل الأجل قال زيد لبكر: أعطني مائة ألف. قال: ما عندي، قال: اذهب إلى عبد العزيز يقرضك أو يمولك تمويلاً؛ لأجل أن تشتري فتبيع فتسدد ديني، وعبد العزيز يفعل بغرمائه مثل ما أفعل أنا، فيقول: اذهب لعبد الله ويفعل، نسميه هنا: تبادلي، فهذا من الحيل الثلاثية ومن قلب الدين، وهذا لا يجوز، والله أعلم.

    القرض مع شرط الانتفاع أو العوض

    قال المؤلف: [أو التحيل على الربا بالقرض، بأن يقرضه بشرط الانتفاع بشيء من ماله، او إعطائه عن ذلك عوضاً، فكل قرض جر نفعاً فهو ربا].

    ما زال المؤلف يذكر صور التحايل على الربا قال: (أو التحيل على الربا بقرض)، يعني أن يقرضه ويشترط الانتفاع بشيء من ماله.

    مثاله: لو قال: يا محمد! أقرضني مائة ألف، قال: ليس عندي مانع لكن شقتك التي في مكة أريد أن أجلس فيها في رمضان، فهذا محرم؛ لأن كل قرض جر نفعاً فهو محرم، وإن كانت قاعدة كل قرض جر نفعاً فهو ربا، ليست حديثاً ثابتاً بإسناد صحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل ولا عن واحد من الصحابة إلا بالمعنى، وعلى هذا فكل قرض جر نفعاً على أنواع:

    النوع الأول: أن يقرض المقرض المقترض، ويشترط المقرض الانتفاع فهذا محرم بإجماع العلماء.

    النوع الثاني: أن يقرض المقرض المقترض ويتوطأ من غير شرط على أن ينتفع المقرض من مال المقترض فهنا أيضاً لا يجوز؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً.

    الصورة الثالثة: أن يقرض المقرض المقترض من غير شرط ولا تواطؤ، ويكون فيه نفع للطرفين المقرض والمقترض، فهذه الصورة وقع فيها الخلاف عند أهل العلم فمنعها الجمهور، وجوزها أبو حنيفة في بعض صوره وهو اختيار أبي العباس بن تيمية رحمه الله، كما هي في صورة السفتجة، وصورتها: أن يكون هناك شخص يخاف على نقل ماله من السرقة، فيأتي إلى شخص في بلده فيقول: أعطيك مائة ألف على أن تعطيني ورقة لآخذها في بلد آخر بمائة ألف، فهنا لم يحصل اشتراط لانتفاع المقرض، ولكن الانتفاع حصل للجميع، فانتفع المقترض بالقرض، وانتفع المقرض بأمن الطريق وهنا لا بأس بذلك، والله أعلم.

    ولعل هذا مثلما تفعله البنوك الإسلامية في فتح الحساب الجاري، حيث إنها تقوم بإعطاء العميل خدمات، لتسحب في أي مكان وهذا انتفاع لك، وأنت مقرض للبنك، وهذا من باب الوفاء والاستيفاء، فلا حرج في ذلك، والله أعلم.

    مسألة مد عجوة ودرهم

    قال رحمه الله تعالى: [ ومن التحيل: بيع حلي فضة معه غيره بفضة، أو مد عجوة ودرهم بدرهم، و ( سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالرطب؟ فقال: أينقص إذا جف؟ قالوا: نعم. فنهى عن ذلك )، رواه الخمسة، و ( نهى عن بيع الصبرة من التمر، لا يعلم مكيلها، بالكيل المسمى من التمر )، رواه مسلم.

    وأما بيع ما في الذمة: فإن كان على من هو عليه جاز، وذلك بشرط قبض عوضه قبل التفرق؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تتفرقا وبينكما شيء )، رواه الخمسة، وإن كان على غيره لا يصح؛ لأنه من الغرر ].

    يقول المؤلف: (ومن التحيل)، يعني: ومن صور الربا الذي تحيل عليه هو مسألة مد عجوة، ومسألة مد عجوة صورتها: أن يبيع ربوياً بجنسه ومعهما أو مع أحدهما من غير جنسه.

    مثل: أن أبيعك حلياً فيه ذهب وألماس بحلي فيه ذهب، الآن الذهب ربوي، والذهب الآخر ربوي، والألماس ليس ربوياً، فهنا باع ربوياً بجنسه ومع أحدهما من غير جنسه، هذه مسألة مد عجوة.

    ومن ذلك أن أبيعك كيس أرز وفي نفس الكيس هدية من الريالات يمكن أن تكون مائة أو خمسين أو ستين أو سبعين ريالاً بكيس أرز، هنا اختلف العلماء في ذلك، هل يحرم أم لا؟ على صور:

    الصورة الأولى: أن يكون المقصود بيع ربوي بجنسه متفاضلاً، وإنما يضم إلى هذا الربوي شيء؛ لأجل التحايل، مثل أن أقول لك: أبيعك عشرة ريالات بخمسة ريالات بهذه الكيس، تقول: الكيس بستة ريالات، وأربعة بأربعة، فهنا الكيس ليس مقصوداً.

    وبصورة أوضح: الآن نفترض أن الريالات نحاسية، فباع عشرة ريالات بأربعة ريالات في صرة، فهنا باع ربوياً من جنسه بقصد التفاضل، فوضع الصرة بشكل جيد ولون جيد وكفتة جيدة؛ لأجل التبادل، هنا صارت الزيادة مقصودة، فهذا محرم بالإجماع.

    الصورة الثانية: أن يكون المقصود الغير الربوي، مثل بيع شاة ذات لبن بشاة غير ذات لبن، فاللبن ربوي؛ لأنه مطعوم وموزون، والشاة غير ربوي على الخلاف، فهنا منع العلماء ذلك، وبعضهم جوزه، والذي يظهر أنه إذا كان الربوي غير مقصود وإنما دخل تبعاً ولا أثر له فلا بأس بذلك؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من باع عبداً وله مال فماله لسيده إلا أن يشترطه المبتاع )، فدخول مال العبد تبعاً غير مقصود ولو كان أضعافاً مضاعفة، فهذا هو الراجح، وأما إذا كان الربوي مقصوداً مثل: بيع القلادة التي فيها جنيهات ذهب بزركون، فهنا لا يجوز؛ لأن الزركون مقصود والذهب مقصود.

    يقول المؤلف: ( ( وسئل النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع التمر بالرطب فقال: أينقص الرطب إذا جف؟ قالوا: نعم، فنهى عن ذلك )، رواه الخمسة )، وهذا كما مر معنا أنه من الجهل بالتساوي، وأن الجهل بالتساوي كالعلم في التفاضل.

    بيع الصرة من التمر لا يعلم كيلها بكيل مسمى

    يقول المؤلف: (ونهى عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها أو مكيلها بالكيل المسمى من التمر)، رواه مسلم )، الحديث رواه مسلم من حديث جابر : ( نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الصبرة من التمر لا يعلم مكيلتها أو مكيلها بالكيل المسمى من التمر ).

    صورة المسألة: عندي الآن صبرة -يعني: طعام- مجموع من أنواع التمر أخلاص وسكري وشقر وغيره، بعشرة آصع من السكري، الآن عشرة آصع معلوم كيلها، والصبرة غير معلوم كيلها فلا يجوز بيع الصبرة بهذا الطعام أو بهذا التمر؛ لأن ذلك من باب الجهل بالتساوي كالعلم بالتفاضل.

    صورة أخرى: عندي صبرة تمر فيها أخلاص وفيها سكري وفيها شقر، بعشرة أكياس أرز، فهذا يجوز بشرط التقابض في المجلس.

    بيع ما في الذمة

    يقول المؤلف: (وأما بيع ما في الذمة)، بيع ما في الذمة: هو بيع الدين الذي على غريمه المدين، فلو بعت سيارتي بمائة ألف ريال سعودي لعبد العزيز إلى سنة، فالمائة ألف دين على عبد العزيز. فما حكم أن أبيع الدين الذي في ذمة عبد العزيز إذا انتهت السنة وحل الدين على عبد العزيز؟

    يقول المؤلف: (لها صورتان):

    الصورة الأولى: أن أبيع الدين الذي لي عند عبد العزيز على عبد العزيز نفسه، فإن كان على من هو عليه جاز، ولم يذكر المؤلف في الجواز إلا شرطاً واحداً، وهو التقابض، والأقرب والله أعلم أن الجواز بشرطين:

    الشرط الأول: ألا نتفرق وبيننا شيء.

    الشرط الثاني: ألا أربح فيه.

    وستكون الصورة: أن في ذمة عبد العزيز مائة ألف ريال، فلما حل عليها الأجل قلت: يا عبد العزيز! أعطني مائة ألف، وكان عبد العزيز صرافاً، وتعرفون أن وقت العمرة تكثر فيه العملات الأجنبية غير السعودية مثلاً، فعبد العزيز عنده مثلاً جنيه مصري، قال: تعال يا عبد الله! أنا عندي جنيه مصري أعطيك إياه بدل مائة ألف، يقول العلماء: يجوز الآن أن أبيع ما في ذمتي -ما أملكه- بما في ذمة عبد العزيز على عبد العزيز نفسه، بشرطين:

    أولاً: ألا أربح فيه، كيف؟ نقول: الآن حل الأجل أليس كذلك؟ كم قيمة مائة ألف ريال -اليوم وليس يوم العقد- يوم التقابض بالجنيه المصري؟ قلنا: مثلاً الريال يساوي أربعة جنيهات، فيأتينا عبد العزيز فيقول: أنا أعطيك خمسة جنيهات؛ لأني الآن ربحت ما لم أضمن، فنقول: الآن قدر قيمة مائة ألف ريال، فيقول: الريال بأربعة جنيهات، إذاً يعطيني عبد العزيز أربعمائة ألف جنيه، فلو أعطاني أكثر من ذلك لكان محرماً؛ لأني أنا ربحت ما لم أضمن.

    ثانياً: عدم الافتراق قبل تمام الصفقة، فلا يجوز أن يقول عبد العزيز لمن له عليه أربعمائة ألف: أعطيك إياها غداً. هذا بيع الدين لمن هو عليه.

    الصورة الثانية: بيع الدين لغير من هو عليه، فيحل الدين على عبد العزيز وهو مائة ألف، فيأتينا عبد الرحمن يقول لي: عندي والله سيارة. قلت: بكم؟ قال: بتسعين ألف، قلت له: أنا أعطيك تسعين ألفاً في ذمة عبد العزيز مقابل السيارة، الآن بعت الدين الذي لي على عبد العزيز لغير من هو عليه، فيقول المؤلف: لا يصح؛ لأنه غرر، ووجه الغرر أنه جائز أن يذهب عبد الرحمن فلا يجده وربما يأبى عبد العزيز عن السداد وغير ذلك، والمسألة فيها أقوال كثيرة، لكن هذا مذهب الحنابلة والشافعية؛ ولأنه من باب بيع الدين، وبيع الدين بالدين محرم ونقل بعضهم الإجماع في هذا، وليس في المسألة إجماع إلا في بعض الصور.

    والله أعلم.

    مواد ذات صلة

    مكتبتك الصوتية

    البث المباشر

    المزيد

    من الفعاليات والمحاضرات الأرشيفية من خدمة البث المباشر

    عدد مرات الاستماع

    2995403549

    عدد مرات الحفظ

    717676546