إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الزكاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب الحنطة في الزكاة) إلى (باب إذا أعطاها غنياً وهو لا يشعر)

شرح سنن النسائي - كتاب الزكاة - (باب الحنطة في الزكاة) إلى (باب إذا أعطاها غنياً وهو لا يشعر)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بينت السنة زكاة الفطر وأصنافها، والوقت الذي يُستحب أن تؤدى فيه، ومقدار ما يخرج، وحكم نقل الزكاة من بلد إلى آخر، وأن المسلم إذا تصدق على شخص غني ظاناً أنه فقير فإنها تصح منه.

    1.   

    الحنطة

    شرح حديث: (أن رسول الله فرض صدقة الفطر... نصف صاع بر، أو صاعاً من تمر أو شعير...) من طريق ثامنة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الحنطة.

    أخبرنا علي بن حجر حدثنا يزيد بن هارون حدثنا حميد عن الحسن : أن ابن عباس رضي الله عنهما خطب بالبصرة فقال: ( أدوا زكاة صومكم، فجعل الناس ينظر بعضهم إلى بعض، فقال: من ها هنا من أهل المدينة، قوموا إلى إخوانكم فعلموهم، فإنهم لا يعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فرض صدقة الفطر على الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، نصف صاع بر، أو صاعاً من تمر، أو شعير، قال الحسن: فقال علي: أما إذا أوسع الله فأوسعوا، أعطوا صاعاً من بر أو غيره )].

    يقول النسائي رحمه الله: الحنطة، أي: الحنطة في زكاة الفطر، أي: إخراجها في زكاة الفطر، وقد أورد النسائي حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقد مر بالأمس، وفيه (أن النبي صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو صاع من شعير)، وقد عرفنا بالأمس أن البر لم يثبت فيه شيء، وأن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه جاء عنه كما في صحيح البخاري قال: (كنا نخرج زكاة الفطر صاعاً من طعام، وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير، والزبيب والأقط)، يعني: هذه الأمور الأربعة، والحنطة ليست مشهورة, وليست قوتاً معتاداً في المدينة، وإنما القوت في المدينة هذه الأمور الأربعة، التي قال عنها أبو سعيد : (وكان طعامنا يومئذ)، يعني: في ذلك الوقت، هذه الأمور الأربعة، ولهذا لما وجدت الحنطة وكثرت، رأى أمير المؤمنين معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنه وأرضاه، أن مدين من الحنطة تعدلان صاعاً من الشعير، والمدان هما نصف الصاع؛ لأن الصاع أربعة أمداد، يعني: نصف صاع من حنطة يعدل أو يساوي صاعاً من شعير، وبعض الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم كـأبي موسى لم يرى أن يخرج نصف صاع، وإنما يخرج صاعاً من أي طعام من الأطعمة، وإن كانت متفاوتة، إذا أخرج الزكاة يخرجها صاعاً من أي طعام من قوت البلد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سوى بين هذه الأربعة التي هي طعامهم يومئذ، مع أنها ليست على حد سواء بل متفاوتة.

    فكذلك إذا وجد شيء كالبر أو كالأرز، يعني: يزيد عن تلك الأشياء، فإنه يخرج منه صاعاً، وعلى هذا، فذكر نصف الصاع من البر ليس بمحفوظ، ولم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم شيء يتعلق بالبر والتنصيص عليه، وإنما الذي ورد صاع، إما صاعاً من طعام، أو صاعاً من تلك الأطعمة التي كانت هي طعامهم في زمنه صلى الله عليه وسلم في المدينة، وهي التمر والشعير، والزبيب والأقط.

    وعلى هذا فإن الزكاة تخرج طعاماً ولا تخرج نقوداً، وتخرج صاعاً ولا تقل عن صاع، وبعض العلماء أجاز، كما جاء عن معاوية وبعض الصحابة التنصيف، يعني: نصف الصاع من البر معادلاً بغيره، ولكن كون الرسول صلى الله عليه وسلم أطلق، وسوى بين الأطعمة بأنها تكون صاعاً مع حصول تفاوتها، وأبو سعيد رضي الله عنه رأى أنه يخرج الصاع ولا ينقص عنه من أي طعام، فإن الأولى والذي ينبغي أن يعمل به، وأن لا يصار إلى خلافه، هو أن يخرج صاعا من أي طعام، ولو كان ذلك الطعام أنفس من غيره، وأحسن من غيره.

    ثم قال: [الحسن: قال علي رضي الله عنه: إذا أوسع الله عليكم فأوسعوا]، يعني: أخرجوا صاعاً من بر أو غيره، يعني: أن هذا الذي فيه خلاف بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، أن الأولى للإنسان أن يأخذ بما هو الأكمل وبما هو الأحوط، وأن يكون ذلك صاعاً من أي طعام، من بر أو غير بر، سواء كان الطعام من المسميات في ذلك الوقت، أو الأشياء التي لم تكن طعاماً، ولكنها طعام لكثير من الناس اليوم، لا سيما الرز في هذا الزمن الذي يعتبر هو القوت الرئيسي عند كثير من الناس، وهو لا يحتاج إلى طحن كالبر، فالإخراج يكون صاعاً.

    ثم إذا حصل أي تغير في بعض الأطعمة؛ لأنها لا تكون طعاماً فلا ينبغي إخراجها مثل الشعير في هذا الزمان؛ لأن الشعير كان طعاماً، ولكنه الآن لا يؤكل ولا يستعمله الناس، وإنما يشترونه علفاً للبهائم، يعلفون به البهائم، فلا ينبغي إخراج الشعير في هذا الزمان؛ لأن الناس ما يقتاتونه، وإنما يجعلونه علفاً للبهائم، فيخرج من الأطعمة التي هي قوت الناس، مثل الأرز والبر والتمر وغيرها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله فرض صدقة الفطر... نصف صاع بر، أو صاعاً من تمر أو شعير...) من طريق ثامنة

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر ].

    هو علي بن حجر بن إياس السعدي المروزي، وهو ثقة، حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي .

    [ حدثنا يزيد بن هارون ].

    هو يزيد بن هارون الواسطي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا حميد ].

    هو حميد بن أبي حميد الطويل، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وذكروا في ترجمته: أنه مات وهو قائم يصلي رحمة الله عليه، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن الحسن ].

    هو الحسن بن أبي الحسن البصري ، وهو ثقة، فقيه، يرسل، ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ أن ابن عباس ].

    هو عبد الله بن عباس بن عبد المطلب ، ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم، وأحد العبادلة الأربعة من الصحابة الكرام، وهم: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وأيضاً هو أحد المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهم: أبو هريرة ، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد، وجابر، وأنس، وأم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنهم، وعن الصحابة أجمعين.

    1.   

    السلت

    شرح حديث: (كان الناس يخرجون عن صدقة الفطر صاعاً من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب) من طريق تاسعة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [السلت.

    أخبرنا موسى بن عبد الرحمن حدثنا حسين عن زائدة حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه قال: ( كان الناس يخرجون عن صدقة الفطر في عهد النبي صلى الله عليه وآله وسلم صاعاً من شعير، أو تمر، أو سلت، أو زبيب )].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: السلت، أي: السلت في زكاة الفطر، والسلت نوع من الشعير، وله اسم يخصه يقال له السلت؛ لأنه نوع من الشعير لا قشر له، وأورد النسائي حديث ابن عمر : [أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في زمنه صلى الله عليه وسلم صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من سلت، أو صاعاً من زبيب]، والسلت هو: نوع من الشعير، وهو طعامهم، ولهذا ما جاء ذكره في حديث أبي سعيد قال: (وكان طعامنا يومئذ الشعير والتمر والزبيب والأقط)؛ لأن السلت وإن كان طعامهم إلا أنه داخل في الشعير؛ لأنه نوع من أنواعه.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان الناس يخرجون عن صدقة الفطر صاعاً من شعير أو تمر أو سلت أو زبيب) من طريق تاسعة

    قوله: [أخبرنا موسى بن عبد الرحمن ].

    هو موسى بن عبد الرحمن المسروقي، وهو ثقة، أخرج حديثه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [ حدثنا حسين ].

    هو حسين بن علي الجعفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن زائدة ].

    هو زائدة بن قدامة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا عبد العزيز بن أبي رواد ].

    صدوق ربما وهم، وأخرج له البخاري تعليقاً، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ عن نافع ].

    هو نافع مولى ابن عمر ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن ابن عمر] .

    هو عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وهو أحد العبادلة الأربعة، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، أي: هو مثل ابن عباس في أن كل منهما من العبادلة الأربعة، وأن كل واحد منهما من السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الشعير

    شرح حديث: (كنا نخرج في عهد الرسول صاعاً من شعير...) من طريق عاشرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [الشعير.

    أخبرنا عمرو بن علي حدثنا يحيى حدثنا داود بن قيس حدثنا عياض عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أنه قال: ( كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاعاً من شعير، أو تمر، أو زبيب، أو أقط، فلم نزل كذلك حتى كان في عهد معاوية ، قال: ما أرى مدين من سمراء الشام إلا تعدل صاعاً من شعير )].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الشعير، أي: إخراج الشعير في زكاة الفطر، وقد أورد النسائي فيه حديث أبي سعيد من طريق أخرى، وهو أنهم كانوا في زمنه صلى الله عليه وسلم يخرجون الزكاة من التمر، والشعير، والزبيب، والأقط، يعني: صاعاً من أي واحد من هذه الأشياء، قالوا: فلم يزالوا على ذلك حتى جاء معاوية، وجاءت سمراء الشام، [ فقال: ما أرى مدين من سمراء الشام إلا تعدل صاعاً من شعير ].

    يعني: أن هذه الأربعة كانت هي القوت في زمنه صلى الله عليه وسلم، وهي التي قال فيها أيضاً في البخاري: (وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط)، والنسائي أورد الحديث من أجل الشعير، وكونه يخرج في زكاة الفطر، وجاء فيه النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام؛ لأنه القوت في ذلك الزمان مع الثلاثة الأخرى التي معه، وهي التمر والزبيب والأقط.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نخرج في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم صاعاً من شعير...) من طريق عاشرة

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي ].

    هو عمرو بن علي الفلاس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [ حدثنا يحيى ].

    هو يحيى بن سعيد القطان البصري، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا داود بن قيس ].

    ثقة، أخرج له البخاري تعليقا، ومسلم ، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ حدثنا عياض ].

    هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي سعيد ].

    هو أبي سعيد الخدري ، سعد بن مالك بن سنان صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو مشهور بكنيته أبو سعيد ، وأيضاً هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    الأقط

    شرح حديث: (كنا نخرج في عهد الرسول صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط...) من طريق حادية عشرة

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ الأقط.

    أخبرنا عيسى بن حماد قال: حدثنا الليث عن يزيد عن عبيد الله بن عبد الله بن عثمان : أن عياض بن عبد الله بن سعد حدثه أن أبا سعيد الخدري رضي الله عنه قال: ( كنا نخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من أقط، لا نخرج غيره )].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: الأقط، أي: في زكاة الفطر، وأورد فيه حديث أبي سعيد ، وقال: [إنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر في زمنه صلى الله عليه وسلم صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من زبيب، أو صاعاً من أقط]، يعني: هذا هو قوتهم الذي يخرجون منه، وهذا يوافق ما جاء في صحيح البخاري من قوله: (وكان طعامنا يومئذ التمر والشعير والزبيب والأقط)، يعني: هذا هو طعامهم، ويخرجون من طعامهم، وهنا يقول: [لا نخرج غيره]، أي: لأن هذا كان طعامهم الذي يقتاتونه، وكانوا يعتادونه ويأكلون منه، والأقط هو: اللبن المستحجر الذي يطبخ، ثم يجفف، وييبس، وهو أحد أنواع أطعمتهم في زمنه صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كنا نخرج في عهد الرسول صاعاً من تمر أو صاعاً من أقط...) من طريق حادية عشرة

    قوله: [ أخبرنا عيسى بن حماد ].

    هو المصري الملقب زغبة، وهو ثقة، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه.

    [ حدثنا الليث ].

    هو الليث بن سعد المصري، وهو ثقة، فقيه، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يزيد ].

    هو يزيد بن أبي حبيب المصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن عبيد الله بن عبد الله بن عثمان ].

    مقبول، أخرج حديثه أبو داود، والنسائي. ويقال: عبيد الله أو عبد الله يقال فيه هذا وهذا.

    [ أن عياض بن عبد الله بن سعد ].

    هو عياض بن عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وقد مر ذكره.

    [ أنه أبا سعيد ]، وقد مر ذكره.

    1.   

    كم الصاع؟

    شرح حديث: (كان الصاع على عهد الرسول مداً وثلثا ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كم الصاع؟

    قال: أخبرنا عمرو بن زرارة ، قال: أخبرنا القاسم وهو ابن مالك ، عن الجعيد ، قال: سمعت السائب بن يزيد رضي الله عنه أنه قال: (كان الصاع على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مداً وثلثا بمدكم اليوم، وقد زيد فيه)، قال أبو عبد الرحمن : وحدثنيه زياد بن أيوب ].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة وهي: كم الصاع؟ يعني: مقداره، وهو أربعة أمداد، يعني: صاع النبي صلى الله عليه وسلم، وصاع المدينة في زمنه عليه الصلاة والسلام أربعة أمداد، ولهذا قدر معاوية الزكاة من البر، فقال: (أرى مدين يعدلان صاعاً)، وهي نصف الصاع؛ لأن الصاع أربعة أمداد، وهذا هو الصاع الذي كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، وحصل بعد ذلك تغير الأصواع وتنوعها، والزيادة فيها والنقص فيها، وهذا الحديث الذي يرويه السائب بن يزيد الذي أورده النسائي يقول: أن الصاع كان يساوي مداً وثلثاً فيما عندهم في ذلك الوقت الذي كان يحدث بالحديث، وقد زيد فيه، يعني: أن الذي كان في زمنه صلى الله عليه وسلم هو أربعة أمداد، ولكنه يعدل مداً وثلثاً، يعني: بهذا المقدار، الذي اتخذ صاعاً من بعده، ولكن المعتبر هو الصاع الذي عناه الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو المقدار الذي شرعه الرسول صلى الله عليه وسلم، وإذا اختلفت المقادير والموازين، وزادت أو نقصت، فإنه لا عبرة بهذا التقدير، وإنما العبرة بالتقدير الذي كان في زمنه عليه الصلاة والسلام، وهو الصاع الذي هو أربعة أمداد، الذي جاء في الحديث أنه يغتسل في الصاع، يتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع، يعني: ما يملأه الصاع يغتسل به الإنسان، وما يملأ المد يتوضأ به الإنسان، والمد ربع الصاع.

    فإذاً: التقدير إنما هو بالصاع الذي هو الصاع في زمنه صلى الله عليه وسلم، ولا ينظر إلى الآصع والمكاييل إذا تغيرت بالزيادة والنقصان؛ لأنها ليست معتبرة، بل المعتبر هو ما أشار إليه النبي صلى الله عليه وسلم وعناه النبي عليه الصلاة والسلام، ولهذا الصاع، أي: الصاع المعهود في زمنه، وليس المقصود أي صاع يكون بعده، سواء كبر أو صغر؛ لأنه قد يكبر، يعني: الصاع وقد يكون المد أكبر من الصاع أيضاً، مثل ما هو موجود في هذا الزمن، المد أكبر من الصاع، المد مقدار كبير عند الناس، يعني: في المدينة هو أكبر من الصاع.

    فإذاً ليست العبرة بالمكاييل التي هي بعد زمنه صلى الله عليه وسلم، بل المعتبر هو ما عناه الرسول عليه الصلاة والسلام، عندما شرع للناس أن زكاة الفطر تكون صاعاً من أي نوع من أنواع الأطعمة التي يأكلها الناس.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان الصاع على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم مداً وثلثا ...)

    قوله: [ أخبرنا عمرو بن زرارة ].

    هو عمرو بن زرارة النيسابوري، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري ، ومسلم ، والنسائي.

    [ أخبرنا القاسم وهو ابن مالك ].

    صدوق فيه لين، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة إلا أبا داود.

    [ عن الجعيد ].

    هو الجعيد بن عبد الرحمن بن أوس، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة إلا ابن ماجه.

    [ سمعت السائب بن يزيد ].

    صحابي صغير، قال: حج بي أبي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمري سبع سنوات، يخبر عن نفسه أنه حج به مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعمره سبع سنوات، فهو صحابي صغير له أحاديث قليلة، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ وحدثنيه زياد بن أيوب ].

    قال النسائي : وحدثنيه زياد بن أيوب، يعني: مثل حديث عمرو بن زرارة، يعني: وبنفس الإسناد؛ لأنه ما ساق الإسناد بعده، وإنما اكتفى بالإشارة إلى المتقدم.

    شرح حديث: (المكيال مكيال أهل المدينة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا أبو نعيم حدثنا سفيان عن حنظلة عن طاوس عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة )].

    ثم أورد النسائي هذا الحديث، وهو حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وهو: [( المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة )]، يعني: أن المعتبر في المكاييل ما كان في المدينة، وهو الصاع وأجزاؤه التي كانت في عهده صلى الله عليه وسلم، والمعتبر في الموازين ما كان في مكة، وهو عمل أهل مكة، قيل: والسبب في هذا التفريق، هو أن المعروف في زمانه أن المدينة بلاد زراعية فيها نخل وزرع، ولهذا اعتبرت فيها المكاييل، ودعا النبي صلى الله عليه لصاعها ومدها، فصار المعتبر في المكاييل عمل أهل المدينة، ومكيال أهل المدينة الذي هو الصاع والمد؛ لأن المدينة بلد زراعية فيها التمر وفيها الزرع.

    وأما مكة فهي بلاد ليست زراعية، ولهذا جاء في القرآن: بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ [إبراهيم:37]، يعني: مكة، ولكنهم أصحاب تجارة، وهم أصحاب رحلة الشتاء والصيف، وعندهم التجارة، والحجاج يأتون إليهم، ويبيعون ويشترون، فهي بلد تجاري، والمعتبر في الوزن هو: وزن أهل مكة، المعتبر في الموازين يعني: مقادير الذهب والفضة، وموازينها إنما يرجع فيه إلى أهل مكة، أو إلى الوزن في مكة، وإذاً فهذا التفريق والتفاوت في الموازين والمكاييل؛ لأن المدينة بلد زراعي، وكان الكيل فيها المشهور؛ لأن فيها التمر الحبوب، فاعتبر مكيال أهل المدينة، وكذلك لما كانت مكة هي البلد الذي فيه التجارة، والذي يقصده الناس ويؤمه الناس، ويبيعون ويشترون، فصار المعتبر في الوزن وزن أهل مكة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (المكيال مكيال أهل المدينة ...)

    قوله: [ أخبرنا أحمد بن سليمان ].

    هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [ حدثنا أبو نعيم ].

    هو أبو نعيم الفضيل بن دكين الكوفي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بكنيته أبو نعيم، وهو متقدم، وهو من كبار شيوخ البخاري، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وقد وصف بأن فيه تشيع، ولكن جاء عنه عبارة تدل على سلامته من التشيع، كما ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمته في مقدمة الفتح يقول: ما كتبت علي الحفظة أني سببت معاوية، يعني: الملائكة الذين يكتبون الحسنات والسيئات ما كتبوا عليه سيئة أنه سب معاوية، ومن المعلوم أن بين الشيعة والرافضة في سب معاوية قدر مشترك بينهما، يجتمعون عليه ويتفقون عليه، ولكن الفرق بينهم فيمن وراءه، فإن من الشيعة من لا يسب الشيخين أبا بكر وعمر، والرافضة يسبون الشيخين وغير الشيخين، لكن معاوية قدر مشترك، الشيعة يسبونه، والزيدية الذين هم أخف الشيعة يسبون معاوية، ومن السهل عليهم سب معاوية رضي الله تعالى عنه وأرضاه.

    الحاصل: أن أبا نعيم الفضل بن دكين وصف بأنه يتشيع، وقد أجاب الحافظ ابن حجر عن هذا الوصف بأنه جاء عنه هذه العبارة التي تدل على سلامته من هذا الوصف الذي هو التشيع.

    يروي عن سفيان ، وسفيان هو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، ثبت، فقيه، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وسفيان مهمل غير منسوب، والمراد به الثوري؛ لأن أبا نعيم مكثر من الرواية عنه، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة مثل وكيع؛ لأن وكيعاً مكثر من الرواية عن الثوري، ومقل من الرواية عن سفيان بن عيينة، وإذا أطلق الراوي شيخه دون أن ينسبه، يحمل على من له به كثرة اتصال، وكثرة أخذه، وكثرة رواية عنه.

    ثم أيضاً أبو نعيم الفضل بن دكين هو من أهل الكوفة، وسفيان الثوري من أهل الكوفة، فالملازمة موجودة، وابن عيينة من أهل مكة، فلا يكون الاتصال به إلا عن طريق رحلة، أو عن طريق حج أو عمرة، ومن كان من أهل البلد يكون الأخذ عنه أكثر، ولهذا كان وكيع، وأبو نعيم وكل منهما كوفي يرويان عن سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة ، ولكن يهملون سفيان فيحتمل هذا ويحتمل هذا، لكن يحمل على من أكثر عنه وهو الثوري، وقد ذكر هذا الحافظ ابن حجر في فتح الباري وقال: إن أبا نعيم مكثر من الرواية عن سفيان الثوري ، فإذا جاء مهملاً غير منسوب يحمل عن الثوري لإكثاره عنه، وليس عن ابن عيينة لإقلاله من الرواية عنه.

    [ عن حنظلة ].

    هو حنظلة بن أبي سفيان، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن طاوس ].

    هو طاوس بن كيسان اليماني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عمر ].

    وقد مر ذكره.

    1.   

    باب الوقت الذي يستحب أن تؤدى صدقة الفطر فيه

    شرح حديث: (أن رسول الله أمر بصدقة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الوقت الذي يستحب أن تؤدى صدقة الفطر فيه.

    أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى حدثنا الحسن حدثنا زهير حدثنا موسى ، ح أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا الفضيل حدثنا موسى عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بصدقة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة )، قال ابن بزيع : بزكاة الفطر].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة، وهي الوقت الذي يستحب فيه أداء زكاة الفطر، والمراد به أنه قبل صلاة العيد، هذا هو أفضل أوقات إخراجها، لماذا؟ لأن الفقراء يستقبلون يومهم وعندهم قوتهم في ذلك اليوم، لا يحتاجون إلى السؤال، يستقبلون اليوم وعندهم الطعام الكافي لهم في ذلك اليوم، وقد جاء في الحديث: ( أغنوهم عن السؤال في ذلك اليوم )، فإذا أعطوا في ذلك الوقت، معناه: استقبلوا اليوم وعندهم الطعام الكافي لهم في يوم العيد، الذي لا يحتاجون معه إلى سؤال الناس، ولا إلى التطلع للحصول على شيء من الناس.

    ثم أيضاً زكاة الفطر هي مضافة إلى الفطر، أي: الفطر من رمضان، والفطر من رمضان يكون بغروب الشمس في آخر يوم من رمضان، عند ذلك يكون الفطر، فمن ولد بعد غروب الشمس في ذلك اليوم لا زكاة عليه؛ لأنه ما كان في الوقت الذي فيه الفطر، وإنما كان بعده، ومن مات قبله لا زكاة عليه؛ لأن ما وجد كونه أفطر شهر رمضان، إذاً فالمعتبر هو الفطر، ولهذا قيل لها: زكاة الفطر؛ لأنها مضافة إلى الفطر الذي هو إنهاء شهر رمضان، وإنهاء شهر رمضان يكون بإفطار آخر يوم منه، يعني: يوجد الفطر، ولهذا يقال للزكاة: زكاة الفطر، ويقال للعيد: عيد الفطر؛ لأنه شكر لله عز وجل على إتمام النعمة، وهي صيام شهر رمضان التي آخرها إفطار آخر يوم من رمضان، التي أداؤها يكون بإفطار آخر يوم من رمضان، ويجوز إخراجها قبل العيد بيوم أو يومين؛ لأنه جاء عن الصحابة أنهم كانوا يخرجونها قبل العيد بيوم أو يومين، فذلك جائز، ولكن أفضل أوقات إخراجها يوم العيد قبل الصلاة كما جاء في الحديث، ولهذا جاء في بعض الأحاديث مشروعية استحباب تأخير صلاة العيد يوم الفطر بعد دخول وقتها قليلاً، واستحباب تعجيل صلاة الأضحى بعد دخول وقتها؛ لأن في تأخير صلاة عيد الفطر سعة وقت إخراج الفطرة، يكون فيه سعة للناس يخرجون زكاة الفطر، وتعجيل زكاة العيد يوم الأضحى؛ ليتسع للناس وقت الذبح؛ لأن الذبح ما يكون إلا بعد صلاة العيد، ما يجوز قبل صلاة العيد، فتعجل صلاة الأضحى؛ ليتسع للناس وقت الذبح، وتؤخر صلاة عيد الفطر قليلاً ليتسع للناس وقت إخراج الفطرة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (أن رسول الله أمر بصدقة الفطر أن تؤدى قبل خروج الناس إلى الصلاة)

    قوله: [أخبرنا محمد بن معدان بن عيسى ].

    ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [ حدثنا الحسن ].

    هو الحسن بن محمد بن أعين ، وهو صدوق، أخرج له البخاري، ومسلم، والنسائي.

    [ حدثنا زهير ].

    هو زهير بن معاوية ، أبو خيثمة ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا موسى ].

    هو موسى بن عقبة المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ قال: ح أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع ].

    ثم قال: ح أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، وهو ثقة، أخرج له مسلم، والترمذي، والنسائي.

    [ حدثنا الفضيل ].

    هو الفضيل بن سليمان، وهو صدوق له خطأ كثير، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثنا موسى عن نافع عن ابن عمر ].

    موسى ، هو ابن عقبة، عن نافع عن ابن عمر، وقد مر ذكرهما.

    [ قال ابن بزيع: بزكاة الفطر ].

    قال ابن بزيع: زكاة الفطر، يعني: أن الفرق بين قوله وبين قول محمد بن معدان، هو أن: محمد بن معدان قال: صدقة الفطر، يعني: ساق الحديث وقال: صدقة الفطر، ومحمد بن بزيع مثله إلا أن بدل صدقة الفطر قال: زكاة الفطر، التعبير بالزكاة بدل الصدقة، لفظ هذا مثل لفظ هذا إلا في هذه الكلمة، فإنه خالفه فيها، فقال ابن بزيع : زكاة الفطر، ومحمد بن معدان قال: صدقة الفطر؛ لأنهما شيخان، الشيخ الأول اللفظ له، والسياق له، وفيه صدقة الفطر، فأشار بعد ذلك إلى أن الشيخ الثاني في الطريق الثانية الذي هو ابن بزيع عبارته ليست صدقة الفطر كعبارة محمد بن معدان ، ولكن عبارته زكاة الفطر.

    1.   

    إخراج الزكاة من بلد إلى بلد

    شرح حديث: (... فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتوضع في فقرائهم...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [إخراج الزكاة من بلد إلى بلد.

    أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك حدثنا وكيع حدثنا زكريا بن إسحاق وكان ثقة، عن يحيى بن عبد الله بن صيفي عن أبي معبد عن ابن عباس رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذ بن جبل إلى اليمن، فقال: إنك تأتي قوماً أهل كتاب فادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله عز وجل افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوك فأعلمهم أن الله عز وجل قد افترض عليهم صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتوضع في فقرائهم، فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنها ليس بينها وبين الله عز وجل حجاب )].

    ثم أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: إخراج زكاة المال من بلد إلى بلد، يعني: حكمه هل هو سائغ أو غير سائغ؟ ولهذا أطلق الترجمة، يعني: إخراج زكاة البلد، هل تخرج أو ما تخرج؟ وأورد فيه حديث ابن عباس الذي جاء في آخره [صدقة في أموالهم، تؤخذ من أغنيائهم فتعطى لفقرائهم].

    من العلماء من قال: إن الضمائر في أغنيائهم وفقرائهم ترجع إلى أهل اليمن، وعلى هذا فلا تخرج الزكاة من بلد إلى بلد؛ لأنه ما فيه دليل؛ لأنه إذا كانت تؤخذ من أغنياء أهل اليمن وترد على فقراء أهل اليمن، معناه: أنها ما تخرج من البلد، وبعض العلماء يقول: إن الضمير يرجع للمسلمين، تؤخذ من أغنياء المسلمين وترد على فقراء المسلمين، وعلى هذا يجوز إخراجها من بلد إلى بلد، وترجمة النسائي بالاحتمال؛ لأنه ما قال: مشروعية إخراجها ولا عدم إخراجها، وإنما قال: إخراج زكاة المال ..الخ، هل تخرج أو لا تخرج؟ لكن الذي يظهر في هذا أنه إذا كانت الحاجة في البلد الذي فيه الزكاة أشد، فهم أولى به ولا تخرج؛ لأن الفقراء يرون المال ، فهم أحق بزكاته ما داموا أشد حاجة من غيرهم، أما إذا كانت حاجتهم أخف، وحاجة غيرهم أشد في البلاد الأخرى التي ليس فيها المال، فيجوز إخراجها إلى ذلك البلد الذي فيه الحاجة أشد، وإذا كانت الزكاة كثيرة، وأخرج بعضها في البلد الذي فيه المال، وبعضها في البلد الذي يكون أشد، فلعل هذا هو الأحسن، بحيث لا يحرم الفقراء في البلد منها أصلاً، ولا يترك أولئك الذين هم أشد حاجة، وهم ليسوا في البلد أصلاً، فلا يعطون شيئاً، فإذا لوحظ بأن يعطى أهل البلد منها، ويعطى غيرهم ممن هو أشد، فإن هذا هو المناسب فيما يبدو، والله تعالى أعلم.

    النسائي أورد حديث ابن عباس الطويل، والذي سبق أن مر بنا في أول حديث في كتاب الزكاة، وذكرت أن بعض المصنفين افتتح به كتاب الزكاة، مثل البخاري صدر به كتاب الزكاة من صحيحه، وصدر به كتاب التوحيد من صحيحه، والنسائي كذلك صدر به كتاب الزكاة، وبعض المؤلفين الذين ألفوا يعني: في الحديث فعلوا ذلك، مثل ابن حجر صدر به كتاب الزكاة من بلوغ المرام، وعبد الغني المقدسي صاحب عمدة الأحكام، صدر به كتاب الزكاة من عمدة الأحكام، فإذاً هذا الحديث يعتبر عمدة في الزكاة، وفي إخراج الزكاة؛ لأن فيه ترتيب الدعوة إلى الله عز وجل، والبدء بالأهم فالأهم، وفيه كون الزكاة تلي الصلاة، يدعا إليها بعد التوحيد وبعد الصلاة، أول شيء يدعا إليه بعد التوحيد وبعد الصلاة هو الزكاة، ولهذا قدموه على غيره في كتب الزكاة، جعلوه أول حديث في كتاب الزكاة عندهم، لدلالته بوضوح على عظم شأن الزكاة، وأنها تلي الصلاة.

    وقد سبق أن مر بنا الكلام هذا الحديث، وما اشتمل عليه من الدعوة إلى الله عز وجل، وأنه أول شيء يدعى إليه التوحيد، ثم يدعى إلى الصلاة؛ لأنها هي الصلة الوثيقة بين العبد وبين ربه، وهي التي يتبين بها كون الإنسان مستقيماً أو غير مستقيم، بمصاحبة الإنسان عندما يصاحب إنساناً يستطيع أن يعرف أنه مستقيم، أو غير مستقيم بكونه يصلي، أو لا يصلي، كون أمر الصلاة عنده عظيم، أو هين، بخلاف الزكاة والصيام والحج، فهذه لا تعرف؛ لأنها لا تأتي في السنة إلا مرة واحدة، والحج لا يأتي في العمر إلا مرة واحدة، لكن الصلاة في اليوم والليلة خمس مرات، إذا صاحبت إنساناً تستطيع أن تعرف أنه من أهل الخير، أو من أهل الشر، بكونه يصلي، أو لا يصلي، في خلال أربعة وعشرين ساعة تكتشفه أو بخلال أقل من أربعة وعشرين ساعة إذا جاء أول وقت من الصلاة، لكن الزكاة ما تأتي في السنة إلا مرة واحدة وعلى الأغنياء، وإذا مسك النصاب وحال عليها الحول، والصيام يأتي في السنة شهراً، والحج يأتي في العمر مرة واحدة.

    هي الصلة الوحيدة بين العبد وبين ربه، ولهذا جاء في القرآن أنها تنهى عن الفحشاء والمنكر؛ لأن الإنسان الذي يحافظ على الصلاة يرجو ثواب الله ويخشى عقاب الله إذا حدثته نفسه بسوء يتنبه ويقول: لماذا كنت أصلي؟ أخاف من العقاب، فيكون ذلك رادعاً له، ودافعاً له، وزاجراً له عن أن يقع في الأمر المحرم.

    ثم بعد ذلك الزكاة التي نفعها متعدد، يستفيد منها المتصدق المزكي والمعطى الزكاة، يستفيد طهرة لماله، وتنمية لماله، وتحصيل الأجر والثواب عند الله عز وجل على أدائه زكاة ماله، والفقير يستعمل تلك الزكاة التي فرضها الله له، فيشد بها رمقه، ويقضي بها حاجته.

    والرسول صلى الله عليه وسلم لما أرشد إلى أن يدعو إلى الزكاة بعد الصلاة، قال: فإن هم أجابوك، يعني: استجابوا لأن يدفعوا الزكاة، قال: [وإياك وكرائم أموالهم]، احذر أن تأخذ كرائم الأموال، وهي: النفيسة الجيدة، أنفس الأموال وأجود الأموال، إياك وكرائم الأموال، يعني: إياك أن تأخذها؛ لأن أخذها ظلم، ثم عقب ذلك بقوله: [( واتق دعوة المظلوم )]؛ لأنك إن أخذتها تأخذ بغير حق، فتكون ظالماً، فيكون ذلك سبباً في أن يدعو عليك من ظلمته، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب، فيجني الإنسان على نفسه، ويتسبب بأن يجلب البلاء على نفسه بأن يأخذ ما لا يستحقه، وهو يظلم بعض الناس لبعض الناس، ويقولون في الكلمات الشائعة: شر الناس من ظلم الناس للناس، يعني: يظلم لغيره، يظلم غيره والمصلحة لغيره، وهم الفقراء والمساكين، فالرسول عليه الصلاة والسلام قال: ( إياك وكرائم أموالهم ).

    وإذاً: لا تؤخذ الزكاة من الكرائم، ولا تؤخذ من الرديء، مثلما مر في الحديث، ونهى عن الرذالة في الصدقة، يعني: أن يدفع الشيء الرذيل عند قوله: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون )، أي: الرديء، وإذاً فالذي يؤخذ هو من الوسط، لا من الجيد ولا من الرديء؛ لأن أخذ الجيد فيه إضرار بأصحاب الأموال وظلم لهم، وأخذ الرديء فيه إضرار بالفقراء، وإذا أخذ الوسط فيه الاعتدال والتوسط في الأمور بين الجودة والرداءة، وإنما يؤخذ من أوساط المال، والمقصود من إيراد الحديث: [تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم]، من قال: أن الضمير يرجع إلى أهل اليمن يقول: لا يدل الحديث على إخراج زكاة المال إلى بلد آخر، ومن قال: الضمائر ترجع للمسلمين، قال: بأنها تخرج الزكاة من بلد إلى بلد، والذي ذكرته هو التفصيل؛ لأنه إذا كان البلد الذي فيه الفقراء والمساكين أشد، فهم أولى، وإذا كان غيرهم أشد، فإن كون أولئك يعطون وهؤلاء يعطون، هذا هو المناسب، والله تعالى أعلم.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم فتوضع في فقرائهم...)

    قوله: [ أخبرنا محمد بن عبد الله بن المبارك ].

    هو محمد بن عبد الله بن المبارك المخرمي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأبو داود، والنسائي.

    [ حدثنا وكيع عن زكريا بن إسحاق ].

    عن وكيع ، وهو ابن الجراح ، وقد مر ذكره، وكيع بن الجراح الرؤاسي ، ثقة، مصنف، حديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    حدثنا زكريا بن إسحاق المكي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن يحيى بن عبد الله بن صيفي ].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن أبي معبد ].

    هو نافذ مولى ابن عباس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [ عن ابن عباس ].

    وقد مر ذكره.

    وأما صدقة الفطر، فالحكم فيها كزكاة المال، في النقل من بلد إلى بلد، يمكن أن تنقل من بلد إلى بلد إذا كانت الحاجة أشد، وإن كانت الحاجة ليست أشد، بل البلد الذي فيه الإنسان أشد حاجة، فإنها لا تخرج.

    ولو أن إنساناً صام تسعة وعشرين كلها في بلد، وآخر يوم سافر إلى بلد آخر، ذهب إلى مكان آخر.

    فإذا كان يمكنه أن يخرج الزكاة، ويمكنه أن يوصي أهله بأن يخرجوا له معهم، وإن أخرج في بلده وهم أخرجوا في بلدهم، فهذا مناسب.

    1.   

    باب: إذا أعطاها غنياً وهو لا يشعر

    شرح حديث: (... لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا أعطاها غنياً وهو لا يشعر.

    أخبرنا عمران بن بكار حدثنا علي بن عياش حدثنا شعيب حدثني أبو الزناد مما حدثه عبد الرحمن الأعرج ، مما ذكر أنه سمع أبا هريرة رضي الله عنه يحدث به عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: ( قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: اللهم لك الحمد على سارق، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد على زانية، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال اللهم لك الحمد على زانية، وعلى سارق، وعلى غني، فأتى فقيل له: أما صدقتك فقد تقبلت، أما الزانية فلعلها أن تستعف به من زناها، ولعل السارق أن يستعف به عن سرقته، ولعل الغني أن يعتبر فينفق مما أعطاه الله عز وجل )].

    أورد النسائي هذه الترجمة، وهي: إذا أعطى الصدقة لغني وهو لا يشعر، يعني: فهل تمضي أو لا تمضي أو أنه يقضيها؟ المقصود أنه: يعطيها للفقراء والمساكين، ولكن لو أعطاها لغني يظنه فقيراً، ثم تبين أنه غني فهي مجزئة، لا يقال: إنه عليه أن يقضيها؛ لأنه ما دام أنه عندما أعطاها إياه كان يظنه فقيراً، ثم تبين بعد ذلك له أنه غنياً، لا يقال: أن الصدقة عليه أن يقضيها، وأن يعطيها لفقير؛ لأن تلك أعطيت لمن لا يستحقها.

    النسائي أورد هذه الترجمة، وأورد تحتها هذا الحديث، حديث أبي هريرة في قصة رجل من بني إسرائيل من الأمم المتقدمة، وقد جاء في مسند الإمام أحمد كونه من بني إسرائيل، رجل من بني إسرائيل، وقال: لأتصدق، فألزم نفسه بالصدقة، ثم خرج بصدقته فأعطاها لامرأة، فتبين أنها زانية، فجعل الناس يتحدثون: تصدق على زانية، يتعجبون، تصدق على زانية، فسمع ذلك، فقال: الحمد لله على زانية، يعني: صدقة على زانية، الحمد لله، ثم قال: لأتصدقن، فخرج بصدقته وأعطاها لسارق، شخص صار سارقاً، وما يعرف أنه سارق، ولكنه أعطاها لشخص، يظن أنه أهل لها، وتبين أنه عاصي، صاحب سرقات، وأخذ أموال الناس، فجعل الناس يتحدثون: تصدق على سارق، فقال: الحمد لله على سارق، يعني: صدقة على سارق، ثم قال: لأتصدقن، فخرج وأعطاها لغني، فجعل الناس يتحدثون: تصدق على غني، فقال: الحمد لله على زانية، صدقة على زانية، وعلى سارق، وعلى غني، فأتي في منامه فقيل له: أما صدقتك على السارق فلعله يستعف به، أو يستغني به، يعني: عن السرقة، ويكف به عن السرقة، وعن إيذاء الناس، وصدقته على الزانية لعلها تستعف به عن الزنا، وصدقته على غني لعله يتذكر ويعتبر، وأنه يكون مثل هذا الشخص الذي أغناه الله ويتصدق، فيتصدق كما تصدق هذا الذي وضع في يده صدقة، يتذكر أن الغني يتصدق، فهو نفسه يتصدق، كما وضع في يده يضع في أيدي الناس، كما يضع في يده ذلك المتصدق وضع في يده تلك الصدقة، هو يتذكر ويتنبه ويعتبر، ويتصدق على الناس، ويعطي الناس، ويضع في أيدي الناس منه صدقة.

    ثم الاستدلال بالحديث، يعني: هذا فيه شرع من قبلنا، فهل هو شرع لنا أو ليس بشرع لنا؟ شرع من قبلنا فيه ثلاثة أحوال:

    الحال الأولى: أن يأتي في شرعنا ما يدل على أنه شرع لنا، يعني: ذكر في شرع من قبلنا، ولكن جاء في شرعنا أنه شرع لنا، فيكون شرع لنا؛ لأنه كان في شرع من قبلنا، وجاء في شرعنا أنه شرع لنا، فصار الذي علينا هو مثل الذي على من قبلنا، المثال.

    قتل النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، جاء في التوراة: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ [المائدة:45]، وجاء في شرعنا أن هذا لنا.

    الحالة الثانية: أن يأتي في شرعنا أنه ليس لنا، ذكر في شرع من قبلنا، ولكن جاء في شرعنا أنه ليس لنا، فهذا ليس لنا؛ لأنه جاء في شرعنا أنه ليس لنا، وإن كان لمن قبلنا، يعني: مثال ذلك الجمع بين الأختين، كان في الشرائع السابقة لهم، وفي شريعتنا ليس لنا، ففي بعض الشرائع السابقة الجمع بين الأختين سائغ، شريعتنا جاء أنه ليس لنا هذا، يعني: منعنا من ذلك، وحرم علينا ذلك، فإذاً كان في شرع من قبلنا، ثم جاء في شرعنا أنه ليس لنا، فإذاً لا يكون لنا.

    الحالة الثالثة: أن يذكر في شرعنا أنه في شرع من قبلنا، لكن ما جاء في شرعنا، يعني: شيء يدل على إثباته ولا على نفيه، هذه الحال مختلف فيها بين العلماء، جمهور العلماء على أنه يكون لنا، وبعض العلماء يقول: إنه ليس لنا، والذين يقولون بأنه لنا يقولون: أنه ما ذكر لنا إلا لنعتبر ونتعظ ونستفيد؛ لأنه ذكر في شرعنا أنه في شرع من قبلنا، وما جاء في شيء يمنعنا، وما جاء في شيء يجعله لنا، إذاً يكون لنا.

    وعلى هذا فالذي جاء في شرع من قبلنا في هذا الحديث، أن ذلك الشخص أعطاها لغني وهو لا يشعر، واعتبرت صدقته، فكذلك لو أن إنساناً في شرعنا أو في هذه الأمة أعطاها لإنسان يظنه فقيراً، فبان غنياً بعد ذلك، فإن الصدقة مجزئة وهي في محلها، وخرجت مخرجها، وليس عليه قضاؤها.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... لأتصدقن بصدقة فخرج بصدقته فوضعها في يد غني...)

    قوله: [ أخبرنا عمران بن بكار ].

    ثقة، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا علي بن عياش ].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [ حدثنا شعيب ].

    هو شعيب بن أبي حمزة، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ حدثني أبي الزناد ].

    هو عبد الله بن ذكوان المدني ، مشهور بلقبه أبو الزناد ، وهو على صيغة الكنية؛ لأنه ليس كنيته أبو الزناد، وإنما لقبه أبو الزناد على صيغة الكنية، وكنيته قيل: أبو عبد الرحمن، ولقبه: أبو الزناد، وهو مشهور بلقبه، وهو عبد الله بن ذكوان المدني ، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [ مما حدثه الأعرج ]

    هو عبد الرحمن بن هرمز، لقبه الأعرج المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، وهو مشهور بلقبه الأعرج، ومعرفة ألقاب المحدثين من الأمور المهمة في علم المصطلح؛ لأن فائدة معرفتها أن لا يظن الشخص الواحد شخصين فيما إذا ذكر مرة باسمه، ومرة بلقبه.

    وأبو هريرة ، عبد الرحمن بن صخر الدوسي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأكثر أصحابه حديثاً على الإطلاق رضي الله عنه وأرضاه.