إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك

شرح سنن النسائي- كتاب قيام الليل وتطوع النهار - باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلكللشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • بيّن شرعنا الحكيم أن صلاة الإنسان في بيته أفضل من صلاته في المسجد إلا المكتوبة فإنها تؤدى في المسجد، ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن ترك البيوت بلا صلاة كالمقابر.

    1.   

    الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك

    شرح حديث: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كتاب قيام الليل وتطوع النهار، باب الحث على الصلاة في البيوت والفضل في ذلك.

    أخبرنا العباس بن عبد العظيم حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء حدثنا جويرية بن أسماء عن الوليد بن أبي هشام عن نافع: أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)].

    يقول النسائي رحمه الله: كتاب قيام الليل، وتطوع النهار، مراد النسائي رحمه الله بهذه الترجمة هو: بيان الأحكام التي دلت عليها الأحاديث المتعلقة بالنوافل، التي هي غير المكتوبة؛ لأن الفرائض التي فرضها الله عز وجل هذه صلوات مكتوبة، ولما ذكر الصلاة المكتوبة، وذكر كذلك جملة من الكتب المتعلقة بالصلوات التي تأتي في أوقات معينة، كالاستسقاء، والعيدين، والكسوف، أتى بالتطوع الذي هو قيام الليل والنوافل في النهار، وأتى بقيام الليل، لأن هذا هو اللفظ الذي يأتي كثيراً مع الأحاديث المتعلقة بصلاة الليل، فيقال فيه: قيام الليل، والمراد بالترجمة مطلقاً هو النوافل، وهي غير الفرائض، سواءً كانت في الليل أو في النهار، إلا أن الغالب على صلاة الليل يقال لها: قيام الليل، فمن أجل ذلك جمع بين ذكر الليل، وذكر النهار بذكر القيام مع الليل، وذكر التطوع مع النهار، وإن كان كله يقال له: تطوع، حتى قيام الليل، هو من قبيل التطوع؛ لأنه غير الفريضة، وهو مما سوى الفرائض.

    وقد أورد النسائي باب الحث على الصلاة في البيوت، والفضل في ذلك، أي: ترغيب، وبيان الفضل الذي يترتب على هذا العمل، وبيان فضل ذلك العمل الذي هو الصلاة في البيوت، وقد أورد النسائي، حديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [(صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)]، صلوا في بيوتكم، أي: النوافل التي هي سوى الفرائض، وأما الفرائض فإنها تصلى في المساجد، والمسلم يخرج من بيته إلى المساجد ليؤدي هذه الصلوات المفروضة، التي فرضها الله عز وجل على عباده، في اليوم والليلة خمس مرات، فقد بنيت المساجد لأداء الصلوات الخمس، ولإقامة ذكر الله عز وجل، وأما التطوع فإنه في البيوت أفضل.

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال: [(صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)]، والمقصود من قوله: [(صلوا في بيوتكم)]، أي: النوافل وليست الفرائض؛ لأن الفرائض، قد هم النبي عليه الصلاة والسلام بتحريق بيوت المتخلفين عن الصلاة في المساجد، وهذا يدل على وجوب صلاة الجماعة، وأنه يجب على المسلم، أن يخرج من بيته ليصلي الجماعة، وإنما الصلاة المطلوبة في البيوت هي النوافل، ولما قال عليه الصلاة والسلام: [(صلوا في بيوتكم، قال: ولا تتخذوها قبوراً)]، فالمراد بقوله: [(لا تتخذوها قبوراً)]، بعد قوله: [(صلوا في بيوتكم)]، هو بيان أن البيوت لا تشبه بالمقابر، وتكون شبيهة بالمقابر إذا خلت من الصلاة، لأن المقابر لا يصلى فيها، فلا تتخذ البيوت مثل المقابر لا يصلى فيها، وهذا يدل على أن المقابر لا يصلى فيها؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لما أمر بالصلاة في البيوت، نهى أن تتخذ قبوراً، بأن تكون شبيهة بالمقابر التي ليست محلاً للصلاة، التي لا يجوز للإنسان أن يصلي فيها، أي: النوافل أو الفرائض، لا تتخذ المقابر مواضع للصلاة، وأما صلاة الجنازة على القبور، أو على القبر بعد الدفن لمن لم يصل عليه، فإن هذا جاءت به السنة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا ينافي ذلك، النهي عن اتخاذ البيوت مقابر، يعني: وأنها لا تشبه بالمقابر بحيث لا يصلى فيها، وكذلك ما جاء من النهي عن الصلاة إلى القبور، والجلوس عليها، لا ينافي ذلك؛ لأن هذه صلاة خاصة تتعلق بالميت، والنبي عليه الصلاة والسلام صلى على القبر بعد دفنه، فدل هذا على أن صلاة الجنازة، تختلف عن الصلوات الأخرى التي هي: فرائض أو نوافل، [(صلوا في بيوتكم، ولا تتخذوها قبوراً)].

    ثم أيضاً قيل: إن المراد بقوله: [(لا تتخذوها قبوراً)]، أي: لا يكون لكم فيها شأن إلا النوم، وأن تكونوا تتخذوا هذه المساكن للنوم فقط، وليس لها نصيب من العبادة، فيكون شأن البيوت تشبه المقابر، من حيث أنها تتخذ أمكنة للنوم فقط، والنوم أخو الموت، والنوم هو الموتة الصغرى، والله عز وجل يقول: اللَّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا [الزمر:42]، يعني: يتوفاها في منامها، فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى [الزمر:42]، والنوم أخو الموت، ولهذا قد جاء أن أهل الجنة لا ينامون، وهم لا يذوقون فيها الموت، أي: الموت مطلقاً، سواءً الموت الذي هو الموت الأكبر، أو الموت الأصغر الذي هو مؤقت، والذي هو: خروج الروح لفترة مؤقتة، ففسر النهي عن اتخاذ البيوت مقابر، أي: لا تتخذ أماكن للنوم فقط، كما تتخذ المقابر للموتى، فتكون البيوت أماكن للموت الأصغر، والمقابر أماكن للموت الأكبر، وإنما يكون للبيوت نصيب من الصلاة.

    وقيل أيضاً: إن قوله: [(لا تتخذوها قبوراً)]، أي: لا تدفنوا الموتى في البيوت، لا تتخذوها أماكن للدفن، بل الموتى يدفنون في غير البيوت؛ لأن الدفن في البيوت هو بناء على القبور، والبناء على القبور لا يجوز، وإنما الدفن يكون في المقابر ولا يكون في البيوت؛ لأن البيوت ليست أماكن للدفن.

    وما جاء من كون النبي عليه الصلاة والسلام دفن في بيته، هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، وجاء أن الأنبياء يدفنون حيث يموتون، فهو دفن حيث مات عليه الصلاة والسلام، ودفنه في بيته من خصائصه، ودفن أبي بكر، وعمر، رضي الله عنهما معه في المكان الذي دفن فيه، ولهذا عمر رضي الله عنه، لما طعن، ومكث أياماً، كان مما عمله، أو مما أراده في تلك الفترة، أنه أرسل إلى أم المؤمنين عائشة يطلب منها أو يستأذن منها، أن يدفن مع الرسول صلى الله عليه وسلم، ومع أبي بكر، ولما جاء الذي ذهب لاستئذانها، وأخبره بذلك فرح، ولورعه رضي الله تعالى عنه وأرضاه، خشي أن تكون عائشة رضي الله عنها أجابت استحياء منه ما دام موجوداً، وأنه يمكن أن يتغير رأيها إذا مات؛ لأنها أخبرت بأنها قد هيأت لنفسها مكاناً تدفن فيه مع زوجها صلى الله عليه وسلم، وأبيها رضي الله تعالى عنه، وقالت: إنها تؤثره به، فخشي أن يكون هذا الإذن حياءً منه لما كان حياً، وأنه إذا مات يمكن أن يتغير رأيها، فأوصى بأنه إذا مات وحمل، يذهب به إليها، وتستأذن، فإن أذنت دفن، وإلا دفن مع المسلمين، أي معناه: أنه يدفن في المقابر التي يدفن فيها الموتى ولا يدفن في البيت وما قال: ادفنوني في بيتي، وإنما قال: ادفنوني مع المسلمين في مقابرهم.

    وعلى هذا فإن قوله: [(ولا تتخذوها قبوراً)]، يصلح فيه المعنى الذي جاء ذكره هنا، من حيث أنها لا تتخذ مشبهة بالمقابر، فلا يصلى فيها، وأيضاً لا تكون مشبهة بالمقابر، بحيث ما تتخذ إلا للنوم، وهو الموتة الصغرى، وأيضاً لا تتخذ أماكن للدفن؛ لأن الدفن لا يكون في البيوت، وإنما يكون في المقابر، وما جاء من دفنه عليه الصلاة والسلام في بيته، فإن هذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام.

    تراجم رجال إسناد حديث: (صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبوراً)

    قوله: [أخبرنا العباس بن عبد العظيم].

    هو العباس بن عبد العظيم العنبري البصري، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا عبد الله بن محمد بن أسماء].

    هو عبد الله بن محمد بن أسماء بين عبيد الضبعي البصري، وهو ثقة، أخرج له البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي.

    [حدثنا جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي].

    يروي عن عمه جويرية بن أسماء؛ لأن عبد الله بن محمد بن أسماء، أبوه: محمد، وهو أخو جويرية، وأسماء والد جويرية ووالد محمد، فـعبد الله بن محمد، يروي عن عمه جويرية بن أسماء بن عبيد الضبعي، وهو صدوق، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، أي: فيه زيادة: ابن ماجه للذين خرجوا لابن أخيه عبد الله بن محمد، وجويرية بن أسماء، اسمه واسم أبيه، مما اتفق أن يكون من أسماء النساء، لأن جويرية من أسماء النساء، وأسماء من أسماء النساء، فهو وأبوه اتفقا أن تكون أسماؤهم من جنس أسماء النساء.

    [عن الوليد بن أبي هشام].

    صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن نافع].

    هو مولى ابن عمر، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما].

    وهو أحد العبادلة الأربعة، من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص، هؤلاء أربعة يقال لهم: العبادلة الأربعة؛ لأنهم في سن متقارب، وهم من صغار الصحابة، وقد عاشوا، وأدركهم من لم يدرك الكبار من الصحابة، وفي الصحابة ممن يسمى عبد الله كثير، لكن لقب العبادلة الأربعة، على هؤلاء الأربعة الصغار من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وممن يسمى عبد الله من أصحاب رسول الله غير هؤلاء: عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعبد الله بن زيد بن عبد ربه، وعبد الله بن زيد بن عاصم، وعبد الله أبي بكر، كثيرون يسمون باسم عبد الله، لكن الذين أطلق عليهم لقب العبادلة الأربعة من الصحابة، هم هؤلاء الأربعة من أصحابه الكرام، وهم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عمرو بن العاص.

    وقد قيل: إن عبد الله بن مسعود هو أحد العبادلة الأربعة، لكن الصحيح أنه ليس منهم؛ لأنهم متقاربون في السن، وعاشوا في وقت واحد، وهم من صغار الصحابة، وأما ابن مسعود، فهو من المهاجرين الأولين، وهو أيضاً من المتقدمين، وكانت وفاته سنة اثنتين وثلاثين، أي: في خلافة عثمان، وأما هؤلاء فقد عاشوا بعده في حدود ثلاثين سنة، أو أكثر من ثلاثين سنة، فأدركهم من لم يدرك ابن مسعود، ولم يدرك كبار الصحابة، فلهذا يقال لهم: العبادلة الأربعة.

    وأيضاً عبد الله بن عمر، هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهم: أبو هريرة، وابن عمر، وابن عباس، وأبو سعيد الخدري، وأنس بن مالك، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأم المؤمنين عائشة، هؤلاء سبعة، هم الذين عرفوا بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولم يرو أحد من الصحابة مثلما روى هؤلاء السبعة من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عن الصحابة أجمعين.

    شرح حديث: (... أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا أحمد بن سليمان حدثنا عفان بن مسلم حدثنا وهيب سمعت موسى بن عقبة سمعت أبا النضر يحدث عن بسر بن سعيد عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم اتخذ حجرة في المسجد من حصير، فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها ليالي، حتى اجتمع إليه الناس، ثم فقدوا صوته ليلة فظنوا أنه نائم، فجعل بعضهم يتنحنح ليخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيت من صنعكم؛ حتى خشيت أن يكتب عليكم، ولو كتب عليكم ما قمتم به، فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)].

    أورد النسائي حديث زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام، اتخذ حجرة من حصير، يعني: تكون كالستار، يحتجزها أي: اقتطعها من المسجد، بحيث يصلي فيها، ولعل اتخاذه ذلك لضيق المكان في داخل منزله عليه الصلاة والسلام، ولما علم الصحابة رضي الله عنهم بصلاته، جاءوا، وصلوا معه، عليه الصلاة والسلام، ثم صلوا معه مرة أخرى، ثم لما رآهم تتابعوا، وأعلم بعضهم بعضاً، وكثروا لم يخرج في ليلة، وقد انتظروا خروجه عليه الصلاة والسلام، وظنوا أنه نائم، فجعل بعضهم يتنحنح، أي: ينبه الرسول صلى الله عليه وسلم ليخرج إليهم، فيصلي بهم كما صلى بهم في تلك الليالي السابقة، والنبي عليه الصلاة والسلام ما كان نائماً، ولكنه لم يخرج خشية أن يفترض عليهم قيام الليل، وكان هذا في رمضان، وهذا هو الأصل في صلاة التراويح.

    لقد صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه ليال في آخر الشهر، ولما رآهم تتابعوا، وكثروا، خشي أن يفرض عليهم، فترك ذلك صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، وهذا من شفقته على أمته، وحرصه على دفع المشقة عنها، وأن تكلف بما فيه مشقة عليها، فخشي أن يفرض ذلك، أي: صلاة الليل أو قيام رمضان، فأخبرهم بأنه يعلم بمكانهم، وأنهم حضروا، ولكن منعه من ذلك خشية افتراضه عليهم، أي: قيام رمضان، وهذا من شفقته على أمته عليه الصلاة والسلام، وحرصه على دفع العنت والمشقة عنها.

    ثم قد يقال: كيف يقول النبي: [(إني خشيت أن يفرض)]، وهو عليه الصلاة والسلام، لما عرج به إلى السماء وفرضت عليه الصلوات الخمس، وكانت خمسين أولاً، ثم خففت إلى خمس، وصارت خمساً في العمل وخمسين في الأجر، وقال: ما يبدل القول لدي، يعني: أنها تقف عند هذا الحد، فكيف يزاد شيئاً يفرض، وقد خففت الخمسين إلى خمس؟

    والجواب عن هذا: أنه لا يختلف؛ لأن الخمس في اليوم والليلة، يعني فرضها في اليوم والليلة هذا هو الذي لا يحصل فيه زيادة؛ لأن الله تعالى خفف، لكن كونه يحصل في السنة يعني: في رمضان يفرض عليهم صلاة التراويح، وهذا لا ينافيه، كونه خفف عنهم في اليوم والليلة؛ لأن التخفيف كان عن اليوم والليلة، أما كونه يحصل لهم في شهر من السنة أن يفرض عليهم شيء، فهذا هو الذي خشيه الرسول عليه الصلاة والسلام.

    ثم إن أبا بكر رضي الله عنه، مدة خلافته الوجيزة سنتان وأشهر، لم يجمع الناس على صلاة التراويح، وكان مشغولاً بقتال المرتدين، وإرجاعهم إلى حظيرة الإسلام، وإلى ما كانوا عليه في زمنه عليه الصلاة والسلام، ولما جاء عمر رضي الله عنه، أعاد للناس الصلاة التي فعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه تركها خشية أن تفرض؛ لأن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم قد زال؛ ولأنه لا فرض بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولما توفي رسول الله استقرت الشريعة، فالفرائض فرائض، والنوافل نوافل، فما هناك شيء يخشى بعد وفاته، وإنما الخشية في حياته، فما زال الوحي ينزل، وبعد وفاته زال ذلك الذي خشيه النبي صلى الله عليه وسلم، فأعاده عمر رضي الله عنه، وجمع الناس على صلاة التراويح؛ لأنه زال الشيء الذي من أجله ترك الصلاة بهم صلى الله عليه وسلم في آخر شهر رمضان.

    قوله: [(فصلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)]، وهذا هو محل الشاهد من إيراد الحديث في الترجمة، يعني: إلا المكتوبة فإنها في المسجد أفضل، بل هي واجبة في المسجد، وهذا فيه الحث على الصلوات في البيوت، وبيان أن الصلاة في البيت أفضل من الصلاة في المسجد.

    صلاة النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد النبوي لمن صلى فيه

    ثم أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(صلوا أيها الناس في بيوتكم، فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)]، وهو في مسجده عليه الصلاة والسلام، وإذا كانت الصلاة في البيوت أفضل من الصلاة في مسجده، ومع أن الصلاة في مسجده بألف صلاة، فهذا يدلنا على أن الصلاة لمن صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، فإن صلاته في بيته أفضل من صلاته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وأجرها أعظم من الصلاة في مسجده، ومن صلى في مسجده فله أجر النافلة بألف نافلة، والفريضة بألف فريضة، لكن النافلة في البيت، لمن صلى في المسجد، أفضل من صلاة النافلة في مسجده صلى الله عليه وسلم، أما من لا يصلي الفرائض في مسجده عليه الصلاة والسلام، وإنما يصليها في مساجد أخرى، فلا يقال: إن صلاته في بيته، أفضل من صلاته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم؛ لأنه ما أدى الفريضة في مسجده عليه الصلاة والسلام، حتى يريد أن يصلي في مسجده النوافل، وإنما تكون أفضل من صلاته في مسجده الذي صلى فيه الفريضة، لا يقال: إن من صلى في بيته في المدينة أفضل من صلاته في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، أي: النوافل، ولكن من صلى في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، وتمكن من أن يصلي النوافل في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكنه تركها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: [(صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)]، فإن الصلاة في بيته أفضل من الصلاة في مسجد الرسول صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام قال هذا في مسجده، ومعه أناس أرادوا أن يصلوا في مسجده نافلة، خشي أن تفترض عليهم.

    ومن العلماء من قال: إن صلاة الليل مطلقاً في البيوت أفضل، حتى صلاة التراويح، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لما ترك ذلك خشية أن يفترض قال: [(صلوا في بيوتكم فإن الصلاة في البيوت أفضل)]، لكن لما أعاد عمر رضي الله عنه تلك الشعيرة؛ لأنه زال الزمن أو انتهى الزمن الذي يخشى منه فرضها، أو يخشى فيه فرضها، فإن الاجتماع لصلاة التراويح، وحضور صلاة التراويح في المساجد أفضل؛ لأنها صارت شعيرة من شعائر الإسلام، وهي إظهارها جماعة في المساجد؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بهم، وترك تلك الصلاة خشية أن تفترض، ثم أرشدهم إلى أن يصلوا في البيوت؛ لأنه يخشى أن تفترض عليهم هذه الصلاة، لكن لما جمع عمر الناس على صلاة التراويح، فإن جماعة من أهل العلم قالوا: إن صلاة التراويح في المساجد أفضل من صلاتها في البيوت؛ لأن هذه شعيرة من شعائر الإسلام، أي: كونه يصلى، ويجتمع لهذه الشعيرة، ولهذه الصلاة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... أفضل صلاة المرء في بيته إلا الصلاة المكتوبة)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن سليمان].

    هو أحمد بن سليمان الرهاوي، وهو ثقة، حافظ، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا عفان بن مسلم].

    هو عفان بن مسلم الصفار، وهو ثقة، ثبت، ربما وهم، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا وهيب].

    هو وهيب بن خالد البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت موسى بن عقبة المدني].

    ثقة، فقيه، إمام في المغازي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت أبا النضر].

    هو سالم بن أبي أمية المدني، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن بسر بن سعيد].

    ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن زيد بن ثابت].

    وزيد بن ثابت، صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وكاتب الوحي، وهو صحابي مشهور، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    شرح حديث: (... عليكم بهذه الصلاة في البيوت)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا محمد بن بشار حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير حدثنا محمد بن موسى الفطري عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة عن أبيه عن جده رضي الله تعالى عنه قال: (صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، فلما صلى قام ناس يتنفلون، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: عليكم بهذه الصلاة في البيوت)].

    أورد النسائي حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى المغرب في مسجد بني عبد الأشهل، ولما صلى، رآهم يتنفلون بعد الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: [(عليكم بهذه الصلاة في البيوت)]، وهذا يدل على تفضيل النوافل في البيوت على غيرها، وهو داخل تحت عموم قوله: (فإن أفضل صلاة الرجل في بيته إلا المكتوبة)؛ لأن هذه من جملة النوافل، والحديث عام: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، يشمل كل ما عدا الفرائض؛ لأن قوله: (صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، يشمل تلك وغيرها، لكن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن ينبههم على أن صلاتهم النافلة في البيت أفضل من صلاتها في المسجد، وإلا فإن قوله: (فإن صلاة الرجل في بيته أفضل إلا المكتوبة)، يشمل جميع النوافل وتدخل فيها هذه النافلة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (... عليكم بهذه الصلاة في البيوت)

    قوله: [أخبرنا محمد بن بشار].

    هو الملقب بندار، وهو بصري، ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة، بل هو شيخ لأصحاب الكتب الستة، رووا عنه مباشرة وبدون واسطة.

    [حدثنا إبراهيم بن أبي الوزير].

    صدوق، أخرج له البخاري، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا محمد بن موسى الفطري].

    صدوق، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن سعد بن إسحاق بن كعب بن عجرة].

    ثقة، أخرج له أصحاب السنن الأربعة.

    [عن أبيه].

    هو إسحاق بن كعب بن عجرة، وقد قال عنه الحافظ: إنه مجهول، وحديثه أخرجه أبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن أبيه كعب بن عجرة].

    هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وصحابي مشهور، وهو صاحب القصة المتعلقة بفدية حلق الرأس، في حق من كان محرماً إذا احتاج إلى حلق رأسه، وأنه يكون عليه فدية، فـكعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه هذا، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    والإسناد فيه إسحاق بن سعد، وهو مجهول الحال، لكن كما علمنا أنه وجدت أحاديث أخرى تدل على ما دل عليه، فهو يعتبر ثابتاً.