إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف) إلى (باب إذا قيل للرجل: صليت؟ هل يقول: لا؟)

شرح سنن النسائي - كتاب السهو - (باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف) إلى (باب إذا قيل للرجل: صليت؟ هل يقول: لا؟)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • نهى عليه الصلاة والسلام عن مسابقة الإمام في الصلاة، وقد رتب على ذلك الوعيد الشديد، ويستحب لمن صلى ألا ينصرف حتى ينصرف إمامه، ويجوز للإمام أن يتخطى رقاب الناس للحاجة، كما يجوز لمن سئل: هل صليت؟ أن يقول: ما صليت.

    1.   

    النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة

    شرح حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب النهي عن مبادرة الإمام بالانصراف من الصلاة.

    أخبرنا علي بن حجر حدثنا علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس بن مالك قال: (صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم، ثم أقبل علينا بوجهه فقال: إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي، ومن خلفي، ثم قال: والذي نفسي بيده! لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيراً، قلنا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب النهي عن مبادرة الإمام في الانصراف من الصلاة. ومراد النسائي رحمه الله أن الإمام يجب الائتمام به، ومتابعته، وأنه لا يسابق في شيء من أعمال الصلاة من أولها إلى آخرها، ومن ذلك الخروج منها بالسلام، فإنه لا يسلم قبل سلام الإمام، وكما أنه لا يسابق الإمام في أي عمل من الأعمال فأيضاً لا يوافق، وإنما يتابع بعدما يفرغ الإمام من العمل الذي هو كونه يسلم، أو كونه يقول: الله أكبر، أو يقول: سمع الله لمن حمده، فإنه بعدما يفرغ من الشيء الذي عليه يتابعه المأموم، كما سبق أن مر في بعض الأحاديث، أنه قال: (إنني أسجد قبلكم وأرفع قبلكم، فهذه بتلك)، يعني: اللحظة التي سبقتكم فيها أنتم جئتم بعدي، وكذلك عند الانتهاء منها، فهم أيضاً يتأخرون تبعاً له، فتكون هذه بتلك، ومعناه: أن الفترة التي مكثوها تماثل الفترة التي مكثها الإمام، إلا أن الإمام يتقدمهم وهم يتأخرون بعده، فلا يسابقونه، ولا يوافقنه، ولا يتأخرون عنه كثيراً؛ لأن أحوال متابعة الإمام، أو الائتمام به له أربعة أحوال:

    مسابقة وهي: التقدم عليه وسبقه في الأعمال. وموافقة وهي: أنه مثله تماماً، لا يتقدم عليه ولا يتأخر. ومتابعة وهي: كونه يأتي بعده مباشرة. وتأخر: وهي: أن يتخلف عنه كثيراً، فهذه الأعمال التي يؤتم بالإمام فيها، فإذا حصلت المسابقة، أو الموافقة، أو التخلف الكثير، فإن هذا لا يسوغ، وإنما الذي هو مطلوب هو المتابعة بدون موافقة وبدون تأخر.

    وقد أورد النسائي حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: [إني إمامكم]، ومعنى كونه (إمامهم): أنهم يأتمون به، وإلا فلماذا يتقدم الإمام ليصلي بالناس، يعني: لو كان الإنسان يصلي كما يشاء، أو يتقدم على الإمام، إذاً ما فائدة الإمام، ثم أيضاً هذا الذي يسابق الإمام، ماذا يستفيد من هذه المسابقة، كما قال بعض السلف: إذا علم الإنسان أنه لا يسلم قبل الإمام، ولا يخرج من الصلاة قبل الإمام، إذاً ما فائدة المسابقة، ومعناه: أنه إخلال في الصلاة وكون الإنسان لم يؤد الصلاة، مع أنه بمسابقته لم يخرج من الصلاة قبل الإمام، فلم يخرج منها ولم ينته منها قبل انتهاء الإمام.

    إذاً: فلابد من المتابعة، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [إني إمامكم، فلا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف]، والانصراف هو السلام والخروج من الصلاة، فهو يتابع في جميع أعمال الصلاة من بدايتها إلى نهايتها حتى الانصراف منها؛ الذي هو السلام الذي يكون به الانصراف، والذي يحصل به تحليل الصلاة، كما قال عليه الصلاة والسلام: (تحريمها التكبير، وتحليلها التسليم)، يعني: يحل للإنسان بعد التسليم ما كان محرماً عليه بعد التحريم الذي هو قول: الله أكبر؛ تكبيرة الإحرام، ويحل له ما كان محرماً عليه بعد التكبير، فيرجع الأمر إلى الحالة التي كان عليها قبل التحريم؛ يعني: قبل أن يدخل في تكبيرة الإحرام، أما بعدما أن يسلم فيعود الأمر إلى ما كان عليه، معناه: يتكلم، يشرب، يتحدث؛ لأنه خرج من الصلاة، فالصلاة بداية تحريمها هي تكبيرة الإحرام، ونهاية تحريمها التسليم.

    قوله: [فلا تسبقوني بالركوع ولا بالسجود ولا بالانصراف، فإني أراكم من أمامي ومن وراء ظهري]، أي: ومن خلفي، وهذا يبين أنه يطلع على ما يحصل منهم من المسابقة، وأن الله تعالى أقدره على ذلك، وأطلعه على ذلك، وهذا من خصائصه عليه الصلاة والسلام، يعني: كونه يراهم من وراء ظهره كما يراهم من أمامه عليه الصلاة والسلام.

    ثم قال: [لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا: ما رأيت يا رسول الله؟ قال: الجنة والنار]، فالجنة يحصل البكاء شوقاً، ورغبة، وحذراً من فواتها، وخوفاً من فواتها، والنار خوفاً منها، فالخوف من النار، وما فيها من الأهوال والأفزاع إذا تذكرها الإنسان فإنه يقل ضحكه، ويكثر بكاؤه، أو يحصل بكاؤه، والرسول عليه الصلاة والسلام قال: [لو رأيتم ما رأيت، لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً]، لكنهم ما رأوا هذا ولا شاهدوه، والنبي صلى الله عليه وسلم أطلعه الله على ما لم يطلعهم عليه، ولم يطلع الناس عليه؛ ليكون ذلك ابتلاء وامتحاناً لهم؛ ليتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب؛ لأن النار والجنة لو حصلت في الدنيا ورأى ذلك الناس في الدنيا لم يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب، ولهذا في صلاة الكسوف لما عرضت عليه الجنة، وعرضت عليه النار وهو في الصلاة، وتقدم في صلاته، ومد يده كأنه يريد أن يأخذ شيئاً، وتأخر حتى رجع القهقرى، وسأله أصحابه: لماذا حصل؟ رأيناك تقدمت حتى كأنك تتناول شيئاً، ورأيناك تأخرت، فقال عليه الصلاة والسلام: (عرضت علي الجنة فرأيت عناقيد العنب متدلية، فأرت أن آخذ منها عنقوداً فمددت يدي، ثم تركت، فلو أخذت منها لأكلتم ما بقيت الدنيا). يعني: هذا العنقود لو أخذ منه لأكل الناس إلى نهاية الدنيا، وذلك لعظم شأن نعيم الآخرة، لكن الرسول ترك ولم يأخذ منه شيئاً؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب ومن لا يؤمن بالغيب، ومن يصدق ومن لا يصدق، ومن يستعد ومن لا يستعد، ومن يتهيأ ومن لا يتهيأ، فالرسول صلى الله عليه وسلم أخبر بما شاهده وعاينه، وأنه لو حصل لهم ما حصل له لضحكوا قليلاً ولبكوا كثيراً؛ خوفاً من النار وخوفاً من العذاب.

    ولهذا عذاب القبر الله عز وجل أخفاه على الناس، وقد أطلع الله عليه نبيه عليه الصلاة والسلام، قال في الحديث الصحيح: (لولا ألا تدافنوا لدعوت الله أن يسمعكم من عذاب القبر ما أسمع)، فأطلعه الله عز وجل على عذاب القبر، وأسمعه ما يجري في القبور، وأطلعه على الجنة والنار، ولم يطلع الناس، ولكنهم أخبروا بذلك؛ حتى يتميز من يؤمن بالغيب، ومن لا يؤمن بالغيب.

    ومحل الشاهد منه قوله: [ولا بالانصراف]، هذا هو محل الشاهد للترجمة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (لا تبادروني بالركوع ولا بالسجود ولا بالقيام ولا بالانصراف ...)

    قوله: [أخبرنا علي بن حجر].

    هو ابن إياس السعدي المروزي، ثقة حافظ، أخرج له البخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وقد أكثر عنه مسلم في صحيحه.

    [حدثنا علي بن مسهر].

    ثقة يغرب، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن المختار بن فلفل].

    صدوق له أوهام، أخرج حديثه مسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    [عن أنس بن مالك].

    رضي الله عنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم وخادمه، وأحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    وهذا الإسناد رباعي من رباعيات كتاب النسائي التي هي أعلى الأسانيد عنده؛ لأنه علي بن حجر عن علي بن مسهر عن المختار بن فلفل عن أنس؛ أربعة أشخاص بين النسائي وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهي أعلى الأسانيد عند النسائي، وأطول الأسانيد عند النسائي عشرة، وقد مر بنا الحديث الذي فيه عشرة أشخاص في فضل سورة قل هو الله أحد في ما مضى من الأبواب، وكان بين النسائي وبين رسول الله عليه الصلاة والسلام عشرة أشخاص، وقال: إن هذا أطول إسناد؛ فأعلى الأسانيد عند النسائي أربعة، وأنزلها وأطولها عشرة.

    وفي الدرس الماضي جاء ذكر الزبيدي الذي هو محمد بن الوليد الحمصي، وحصل كلام حول من خرج له، والذين خرجوا له هم أصحاب الكتب الستة إلا الترمذي، وليس الجماعة، الجماعة ما خرجوا له جميعاً، فـالترمذي لم يخرج له، وإنما خرج له الستة إلا الترمذي.

    1.   

    ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف

    شرح حديث: (... من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب ثواب من صلى مع الإمام حتى ينصرف.

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا بشر وهو ابن المفضل حدثنا داود بن أبي هند عن الوليد بن عبد الرحمن عن جبير بن نفير عن أبي ذر قال: (صمنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم رمضان، فلم يقم بنا النبي صلى الله عليه وسلم حتى بقي سبع من الشهر، فقام بنا حتى ذهب نحو من ثلث الليل، ثم كانت سادسة، فلم يقم بنا، فلما كانت الخامسة قام بنا حتى ذهب نحو من شطر الليل، قلنا: يا رسول الله! لو نفلتنا قيام هذه الليلة، قال: إن الرجل إذا صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة، قال: ثم كانت الرابعة، فلم يقم بنا، فلما بقي ثلاث من الشهر أرسل إلى بناته ونسائه، وحشد الناس، فقام بنا حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح، ثم لم يقم بنا شيئاً من الشهر، قال داود: قلت: ما الفلاح؟ قال: السحور)].

    هنا أورد النسائي هذه الترجمة؛ وهي: باب ثواب من قام مع الإمام حتى ينصرف، ومعناه: أنه له أجر قيام الليلة إذا قام مع الإمام حتى ينصرف، وهذا في صلاة الليل، أو في صلاة التراويح، أو في التهجد في رمضان.

    وأورد النسائي في هذه الترجمة حديث أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه، أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يصل بهم في رمضان، أي: التهجد، أو قيام الليل حتى بقي سبع من الشهر، أي: في العشر الأواخر من رمضان بقي سبع، ففي هذه الليلة التي هي أول السبع خرج وصلى بهم إلى نحو ثلث الليل، وفي الليلة التي تليها لم يخرج ولم يصل بهم، وفي الليلة التي بعدها وهي الخامسة صلى بهم نحواً من شطر الليل، يعني: نصفه، ثم إنهم قالوا: لو نفلتنا بقية ليلتنا، يعني: واصلنا الصلاة إلى آخر الليل، فقال: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة]، معناه: أنه إذا صلى مع الإمام حتى ينتهي فإن الله تعالى يكتب له قيام ليلة إلى آخرها، يعني: يكتب له ثواب ذلك، ثم إنه لم يصل بعد ذلك في الليلة الرابعة، ولكن لما بقي ثلاث في الليلة الثالثة التي هي أولى الثلاث الباقية، قام وصلى، وحشد أهله، ودعا أهله، وصلى بهم، حتى خشوا أن يفوتهم الفلاح، والفلاح هو السحو؛ فلا يتمكنون من أكل طعام السحور؛ لأنهم كانوا يصلون معه عليه الصلاة والسلام.

    ثم إنه لم يخرج بعد ذلك، ولما راجعوه أخبرهم، قال: (خشيت أن يفرض عليكم)، والذي جاء في هذا الحديث دليل على مشروعية قيام رمضان جماعة، وأن صلاة التراويح سنة سنها رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأنها لم يكن وجودها ابتداء في عهد عمر، وإنما كان أصلها في زمنه عليه الصلاة والسلام، فصلى بهم بعض الليالي، ولكنه أفصح، وأخبر عن السبب الذي جعله لا يواصل، وأنه خشية أن يفترض عليهم؛ لأن الزمن زمن الوحي، وزمن التشريع، وهذا من نصحه، وشفقته على أمته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه خشي أن يفرض عليها قيام الليل، وأن يفرض عليها قيام رمضان، فترك ذلك، ولكن لما جاء زمن الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه؛ أي: بعد زمن أبي بكر ؛ وكان سنتين وأشهراً، ومر رمضانات في خلافته، وكان مشغولاً بقتال المرتدين رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وإعادة الناس إلى ما كانوا عليه في زمن النبوة، لكن لما جاء عمر وزمن عمر رضي الله عنه أعاد الناس إلى ما فعله معهم النبي صلى الله عليه وسلم، وهو أنه صلى بهم صلاة الليل، وقيام رمضان، وذلك أن الذي خشيه الرسول صلى الله عليه وسلم زال؛ لأن التشريع انتهى بوفاته عليه الصلاة والسلام فما بقي تشريع، فيكون مستحباً، ويكون مندوباً، ثابتاً من فعله عليه الصلاة والسلام، فـعمر رضي الله عنه جمع الناس، وجعلهم يصلون التراويح في رمضان، وليس هذا مما أحدث في زمن عمر.

    وما جاء عنه أنه قال: نعمت البدعة هي، ليس المراد بها البدعة التي ليس لها أساس من الدين، وإنما المراد بها أنها بدعة من حيث اللغة، يعني: معناه أنها وجدت بعد زمنه عليه الصلاة والسلام، لكن من حيث الشرع مستندة إلى فعله صلى الله عليه وسلم الذي لم يستمر عليه؛ خشية أن يفرض على الناس، فالمحذور زال بوفاته عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا تشريع بعد وفاته ولا وحي، بل توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد أكمل الله تعالى به الدين، فعلم بهذا أن قيام رمضان سنة، وأن الاجتماع عليه مستحب، وذلك بفعله، وإعادة عمر الناس إليه لما زال المحذور الذي كان خشيه النبي عليه الصلاة والسلام، وهو الفرض، وذلك شفقة منه على أمته صلى الله عليه وسلم.

    والحديث دال على ما ترجم له المصنف من حيث أن من قام مع الإمام حتى ينصرف في رمضان، فإنه يكتب الله له قيام ليلة، وقيام رمضان، بل قيام الليل عموماً ما حد فيه الرسول صلى الله عليه وسلم حداً محدوداً لا يتقدم عليه، ولا يتأخر عنه، نعم كان من فعله عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي إحدى عشر في رمضان وفي غيره، ولا ينقص عن سبع عليه الصلاة والسلام، ولكن قوله في الحديث الآخر: (صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، يدل على أن الأمر في ذلك واسع، وأن الاقتصار على ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم ليس متحكماً، وليس بلازم، والزيادة عليه جائزة، وسائغة؛ وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم: (صلاة الليل مثنى مثنى فإذا خشي أحدكم الصبح أتى بركعة توتر ما مضى)، فإذا صلى الإنسان خلف إمام يصلي التراويح، إذا كان يصلي إحدى عشر يصلي معه إحدى عشر، وإذا كان يصلي عشرين يصلي عشرين، وإذا كان يصلي أربعين يصلي أربعين، ويستمر معه حتى ينصرف؛ لكي يدخل تحت هذا الثواب، أو حتى يحصل هذا الثواب الذي قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو بقوله: [من قام مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة].

    تراجم رجال إسناد حديث: (من صلى مع الإمام حتى ينصرف حسب له قيام ليلة ...)

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].

    هو البصري، وكنيته أبو مسعود، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وقد ذكرت مراراً أن هذا من أنواع علوم الحديث، وأن فائدته ألا يظن التصحيف فيما لو ذكر بالكنية بدل النسبة، فإن الكل صواب، ولا تصحيف في ذلك؛ لأنه إسماعيل بن مسعود وإسماعيل أبو مسعود، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده.

    [حدثنا بشر وهو ابن المفضل].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (وهو ابن المفضل) هذه زادها النسائي، أو من دون النسائي، يعني: ما زادها إسماعيل بن مسعود ؛ لأن إسماعيل بن مسعود تلميذه، وهو يذكر شيخه كما يريد؛ ينسبه ويطول في نسبه، أو يقتصر في نسبه، وهو ذكره مختصراً؛ ذكر اسمه فقط، لكن من دونه النسائي أو من دون النسائي هو الذي أتى بهذه الزيادة، لكن لما أتى بها أتى بجملة تشعر بأنها ليست من التلميذ، بل هي ممن دون التلميذ، وهو ابن المفضل، فهذه قائلها من دون التلميذ، الذي قاله التلميذ بشر فقط، ومن دون التلميذ زاد هو ابن المفضل، وأتى بكلمة (وهو) حتى يعرف ذلك؛ لأنه لو أتى من دون التلميذ بقوله: بشر بن المفضل، فهم أن هذا الكلام من التلميذ، مع أن التلميذ ما قال إلا بشر فقط، فهم زادوها، ولم يأتوها بدون (هو)؛ حتى لا يضيفوا إلى التلميذ شيئاً ما قاله، واحتاجوا إلى أن يذكروها، فأتوا بشيء يميزها، وأن الكلام ليس من التلميذ، وإنما هو ممن دون التلميذ، وهذا من دقة المحدثين في تلقيهم، وأدائهم، وتحريرهم، وتدوينهم، وأنهم يأتون بمثل هذه القيود التي تبين القائل، والتي يحصل بزيادتها الإيضاح، والبيان، مع السلامة من أن يقوَّل التلميذ ما لم يقله، أو يعبر عنه بعبارة ما عبر بها، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب.

    [حدثنا داود بن أبي هند].

    ثقة أيضاً، أخرج حديثه البخاري تعليقاً، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن الوليد بن عبد الرحمن].

    هو الوليد بن عبد الرحمن الحمصي، وهو ثقة، أخرج حديثه البخاري في خلق أفعال العباد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [عن جبير بن نفير].

    ثقة، مخضرم، أخرج حديثه البخاري في الأدب المفرد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة، وهو من المخضرمين، وقد مر سابقاً ذكر اثنين من المخضرمين؛ وهم: مسروق بن الأجدع، والأسود بن يزيد بن قيس النخعي، وسويد بن غفلة، والمعرور بن سويد، وأبو وائل شقيق بن سلمة، والصنابحي هؤلاء مخضرمون، زاد عددهم على العشرين، وقد ذكرهم الإمام مسلم، ويقال لهم: المخضرمون؛ لأنهم أدركوا الجاهلية والإسلام ولم يلقوا النبي عليه الصلاة والسلام، وهم معدودون في كبار التابعين.

    [عن أبي ذر].

    هو أبو ذر الغفاري هو جندب بن جنادة صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    1.   

    الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس

    شرح حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب الرخصة للإمام في تخطي رقاب الناس.

    أخبرنا أحمد بن بكار الحراني حدثنا بشر بن السري عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي عن ابن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث قال: (صليت مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر بالمدينة، ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً؛ حتى تعجب الناس لسرعته، فتبعه بعض أصحابه، فدخل على بعض أزواجه ثم خرج، فقال: إني ذكرت وأنا في العصر شيئاً من تبرٍ كان عندنا، فكرهت أن يبيت عندنا، فأمرت بقسمته)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: تخطي الإمام رقاب الناس، يعني: عند الحاجة إلى ذلك، وذلك بأن يكون مثلاً سيذهب إلى مصلاه ولا يجد سبيلاً إليه إلا التخطي، أو اضطر إلى الخروج فإن له أن يتخطى رقاب الناس.

    وقد أورد النسائي حديث عقبة بن الحارث النوفلي رضي الله تعالى عنه، أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم العصر، ولما انصرف من الصلاة قام مسرعاً يتخطى رقاب الناس حتى دخل منزله، ففزع الناس، يعني: هذا شيء غريب، خلاف العادة، فخشوا أن يكون حصل أمر مخيف، أو يخشى منه، أو أنه نزل شيء فيهم، ففزعوا، ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام خرج وأخبرهم بالشيء الذي دفعه إلى ذلك، وقال: [إني تذكرت، وأنا في الصلاة تبراً كان عندنا -والتبر هو الذهب الذي لم يسبك- قال: فأمرت بقسمته]، يعني: بادر إلى الأمر بقسمته، أي: التوكيل بقسمته؛ حتى لا يبقى عنده، وهذا الذي حصل من رسول الله صلى الله عليه وسلم يدل على أنه إذا حصل شيء من ذلك في الصلاة، يعني: وجود بعض الهواجس، كونه جاء في باله هذا الأمر، ولا علاقة له بالصلاة، وليس مما يتعلق بالصلاة، فذلك لا يؤثر على الصلاة، فالنبي عليه الصلاة والسلام حصل له هذا التفكير في الصلاة، وجاء على باله هذا الذهب الذي في البيت، ويريد ألا يتأخر، ويبقى دون أن يقسم، فبادر فيما ذكره وحتى لا ينساه، فبادر إلى منزله، وأمر بقسمته صلى الله عليه وسلم.

    فالحديث دال على ما ترجم له المصنف من التخطي عند الحاجة، ودال أيضاً على أن مثل ذلك التفكير في الصلاة لا يؤثر، ودال على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم من المبادرة إلى صرف ما يكون عنده في طرقه المشروعة، وفي سبيل الله عز وجل، فإن هذا الذي كان عنده أراد ألا يبقى وأن يبيت دون أن يقسم، وما دام على باله وعلى ذكره، أراد أن يأمر بقسمته، وأن يوكل بقسمته صلى الله عليه وسلم.

    تراجم رجال إسناد حديث عقبة بن الحارث: (صليت مع النبي ثم انصرف يتخطى رقاب الناس سريعاً ...)

    قوله: [أخبرنا أحمد بن بكار الحراني].

    صدوق، أخرج حديثه النسائي وحده.

    [حدثنا بشر بن السري].

    ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمرو بن سعيد بن أبي حسين النوفلي].

    ثقة، أخرج حديثه البخاري، ومسلم، وأبو داود في المراسيل، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [عن ابن أبي مليكة].

    هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة، وهو ثقة، فقيه، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عقبة بن الحارث].

    هو عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف.

    يقال له: النوفلي نسبة إلى جده نوفل بن عبد مناف، وهو صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومن مسلمة الفتح، وحديثه أخرجه مسلم، والبخاري، وأبو داود، والترمذي، والنسائي.

    1.   

    إذا قيل لرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟

    شرح حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود ومحمد بن عبد الأعلى قالا: حدثنا خالد وهو ابن الحارث عن هشام عن يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن جابر بن عبد الله: (أن عمر بن الخطاب يوم الخندق بعدما غربت الشمس جعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله! ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس تغرب، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فوالله ما صليتها، فنزلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بطحان، فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها، فصلى العصر بعدما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي: باب إذا قيل للرجل: هل صليت؟ هل يقول: لا؟ ومقصود النسائي من هذه الترجمة أن ذلك سائغ، وجاء عن بعض العلماء كراهيته، والبخاري نفسه أيضاً بوب بمثل هذا الباب، والمقصود من ذلك هو الإشارة إلى أن قول من قال: بأنه مكروه أنه ليس بصحيح، وأنه ليس على إطلاقه، والذي جاء عنه هو إبراهيم النخعي، وقيل: إن الذي كان كرهه إذا كان في انتظار الصلاة يقول: ما صلينا، معناه: تباطؤ أو استبطاء للصلاة؛ لأنه إذا كان ينتظر الصلاة فهو في صلاة، فـالنسائي أراد أن يبين أن الكراهية مطلقاً ليست على بابها، وأنه يمكن للإنسان إذا سئل: هل صليت؟ أن يقول: لا، ما صليت، وأن مثل ذلك سائغ وجائز.

    وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه جاء إلى النبي عليه الصلاة والسلام بعدما غربت الشمس، وكان ذلك يوم الخندق، ويسب كفار قريش، ويقول: ما كدت أن أصلي العصر حتى كادت الشمس أن تغرب، قال: وأنا ما صليتها، ثم نزلوا إلى بطحان وتوضئوا، وصلى النبي صلى الله عليه وسلم بهم العصر، ثم صلى بهم المغرب بعد الغروب، وقد جاء في بعض الأحاديث المتعلقة بهذا الموضوع: (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر)، يعني في الخندق، وهذا يدل على أن الوسطى هي العصر، وقد اختلف فيها العلماء، لكن جاء فيها النص عن رسول الله عليه الصلاة والسلام في بعض أحاديث قصة الخندق، وهو الحديث الذي شغل فيه عن صلاة العصر، ولم يصلها حتى غربت الشمس، أو بعد الغروب.

    والحديث دال على ما ترجم له المصنف، وذلك من قوله: [ما صليتها]، فقول الرسول صلى الله عليه وسلم: [ما صليتها]، هذا هو محل الشاهد.

    والحديث دال على الترتيب بين الصلوات، وأن الصلاة الفائتة تقدم على الصلاة الحاضرة، اللهم إلا أن يخشى خروج وقت الحاضرة، فإنه يؤتى بالصلاة الحاضرة إذا خشي وقتها، ولم يتسع بقية الوقت إلا للحاضرة، فإنه عند ذلك يؤتى بها؛ لأنه لو لم يأت بها خرج وقتها وصارت مقضية، وأما ما دام أن الأمر فيه سعة لأن يؤتى بالفائتة، ثم يؤتى بالحاضرة، فلابد من الترتيب، لكن إذا خشي فوات وقت الحاضرة، فإنه يترك الترتيب، ويؤتى بالصلاة الحاضرة؛ حتى لا تكون مقضية، فتكون مؤداة غير مقضية، وبعد ذلك يأتي بالفوائت التي فاتت، وإذا كان الوقت واسعاً فإنه يأتي بالصلوات المقضية الفائتة قبل الصلاة التي حضر وقتها، ما دام أن الوقت فيه سعة، وأنه يمكن أن يأتي بالأشياء الفائتة قبلها، فالرسول صلى الله عليه وسلم بعدما غربت الشمس، وتوضئوا صلى بهم العصر، وهي التي قد فاتت وخرج وقتها، ثم صلى بهم المغرب التي وقتها حاضر.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر بن عبد الله في قول الرجل: لا، إذا سئل: هل صليت؟

    قوله: [إسماعيل بن مسعود].

    قد مر ذكره قريباً.

    و[محمد بن عبد الأعلى] هو الصنعاني البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأبو داود في القدر، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه.

    [حدثنا خالد وهو ابن الحارث].

    هو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة، وكلمة: (هو ابن الحارث) مثل ما مضى في ذكر ابن المفضل والذي زادها هو من دون التلميذ.

    [عن هشام].

    هو هشام بن أبي عبد الله الدستوائي، وهو ثقة، حديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن يحيى بن أبي كثير].

    هو يحيى بن أبي كثير اليمامي، وهو ثقة، ثبت، يرسل ويدلس، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    ويحيى بن أبي كثير هذا هو صاحب الكلمة المأثورة المشهورة التي تدل على شأن طلب العلم، والعناية به، وحفظ الوقت، وعدم الإخلاد إلى الراحة، والتي أوردها الإمام مسلم في صحيحه بإسناده إليه، وذلك في أثناء الكلام على أوقات الصلوات، عندما ذكر حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من طرق كثيرة أتى بهذا الإسناد، ثم إلى يحيى بن أبي كثير قال: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)، معناه: أن من أراد أن يحصل شيئاً من العلم، فإنه لا يحصله بالراحة، والإخلاد إلى الراحة، وإنما يحصله بالتعب، والنصب، والمشقة، فلابد من النصب لمن يريد أن يحصل شيئاً، وهي كلمة عظيمة: (لا يستطاع العلم براحة الجسم)؛ ما يحصل العلم براحة الجسم، من أراد أن يريح جسمه فلن يحصل علماً، ومن أراد أن يحصل العلم فهو الذي يتعب جسمه، وهو الذي يشغل نفسه، وهو الذي يشغل ليله، ونهاره، وتفكيره، وبصره، وقدميه في المشي إلى مجالس العلم، وإلى أهل العلم، وإلى دور العلم؛ ليحصل العلم، فـ(لا يستطاع العلم براحة الجسم) كلمة عظيمة لها شأنها، ولا شك أن الأمر كما قال رحمة الله عليه، فمن أراد أن يحصل علماً، فليبذل ما به يحصل العلم؛ يشغل وقته، يبذل ماله في سبيل تحصيل الكتب النافعة في الوصول إلى الجهات التي يحصل فيها العلم إذا استطاع إلى ذلك سبيلاً.

    [عن أبي سلمة بن عبد الرحمن].

    هو أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، وهو من الثقات، وهو ثقة، من فقهاء المدينة السبعة على أحد الأقوال في السابع، كما سبق أن مر في دروس مضت أن المدينة فيها سبعة أشخاص في عصر التابعين اشتهروا بلقب الفقهاء السبعة، ستة منهم متفق على عدهم في السبعة، والسابع مختلف فيه، وأحد الأقوال في السابع أنه: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف هذا الذي معنا، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر بن عبد الله الأنصاري].

    هو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وهو صحابي ابن صحابي، وأبوه استشهد يوم أحد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، وهم الذين قال فيهم السيوطي في الألفية:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فـجابر رضي الله عنه أحد هؤلاء السبعة المكثرين من رواية حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.