إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. عبد المحسن العباد
  4. سلسلة شرح سنن النسائي
  5. كتاب الصلاة
  6. شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - (باب تبريد الحصى للسجود عليه) إلى (باب كيف يخر للسجود)

شرح سنن النسائي - كتاب التطبيق - (باب تبريد الحصى للسجود عليه) إلى (باب كيف يخر للسجود)للشيخ : عبد المحسن العباد

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد دلت سنة النبي صلى الله عليه وسلم على أن يكبر المصلي مع كل خفض ورفع، ومن ذلك التكبير للسجود، كما بينت كيفية الهوي للسجود وأنه يكون عن قيام.

    1.   

    تبريد الحصى للسجود عليه

    شرح حديث جابر: (كنا نصلي مع رسول الله الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده... فإذا سجدت وضعته لجبهتي)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب تبريد الحصى للسجود عليه.

    أخبرنا قتيبة حدثنا عباد عن محمد بن عمرو عن سعيد بن الحارث عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أنه قال: (كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده، ثم أحوله في كفي الآخر، فإذا سجدت وضعته لجبهتي)].

    يقول النسائي رحمه الله: باب تبريد الحصى للسجود عليه، المقصود من هذه الترجمة واضح من اللفظ، أخذ الحصى من الأرض ثم وضعه في الكف، من كف إلى كف، ثم وضعه مكان السجود تحت مكان الجبهة؛ ليسجد عليه؛ وذلك في شدة الحر، وصلاتهم في الشمس، ومن المعلوم أن هذا عند عدم وجود ما يحول بين الإنسان وبين الأرض من فراش، أو مثله مما يحول بين وجه الإنسان وبين حرارة الرمضاء التي تحصل نتيجة لحرارة الشمس، فإذا كان هناك ما يفترش، ويوضع تحت الإنسان وهو يصلي عليه في الشمس، فإن هذا هو الأولى؛ لأنه لا يكون معه عمل في الصلاة، أو لا يحتاج إلى عمل في الصلاة، وهذه الحالة التي ترجم لها المصنف هي لا شك أنه عند عدم وجود ما يغني عنه من فراش، وقد أورد النسائي حديث جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أنه قال:

    [(كنا نصلي مع رسول الله عليه الصلاة والسلام، فآخذ قبضةً من حصى في كفي فأحوله إلى الكف الآخر -أبرده- فإذا سجدت وضعته لجبهتي..)].

    قوله: [(فإذا سجدت)]، يعني: أردت السجود، [(وضعته لجبهتي)]، حتى يسجد الإنسان ويطمئن في السجود، ولا يتشاغل بالحرارة التي تكون على وجهه من شدة حرارة الرمضاء، فإذا كان المصلى بارداً، ولم يكن شديد الحرارة، فإنه يتمكن الإنسان من السجود، بخلاف ما إذا كان حاراً، فإن شدة الحرارة تلجئه لئلا يطيل السجود، وألا يتمكن كثيرا في السجود، وإن كان سيؤدي ما هو واجب عليه، إلا أن الاطمئنان وإطالة السجود لا تتأتى مع وجود الحرارة، وفي هذا الحديث دليل على أن مثل هذا العمل يعتبر من العمل اليسير الذي يحتاج إليه في الصلاة، أي: أن ذلك سائغ وجائز، وهو أخذ الكف من الحصى، ثم تحويله إلى الكف الأخرى ليبرد، ولتذهب حرارته، أو تخف حرارته ليسجد عليه الإنسان، ويضع جبهته عليه، فلا يكون هناك ما يشغله عن الاطمئنان في السجود وإطالته.

    تراجم رجال إسناد حديث جابر: (كنا نصلي مع رسول الله الظهر فآخذ قبضة من حصى في كفي أبرده... فإذا سجدت وضعته لجبهتي)

    قوله: [أخبرنا قتيبة].

    وهو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف البغلاني، ثقة، ثبت، وبغلان: قرية من قرى بلخ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا عباد].

    وهو عباد بن عباد المهلبي، نسبة إلى جده المهلب بن أبي صفرة، وهو ثقة، ربما وهم، وقد أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن محمد بن عمرو].

    هو محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص الليثي، صدوق، له أوهام، وقد خرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن سعيد بن الحارث].

    هو سعيد بن الحارث المدني، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن جابر بن عبد الله].

    هو جابر بن عبد الله الأنصاري، صحابي ابن صحابي، أبوه استشهد يوم أحد، فهو صحابي ابن صحابي، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، بل هو أحد السبعة المعروفين بكثرة الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام من أصحابه الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، وهم الذين جمعهم السيوطي في الألفية بقوله:

    والمكثرون في رواية الأثر أبو هريرة يليه ابن عمر

    وأنس والبحر كالخدري وجابر وزوجة النبي

    فـجابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله تعالى عنهما أحد السبعة المعروفين بكثرة رواية الحديث عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، من أصحابه الكرام رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم.

    1.   

    التكبير للسجود

    شرح حديث مطرف بن عبد الله: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [باب التكبير للسجود.

    أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي حدثنا حماد عن غيلان بن جرير عن مطرف قال: (صليت أنا وعمران بن حصين رضي الله عنه خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فكان إذا سجد كبر، وإذا رفع رأسه من السجود كبر، وإذا نهض من الركعتين كبر، فلما قضى صلاته أخذ عمران بيدي فقال: لقد ذكرني هذا، قال كلمة يعني: صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)].

    أورد النسائي هذه الترجمة وهي التكبير للسجود، أي: أن الكلمة أو الذكر الذي يقال عند الانتقال إلى السجود من القيام بعد الركوع إنما هو التكبير، فيقول: الله أكبر، عندما يخر الإنسان للسجود من قيامه بعد الركوع، أن يقول: الله أكبر، فالترجمة معقودة للتكبير عند السجود أو التكبير للسجود، يعني: إذا خر ساجداً يكبر، وقد أورد حديث عمران بن حصين أنه صلى خلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه فكبر حين سجد، وكبر حين قام من سجوده، وكبر حين قام من الاثنتين، وكان مطرف بن عبد الله بن الشخير صلى هو وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، ولما فرغ أخذ عمران بيد مطرف وقال: [(لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)].

    محل الشاهد من الحديث: أن عمران بن حصين لما صلى خلف علي رضي الله عنه، وكان يكبر عند الخفض والرفع قال: [(لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم)]، فالحديث مرفوع، الذي رفعه هو عمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب يصلي هذه الصلاة التي تشبه صلاة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام، فكونه مرفوعاً هو من كلام عمران بن حصين، أو الذي رفعه هو عمران بن حصين، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه صلاته موافقة ومشابهة لصلاة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فالذي رفع الحديث هو عمران بن حصين، والذي رفعه تلك الصلاة التي صلاها علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فـمطرف يروي عن عمران بن حصين، أن الصلاة التي صلاها علي بن أبي طالب هذه تذكر بصلاة الرسول عليه الصلاة والسلام، والذي أخبر بأن صلاته تشبه صلاة الرسول، أو تذكر بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم هو عمران بن حصين.

    إذاً: الحديث من رواية مطرف بن عبد الله عن عمران بن حصين يقول عن صلاة علي رضي الله عنه التي صفتها كذا وكذا: أنها تذكره بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلو لم يأت ذكر ذلك من عمران لم يكن في الحديث شيء يضيف ذلك إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وإنما هو فعل علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وأرضاه، ومن المعلوم أن الصحابة الكرام رضي الله عنهم وأرضاهم، يقتدون في صلواتهم وفي أفعالهم بالرسول الكريم صلوات الله وسلامه وبركاته عليه، لكن رفع هذا الفعل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام جاء بقول عمران بن حصين الذي يقول: إن هذا الفعل الذي فعله علي يذكر بصلاة الرسول صلى الله عليه وسلم، والمقصود من ذلك: أن الانتقالات يكون فيها التكبير، ما عدا القيام من الركوع فإنه يقال: سمع الله لمن حمده عند القيام من الركوع، وما عدا ذلك ففي كل انتقال من ركن إلى ركن، ومن هيئة إلى هيئة، ومن عمل إلى عمل في الصلاة، إنما يكون بلفظ التكبير عند كل خفض ورفع، ففي هذا إثبات التكبير في الانتقال من فعل إلى فعل في الصلاة، ولا يستثنى من ذلك إلا عند القيام من الركوع فيقال: سمع الله لمن حمده، ولا يقال: الله أكبر.

    تراجم رجال إسناد حديث مطرف بن عبد الله: (صليت أنا وعمران بن حصين خلف علي بن أبي طالب فكان إذا سجد كبر...)

    قوله: [أخبرنا يحيى بن حبيب بن عربي].

    هو يحيى بن حبيب بن عربي البصري، وهو ثقة، أخرج له مسلم، وأصحاب السنن الأربعة.

    [حدثنا حماد].

    وهو ابن زيد بن درهم البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    و حماد هنا غير منسوب، لكنه جاء مبيناً في تحفة الأشراف عند المزي وقال: إنه حماد بن زيد، وحديثه كما ذكرت أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [عن غيلان بن جرير].

    وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن مطرف].

    هو مطرف بن عبد الله بن الشخير، وهو ثقة، عابد، فاضل، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عمران].

    هو عمران بن حصين الأنصاري رضي الله تعالى عنه، وهو من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    أما علي بن أبي طالب الذي صلى الصلاة التي تشبه صلاة رسول الله عليه الصلاة والسلام، والتي قال عنها عمران بن حصين: لقد ذكرني هذا صلاة محمد صلى الله عليه وسلم، فهو أمير المؤمنين علي بن أبي طالب بن عبد المطلب الهاشمي، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته فاطمة، وأبو الحسنين، ورابع الخلفاء الراشدين الهادين المهديين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وفضائله جمة، ومناقبه كثيرة، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    هذا الحديث من مسند عمران، هو الذي قال: إن هذه الصلاة تشبه صلاة محمد عليه الصلاة والسلام.

    ثم ما فعله عمران مع مطرف حيث قال: (أخذ بيدي) هذا فيه الضبط، أو يدل على الضبط والإتقان لما يتحمله الراوي؛ لأن كون الراوي يتحمل الحديث من المحدث، ويتذكر الهيئة التي كان فعلها معه المحدث عند تحديثه بالحديث، هذه تدل على ضبطه وإتقانه، ثم أيضاً هذا الفعل من عمران بن حصين مع أخذه بيده، يريد من ذلك أن يتنبه، وأن يتقن ذلك الشيء الذي يحدثه به، فهو دال على ضبط الراوي الذي هو مطرف، وعلى فعل المروي عنه ما فيه تمكن الراوي من الأخذ عنه.

    شرح حديث: (كان رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [أخبرنا عمرو بن علي حدثنا معاذ ويحيى حدثنا زهير حدثني أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن الأسود عن علقمة والأسود عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكبر في كل خفض ورفع، ويسلم عن يمينه وعن يساره، وكان أبو بكر وعمر رضي الله عنهما يفعلانه)].

    أورد النسائي حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: [(إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان يكبر عند كل خفض ورفع)]، وذلك في غالب الأفعال وليس كلها؛ لأن الرفع من الركوع مستثنى بلا شك؛ لأنه يقال عنده: سمع الله لمن حمده، وهو رفع، ومع ذلك لا يقول عنده: الله أكبر، وإنما يقول: سمع الله لمن حمده، فهذا مما استثني، إذاً: فقوله: [(كل خفض ورفع)]، المراد به الغالب، وهذا من جنس الحديث الذي يقول: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، فإن هذا إنما هذا في الغالب، بدليل أنه جاء في التفصيل أن (حي على الصلاة) (حي على الفلاح) يقال عندهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، ولا يقال عندهما: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فقوله صلى الله عليه وسلم: (إذا سمعتم النداء فقولوا مثل ما يقول المؤذن)، المراد من ذلك فيما عدا الحيعلتين: حي على الصلاة حي على الفلاح، فإنه يقال عندهما: لا حول ولا قوة إلا بالله، وكذلك هنا عند كل خفض ورفع يكبر، ويستثنى من ذلك القيام من الركوع فإنه يقال: سمع الله لمن حمده، إذاً: فقوله: [(كل خفض ورفع)]، المراد به الغالب، وليس المراد به الإطلاق.

    وقال: [(وكان يسلم عن يمينه وعن شماله)]، يسلم تسليمتين للخروج من الصلاة عن يمينه وعن شماله، [وكان أبو بكر وعمر يفعلانه] أي: يفعلان مثل هذا الفعل الذي يحكيه عبد الله بن مسعود عن صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن الخليفتين الراشدين أبا بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما يفعلان هذا الفعل الذي هو التكبير عند كل خفض ورفع، وأنهما يسلمان عن اليمين تسليمة، وعن الشمال تسليمة.

    تراجم رجال إسناد حديث: (كان رسول الله يكبر في كل خفض ورفع ...)

    قوله: [أخبرنا عمرو بن علي].

    وهو الفلاس، المحدث، الناقد، الثقة، وكما ذكرت كثيراً عندما يأتي ذكره في كتب الرجال في بيان الجرح والتعديل يقال: قال الفلاس كذا، وثقه الفلاس، وعابه الفلاس، قال فيه الفلاس كذا، المراد به عمرو بن علي هذا، وهو ثقة، محدث، ناقد، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا معاذ ويحيى].

    هو معاذ بن معاذ العنبري البصري، وهو ثقة، ثبت، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    يحيى].

    هو ابن سعيد القطان، الذي يروي عن زهير، الذي جاء هنا هو يحيى وغير منسوب، وقد روى عن زهير: يحيى بن سعيد القطان ويحيى بن آدم، وقد جاء عند النسائي في بعض المواضع من هذا الحديث تسميته وأنه يحيى بن آدم، لكن المزي في تحفة الأشراف في هذا الموضع ذكر أنه من رواية معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد، وفي الموضع الذي سيأتي فيما بعد ذكر أنه من رواية يحيى بن آدم، فكل من يحيى بن آدم ويحيى بن سعيد القطان قد روى عن زهير بن معاوية، وهنا جاء مهملاً غير منسوب، ويحتمل أنه يحيى بن آدم، ويحتمل أنه يحيى بن سعيد القطان، وقد قال المزي في تحفة الأشراف: إنه في هذا الموضع عن معاذ بن معاذ ويحيى بن سعيد عن زهير، وذكر هناك أن الذي رواه يحيى بن آدم، وهنا يحيى بن سعيد القطان المحدث، الناقد، الثقة، الثبت، المعروف كلامه في الرجال، والذي كلامه في الرجال كثير، والذي وصفه الذهبي في كتابه من يعتمد قوله في الجرح والتعديل هو وعبد الرحمن بن مهدي، وهما بصريان: إذا اتفقا على جرح شخص، قال: فإنه لا يكاد يندمل جرحه، يعني بذلك أنهما أصابا الهدف، وأنهما أصابا في قولهما في وصفهما الرجل فيما وصفاه به من الجرح، وحديث يحيى بن سعيد القطان أخرجه أصحاب الكتب الستة.

    [حدثنا زهير].

    هو زهير بن معاوية أبو خيثمة الجعفي الكوفي، وهو ثقة، ثبت، إلا أن سماعه من أبي إسحاق السبيعي بآخره، يعني: أنه بعدما اختلط، أبو إسحاق ، وحديثه أخرجه أصحاب الكتب الستة، وهو يروي هنا عن أبي إسحاق، الذي في روايته عنه شيء؛ لكونه روى عنه بعد الاختلاط، لكن كما هو معلوم الحديث له شواهد من جهة أن الرسول صلى الله عليه وسلم المعروف عنه في ركوعه وسجوده أنه يكبر عند كل خفض ورفع، إلا ما كان من القيام من الركوع فإنه يقول: سمع الله لمن حمده، وأما كونه سمع منه بأخره الذي هو زهير بن معاوية لا يؤثر ذلك؛ لأن إثبات الإتيان بالتكبير عند الخفض والرفع ما جاء من طريقة فقط، بل جاء من طرق أخرى ومن وجوه مختلفة، فلا يؤثر سماعه عنه في الآخر.

    [حدثني أبو إسحاق السبيعي].

    هو عمرو بن عبد الله الهمداني السبيعي الكوفي، سبيع نسبة، وهي جزء من همدان، أو هم بعض من همدان، فهمدان نسب عامة، وسبيع نسبة خاصة، وكلها نسبة نسب، والكوفي هو من أهل الكوفة، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الرحمن بن الأسود].

    هو ابن يزيد بن قيس النخعي، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن علقمة والأسود].

    يروي عن أبيه الأسود، وعن علقمة بن قيس النخعي، وكل منهما ثقة، وكل منهما مخضرم، وهما صاحبا ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وحديثهما عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن عبد الله بن مسعود].

    رضي الله تعالى عنه، الهذلي صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأحد علماء الصحابة وفقهائهم رضي الله تعالى عنه وأرضاه، وهو ليس من العبادلة الأربعة المشهورين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والذين هم من صغار الصحابة، فهو ليس من صغارهم بل هو من كبارهم، وكانت وفاته قبلهم بمدة طويلة، حيث توفي سنة اثنتين وثلاثين من الهجرة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة، والعبادلة الأربعة هم: عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، وفي الصحابة غيرهم ممن يسمى عبد الله كثير، منهم: عبد الله بن مسعود هذا، ومنهم: عبد الله بن أبي بكر، ومنهم: عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري، وعدد كبير من الصحابة يسمون عبد الله، لكن اشتهر منهم أربعة بلقب العبادلة الأربعة، وهم من صغار الصحابة، وهم صحابة أبناء صحابة.

    1.   

    كيف يخر للسجود

    شرح حديث حكيم بن حزام: (بايعت رسول الله أن لا أخر إلا قائماً)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [كيف يخر للسجود.

    أخبرنا إسماعيل بن مسعود حدثنا خالد عن شعبة عن أبي بشر: سمعت يوسف وهو ابن ماهك يحدث عن حكيم رضي الله عنه قال: (بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا أخر إلا قائماً)].

    أورد النسائي هنا: كيف يخر للسجود، والمراد: من هذه الترجمة الهيئة التي يكون عليها عندما يسجد فأورد تحتها حديث حكيم بن حزام رضي الله تعالى عنه أنه قال: [(بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخر إلا قائماً)]، وليس فيه التنصيص على السجود، لكن اختلف العلماء في بيان المراد به، فمنهم من فهمه على أنه الخرور للسجود، يخر: يعني يهوي للسجود من قيام، والمراد من ذلك أنه عندما يرفع رأسه من الركوع ويطمئن في قيامه، ثم يخر من ذلك القيام، لا يخر من الركوع، أي: لا يخر بكونه لا يعتدل قائماً، بمعنى أن يرفع رأسه ثم يهوي، وإنما يستقيم ويعتدل ويستقر ويتمكن في قيامه، ثم بعد ذلك يخر للسجود، فهذا اللفظ دليل يدل على القيام بعد الركوع، وعلى أن المصلي يستوي قائماً ليخر من تلك الهيئة إلى السجود، لا يخر من الركوع، ولا يرفع رأسه ثم يرجع إلى السجود دون أن يستقيم قائماً، ودون أن يعتدل قائماً.

    ففسر بعض العلماء هذا الحديث الذي لم يذكر فيه لفظ السجود بأن المراد منه السجود، [(ألا أخر إلا قائماً)]، أي: ألا يخر إلى السجود إلا قائماً، من حال القيام، لا من حال ركوع ولا من حال هيئة تكون بعد الركوع لا يستقر فيها للقيام، مثل ما يفعله بعض المستعجلين في الصلاة الذين ينقرونها نقرا، بحيث يرفع رأسه من الركوع ثم يهوي قبل أن يعتدل قائماً، فإن هذا الحديث يدل على خلاف هذا الفعل، والأحاديث كثيرة تدل على لزوم الاعتدال في القيام، ومنها حديث المسيء في صلاته الذي قال صلى الله عليه وسلم فيه: (اركع حتى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتى تعتدل قائماً)، وكذلك ما جاء عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه قال: (إن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع من الركوع فيطيل القيام حتى أقول في نفسي: قد نسي)، معناه: أنه يطيل القيام بعد الركوع، تلك الأحاديث صريحة وواضحة في الاعتدال، وهذا الحديث يدل أيضاً على الاعتدال؛ لأن قوله: [(ألا أخر إلا قائماً)]، يدل على أن المراد به السجود، معناه: أنه يكون قائماً منتصباً بعد الركوع، وهذا هو الذي فهمه المصنف، ولهذا أورده تحت هذه الترجمة: كيف يخر للسجود، أنه يخر من حالة القيام، لا يخر من حالة الركوع، ولا من هيئة بعد الركوع لا يكون فيها استقرار في القيام، كما يحصل من الذين ينقرون الصلاة، فإنه لا بد من الاعتدال، ولا بد للإنسان أن يستقر قائماً بعد الركوع.

    ومن العلماء من قال: إن المراد به ألا يموت إلا على الإسلام، [(ألا أخر إلا قائماً)]، يعني: أنه لا يموت إلا مسلماً، ويقول: إن هذا مثل قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، أن المراد بذلك أن الإنسان يداوم على الإسلام، ويثبت على الإسلام، حتى إذا وافاه الأجل يوافيه وهو على حالة طيبة، أي: يوافيه وهو مسلم، فيقول بعض العلماء: أن المراد منه ألا يموت إلا مسلماً، معناه: أنه يلتزم بالإسلام، ويثبت ويبقى عليه حتى يموت على الإسلام.

    وأيضاً: مثل قوله عليه الصلاة والسلام في صحيح مسلم ضمن حديث طويل: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة، فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه)، يعني: فقوله: (من أحب أن يزحزح عن النار ويدخل الجنة فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر)، معناه: أنه يثبت على الإيمان حتى يموت عليه، الإنسان لا يعلم متى يموت، لا يعلم نهاية حياته حتى يكون فيها على حالة طيبة، وأن يصلح وأن يغير ما كان عليه من حالة سيئة إلى حالة حسنة، الآجال أخفاها الله عز وجل، فلا يعلم الإنسان متى يموت، قد يموت الإنسان بعد لحظة، وقد يموت بعد ساعة، وقد يموت بعد يوم، وقد يموت بعد سنة، وقد يموت بعد عشر سنين، وقد يموت بعد أربعين سنة أو أكثر، الآجال الله تعالى أخفاها على الناس، ولكن من لازم التقوى، ولازم طاعة الله وطاعة رسوله، وداوم على ذلك، فإنه إذا مات يموت وهو على حالة حسنة، ولهذا جاء في الحديث الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (أحب العمل إلى الله ما داوم عليه صاحبه وإن قل)، ويقولون: قليل تداوم عليه خير من كثير تنقطع عنه؛ لأن المداومة على الشيء ولو كان قليلاً يكون كثيراً، ثم أيضاً فيه ملازمة الطاعة، بخلاف الإنسان الذي ينشط ويكسل، ينشط في بعض الأيام ويكسل في بعض الأيام، فإنه قد يوافيه الأجل وهو في حالة كسل وفي حالة خمول، لا يختم له بخاتمة طيبة على حالة حسنة، لكن الإنسان إذا داوم على الطاعة ولازمها، فإنه إذا جاءه الموت يأتيه وهو على حالة طيبة.

    إذاً: بعض العلماء قال: إن معنى قوله: [(بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا أخر إلا قائماً)]، أنه لا يموت إلا مسلماً، وألا يموت إلا على الإيمان، ومعنى ذلك أنه يلازم التقوى حتى يموت عليها، فيكون مثل قوله: وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ [آل عمران:102]، ومثل قوله صلى الله عليه وسلم: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلتأته منيته وهو يؤمن بالله واليوم الآخر، وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه) أي: أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يعاملوه به، يداوم على الطاعة حتى يموت عليها، ويخالق الناس بخلق حسن، يحب لهم ما يحب لنفسه، ويعاملهم بمثل ما يحب أن يعاملوه هم به، فلا يكون شأنه أن يريد أن يعامل معاملة طيبة وهو لا يعامل الناس معاملة طيبة، فيكون مثل من قال فيهم الرسول عليه الصلاة والسلام: (إن الله ينهاكم عن ثلاثة: عن وأد البنات، وعقوق الأمهات، ومنع وهات)، فمنع وهات، معناه أنه يريد لنفسه ولا يريد أن يعطي الغير حقه، ولا يحب أن يفوت عليه حقه، فيكون من جنس المطففين الذي قال الله عنهم: وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ [المطففين:1-3]. فهم يريدون الحقوق التي لهم، ولا يؤدون الحقوق التي عليهم، لا يعاملون الناس بمثل ما يحبون أن يعاملوا به هم، بل الأمر كما قال عليه الصلاة والسلام: (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه).

    تراجم رجال إسناد حديث حكيم بن حزام: (بايعت رسول الله أن لا أخر إلا قائماً)

    قوله: [أخبرنا إسماعيل بن مسعود].

    هو أبو مسعود البصري، وهو ثقة، أخرج له النسائي وحده، وهو ممن وافقت كنيته اسم أبيه، وهذا نوع من أنواع علوم الحديث، فائدة معرفته: ألا يظن التصحيف فيما إذا ذكر بالكنية بدل النسبة؛ لأن النسبة مطابقة للكنية، والكنية مطابقة للنسبة، فإذا قيل: إسماعيل بن مسعود أو إسماعيل أبو مسعود كله صواب؛ لأنه هو إسماعيل بن مسعود، وهو إسماعيل أبو مسعود، إن جاء إسماعيل بن مسعود فهذا نسبه، وإن جاء إسماعيل أبو مسعود فهذه كنيته، لكن من لا يعرف أن أبا مسعود كنية لـإسماعيل بن مسعود، يظن أن (ابن) تصحفت إلى (أبو)، لكن من يعرف أن الكنية مطابقة لاسم الأب يعلم أنه لا تصحيف، وأن الكل صواب.

    [حدثنا خالد].

    وهو ابن الحارث البصري، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [عن شعبة].

    هو ابن الحجاج الواسطي ثم البصري، وهو ثقة، ثبت، وصف بأنه أمير المؤمنين في الحديث، وهو من الألقاب الرفيعة التي لم يظفر بها إلا النادر القليل من المحدثين، مثل شعبة هذا، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والبخاري، والدارقطني، وعدد من المحدثين وصفوا بهذا الوصف. وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.

    [عن أبي بشر].

    وهو جعفر بن إياس بن أبي وحشية، وهو ثقة، أخرج حديثه أصحاب الكتب الستة.

    [سمعت يوسف وهو ابن ماهك يحدث].

    هو يوسف بن ماهك المكي، وهو ثقة، أخرج له أصحاب الكتب الستة.

    [عن حكيم].

    وهو حكيم بن حزام بن خويلد الأسدي، ابن أخي خديجة أم المؤمنين؛ لأنها خديجة بنت خويلد، وهذا حكيم بن حزام بن خويلد، وهو صحابي مشهور من مسلمة الفتح، وقيل: إن عمره مائة وعشرون سنة، وحديثه عند أصحاب الكتب الستة.