إسلام ويب

آثار المسكرات والمخدرات على المجتمعللشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • لقد امتن الله تعالى على العباد بالعقل فنهى عن تعاطي ما يؤدي إلى تعطيله عن القيام بمهمته كالمسكرات والمفترات والمخدرات، والتي تعتبر من المنكرات العظيمة والخبائث التي يسعى أعداء الإسلام لنشرها بين المسلمين، ولانتشار هذه المخدرات أسباب منها: ضعف الإيمان، وقر

    1.   

    العقل.. ومكانته في الإسلام

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وذريته وأصحابه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليماً كثيراً.

    أما بعد:

    فيا أيها المسلون! اتقوا الله تعالى واعلموا أن الله بما تعملون بصير.

    عباد الله! لقد امتن الله تعالى على الإنسان بنعمة العقل، تلك النعمة الكبيرة التي يميز بها الإنسان بين الخير والشر، وبين النافع والضار وبين الحق والباطل، قال الله عز وجل: إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ [الرعد:4].

    فالعقل هو الذي يحمل صاحبه على التحلي بالفضائل والتخلي عن الرذائل، ولقد ذم الله تعالى الذين لا يعقلون، وجعلهم في مرتبة أدنى من مرتبة بهيمة الأنعام، قال الله عز وجل: أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا [الفرقان:44].

    ونظراً للمنزلة العظيمة للعقل من الإنسان، فقد نهى الشارع عن كل ما يتسبب في تعطيله عن القيام بمهمته من تعاطٍ للمسكرات والمخدرات والمفترات.

    ولقد اتفقت الشرائع الإلهية كلها على القيام بحفظ الضرورات الخمس، وهي الدين والنفس والمال والنسل والعقل، فإذا اعتدي على شيء منها تنكد الإنسان وتكدرت حياته، والعقل هو محورها، فإذا اختل بسبب مفسد من السموم اختلت بقية الخمس، فإذا أصبح الإنسان مغيب العقل بسبب مسكر أو مخدر،كان متوقعاً منه أن يكفر بالله عز وجل الذي هو ضياع الدين، وأن يقتل النفس الذي هو ضياع الأنفس، وأن يفعل الفواحش الذي هو ضياع الأنساب، وأن يضيع المال فيما يحل ويأخذه مما يحرم، وهو بفعله هذا صادر الشريعة كلها.

    ولقد فرض الإسلام الحدود والتعزيرات من أجل صيانة هذه الضرورات الخمس، والمحافظة عليها تحقيقاً للأمن، وتطهيراً للمجتمع مما يدنسه، ويقضي على راحته وطمأنينته.

    1.   

    ذم المخدرات والمسكرات وخطورتها على العقل

    عباد الله! إن مما يسبب اختلال العقل، وفقد توازنه وسوء تصرفه تلكم السموم الخطيرة، التي تهدد حياة الأفراد والمجتمعات بالدمار، ألا وهي الخمور والمخدرات التي تذهب العقول وتصرفها عن الرشد، فلا تسمع في الغالب من متناولها إلا أقوالاً لاغية، ولا ترى منهم إلا حركات مزرية، فهم يتكلمون ويتصرفون بغير ضابط ولا انتظام.

    وقد قيل لـعدي بن حاتم : ما لك لا تشرب الخمر؟ قال: معاذ الله أن أصبح حليم قومي وأمسي سفيههم، وقال الحسن رحمه الله: لو كان العقل يشترى لتغال الناس في ثمنه، فالعجب ممن يشتري بماله ما يفسده.

    إن الخمور والمخدرات تعتبر من المنكرات التي يرفضها العقل السليم كما يرفضها الشرع الحكيم، ولقد أحل الله لعباده الطيبات من الرزق، وحرم عليهم الخبائث من كل ما يفسد دينهم ويضر بصحتهم، ويذهب بعقولهم وأموالهم.

    والمخدرات والخمر هي أم الخبائث، ورجس من عمل الشيطان، إن المخدرات تعتبر من أخطر الأسلحة المدمرة التي يستخدمها المفسدون في الأرض لتخريب المجتمعات البشرية للوصول إلى أغراضهم السيئة.

    إن أعداء الإسلام من اليهود والنصارى ومن اتبع ملتهم، هالهم فشل مخططاتهم في تحقيق أغراضهم للنيل من المسلمين فعمدوا إلى تلكم السموم، وشجعوا باستخدامها كوسيلة لإرهاق الشباب وتحطيم طموحاتهم، فجندوا من أجل ذلك العصابات ورصدوا الأموال، دون ما تقدير لخسائرها، فالمهم عندهم هو تحقيق الانتصار لمخططاتهم في محاربة الإسلام وإضعاف الشباب.

    فعلينا عباد الله! أن نقف سداً منيعاً ضد تيار الفساد والإفساد، وأن نعتصم بحبل الله جميعاً ضد أي مخرب ومفرق.

    1.   

    أسباب تعاطي المخدرات والمسكرات

    عباد الله! لتعاطي المخدرات أسباب فعلينا أن نعرفها، فمن ذلك: ضعف الإيمان، فالمخدرات تعتبر من المنكرات، وضعيف الإيمان لا يبالي بارتكاب المنكرات لبعده عن المسجد ومجالس الخير، فعلى المسلم أن يقوي إيمانه بإقامة الصلاة وذكر الله، قال الله عز وجل: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت:45].

    وفي الصحيحين من حديث ابن عباس رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن).

    وقال عثمان رضي الله عنه: اجتنبوا الخمر فإنها لا تجتمع هي والإيمان إلا وأوشك أحدهما أن يخرج الآخر.

    عباد الله! ومن أسباب تعاطي المخدرات: الاقتران بمن يتعاطاها من أصحاب السوء، وقديماً قيل:

    عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكل قرين بالمقارن يقتدي

    ومن أسباب تعاطيها: حصول المشاكل الأسرية كالخلاف بين الزوجين أمام الأولاد، أو حصول الطلاق، أو غياب أحد الوالدين، فقد يكون لهذه الأسباب آثار في دفع بعض أفراد الأسرة إلى اللجوء إلى المخدرات، هرباً من الواقع الذي يعيشونه إلا من عافاه الله وسلمه.

    أيها المسلمون! إن غياب الوالدين أو أحدهما عن البيت طويلاً سبب في تيسير خروج الأولاد كيف ما شاءوا ومتى شاءوا، ويصاحبون من شاءوا، بالإضافة إلى عدم المتابعة والمراقبة.

    كذلك أيضاً من أسباب فساد الأولاد: سوء التربية والمعاملة، إما بإعطائهم كل ما يطلبون، أو بالقسوة عليهم والسخرية منهم، والحط من قدرهم، أو بتفضيل بعضهم على بعض، مما يدفع الولد المفضل عليه أن يعوض تفضيل والديه لأخيه عليه بالبحث عن مكان يسد فيه هذا النقص، وفي الغالب لن يكون ذلك إلا مع رفقة سيئة، فعلينا معشر الأولياء أن نحسن تربية أولادنا، وأن نسعى جاهدين في تحذيرهم ونصحهم، وإذا كان لديهم زيادة وقت وفراغ فعلينا أن نشغلهم فيه بما ينفعهم، وألا نتركهم يقضون وقتهم كيف شاءوا دون مراقبة.

    عباد الله! ومن أسباب تعاطي المخدرات والمسكرات: القنوات الفضائية التي تزخر بتلكم الأفلام التي تعرض الخمور وتشجع على شربها.

    ومن أسباب تعاطيها أيضاً عدم النصيحة والتحذير منها من قبل الوالدين والمعلمين والأساتذة، فعلى المسلم -كل بحسبه- أن يكون سداً منيعاً أمام هذه السموم، نسأل الله تعالى أن يصلح لنا أعمالنا، وأن يهدي شبابنا، وأن يحمينا وأولادنا وجميع المسلمين من سوء الفتن ما ظهر منها وما بطن

    اللهم! صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    1.   

    من أضرار المخدرات والمسكرات

    الحمد لله رب العالمين، الرحمن الرحيم، مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.

    عباد الله! اتقوا الله تعالى ولا تتبعوا خطوات الشيطان، ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر.

    عباد الله! إن تعاطي المخدرات يعتبر من تزيين الشيطان وإغوائه، ومن خطواته ليوقع بين الناس العداوة والبغضاء، وليصد عن ذكر الله وعن الصلاة، فعلينا بالانتهاء حيث نهينا، إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنتَهُونَ [المائدة:91].

    إن للمخدرات أضراراً صحية على متعاطيها، وقد ذكر الأطباء ما يقرب من تسعة وعشرين ضرراً من هذه الأضرار، وما أكثر ضحايا المخدرات التي غصت بها المستشفيات العقلية والنفسية، وكثيراً ما يموت المتعاطون للمخدرات بالسكتة القلبية، نسأل الله السلامة وحسن الخاتمة.

    كما أن للمخدرات أضراراً اجتماعية على متعاطيها وعلى المجتمع كله؛ حيث يؤثر ذلك على الحالة المعيشية والسكنية والتعليمية والأخلاقية في الأسرة، وكم من أسرة عانت من الويلات بسبب تعاطي رب الأسرة للمخدرات! وكم حصل من تشرد وحرمان، وفوضى وخلافات بسبب أن رب الأسرة يعيش في غياهب السجون بسبب المخدرات!

    إن المتعاطي للمخدرات يفقد توازنه الفكري، ويختل تقديره للأداء، فيصبح عاجزاً عن تحمل المسئوليات، ضعيف الإرادة، لا يصلح لعمل مدني ولا عسكري، ولا يستطيع حتى الإشراف على أسرته والإِنفاق عليها، بل يقترض زيادة على دخله للحصول على هذا البلاء.

    إن المتعاطي للمخدرات ظالم لنفسه ملق بيده إلى التهلكة.

    إن المتعاطي للمخدرات معرض نفسه لسوء الخاتمة.

    إن المتعاطي للمخدرات متعرض للموت البطيء.

    إن المتعاطي للمخدرات يحفر قبره بيده، ويبيع عقله وصحته وماله باتباع شهوته وهواه.

    إن المتعاطي للمخدرات قبل ذلك عاص لربه وعاص لرسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    واجب المسلم نحو تعاطي المخدرات والمسكرات

    إن المخدرات داعية للفجور، ومفتاحاً لكل الشرور، لذا يجب أن تتضافر الجهود لمحاربة هذه الأوبئة الخطيرة قبل أن يستفحل أمرها.

    يجب على كل مسلم بحسبه وموضعه أن يقوم بدفعها قبل انتشارها، فإن الدفع أيسر من الردع، قال الله عز وجل: وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ [البقرة:251].

    إن المخدرات من أخطر الأمراض الاجتماعية التي تفتك بالشعوب، وتحيل حضاراتها إلى أنقاض، وفي سبيل ذلك اتخذت جميع الدول حتى الكافرة الاحتياطات اللازمة لمنع تسرب هذه السموم إلى مواطنيها.

    فعلينا معشر المسلمين أن نتقي الله تعالى وأن نتعاون على البر والتقوى، وأن نحذر الشر وأسبابه، وأن نأمر بالمعروف، وننهى عن المنكر، وألا نتستر على المفسدين في الأرض ممن يروجون هذه السموم، فإنها من المنكرات التي يجب تغييرها، ومتعاطيها يعتبر من الآثمين في حق نفسه وفي حق الآخرين.

    إن المروجين للمخدرات يستنزفون من أمتهم الدماء، وينشرون بين أفراد الأمة أخطر داء، ويأكلون سحتاً وحراماً، والله تعالى إذا حرم شيئاً حرم ثمنه وكسبه.

    فعلى المسلم أن يتقي الله تعالى، وأن يكتفي بالطيب من الرزق، وأن يجتنب الخبيث من المكاسب؛ امتثالاً لأمر الله وضماناً للسلامة والعافية في الدنيا والآخرة، كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ [المائدة:88].

    نسأل الله أن يكفينا بحلاله عن حرامه، وأن يغنينا بفضله عمن سواه، وأن يعيذنا من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، اللهم! صل وسلم وبارك على نبينا محمد، وارض اللهم عن صحابته أجمعين، وأخص منهم الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين: أبا بكر وعمر وعثمان وعلي ، وعن بقية صحابة نبيك أجمعين، اللهم! أعز الإسلام والمسلمين، وأذل الشرك واخذل المشركين، ودمر أعداءك أعداء الدين، من اليهود والنصارى وسائر الكافرين والمفسدين، اللهم! من أرادنا أو أراد الإسلام والمسلمين بسوء فأشغله بنفسه، واجعل اللهم! كيده في نحره، وأدر عليه دائرة السوء يا رب العالمين! اللهم! طهر بلادنا وبلاد المسلمين من الخمور والمخدرات ومن سائر الأوبئة والمنكرات يا ذا الجلال والإكرام! اللهم! صل وسلم وبارك على نبينا محمد.

    اللهم! فرج كرب المكروبين، ونفس عسرة المعسرين، واقض الدين عن المدينين، اللهم! اشف مرضى المسلمين، اللهم! اجعل ما أصابهم زيادة في حسناتهم، وكفارة لسيئاتهم، ورفعة لدرجاتهم، اللهم! فك أسر المأسورين، اللهم! ردهم إلى أهليهم سالمين غانمين يا أرحم الراحمين! اللهم! اغفر لموتى المسلمين، اللهم! اغفر لهم وارحمهم وعافهم واعف عنهم، وأكرم نزلهم، ووسع مدخلهم، واغسلهم بالماء والثلج والبرد، ونقهم من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم! آمنا في أوطاننا، اللهم! أصلح أئمتنا وولاة أمورنا، اللهم! اجعلهم محكمين لكتابك وسنة رسولك محمد صلى الله عليه وسلم.