إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الإقرار [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الإقرار وسيلة إثبات للحق، وهو أقوى من الشهادة، وقد دل القرآن والسنة والإجماع على مشروعيته، ويشترط لصحته أن يكون من مكلف مختار غير محجور عليه، فلا يقبل من صبي إلا فيما يصح تصرفه فيه، ولا من مجنون ولا من محجور عليه، ولا من مكره، ويصح إقرار المريض إلا لوارثه

    1.   

    الإقرار

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الإقرار.

    ويصح من مكلفٍ مختار غير محجور عليه، ولا يصح من مكره، وإن أكره على وزن مال فباع ملكه لذلك صح، ومن أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته إلا في إقراره بالمال لوارثه فلا يقبل، وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره، ولو أقر أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها، وإن أقر لوارثٍ فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره لا أنه باطل].

    قال: (كتاب الإقرار).

    الإقرار هو أقوى البينات، وهو أقوى من الشهادة؛ لأن الشهادة تحتمل الكذب، وأما الإقرار وإن كان الكذب قد يدخله إلا أنه بعيد، فبعيد أن يقر الإنسان على نفسه وهو كاذب، هذا نادر، لكن الشهادة يدخلها الكذب.

    والمؤلف رحمه الله تعالى أخر الإقرار في آخر الأبواب وجعله آخر كتاب تفاؤلاً بالإقرار بالتوحيد عند الموت، وإلا فإن حق الإقرار أن يقدم على الشهادة؛ لأنه أقوى منها؛ لما ذكرنا أن الشهادة قد يدخلها الكذب بخلاف الإقرار .

    الإقرار في اللغة: الاعتراف، وأما في الاصطلاح فأن يضيف الإنسان على نفسه حقاً لغيره بخلاف الدعوة، فالدعوة أن يضيف حقاً لنفسه على غيره. يعنى الإقرار عكس الدعوة، أما الشهادة فهي أن يضيف حقاً لغيره على غيره.

    والأصل في الإقرار الكتاب والسنة والإجماع.

    أما الكتاب فقول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135]، فإذا شهد على نفسه فقد أقر عليها.

    وأما السنة فكما تقدم لنا من إقرار ماعز والغامدية بالزنا رضي الله تعالى عنهما.

    والإجماع قائم على ذلك.

    1.   

    شروط الإقرار

    قال رحمه الله تعالى: (يصح من مكلفٍ مختار غير محجور عليه).

    الإقرار يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون المقر مكلفاً بالغاً عاقلاً. وعلى هذا إذا كان صغيراً فإنه لا يصح إقراره، وإذا كان مجنوناً أيضاً لا يصح إقراره، لكن يستثنى من ذلك أن الصغير يصح إقراره فيما يصح تصرفه فيه، وقد تقدم لنا بعض ذلك في كتاب البيع.

    هذا الشرط الثاني: أن يكون مختاراً، وعلى هذا إذا كان مكرهاً فإنه لا يصح إقراره. نعم لقول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106].

    الشرط الثالث: أن يكون غير محجور عليه، وعلى هذا إذا كان محجوراً عليه فإنه لا يصح إقراره فيما حجر عليه فيه، فالسفيه الذي لا يحسن التصرف في ماله، هذا محجور عليه فيما يتعلق بماله فلا يصح إقراره في ماله، لكن في غير ما حجر عليه يصح إقراره أو فيه، فمثلاً لو أقر بالطلاق يصح إقراره.

    المرتد محجور عليه لحظ المسلمين، فإذا أقر على ماله لا يقبل إقراره، لكن لو أقر في غير المال يقبل، لو أقر بأنه جنى أو طلق أو نحو ذلك نقول: بأنه مقبول.

    قال: (ولا يصح من مكره).

    هذا محترز من قوله: مختار.

    (وإن أكره على وزن مالٍ فباع ملكه لذلك صح)

    يعني صحّ البيع؛ [لأنه لم يكره على البيع، وإنما أكره على وزن هذا المال]. نعم لم يكره على البيع، وإنما أكره على الوزن، فما دام أنه لم يكره على البيع فنقول: بأنه يصح بيعه.

    1.   

    إقرار المريض

    قال: (ومن أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته إلا في إقراره بالمال لوارثه فلا يقبل).

    إذا أقر في مرضه سواء كان المرض مخوفاً يخشى عليه من الهلاك، أو لا يخشى عليه، فالإقرار صحيح؛ لأن الأصل صحة الإقرار، هذا رجل مريض مرضاً مخوفاً يخشى عليه من الهلاك فأقر أن زيداً يريد منه ألف ريال، فالحكم هنا أن الإقرار صحيح؛ لأن عقله معه.

    إذاً: من أقر في مرضه بشيء فكإقراره في صحته؛ لأن الأصل صحة الإقرار وعدم التهمة، ويؤخذ من هذا أنه لا يشترط أن يكون المقر في حال الصحة.

    يعني هل نشترط أن يكون المقر في حال الصحة أو أن هذا ليس شرطاً؟ نقول: بأن هذا ليس شرطاً. نشترط أن يكون المقر بالغاً عاقلاً مختاراً غير محجور عليه.

    1.   

    الإقرار للوارث

    استثنى المؤلف رحمه الله فقال: (إلا في إقراره بالمال لوارثه).

    أي أنه: إذا أقر هذا المريض للوارث بمال، فلا يقبل؛ لأنه متهم بمحاباة هذا الوارث، والمريض مرضاً مخوف حكم تبرعاته أنها لا تنفذ إلا في الثلث فأقل لغير وارث كالوصية، وعلى هذا إذا أقر لوارث فيقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: لا يقبل إقراره.

    والرأي الثاني: أنه يقبل إقراره إذا كان هناك بينة أو أجاز الورثة، وهذا قول الشافعية فهم يقولون: إذا أقر المريض لوارث فإن إقراره صحيح؛ لأن الأصل هو صحة الإقرار، ويبعد أنه يحابي الوارث؛ لأنه الآن في حال سيقدم فيه على الله عز وجل، وفي حال يتوب فيها المذنب ويرجع العاصي، فكيف في مثل هذه الحال يتجرأ ويعصى الله عز وجل، ويظلم بقية الورثة.

    فالرأي الثاني: أنه يقبل إقراره. نعم اللهم إلا إذا وجد في ذلك شيء من التهمة فلا نقبله، وهذا القول هو الصواب، وهو قول الشافعية؛ لأن الأصل صحة الإقرار.

    قال: (وإن أقر لامرأته بالصداق فلها مهر المثل بالزوجية لا بإقراره).

    هذا مبني على أن الإقرار للوارث لا يصح؛ لأن الزوجة وارث، لكن يثبت لها الصداق بالزوجية لا بإقراره؛ لأن المهر يجب بالزواج. نعم يجب بالزواج فهو أدرى بأنه لم يوفه، وتقدم لنا أنه ما دام أن التهمة تنتفي فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الشافعية.

    قال: (ولو أقر أنه كان أبانها في صحته لم يسقط إرثها).

    يعني إذا أقر أنه قد طلق زوجته في حال الصحة لم يسقط إرثها؛ [لأن قوله غير مقبول عليه] والصحيح في مثل هذه المسائل أننا ننظر إلى التهمة فقد يكون صادقاً، فهو الآن لما مرض مرض الموت قال: زوجتي فلانة قد طلقتها.

    نقول: لا يقبل قوله؛ لأنه متهم بحرمانها من الإرث، فقوله غير مقبول عليه، والصحيح في هذه المسألة أنه إذا أمكن تصديقه فإنه يصدق؛ لأن الأصل هو صحة الإقرار.

    قال: (وإن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره).

    إن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبياً، يعنى غير وارث. مثلاً أقر لأخيه ثم وُلدَ له وَلدْ قبل أن يموت، فالإقرار غير صحيح؛ لأنه كان وارثاً، رغم أنه الآن وُلد للمريض وَلدْ وأصبح المقر له غير وارث؛ لأنه صار عند الموت أجنبياً.

    يقول لك: (وإن أقر لوارث فصار عند الموت أجنبياً لم يلزم إقراره لا أنه باطل).

    يعني يقول لك: مع أنه الآن أصبح أجنبياً وليس وارثاً، ولما كان وارثاً ما يصح. يقول لك أيضاً: لا يلزم الإقرار اعتباراً بحالة الإقرار، وحالة الإقرار يوم يقر كان وارثاً وهو متهم، فيقول لك: لا يلزم، لكنه قال لك: لا أنه باطل. يعني هذا ليس باطلاً، بل هو موقوف على إجازة الورثة، إن أجازه الورثة نفذ، وإن لم يجزه الورثة فإنه لا ينفذ.