إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الحدود [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • حكم الخروج على الإمام متوقف على حال الإمام وحال الخارجين عليه، فإن كان الإمام كافراً جاز الخروج عليه مع القدرة وأمن حصول مفسدة أكبر، وأما إن كان الإمام فاسقاً فلا يخرج عليه ولكن يناصح، وإذا كان الإمام عادلاً فلا يجوز الخروج عليه، ومن فعله فهو من البغاة ول

    1.   

    الأحوال التي يستثنى فيها وجوب دفع الصائل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ومن دخل منزل رجل متلصصاً فحكمه كذلك.

    باب قتال أهل البغي:

    إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة على الإمام بتأويل سائغ فهم بغاة، وعليه أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون منه، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، فإن فاءوا وإلا قاتلهم، وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رئاسة فهما ظالمتان وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى.

    باب حكم المرتد:

    وهو الذي يكفر بعد إسلامه، فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته أو وحدانيته، أو صفة من صفاته أو اتخذ لله صاحبة أو ولدا، أو جحد بعض كتبه أو رسله، أو سب الله أو رسوله فقد كفر، ومن جحد تحريم الزنا أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها بجهل عرف ذلك، وإن كان مثله لا يجهله كفر.

    فصل: فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار، رجل أو امرأة دعي إليه ثلاثة أيام وضيق عليه فإن لم يسلم قتل بالسيف ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله ].

    تقدم لنا شيء من أحكام المحاربين، وتقدم من أحكامهم: الفرق بين حد الحرابة والقصاص، وأن القصاص تشترط فيه المكافأة وأما حد الحرابة فإنه لا تشترط فيه المكافأة، وكذلك أن القتل في حد الحرابة متحتم لأنه حد وأما في القصاص فليس متحتماً.

    كذلك أيضاً بينا من القواعد المهمة في هذا الباب: أن حد الحرابة حد مستقل بذاته لا يلحق بغيره من الحدود.

    وتقدم لنا أيضاً ما يتعلق بأحكام المحاربين وأن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك مسلكان:

    المسلك الأول: مسلك الترتيب.

    والمسلك الثاني: مسلك التخيير.

    وأن الذين ذهبوا إلى مسلك الترتيب قالوا: إنه ترتب العقوبات على حسب الجنايات، وسبق أن ذكرنا أن الأقسام عندهم ستة أقسام.

    وأما الذين قالوا بمسلك التخيير فقالوا: إن الإمام مخير كما في الآية: إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ [المائدة:33]، فالإمام مخير إما أن يقتل، وإما أن يقتل ويصلب، وإما أن يقطع اليد والرجل، وإما أن يشرد حسب المصلحة.

    وتقدم لنا أنه إذا تاب فإن حقوق الله تسقط، وأما حقوق الآدميين فإنها لا تسقط إلا أن يعفى عنها.

    وتقدم أيضاً ما يتعلق بالصائل وأنه يجب على الإنسان أن يدفع عن نفسه وعن نفس غيره، ويجب أيضاً أن يدفع عن حرمته وعن حرمة غيره، وذكرنا الأدلة على ذلك.

    وهل يجب عليه أن يدفع عن ماله أو لا يجب عليه؟ فيه خلاف للعلماء رحمهم الله، وقلنا: في ذلك رأيان، وتقدم الكلام على هذه المسألة.

    ويستثنى من وجوب الدفع -كما تقدم- مسألتان:

    المسألة الأولى: إذا كانت المدافعة لا تجدي شيئاً وإنما وجودها كعدمها فإنها لا تجب حينئذ عليه، فمثلاً: لو هجم عليه جمع كثير فوجود المدافعة كعدمها، لكن له أن يدافع، ولا يحرم عليه، وأيضاً لا يجب عليه؛ لأن المدافعة هنا لا يترتب عليها شيء.

    المسألة الثانية: إذا كان ذلك في الفتنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل). وقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( كن كخيري ابني آدم ). وعلى هذا تحمل قصة عثمان رضي الله تعالى عنه؛ فإن عثمان رضي الله تعالى عنه لم يأذن للصحابة رضي الله تعالى عنهم الذين أرادوا أن يدافعوا عنه لما هجم عليه الخوارج؛ خشية الفتنة وتوسع الشر وكثرته.

    قال رحمه الله: (ومن دخل منزل رجل متلصصاً فحكمه كذلك).

    إذا دخل شخص منزل شخص متلصصاً أي: دخل لصاً للسرقة يقول المؤلف رحمه الله : حكمه كذلك، الإشارة تعود إلى الصائل، بمعنى أنه يدفع بالأسهل فالأسهل، فيأمره بالخروج فإن خرج لم يضربه وإلا ضربه، وعلى هذا فقس. وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أنه يدفع بالأسهل فالأسهل وأن هذا حكمه حكم الصائل، وهذا فيه نظر؛ لأن هذا ليس صائلاً هذا معتد، الصائل يريد أن يعتدي، لكن هذا في العدوان، فالصحيح أنه لا يأخذ حكم الصائل بل هذا معتد فلك أن تعاقبه مباشرة.

    ونظير ذلك: ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم فيمن اطلع على خصائص البيت فإن لصاحب البيت أن يفقأ عينه؛ لأن هذا من باب عقوبة المعتدي.

    ففرق بين المعتدي وبين الصائل الذي يريد أن يعتدي. فالصواب في هذه المسألة: أنه على خلاف ما ذكر المؤلف رحمه الله. فنقول: هذا معتدٍ فلك أن تعاقبه مباشرة. لكن على الإنسان أن يتقي الله عز وجل وليس له أن يسفك دمه ما دام أنه يستطيع أن يرد عدوانه بأقل من القتل كالضرب -مثلاً- ونحو ذلك؛ لكن -كما تقدم لنا- إن خشي صاحب البيت أن يبدره هذا اللص بالقتل فله أن يبدره بالقتل.

    فلو أن صاحب البيت قتله بعد أن دفعه ولم يندفع فالمشهور عند الفقهاء رحمهم الله تعالى أنه لابد من البينة: ( لو يعطى الناس بدعواهم لادعى رجال دماء رجال وأموالهم، ولكن البينة على المدعي واليمين على من أنكر). فلابد من البينة عند الفقهاء. وإلا كان ذلك وسيلة لكل أحد أن يقتل شخصاً ويدعي أنه دخل بيته.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لا حاجة إلى البينة في مثل هذه المواضع وإنما يرجع إلى القرائن، فإذا عرفنا من حال الشخص أنه لا يمكن أن يقدم على هذا القتل إلا وهو صادق فيما يدعيه، وأنه لا يمكن أن يتجرأ على القتل لورعه وصدقه وأمانته وأنه اقتحم عليه منزله ونحو ذلك، ودفعه ولم يندفع، إذا عرفنا ذلك من حال الشخص فهنا نصير إلى القرينة، أما القول بأنه لابد أن يأتي ببينة فهذا صعب جداً.

    1.   

    قتال أهل البغي

    قال رحمه الله: (باب قتال أهل البغي).

    تعريف البغي وأدلة تحريمه

    البغاة هم: أهل الجور والظلم والعدول عن الحق.

    البغي: هو الجور والظلم والعدول عن الحق. وأما في الاصطلاح: فهو الخروج على إمام المسلمين.

    والأصل في ذلك الكتاب والسنة والإجماع. أما الكتاب فقول الله عز وجل: فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الحجرات:9] .

    وأما السنة فحديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أعطى إماماً صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه ما استطاع، فإن جاء أحد ينازعه فاضربوا عنق الآخر).

    وأيضاً قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ [النساء:59] .

    أقسام الخروج على الأئمة

    الخروج على الإمام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الإمام كافراً فهذا يشرع الخروج عليه؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان ). فلابد إذاً أن يكون كفراً صريحاً؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إلا أن تروا كفراً بواحاً ). فيؤخذ من هذا أنه يخرج على الإمام الكافر لكن بشرط: أن لا يترتب على ذلك مفسدة أعظم من مفسدة بقائه، فإذا كان سيترتب على ذلك مفسدة أعظم من مفسدة بقائه فلا يجوز الخروج عليه؛ لأن أعلى المفسدتين تدفع بأدناهما، وأن يقدر أيضاً على تغييره، فإذا كان لا يقدر على تغييره فلا فائدة.

    فإذا كان سيترتب على الخروج عليه سفك دماء، وإتلاف الأموال، وترويع الآمنين، وإخلال الأمن فلا يجوز.

    القسم الثاني: أن يكون الإمام عدلاً فهذا باتفاق المسلمين لا يجوز الخروج عليه لما تقدم من الأدلة.

    القسم الثالث: أن يكون الإمام فاسقاً: بأن يكون عنده فسق، ومعاصٍ ونحو ذلك.

    فهذا أيضاً لا يجوز الخروج عليه، وبهذا فارق مذهب أهل السنة والجماعة مذهب الخوارج؛ لأن الخوارج يرون الخروج على أئمة الفسق والجور والظلم، أما مذهب أهل السنة والجماعة فإنه وإن كان فيه فسق، وجور، وظلم، وعصيان فإنه لا يجوز الخروج عليه بل تجب طاعته بالمعروف ما لم يأمر بمعصية.

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (باب قتال أهل البغي)، فسماهم بغاة ظلمة؛ لأنهم خالفوا مذهب المسلمين مذهب أهل السنة والجماعة.

    شروط تحقق البغي

    هؤلاء البغاة يشترط لهم شروط.

    قال رحمه الله: (إذا خرج قوم لهم شوكة ومنعة).

    الشرط الأول: أن يكون لهم شوكة ومنعة، وعلى هذا إذا كانوا جمعاً يسيراً ليس لهم شوكة ومنعة فهؤلاء ليسوا بغاة، ولا يأخذون أحكام البغاة، بل للإمام أن يؤدبهم.

    قال المؤلف رحمه الله: (بتأويلٍ سائغ).

    الشرط الثاني: أن يكون بتأويل سائغ، كأن خرجوا لأن هناك المعصية الفلانية، والتأويل السائغ هو: الصحيح الذي دل الدليل عليه كوجود المظلمة الفلانية مثلاً.

    قال رحمه الله: (فهم بغاة) أي: إذا توفر الشرطان أخذوا أحكام البغاة.

    فإذا تخلف الشرطان أو أحدهما فحكمهم حكم قطاع الطريق؛ لأنهم أخافوا وأرهبوا فحكمهم حكم قطاع الطريق الذين خرجوا وليس عندهم تأويل يستندون إليه، ولا مظلمة يذكرونها، أو معصية يرفعونها، ونحو ذلك.

    واجب الإمام تجاه البغاة

    قال رحمه الله: (وعليه أن يراسلهم).

    يعني: إذا توفر الشرطان وتبين أنهم بغاة فعلى الإمام أن يراسلهم، ويدل لذلك قصة علي رضي الله تعالى عنه مع الخوارج لما خرجوا عليه، فإن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه بعث إليهم ابن عباس، ورجع منهم أربعةُ آلاف بعد أن ناظرهم ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فرجع من رجع، وقاتل من بقي.

    قال رحمه الله: (عليه أن يراسلهم فيسألهم ما ينقمون، فإن ذكروا مظلمة أزالها، وإن ادعوا شبهة كشفها، فإن فاءوا وإلا قاتلهم).

    لفعل علي رضي الله تعالى عنه كما تقدم.

    (فإن فاءوا وإلا قاتلهم)

    وجوباً لكف شرهم، وهذا القتال قتال فتنة.

    وفي هذا القتال يقول العلماء رحمهم الله: يحرم قتلهم، وإتلافهم، أو قتل ذريتهم، أو مدبرهم، أو التذفيف على جريحهم؛ لأن المقصود هو كف الشر ودرأ الفتنة.

    ضمان الديات وقيم المتلفات عند اقتتال طائفتين

    قال رحمه الله: (وإن اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة فهما ظالمتان، وتضمن كل واحدة ما أتلفت على الأخرى).

    إذا اقتتلت طائفتان لعصبية أو رياسة فهما ظالمتان؛ لأن القتال إنما يكون لإعلاء كلمة الله، ما يكون القتال للرياسة، ولا يكون للعصبية ونحو ذلك، وإنما القتال إنما يكون لإعلاء كلمة الله.

    وإذا حصل تلف فديات للأنفس، أو أروش جنايات، أو قيم متلفات، فكل طائفة تضمن ما أتلفت على الأخرى، فإذا أتلف من هذه عشر أنفس، وهذه خمسة، فهذه تضمن العشرة، وهذه تضمن الخمسة.

    وكذلك إذا حصلت جراحات، وإتلاف للأموال؛ لأن هذا القتال ما أنزل الله به من سلطان، والقتال إنما يكون لإعلاء كلمة الله.

    أما النفس فإنها لا تضمن، وإنما تضمن الديات فقط.

    1.   

    حكم المرتد

    قال رحمه الله: (باب حكم المرتد).

    الردة في اللغة: الرجوع.

    وأما في الاصطلاح فهي: الكفر بعد الإسلام.

    قال رحمه الله: (وهو الذي يكفر بعد إسلامه، فمن أشرك بالله، أو جحد ربوبيته، أو وحدانيته، أو صفة من صفاته، أو اتخذ لله صاحبة، أو ولداً، أو جحد بعض كتبه، أو رسله، أو سب الله ورسوله فقد كفر).

    هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شيئاً مما يحصل به الكفر، ونواقض الإسلام كثيرة، وجمع أصولها الشيخ المجدد محمد بن عبد الوهاب في عشرة نواقض وسبق أن شرحناها في دروس المسجد، وأوسع من تكلم في نواقض الإسلام هم الحنفية.

    1.   

    نواقض الإسلام

    الشرك بالله

    قال رحمه الله: (فمن أشرك بالله).

    من نواقض الإسلام الشرك، وذكر المؤلف أنواعاً من النواقض سنذكرها، وإنما ذكر ما ذكر على سبيل المثال، ولو أنه ذكر ضوابط لكان أحسن، لكنه ذكر أمثلة سنتعرض لها:

    الأول: قال: (الشرك بالله).

    والشرك في اللغة: النصيب.

    وأما في الاصطلاح: فالشرك شركان:

    شرك أكبر، وشرك أصغر.

    الشرك الأكبر هو تسوية غير الله بالله في شيء من خصائص الله، كالألوهية، أو الربوبية، أو الأسماء والصفات، قال الله تعالى: تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ [الشعراء:97]، إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ [الشعراء:98] .

    وقال: ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1] يعني يسوون به غيره، وقال: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ [الإخلاص:3]، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:4]، وقال: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ [الشورى:11].

    وأما الشرك الأصغر: فهو ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر وجاء في النص تسميته شركاً.

    جحد ربوبية الله أو ألوهيته أو شيء من أسمائه وصفاته

    قال رحمه الله: (فمن أشرك بالله أو جحد ربوبيته).

    الله سبحانه وتعالى هو الرب الذي ربى الناس، وهو الخالق المالك المدبر.

    ومعاني الربوبية: الخلق، والرزق، والتدبير، والإحياء والإماتة، وهي ترجع إلى ثلاثة أشياء: الخلق، والملك، والتدبير، فإذا جحد شيئاً من هذه المعاني كأن جحد خلق الله أو تدبير الله، أو ملك الله كفر.

    قال: (أو جحد وحدانيته).

    فإذا جحد أن الله سبحانه وتعالى واحد في ألوهيته، وأنه لا يجب أن تصرف أنواع العبادة له كفر، أو جحد أن الله واحد في ربوبيته، أو واحد في أسمائه وصفاته المختصة به، أو جحد صفة من صفاته نقول: يكفر.

    جحد الصفات ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: جحد تأويل، فإن كان له مساغ في اللغة فليس كفراً، وإن لم يكن له مساغ في اللغة فهو كفر.

    فمثلاً اليد: بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ [المائدة:64]، قال: المقصود باليد هنا النعمة، هذا له مساغ في اللغة، لكن لو قال: إن المقصود باليد: السماء. هل له مساغ أو ليس له مساغ ؟ نقول: ليس له مساغ، هذا هو جحد التأويل.

    القسم الثاني: جحد إنكار، وهذا كفر؛ لأنه مكذب لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم وإجماع المسلمين.

    قال رحمه الله: (أو اتخذ لله صاحبةً أو ولداً).

    لأنه مكذب للقرآن، ومكذب لإجماع المسلمين حين اعتقد أن لله عز وجل صاحبة: زوجة، أو ولداً، قال تعالى: لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ [الإخلاص:3-4]، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ [الأنعام:101] فقولهم هذا تكذيب للقرآن.

    جحد شيء من كتب الله أو رسله

    قال رحمه الله: (أو جحد بعض كتبه أو رسله).

    كالتوراة، أو الإنجيل، أو القرآن، أو الزبور، أو صحف موسى وإبراهيم.

    وجحد هذه الأشياء كفر؛ لأن جحد شيء من كتب الله جحد للجميع، فهو مكذب للقرآن، ولهذا قال الله سبحانه وتعالى في سورة الشعراء: كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ [الشعراء:105]، وقوم نوح ما كذبوا إلا نوحاً، لكن تكذيبهم لنوح تكذيب لسائر المرسلين، فتكذيب محمد تكذيب لسائر المرسلين، فإذا جحد بعض كتبه أو بعض رسله فهذا كفر وردة؛ لأن الكل من عند الله عز وجل.

    سب الله ورسوله

    قال رحمه الله: (أو سب الله).

    إذا سب الله عز وجل كفر، لقوله: أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ [التوبة:65]، لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ [التوبة:66] .فجعله الله عز وجل كفراً.

    قال: (أو رسوله).

    أي: سب أي رسول؛ لأن قوله: (رسوله) مفرد مضاف يشمل جميع الرسل، فإذا سب أي رسول من رسل الله عز وجل فهذا كفر أكبر مخرج من الملة، لكن سيأتينا -إن شاء الله- أنه ليس هناك فرق بين سب الله وسب الرسول في الكفر، لكن هناك فرق بين سب الله وسب الرسول في العقوبة، فسب الله عز وجل يسقط بالتوبة، وأما سب الرسول صلى الله عليه وسلم فحقه لا يسقط بالتوبة لأنه آدمي.

    جحد المعلوم من الدين بالضرورة

    قال رحمه الله: (ومن جحد تحريم الزنا أو شيئاً من المحرمات الظاهرة المجمع عليها بجهل عرف ذلك، وإن كان مثله لا يجهله كفر).

    وقوله: (تحريم الزنا) هذا على سبيل المثال، والمقصود كما قال: (أو شيئاً من المحرمات الظاهرة). كالخمر، والسرقة، إذا كان جاهلاً كأن يكون حديث عهد بإسلام، أو ناشئاً ببادية بعيدة عن بلاد المسلمين فحكم ذلك أنه يعرف إن كان جاهلاً، فإن أقر وإلا حكم بكفره، وإن كان مثله لا يجهله كما لو كان ناشئاً في حاضرة المسلمين فإنه يكفر كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى.

    ولما ذكر المؤلف رحمه الله شيئاً من نواقض الإسلام شرع الآن في بيان عقوبة المرتد فقال: (فمن ارتد عن الإسلام وهو مكلف مختار، رجلٌ أو امرأة).

    1.   

    شروط تحقق الردة

    يشترط لتحقق الردة شروط:

    الشرط الأول: أن يكون بالغاً عاقلاً، وعلى هذا فالمجنون إذا ارتد فإن ردته لا تصح، وكذلك الصغير؛ لأنه يشترط التكليف.

    قال رحمه الله: (مختار).

    هذا الشرط الثاني: وهو أن يكون مختاراً، وعلى هذا إذا أكره على الردة فإنه لا يكون مرتداً؛ لقول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106] رجلاً أو امرأة.

    أي: لا فرق بين الرجل والمرأة خلافاً للحنفية، وأشار المؤلف بهذا إلى خلافهم؛ لأنهم لا يرون أن المرأة تقتل إذا ارتدت، وإنما يرون أنها تحبس. ودليلهم على ذلك: أن المرأة لا تقتل في الجهاد. والصحيح أنه لا فرق بين الرجل والمرأة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من بدل دينه فاقتلوه ) وهذا يشمل الرجل والمرأة.

    1.   

    استتابة المرتد

    قال رحمه الله: (دعي إليه ثلاثة أيام، وضيق عليه، فإن لم يسلم قتل بالسيف).

    هل يستتاب قبل أن يقتل أو لا يستتاب؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أنه يستتاب ثلاثة أيام كما ذكر المؤلف؛ لقول عمر : فهلا حبستموه ثلاثاً فأطعمتموه كل يوم رغيفاً واستتبتموه لعله يتوب أو يراجع أمر الله.

    والرأي الثاني: أن هذا راجع إلى اجتهاد الإمام، فإن رأى الإمام أن يستتيبه استتابه، وإن رأى أن لا يستتيبه فإنه لا يستتيبه، وهذا القول هو الأقرب، وما ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه ضعيف. والشافعية إنما يقولون: لا يؤخر ثلاثة أيام وإنما يرون أنه يستتاب في الحال فإن تاب وإلا قتل.

    وورد عن معاذ بن جبل، وأبي موسى رضي الله تعالى عنهما عدم استتابة المرتد وقتله في الحال.

    ويظهر والله أعلم أن الاستتابة يرجع فيها إلى اجتهاد الإمام فإن قامت القرائن عنده بقرب رجوعه إلى الحق فإنه يستتيبه وإن قام عنده قسوة قلبه وسوء باطنته ورداءة معتقده، وأن مثل هذا لا يرجع فإنه لا يستتاب.

    قال رحمه الله: (فإن لم يسلم قتل بالسيف ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله).

    فإن أسلم ترك، فإن لم يسلم قتل بالسيف؛ لأن ضرب العنق أسرع في زهوق النفس؛ لأن العنق مجمع العروق ويؤدي ذلك إلى استفراغ الدم، ولا تقبل توبة من سب الله أو رسوله، ولا من تكررت ردته بل يقتل بكل حال.

    1.   

    الخلاف في قبول توبة من سب الله أو سب الرسول

    من سب الله عز وجل: هل تقبل توبته، أو نقول: إن توبته غير مقبولة؟

    يقول المؤلف رحمه الله إنها لا تقبل لفساد باطنته ورداءة معتقده.

    والرأي الثاني: الرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنها تقبل؛ لقول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] .

    وفي الحديث القدسي: ( شتمني ابن آدم فزعم أن لي ولداً ) والذي يدعي أن لله عز وجل ولداً توبته مقبولة بلا خلاف.

    فالصحيح في ذلك أن من سب الله عز وجل أن توبته مقبولة، لكن لابد أن تظهر القرينة الدالة على صدقة.

    قال رحمه الله: (أو سب رسوله).

    الصحيح كما تقدم أن من سب الله تقبل توبته، ومن سب الرسول أيضاً تقبل توبته؛ لقول الله عز وجل: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ [الأنفال:38] .

    وهذا رأي الشافعية للعمومات.

    أما المذهب ومذهب الحنفية والمالكية فإنها عندهم لا تقبل، لحديث ابن عباس في البخاري (من بدل دينه فاقتلوه ). والصحيح أن توبته تقبل، لكن يبقى حق الآدمي -الرسول- لا يسقط، وحقه هو القتل، فيقتل الذي سب الرسول؛ لأن عقوبته القتل بدليل أن محمد بن مسلمة قتل كعب بن الأشرف بإذن النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه كان يسب النبي صلى الله عليه وسلم.

    وكذلك أيضاً حديث ابن عباس : ( في قصة الأعمى الذي كان له أم ولد، وكانت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم فأخذ حربة فاتكأ عليها حتى قتلها فأهدر النبي صلى الله عليه وسلم دمها ).

    فنقول: يبقى حق النبي صلى الله عليه وسلم وهو قتل من سبه. فالصحيح أن من سب رسولاً من الرسل تقبل توبته لكن يبقى حق الرسول ولا ندري أن الرسول عفا عنه؛ لذا فإن سابه يقتل.