إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النفقات [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الحضانة واجبة لكل صغير ومعتوه ومجنون، وقد اختلف الفقهاء في ترتيب ولاية الحضانة بعد اتفاقهم على أن الأم أحق بالمحضون مالم تتزوج، كما اختلفوا في بعض شروط الحاضن، كالحرية والفسق، فإذا بلغ الغلام سبع سنين خيره القاضي بين أبيه وأمه، خلافاً للحنفية والمالكية ال

    1.   

    تعريف الحضانة وحكمها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ باب الحضانة.

    تجب لكل صغير ومعتوه ومجنون، والأحق بها أم ثم أمهاتها القربى فالقربى، ثم أب ثم أمهاته كذلك ثم جد ثم أمهاته كذلك، ثم أخت لأبوين ثم لأم، ثم لأب، ثم خالة لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، ثم عمات كذلك، ثم خالات أمه، ثم خالات أبيه، ثم عمات أبيه، ثم بنات إخوته وأخواته، ثم بنات أعمامه وعماته، ثم بنات أعمام أبيه، وبنات عمات أبيه، ثم لباقي العصبة، الأقرب فالأقرب، فإن كانت أنثى فمن محارمها، ثم لذوي أرحامه، ثم للحاكم، وإن امتنع من له الحضانة، أو كان غير أهل انتقلت إلى من بعده، ولا حضانة لمن فيه رق، ولا لفاسق، ولا لكافر على مسلم ولا لمزوجة بأجنبي من محضون من حين عقد، فإن زال المانع رجع إلى حقه، وإن أراد أحد أبويه سفراً طويلاً إلى بلد بعيد ليسكنه، وهو وطريقه آمنان فحضانته لأبيه، وإن بعد السفر لحاجة، أو قرب لها، أو للسكنى فلأمه.

    فصل: وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلاً خير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما، ولا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه، وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع، ويكون الذكر بعد رشده حيث شاء، والأنثى عند أبيها حتى يتسلمها زوجها].

    تقدم لنا في الدرس السابق بقية أحكام النفقات، وتكلمنا عن نفقة الأقارب والمماليك، وأن نفقة الأقارب يشترط لها ثلاثة شروط: الشرط الأول: غنى المنفق، والشرط الثاني: فقر المنفق عليه، والشرط الثالث: التوارث إذا كان في غير عمودي النسب، أما بالنسبة لعمودي النسب فإنه لا يشترط التوارث، وتقدم لنا أيضاً ما يتعلق بنفقة الرقيق، وكذلك أيضاً البهائم.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب الحضانة).

    الحضانة في اللغة: مأخوذة من الحضن، وهو الجنب؛ لأن المربي يضم الطفل إلى جنبه، وأما في الاصطلاح فهي حفظ صغير ونحوه عما يضره، وتربيته بعمل مصالحه.

    قوله: حفظ صغير، الصغير هنا من دون البلوغ، وقولهم ونحوه كالمجنون والمعتوه، والخرف، فهؤلاء بحاجة إلى من يحضنهم، وتربيته بعمل مصالحه فهذا يشمل المصالح البدنية والمصالح المعنوية، المصالح البدنية كإطعامه وإلباسه، وما يتعلق بتغسيله وكحله ودهنه، والمصالح المعنوية ما يتعلق بتعليمه وتدريسه ونحو ذلك.

    وقال رحمه الله: (تجب) الحضانة واجبة؛ لأن هؤلاء إذا لم يحضنوا فإنهم إما أن يهلكوا أو يترتب على ذلك ضرر، ودفع الهلاك والضرر عن هؤلاء واجب، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.

    وقال رحمه الله (لحفظ صغير، ومعتوه ومجنون).

    تقدم لنا أن العته نقص في العقل، وأن الجنون فقد للعقل، وأيضاً تقدم لنا حكمة الحضانة، وأن حكمة الحضانة هي حفظ هؤلاء، وعمل مصالحهم.

    والأصل في الحضانة القرآن والسنة والإجماع:

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195]، وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ [الأنعام:151]، وترك هؤلاء بلا حضانة هو إلقاء باليد إلى التهلكة، وأيضاً قول الله عز وجل: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].

    وأما السنة فالأحاديث في هذا كثيرة، من ذلك حديث البراء بن عازب في الصحيحين أن ابنة حمزة اختلف فيها ثلاثة: علي وزيد وجعفر ، فقال علي رضي الله تعالى عنه: أنا أحق بها، هي ابنة عمي، وقال جعفر رضي الله تعالى عنه: أنا أحق بها ابنة عمي وخالتها تحتي، وزيد رضي الله تعالى عنه يقول: هي ابنة أخي؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم آخى بين زيد وحمزة فقضى بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها، وقال: ( الخالة بمنزلة الأم ).

    والإجماع قائم على الحضانة، والحضانة كما سلف هي من محاسن الإسلام، ومن مصالحه التي جاء بها؛ لأن ترك رعاية هؤلاء يلحقهم إما الهلاك أو الضرر.

    1.   

    أقسام الولاية

    الولاية تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: ولاية المال والنكاح، فهذه الولاية يقدم فيها الأب؛ لأن الأب في مثل هذه الأشياء أبصر من الأم، فهو يحتاط لمن تحت يده فيما يتعلق بماله، وأعرف بما يصلح المال من الأم؛ لكونه يخالط الرجال الذين مهنتهم التجارة، وكذلك أيضاً في النكاح يقدم الأب، فالأب يحتاط في البضع ما لا تحتاط الأم، وأعرف فيما يكون كفؤاً ما لا تعرفه الأم، فولاية المال وولاية النكاح يقدم فيها الأب، ولاية الحضانة والرضاعة تقدم فيها الأم؛ لأن الأم أدرى بمثل هذه الأشياء، وأقدر عليها وأصبر من الأب، يعني: الأم تصابر ولدها فيما يتعلق بتنظيفه وإرضاعه وتغسيله ونحو ذلك ما لا يتمكن منه الأب، وهذا من محاسن الشريعة، وقد سلف في كلام المؤلف رحمه الله أن الأم تقدم في الإرضاع، وأنها إذا طلبت أن ترضعه، وهناك من يرضعه مجاناً فإن الأم تقدم.

    1.   

    ولاية الحضانة

    قال رحمه الله: (والأحق بها أم)، يعني: الأحق بهذه الحضانة هي الأم، هنا شرع المؤلف رحمه الله في بيان مراتب أحقية الحضانة، وهذا عند التنازع والتشاحن، لذا إن لم يكن تنازع وتراضوا على شيء فالأمر إليهم، لكن إذا حصل شيء من التنازع والتشاحن فمن الذي يقدم؟ نقول: الذي يقدم في حضانة هذا الطفل أو هذا المجنون أو المعتوه ونحو ذلك الأم ما لم تتزوج وهذا باتفاق الأئمة؛ لأن الزواج من مسقطات الحضانة كما سيأتينا إن شاء الله، ويدل هذا ما ورد في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ).

    قال رحمه الله: (ثم أمهاتها القربى فالقربى).

    يعني: بعد الأم في الدرجة الثانية أمهات الأم، تقدم القربى فالقربى، فبعد الأم أم الأم، ثم بعد ذلك أم أم الأم.. وهكذا، والدليل على ذلك أن الأمهات هنا في معنى الأم، فإذا كان كذلك، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) فتكون أم الأم أحق به من غيره بعد الأم.

    قال رحمه الله: (ثم أب).

    يعني: بعد أمهات الأم يصار إلى الأب، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله أنه تقدم أمهات الأم على الأم، ثم بعد ذلك في الدرجة الثالثة يأتي الأب، والرأي الثاني أن الأب في الدرجة الثانية، وأنه مقدم على أمهات الأم في الحضانة؛ لأن الأب هو أصل النسب، فالأصل هو تقديم الأبوين، وإنما قدمنا الأم على الأب لورود النص، ولما ذكرنا من أن ولاية الحضانة والرضاعة إنما تقدم فيها الأم، فالأب يأتي بعد الأم على الرأي الثاني، وهذا القول هو الأقرب وسيأتي.

    قال رحمه الله: (ثم أمهاته كذلك).

    هذه هي الدرجة الثالثة بعد الأب: أمهات الأب، أم الأب وأم أم الأب.. وهكذا.

    قال رحمه الله: (ثم جد).

    ذكرنا أن الدرجة الأولى الأم ثم أمهاتها، ثم الأب ثم أمهاته، ثم الجد، فهذه الخامسة؛ لأن الجد في معنى الأب، ثم أمهاته كذلك، يعني: أمهات الجد أبي الأب، يعني: أم أب الأب بعد الجد.

    قال رحمه الله: (ثم أخت لأبوين، ثم لأم، ثم لأب).

    بعد الانتهاء من الأصول شرع في الحواشي، يعني: تقدم الأخت لأبوين على الأخت لأم، ثم الأخت لأم تقدم على الأخت لأب، وإنما قدمت الأخت لأبوين لأنها مقدمة في الميراث على الأخت لأم، ثم بعد ذلك الأخت لأم؛ لأنهم يرون أن أقارب الأم يقدمون على أقارب الأب، فنقدم الأخت لأم ثم بعد ذلك الأخت لأب، ويقولون: بأن أقارب الأم مقدمون على أقارب الأب، لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي )، هذا هو المذهب.

    والرأي الثاني أن أقارب الأب مقدمون على أقارب الأم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وأيضاً اختيار ابن القيم ، واستدلوا على ذلك بأن أصول الشريعة تشهد بتقديم أقارب الأب، فأقارب الأب يقدمون في المال والميراث والنكاح والموت، فدل ذلك على تقديم أقارب الأب على أقارب الأم.

    وأما تقديم النبي صلى الله عليه وسلم للأم، فإنه تقدم الأنثى على الذكر إذا استووا في الدرجة، والجهة وكان أحدهما ذكراً، والآخر أنثى فإننا نقدم الأنثى على الذكر، يعني: إذا اتحدت الدرجة والجهة كالأبوين والأخت مع الأخت، والجد مع الجدة، والعم مع العمة، هنا درجتهم واحدة وجهتهم واحدة، فنقدم الذكر على الأنثى، وهذا القول هو الصحيح في هذه المسألة أن أقارب الأب يقدمون على أقارب الأم، والمؤلف سيمشي على أن أقارب الأم يقدمون على أقارب الأب، وعلى هذا قدم الأخت لأم على الأخت لأب، وعلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يقدم الأخت لأب على الأخت لأم.

    كذلك أيضاً هم يستدلون بما تقدم من حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه في أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم الخالة على العمة، العمة صفية ومع ذلك حكم النبي صلى الله عليه وسلم بهذه البنت لخالتها، ولم يحكم بها لـصفية ، وأجاب ابن القيم رحمه الله عن ذلك فقال: لأنه لم يوجد المنازع، يعني: صفية ما نازعت في الحضانة، فلو نازعت صفية في الحضانة قدمت صفية رضي الله تعالى عنها، فهنا لم يوجد المنازع.

    قال رحمه الله: (ثم خالة لأبوين، ثم لأم ثم لأب)، الكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة السابقة، المؤلف قدم الخالة لأم، والخالة الشقيقة واضح أمرها؛ لأنها أقوى، ثم بعد ذلك لأم، ثم لأب، فالمؤلف رحمه الله قدم الخالة لأم على الخالة لأب، وعلى رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تقدم الخالة لأب على الخالة لأم.

    قال: (ثم عمات).

    كذلك تقدم من لأبوين، ثم لأم، ثم لأب، والكلام في هذه المسألة كما تقدم.

    قال: (ثم خالات أمه، ثم خالات أبيه).

    أيضاً المؤلف قدم خالات الأم على خالات الأب، والصحيح أن خالات الأب يقدمن على خالات الأم.

    قال: (ثم عمات أبيه).

    ولم يذكر المؤلف رحمه الله عمات الأم؛ لأنه يرى أنه لا حضانة لعمات الأم مع عمات الأب؛ لأن عمات الأم يدلين بأب الأم وهو من ذوي الأرحام، وعمات الأب يدلين بالأب وهو من أقرب العصبات.

    قال رحمه الله: (ثم بنات إخوته).

    يعني: تقدم بنت الأخ الشقيق، ثم بنت الأخ لأم، ثم بنت الأخ لأب، والصواب في ذلك بنت الأخ الشقيق، ثم بنت الأخ لأب، ثم بنت الأخ لأم.

    قال: (وأخواته).

    يعني: بنت الأخت الشقيقة ثم بنت الأخت لأم، ثم بنت الأخت لأب، والكلام فيها كما سلف.

    قال: (ثم بنات أعمامه وعماته).

    يعني: كذلك بنات العمات، بنات العمات تقدم بنت العمة الشقيقة ثم لأم ثم لأب، كما سلف، ثم بنات أعمام أبيه وبنات عمات أبيه، على ما تقدم، يعني: تقدم التي لأبوين ثم لأم، ثم لأب، ثم لباقي العصبة الأقرب فالأقرب.

    1.   

    مذهب شيخ الإسلام في ترتيب ولاية الحضانة

    الخلاصة في ترتيب ولاية الحضانة أننا نقدم الأقرب مطلقاً، سواء كان من جهة الأب أو من جهة الأم، فإن كانوا سواء قدمت الأنثى، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، يعني: القاعدة عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يقدم الأقرب، لكن إذا استوت الجهة والدرجة فإننا نقدم الأنثى منهما؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم حكم به للأم، وعلى هذا تقدم أقارب الأب على أقارب الأم، ونقول في توضيح كلام شيخ الإسلام بأن ولاية النكاح نقول تنقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن تستوي الجهة والدرجة، واختلف الجنس بين الذكورة والأنثى فنقدم الأنثى، مثال ذلك: أب وأم نقدم الأم، جد وجدة نقدم الجدة، أخ وأخت نقدم الأخت، عم وعمة نقدم العمة، وهكذا، خال وخالة نقدم الخالة.

    القسم الثاني: أن تستوي الجهة والدرجة، ولا يختلف الجنس، كالأختين والعمتين والخالتين ونحو ذلك، هنا استوت الجهة والدرجة، فالأختان من جهة الأبوة، والدرجة واحدة، والجنس لم يختلف، والأخوين كذلك، فنقول من نقدم؟ نقول: يصار إلى القرعة، فإذا كان عندنا أختان أو عمتان أو خالتان، جهتهم الآن متحدة، الخالتان جهتهم الأمومة، والدرجة متحدة، والجنس لم يختلف فنصير إلى القرعة.

    القسم الثالث: أن تختلف الجهة، كأن يكون عندنا جهة أبوة وجهة أمومة، فتقدم جهة الأبوة، على رأي شيخ الإسلام، والرأي الثاني أننا نقدم جهة الأمومة كما مشى عليه المؤلف رحمه الله وهو المذهب، فإذا اجتمع عندنا عمة وخالة نقدم العمة، اجتمع عندنا أخت لأم وأخت لأب نقدم الأخت لأب، اجتمع عندنا أم الأم، وأم الأب نقدم أم الأب، اجتمع عندنا خالة لأم وخالة لأب، عمة لأم وعمة لأب، نقدم العمة لأب والخالة لأب، على ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب.

    القسم الرابع: أن تستوي الجهة وتختلف الدرجة، فهنا نقدم الأقرب، مثل أم الأم مع أم أم الأم، الجهة واحدة وهي جهة أمومة، لكن أم الأم أقرب من أم أم الأم، ومثل أم الأب مع أم أم الأب، نقدم أم الأب.

    هذه الأقسام التي ذكرنا تلخص ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى.

    ثم قال رحمه الله تعالى: (فإن كانت أنثى فمن محارمها).

    يعني: الحضانة يشترط لها شروط، الشرط الأول أشار إليه المؤلف رحمه الله هنا، فإن كانت أنثى فمن محارمها، يعني: يشترط هذا الشرط الأول: أن يكون الحاضن محرماً للأنثى، فإذا كانت المحضونة أنثى فإنه يشترط أن يكون الحاضن محرماً لها، وذلك إذا تم لها سبع سنوات؛ لأنها قبل السبع لا حكم لعورتها، لكن إذا تم لها سبع فإنه يشترط أن يكون الحاضن محرماً لها، محرم لها لنسب أو رضاع أو مصاهرة كما سلف، وبعض العلماء اشترطوا أن يكون محرماً لها إذا كانت تشتهى، يعني أنه: لم يقيده بالسبع، وإنما قيده بالحال، فإن لم يكن لها إلا عصبة غير محرم فإنه يسلمها لثقة أو إلى محرم، إذا لم يكن لها عصبة غير محرم، كما لو كان ابن عم فإنه يسلمها لثقة أو إلى محرمه.

    قال رحمه الله: (ثم لذوي أرحامه، ثم للحاكم).

    يعني: تنتقل الحضانة بعد الأم وأمهاتها والأب وأمهاته، والجد والأخت لأبوين والعمات، والخالات ونحو ذلك، تنتقل لبقية ذوي الأرحام، فإذا لم يوجد من سلف ذكره، تنتقل لبقية ذوي الأرحام، مثل: أب الأم، ثم أمهاته، ومثل الأخ لأم، ومثل الخال، ونحو ذلك، وهذا هو المذهب ومذهب الحنفية لقول الله عز وجل: وَأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ [الأنفال:75]، والرأي الثاني رأي الشافعية: أنه لا حضانة لذوي الأرحام، ثم بعد ذلك للحاكم يعني: القاضي لعموم ولايته.

    والخلاصة في الترتيب هذا: أن تتحد الجهة والدرجة مع اختلاف الجنس فيقدم الأنثى، أو تتحد الجهة وتختلف الدرجة فنقدم الأقرب، أو تتحد الجهة والدرجة ولا يختلف الجنس فيصار إلى القرعة، أو تختلف الجهة، فهذا موضع الخلاف هل نقدم جهة الأبوة أو جهة الأمومة، فإذا لم يوجد شيء من الأقسام السابقة يصار لبقية ذوي الأرحام، مثل الخال ومثل الأخ لأم ونحو ذلك، ثم بعد ذلك القاضي.

    قال رحمه الله: (وإن امتنع من له الحضانة أو كان غير أهل انتقلت إلى من بعده).

    إذا امتنع من له الحضانة قال: أنا لا أريد الحضانة، مثلاً الأم امتنعت منها، أو الأب امتنع منها، فيقول المؤلف رحمه الله: انتقلت إلى من بعده، ثم من؟ قال: (إلى أن تصل إلى الحاكم)، يعني: امتنعت الأم وامتنعت أمهاتها، وامتنع الأب وامتنعت أمهاته، وامتنع الجد وامتنعت أمهاته، وهكذا إلى أن تصل إلى القاضي، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أن له الحق في الامتناع؛ لأنه قال: وإن امتنع فإنها تسقط عنه إلى أن تصل إلى القاضي، وقال ابن القيم رحمه الله: بأن الحضانة حق للحاضن وحق عليه، فإن نازعه منازع فهي له، وإن لم ينازعه منازع فهي عليه، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا لا يمكن الاقناع من الحضانة؛ لأن هذا حق عليه.

    قال: (أو كان غير أهل)، كأن يكون غير مسلم، أو غير محرم لمن تم لها سبع كما سلف لنا، قال المؤلف: (انتقلت إلى من بعده).

    1.   

    شروط الحاضن

    قال رحمه الله: (ولا حضانة لمن فيه رق)، تقدم الشرط الأول أن يكون محرماً لمن بلغت سبعاً، وقيل لمن تشتهى، فإن لم يكن إلا عصبة غير محرم فإنها تسلم لثقة أو إلى محرمه، لا يتولاها.

    الشرط الثاني: لا حضانة لمن فيه رق، يعني: إذا كان رقيقاً كما لو كان الأب رقيقاً أو كانت الأم رقيقة فإنه لا حضانة له، فمن فيه رق لا حضانة له، وهذا قول جمهور العلماء؛ لأنهم يرون أن الرقيق لا ولاية له.

    والرأي الثاني رأي المالكية والظاهرية: أن الرق ليس مانعاً من موانع الحضانة، فلا تشترط الحرية لعموم الأدلة كقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: ( الخالة بمنزلة الأم )، وهذا يشمل الخالة الحرة والرقيقة، قوله عليه الصلاة والسلام: ( أنت أحق به ما لم تنكحي )، وهذا القول هو الصواب.

    قال رحمه الله: (ولا لفاسق).

    هذا الشرط الثالث العدالة، وهذا ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله، وذهب ابن القيم رحمه الله إلى أن العدالة ليست شرطاً، ابن القيم رحمه الله يرى أن العدالة ليست شرطاً، هم يقولون: تشترط العدالة لأن الفاسق لا يوثق به في تربيته ورعايته، والرأي الثاني ما ذهب إليه ابن القيم رحمه الله أن العدالة ليست شرطاً، يعني: لو قلنا باشتراط العدالة لضاع كثير من أولاد الناس، لكن نشترط الأمانة، فالله عز وجل اشترط الأمانة: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، وهذا أي: عدم اشتراط العدالة هو الصواب، لأنا لو قلنا بأن العدالة تشترط لأدى ذلك إلى المشقة؛ لأن كثيراً من الناس اليوم ليس عدلاً، لكن تجده أميناً على من تحت يده من الصبيان والمعتوهين والمجانين ونحو ذلك، فالصواب في ذلك أن نقول: تشترط الأمانة.

    قال: (ولا لكافر).

    هذا الشرط الرابع: أن يكون الحاضن مسلماً، فإن كان كافراً فإنه لا حضانة له، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم خلافاً للمالكية، المالكية يثبتونها للكافر، والصحيح ما عليه جمهور أهل العلم أنه لا حضانة للكافر، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ما من مولود يولد إلا على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه )، فدل ذلك على أن الكافر له أثر في التربية، فنقول: يشترط أن يكون مسلماً.

    قال: (ولا لمزوجة بأجنبي من محضون).

    لا مزوجة من أجنبي، هذا الشرط الخامس، فإذا تزوجت الأم سقطت حضانتها، لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) وهذا ما عليه جمهور أهل العلم، أنها تسقط الحضانة إذا تزوجت من أجنبي من المحضون، ويستدلون بما أوردنا من الحديث.

    والرأي الثاني رأي الظاهرية أن الحضانة لا تسقط بزواج الأم، واستدلوا على ذلك بأن أنساً رضي الله تعالى عنه كان عند أمه عند أبي طلحة ، ومع ذلك ما سقطت حضانة أمه.

    وأجاب الجمهور عن هذا بأنه لم يرد منازع، والحضانة تسقط إذا وجد منازع، أما هنا فلم يوجد منازع.

    قال رحمه الله: (من أجنبي).

    المراد من أجنبي هنا من ليس من عصبات المحضون، فإن تزوجت بواحد من عصبات المحضون لم تسقط حضانتها، ويدل لهذا قصة ابنة حمزة السابقة فحكم بها النبي صلى الله عليه وسلم لخالتها؛ لأنها متزوجة بقرين منها من عصباتها، فلم تسقط، فاختلف العلماء رحمهم الله في العلة، في سقوط الحضانة إذا تزوجت المرأة على رأيين:

    الرأي الأول قالوا بأن العلة هي ما يحصل على الطفل من المنة، يعني: منة الزوج الجديد على الطفل.

    والرأي الثاني قالوا: بأن العلة في سقوط الحضانة هي حق الزوج، ولا شك أن حضانة هذا الطفل قد يفوت شيئاً من الاستمتاع على الزوج، فقالوا: بأن العلة هي حق الزوج، وعلى هذا لو وافق الزوج تكون هي أحق به، وإذا قلنا بأن العلة هي المنة، فإن كان قريباً منه لم تسقط حضانتها؛ لأن القريب مع قريبه تبعد فيه المنة.

    وقال رحمه الله: (من حين عقد).

    يعني: الحضانة هل تسقط بمجرد العقد، أو تسقط بالدخول؟ يقول لك المؤلف رحمه الله: بأنها تسقط بمجرد العقد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ) وهذه يصدق عليها أنها نكحت، وأيضاً الأم إذا عقد عليها فإنها ستشتغل بأمور النكاح الجديدة، وهذا سيشغلها عمن تحت يدها من المحضونين، والرأي الثاني أنه لا تسقط الحضانة إلا بالدخول؛ لأنه لا يتحقق الاشتغال إلا بالدخول.

    فإذا طلقت لا يخلو الطلاق إما أن يكون طلاقاً دائماً أو طلاقاً رجعياً، فإن كان طلاقاً دائماً رجعت الحضانة، لكن إن كان طلاقاً رجعياً، فهي زوجة، وإذا قلنا بأنها زوجة فإنه لا ترجع حضانتها حتى تنتهي عدتها.

    أيضاً من الشروط: عدم المرض المعدي، فيشترط في الحاضن أن لا يكون فيه مرض معدٍ.

    وأيضاً الشرط السادس: أن يكون الحاضن مكلفاً، أي: بالغاً عاقلاً.

    وأيضاً الشرط الثامن: القدرة على القيام بالحضانة، وهذا مهم، لقول الله عز وجل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    والشرط الأخير: أمن المكان.

    قال رحمه الله: (فإن زال المانع رجع إلى حقه).

    إذا زال المانع كما سلف بأن عتق الرقيق وتاب الفاسق، وأسلم الكافر رجع إلى حقه؛ لوجود السبب وانتفاء المانع.

    1.   

    سفر أحد الأبوين

    قال رحمه الله: (وإن أراد أحد أبويه سفراً طويلاً إلى بلد بعيد ليسكن وهو وطريقه آمنان فحضانته لأبيه)، السفر الطويل، إذا قالوا: سفر طويل، فالمراد به ما بلغ مسافة قصر، والقصير ما دون مسافة القصر، والبلد البعيد ما كان مسافة قصر فأكثر، يقول لك المؤلف رحمه الله: إذا أراد أحد الأبوين سفراً طويلاً، ليسكنه، ولا يقصد المضارة: فالحضانة لأبيه، وعلى هذا تسقط حضانة الأم وتصير للأب؛ لأن الأب هو الذي يقوم بتأديبه وتخريجه.. إلى آخره.

    وإن كان السفر مسافة قصر فأكثر، لكنه لا للسكنى وإنما لحاجة، أو السفر قريب، لحاجة وسيعود، أو للسكنى فلأمه، يعني: إذا كان بعيداً لحاجة وسيرجع، أو قريباً لحاجة، فللأم، والمؤلف رحمه الله هنا خالف المذهب كما سنشير إليه، أو إذا كان السفر قريباً للسكنى يقول لك لأمه.

    الخلاصة في سفر أحد الأبوين نقول بأنه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يكون السفر بعيداً للسكنى، كما كان في المدينة فأراد الأب أن يسافر إلى مكة، ليسكن فقيها، فالحضانة هنا للأب، إذاً: القسم الأول: أن يكون السفر بعيداً للسكنى فالحضانة للأب.

    القسم الثاني: أن يكون السفر قريباً للسكنى، يعني: مسافة قصر، ويريد أن يسكن فنقول: الحضانة تبقى للأم.

    القسم الثالث: أن يكون السفر بعيداً للحاجة، فالمذهب أنه للمقيم منهما، وعلى رأي الماتن أنه للأم، مثال ذلك: هما ساكنان في المدينة، فأرادت الأم أن تسافر إلى مكة لحاجة كعمرة وترجع، المذهب أنه يكون للمقيم، فإذا كان الذي يريد أن يسافر هو الأم، فالمقيم هو الأب، وإذا كان المسافر الأب فالمقيم هي الأم، وعلى رأي الماتن أنها للأم، يعني: تبقى الحضانة.

    القسم الرابع: أن يكون قريباً للحاجة، فأيضاً المذهب أنه للمقيم منهما، وعلى كلام الماتن أنه للأم.

    هذه الخلاصة بالنسبة للأقسام، لكن ما هو الراجح بالنسبة للأشياء؟

    نقول: الراجح أن نفهم حكمة الحضانة، أن حكمة الحضانة هي مصلحة المحضون، فإذا أراد أبوه -مثلاً- أن يسافر للسكنى، فمقتضى المصلحة بأن يكون مع أبيه للسكنى، فنقول: تكون الحضانة لأبيه، وإذا كانت أمه تريد أن تسافر لحاجة وترجع، مثلاً مسافة عشرين كيلو.. ثلاثين كيلو إلى آخره ثم ترجع، فالمصلحة هنا لمن تكون؟ قد نقول بأنها للأب المقيم، أو تكون للأم إلى آخره، فنقول: الحكم يدور مع المصلحة؛ لأن حكمة الحضانة هي مصلحة المحضون، فإن لم يظهر شيء، فنرجع إلى الأصل، والأصل أنها للأم، لأنه إذا اجتمع عندنا أب وأم تكون للأم، فإن ظهرت مصلحة فيصار إليها، وإذا لم تظهر مصلحة نرجع للأصل، والأصل أنها للأم.

    1.   

    تخيير الطفل عند بلوغه سبع سنين

    قال رحمه الله: (فصل: وإذا بلغ الغلام سبع سنين عاقلاً خير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما)، الأم أحق بالحضانة إلى أن يبلغ سبع سنين، ونحن عندنا الذكر الغلام، وعندنا أيضاً الجارية، فبدأ المؤلف رحمه الله بالغلام، وذكر بأنه إذا بلغ سبع سنين عاقلاً خير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما، وهذا المذهب كما مشى عليه المؤلف رحمه الله وهو مذهب الشافعي، والرأي الثاني مذهب أبي حنيفة ومالك أنه: لا يخير الغلام، والذين قالوا بالتخيير استدلوا بحديث أبي هريرة وحديث سنان بن رافع أن النبي صلى الله عليه وسلم خير غلاماً بين أبويه، كما ذكر ابن القيم رحمه الله بأن التخيير هذا وارد عن الخلفاء الراشدين، وورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه خير غلاماً بين أبيه وأمه، وهذا رجاله ثقات، أخرجه الشافعي ورجاله ثقات، وكذلك أيضاً ورد عن علي رضي الله تعالى عنه، وورد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأيضاً هذا رجاله ثقات.

    أما أبو حنيفة والحنفية فيرون بأنه لا يخير، ويقولون يبقى الغلام إلى أن يأكل ويشرب ويلبس بنفسه.

    والمالكية يقولون: الأم أحق به إلى أن يثغر، والصحيح في ذلك أنه يخير كما وردت في ذلك الآثار، قال المؤلف رحمه الله سبع سنين، وهذا هو المذهب ومذهب الشافعي أن التخيير إذا بلغ سبع سنوات.

    ودليلهم على التخيير بالسبع بأن التخيير يستدعي التمييز، والسبع هي مظنة التمييز، وأيضاً يؤيد قولهم هذا قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع ).

    والقول الثاني ذهب إليه إسحاق بن راهوية أنه يخير إذا بلغ خمس سنوات؛ لأن الخمس هي التي يصح فيها السمع.

    قال: خير بين أبويه، فكان مع من اختار منهما، فإن اختارهما جميعاً فإنه يصار إلى القرعة، فإن أختار أباه ثم رجع إلى أمه، فإنه يرد إلى أمه.

    قال رحمه الله: (ولا يقر بيد من لا يصونه ويصلحه).

    لأن حكمة الحضانة كما سلف، هي مصلحة الطفل، وإذا كان هذا الوالد لا يصونه ولا يصلحه ويهمله فإنه لا يقر بيده وينقل إلى الآخر، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن قاضياً خير غلاماً بين أبويه فاختار أباه، فقالت المرأة للقاضي سله ما باله أختار أباه، فسأل القاضي الطفل لماذا اخترت أباك؟ فقال: بأن أمي تلزمني بأن أذهب إلى الكتّاب وأبي يتركني ألعب مع الصبيان، فرده إلى أمه.

    قال رحمه الله: (وأبو الأنثى أحق بها بعد السبع).

    الأنثى لا تخير، فعلى كلام المؤلف أن التخيير للغلام فقط، وأما الأنثى فإنها لا تخير، عند السبع تكون عند أبيها، وعلى رأي أبي حنيفة ومالك أن الأنثى لا تخير من باب أولى؛ لأنهم لا يرون التخيير.

    وعلى هذا نقول بأن جمهور العلماء يرون بأن الأنثى لا تخير، والشافعي يرى أن الأنثى تخير، فعندنا الجمهور أن الأنثى لا تخير، والشافعي رحمه الله تعالى يرى أن الأنثى تخير، أما رأي الحنفية والمالكية في عدم التخيير فهذا كما سلف، لكن الحنابلة قصروه على الغلام؛ لأن الذي ورد التخيير له الطفل فيقتصر عليه، والشافعية قالو: ما ثبت في حق الذكر ثبت في حق الأنثى.

    وإذا قلنا على رأي الجمهور بأن الأنثى لا تخير فعند من تكون؟ المذهب أنها تكون عند أبيها، يعني: بعد السابعة يستلمها أبوها، وعند أبي حنيفة رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً مالك أنها تكون عند أمها، وعلى هذا الأنثى تستمر عند أمها، فالإمام أحمد يرى أنها تكون عند أبيها بعد السابعة، وأبو حنيفة ومالك أنها تستمر عند أمها، ويقولون: يكون أبو الأنثى أحق بها حتى يتسلمها زوجها، يعني: أبو الأنثى يكون أحق بها من الأم بعد السابعة؛ لأنه سيعمل لمصلحتها من تزويجها وحفظها وصيانتها ونحو ذلك.

    والرأي الثاني كما قلنا رأي أبي حنيفة ومالك أنها تكون عند أمها حتى يتسلمها زوجها، يعني أنها ما تخير وتبقى عند أمها حتى يستلمها زوجها، واستدلوا على هذا، بأن مصلحتها عند الأم أكثر من مصلحتها عند الأب، فإن الأم إذا كانت عندها البنت تتعلم منها أمور النساء، من الطبخ, والخياطة، وعمل البيت، ونحو ذلك، ومدار الحضانة على المصلحة.

    وأيضاً من الأدلة على ذلك أن الأب جرت العادة في أنه يخرج لطلب المعاش، والأم تكون في خدرها وبيتها، فكون البنت تكون عندها يكون هذا أصلح، وما ذهب إليه أبو حنيفة ومالك هو الذي رجحه ابن القيم رحمه الله، وأنها تكون عند أمها حتى يتسلمها زوجها.

    قال رحمه الله: (ويكون الذكر بعد رشده حيث شاء).

    إذا رشد وبلغ وهو عاقل يكون حيث شاء، لكن يستحب له أن لا ينفرد عن أبويه؛ لأنه إذا بلغ أصبح مكلفاً، ولا يكون لأحد عليه ولاية، لكن هذا يختلف باختلاف الزمان، يعني: مثل الوقت هذا إذا قلنا بأن الصبي إذا بلغ خمس عشرة سنة له أن ينفرد عن أبويه، وليس لأحد عليه ولاية إلى آخره، يكون هذا مدعاة إلى فساده، كما في زمننا هذا، فالحقيقة مثل هذا الكلام الذي يذكره العلماء رحمهم الله حيث سلم الزمان، أما إذا فسد الزمان وكثر الشر والخبث. كما في مثل وقتنا هذا فالذي يظهر والله أعلم بأنه يكون عند أبويه حتى يأمن على نفسه الفتنة، وأما كوننا نقول بأنه الآن ليس لأحد عليه ولاية، وله أن ينفرد، وله أن يكون بأي مكان إلى آخره فهذا فيه نظر.

    قال رحمه الله: (والأنثى عند أبيها حتى يستلمها زوجها).

    هذا كما سلف رأي مذهب الحنابلة، وعند الشافعية -كما تقدم- أنهم يقولون: إذا بلغت سبعاً فإنها تخير، وعند أبي حنيفة ومالك أنها تكون عند أمها، والله أعلم.