إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الرضاع [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرضاع من أسباب المحرمية في الإسلام غير أنه لا يكون كذلك إلا بشروط كالعدد والزمن، فإذا صار رضاعاً صحيحاً محرماً ترتبت عليه أحكام: كالنظر والخلوة والمحرمية فتصير محارمه محارمها، ومحارمها محارمه.

    1.   

    تعريف الرضاع ومشروعيته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ كتاب الرضاع:

    يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والمحرم خمس رضعات في الحولين، والسعوط، والوجور، ولبن الميتة والموطوءة بشبهة، أو بعقد فاسد أو باطل، أو بزنا محرم، وعكسه البهيمة وغير حبلى ولا موطوءة.

    فمتى أرضعت امرأة طفلاً صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية، وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطئ، ومحارمه محارمه، ومحارمها محارمه دون أبويه وأصولهما وفروعهما، فتباح المرضعة لأبي المرتضع وأخيه من النسب، وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه، ومن حرمت عليه بنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجة.

    وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها، وكذا إن كانت طفلة فدبت فرضعت من نائمة، وبعد الدخول مهرها بحاله، وإن أفسده غيرها فلها على الزوج نصف المسمى قبله, وجميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسد].

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الرضاع).

    الرضاع في اللغة: المص.

    وأما في الاصطلاح: فهو مص مَن دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو وطئ، أو شربه، ونحو ذلك، هذا التعريف المشهور من المذهب، ويقال في تعريفه: مص مَن دون الحولين لبن آدمية، أو من يقوم مقام ذلك.

    والأصل في الرضاع قول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، لما قال سبحانه وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ [النساء:23]، قال بعد ذلك: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23].

    وأما في السنة فكثير، ومن الأحاديث في ذلك: حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، خرجاه في الصحيحين، والإجماع قائم على ذلك.

    وأما ما يتعلق بحرمة الرضاع، فكانت هذه الحرمة موجودة في الجاهلية، فجاء الإسلام وأقر ما كان موجوداً في الجاهلية، إلا أنه ضبط ذلك بضوابط، فما كان فاسداً ومضراً ويترتب عليه فساد أو ضرر أو عنت ومشقة؛ أبطله الشارع، وما كان مصلحاً للناس في أبدانهم وأموالهم وأعراضهم؛ أقره الشارع وضبطه بضوابط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

    هذا ضابط، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قال: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، وسيأتي إن شاء الله مزيد بيان.

    1.   

    شروط الرضاع المحرم

    قال: (والمحرِم خمس رضعات).

    الرضاع المحرم يشترط له شروط:

    الأول: أن يكون الرضاع خمس رضعات

    الشرط الأول: ما ذكره المؤلف رحمه الله بقوله: خمس رضعات، فيشترط أن يكون الرضاع خمس رضعات، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ومذهب الشافعي، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (أنزل في القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، فنسخ من ذلك خمس رضعات، وصار إلى خمس رضعات معلومات يحرمن، فتوفي رسول الله صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك)، أخرجه مسلم في صحيحه.

    وكذلك: حديث سهلة في قصة سالم مولى أبي حذيفة لما أتت النبي صلى الله عليه وسلم، فقال لها: ( أرضعيه خمساً تحرمي عليه )، وكذلك أيضاً عائشة رضي الله عنها كانت إذا أرادت أن تُدخل عليها أحداً أمرت إحدى بنات أخواتها أو إخوتها أن ترضعه خمس رضعات، فهذا دليل على أن المحرم خمس رضعات.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة ومالك : أنه يحرم قليل الرضاع وكثيره؛ لقول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، وكذلك أيضاً حديث عائشة : ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، وهذا يشمل القليل والكثير، لكن هذه الأدلة خصت بالأدلة الدالة على أن المحرم خمس رضعات.

    وعند الظاهرية أن المحرم ثلاث رضعات؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تحرم المصة ولا المصتان ).

    والصواب في هذه المسألة -كما تقدم- ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية رحمهم الله، والأدلة في ذلك ظاهرة.

    الثاني: أن يكون في الحولين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (في الحولين).

    هذا الشرط الثاني من شروط الرضاع المحرم: أن يكون في الحولين، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ [البقرة:233]، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الرضاعة من المجاعة )، وهذا إنما يكون في الحولين.

    وكذلك أيضاً يدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أم سلمة : ( لا يحرم إلا ما أنبت اللحم، وأنشز العظم ).

    الرأي الثاني في هذه المسألة: رأي أبي حنيفة، وأن المحرم حولان وستة أشهر؛ لقول الله عز وجل: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15]، لكن الجواب على هذه الآية سهل، وأن المراد بقول الله عز وجل: وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا [الأحقاف:15] أن الفصال هو الرضاع، والرضاع مدته حولان، ويبقى الحمل ستة أشهر، فهذه الآية تدل على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، كما تقدم لنا في كتاب العدد.

    الرأي الثالث: أنه لا يُحدُّ بالزمن وإنما يُحدُّ بالحال، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن الرضاع إذا كان قبل الفطام فإنه محرم، وأما إن كان بعد الفطام فإنه لا يحرم، ودليل ذلك حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحرم من الرضاع إلا ما فتق الأمعاء وكان قبل الفطام )، وهذا أخرجه الترمذي وغيره وصححه، وكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله ظاهر في هذه المسألة، لكن رأي الجمهور وأن العبرة بالحولين هذا أضبط للناس، وإلا فتقييد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بأن العبرة ما كان قبل الفطام، هذا حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها ظاهر في ذلك.

    الثالث: نفوذ اللبن إلى معدة الصبي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والسعوط والوجور ولبن الميتة والموطوءة).

    إلى قوله: (محرم).

    هذا الشرط الثالث: أن يكون نفوذ اللبن إلى معدة الصبي عن طريق المنفذ المعتاد، والمنفذ المعتاد للمعدة هو الفم والأنف، والسعوط هو ما يكون عن طريق الأنف، والمداواة تكون عن طريق الأنف، فلو سقي اللبن عن طريق الأنف فهذا منفذ معتاد، ويدل لذلك حديث لقيط بن صبرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائماً )، مما يدل على أن الأنف منفذ معتاد إلى المعدة.

    والوجور: إدخال الدواء في وسط الفم، فلو كان هذا اللبن تناوله الطفل عن طريق السعوط أو عن طريق الوجور فنقول بأنه محرم؛ لأنه منفذ معتاد، ولو أخذ اللبن عن طريق الدبر بالحقنة، نقول بأنه لا يكون محرماً، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما الرضاعة من المجاعة )، وتغذية أو حقن اللبن عن طريق الدبر لا نقطع بحصول التغذية للطفل إذا حقن به اللبن عن طريق الدبر.

    وعلى هذا نقول كما ذكر المؤلف رحمه الله: يشترط أن يكون نفوذ اللبن إلى المعدة عن الطريق المعتاد، والطريق المعتاد إما الفم وإما الأنف.

    الرابع: أن لبن الميتة والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل أو زنا كله محرم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ولبن الميتة والموطوءة بشبهة أو بعقد فاسد أو باطل أو بزنا والمشوب محرم).

    هذا الشرط الرابع، لبن الميتة هل يشترط أن تكون المرضعة حية، أو أن هذا ليس شرطاً؟

    عند الشافعية يشترط أن تكون حية، وعلى هذا فلبن الميتة ليس محرماً، وعند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى أنه لا يشترط أن تكون المرضعة حية؛ لعمومات الأدلة، وأما الشافعة فيقولون بأن هذا لبن محرم؛ لأن لبن الميتة: لا يحل، وإذا كان كذلك كان محرماً، والصواب في هذه المسألة ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    قال: (والموطوءة بشبهة، أو بعقد فاسد أو باطل، أو بزنا محرم).

    الموطوءة بشبهة سواء كانت هذه الشبهة شبهة عقد أو شبهة اعتقاد، فإذا وطئ امرأة يظنها زوجة له أو أمة له، ثم تبين أنها ليست زوجة له، فنشأت بلبن بسبب هذا الوطء، فهل هذا اللبن محرم أو ليس محرماً؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى بأن هذا اللبن محرم؛ لأن هذا الوطء يلحق به النسب، فيكون لبن هذه الموطوءة محرماً إذا أرضعت طفلاً خمس رضعات، وتكون أماً له ويكون الواطئ أيضاً أباً له.

    ومثل ذلك أيضاً: إذا كان الوطء بعقد فاسد، للعمومات، لأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، كما لو تزوجت امرأة بلا ولي، ثم بعد ذلك وطئت إلى آخره، ثم فسخ العقد لأنه تبين أنه فاسد إلى آخره، فنشئت بلبن بسبب هذا الوطء فنقول: هذا اللبن محرم، لا من جهة المرضعة ولا من جهة الواطئ صاحب اللبن، فيكون المرتضع ابناً لصاحب اللبن وابناً للمرضعة.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو باطل، أو بزنا).

    إذا عقد على امرأة عقداً باطلاً، كما لو عقد عليها في العدة، هذا العقد باطل، فوطئت ونشأت بلبن فهل هذا اللبن محرم أو ليس محرماً؟ كذلك أيضاً لو زنت، وبسبب هذا الزنا حملت فهذا اللبن محرم أو ليس محرماً؟ يقول المؤلف رحمه الله: (محرم) لكنه محرم من جهة المرضعة لا من جهة المرتضع، إذ إنه لا يلحق بالمرتضع، لكون هذا العقد باطلاً وجوده كعدمه، كذلك أيضاً كون هذه المرأة في زنا هذا وجوده كعدمه، فهذا الطفل المرتضع بسبب الوطء في النكاح الباطل أو في الزنا يكون ابناً للمرضعة، ولا يكون ابناً للواطئ، لا يلحق بالواطئ وإنما يلحق بالمرضعة الزانية، أو بالموطوءة في نكاح باطل.

    وهذا قول المذهب وهو مذهب الشافعية؛ للعمومات، فعندنا قولان في هذه المسألة:

    القول الأول: رأي الحنابلة والشافعية يقولون بأنه محرم لكن من جهة المرضعة، فيكون هذا المرتضع ابناً للموطوءة في الزنا أو في النكاح الباطل، ولا يكون ابناً للواطئ، وتقدم دليلهم؛ لأنه في العقد الباطل يلحق بأمه، ولا يلحق بأبيه الزاني.

    القول الثاني رأي الحنفية والمالكية: أنه يلحق بكل منهما، فتنتشر الحرمة من جهة الواطئ ومن جهة الموطوءة؛ للعموم، قالوا: لأنه لبن ينشر الحرمة؛ فاستوى مباحه ومحظوره كالوطء.

    والذي يظهر أن الراجح -والله أعلم- هو ما ذهب إليه الحنابلة والشافعية في هذه المسألة؛ لأن الولد في الزنا إنما يلحق بأمه، كذلك أيضاً إذا عقد عقداً باطلاً إنما يلحق بأمه، اللهم إلا إذ كان يجهل أن هذا العقد باطل ويظنه صحيحاً؛ فهذا وطء يكون وطء شبهة، فيلحق بأبيه وبأمه، وحينئذ هذا اللبن ينشر الحرمة من جهة الواطئ ومن جهة الموطوءة.

    فالخلاصة في هذه المسألة: أن الراجح ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة، اللهم إلا إذا كان في النكاح الباطل يعتقد الزوجان الصحة؛ فنقول بأن هذا وطء بشبهة ويلحق بمسألة الموطوءة بشبهة، وتقدم أن المرأة إذا وطئت بشبهة فإن الحرمة تنتشر إلى الواطئ، وكذلك أيضاً الموطوءة.

    الخامس: اللبن المشوب محرم

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمشوب محرم).

    يعني: اللبن الذي خلط بغيره محرم، لكن يشترط ألا يستهلك هذا اللبن، فإن استهلك وذهبت عينه وأصبح وجوده كعدمه؛ فنقول: بأنه ليس محرماً، لكن إذا كان هذا اللبن لم يستهلك، وآثاره لا تزال باقية؛ فنقول بأنه محرم، وبهذا نعرف أنه لا يشترط أن يكون اللبن خالصاً، وعلى هذا لو أن المرأة حلبت شيئاً من اللبن وأضافت إليه لبناً آخر أو شراباً آخر وأسقته لهذا الطفل فنقول بأن هذا محرم، وأنه ينشر الحرمة، فقد تكون المرأة قليلة لبن -وهذه أيضاً مسألة نستفيد منها- فتحلب شيئاً قليلاً من اللبن وتضيف إليه ثم ترضعه الطفل، فيكون محرماً.

    كذلك أيضاً لو أنه أكله أكلاً، كما لو جبن له هذا اللبن، فنقول: بأنه محرم.

    السادس: أن يكون لبن آدمية

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعكسه البهيمة).

    هذا الشرط السادس: أن يكون لبن آدمية، وعلى هذا إذا كان لبن بهيمة فإنه لا ينشر الحرمة بالاتفاق، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23]، والبهيمة ليست أماً.

    السابع: أن يكون اللبن بسبب وطء أو حمل

    قال: (وغير حبلى ولا موطوءة).

    هذا الشرط السابع: أن يكون اللبن ثاب -يعني: اجتمع- بسبب وطء أو حمل، وعلى هذا لو أن المرأة در ثديها، ولم يكن هذا اللبن بسبب وطء أو حمل، فعلى كلام المؤلف رحمه الله ليس محرماً، لأن المؤلف يقول: يشترط أن يكون هذا اللبن اجتمع بسبب الحمل أو بسبب الوطء.

    وعلى هذا لو فرضنا أن جارية لم تتزوج ودر ثديها وأرضعت طفلاً هل هذا اللبن محرم أو ليس محرماً؟ يقول المؤلف رحمه الله: يشترط أن يكون هذا اللبن ثاب عن حمل أو وطء، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أن هذا لا يشترط، وهو قول جمهور أهل العلم؛ لعمومات الأدلة، أما الحنابلة فيقولون بأن اللبن الذي لم يجتمع بسبب الحمل أو الوطء فالعادة أنه لم تجر التغذية به.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه جمهور العلماء للعمومات، وعلى هذا لو أن بكراً لم تتزوج در ثديها، أو امرأة كبيرة در ثديها لم توطأ ولم تحمل؛ فنقول بأن هذا اللبن محرم.

    1.   

    الأحكام المترتبة على الرضاع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فمتى أرضعت امرأة طفلاً صار ولدها في النكاح والنظر والخلوة والمحرمية).

    يعني: ما هي الأحكام المترتبة على الرضاع المحرم؟ يقول: عدة أحكام تترتب على هذا الرضاع المحرم:

    أولاً: النظر، فإذا أرضعت هذه المرأة هذا الطفل؛ فإنه يجوز له أن ينظر إليها كسائر المحارم.

    ثانياً: الخلوة: فله أن يخلو بهذه المرأة، وله أن يخلو ببناتها، لأنهن أخواته من الرضاعة، وعماته من الرضاعة، وخالاته من الرضاعة.. إلى آخره.

    ثالثاً: المحرمية، بأن يكون محرماً لها في السفر.

    قال: (وولد من نسب لبنها إليه بحمل أو وطء).

    هذا الحكم الرابع، فيكون هذا المرتضع من هذه المرأة ولداً لصاحب اللبن، وعلى هذا إن كان هذا المرتضع أنثى فإنه يحرم على صاحب اللبن أن يتزوجه، وإن كان ذكراً فإنه يحرم عليه أن يتزوج بناته وأمهاته.. إلى آخره.

    قال: (ومحارمه محارمها، ومحارمها محارمه).

    (محارمه) يعني: محارم الواطئ اللاحق به النسب محارمه، يعني: محارم المرتضع، محارم الواطئ محارم المرتضع كما تقدم وكما سيأتينا، (ومحارمها) يعني: محارم المرضعة كآبائها وأخواتها، محارمه، يعني: محارم المرتضع.

    فقول المؤلف: (ومحارمه)، يعني: محارم الواطئ كآبائه وأمهاته وأجداده وجداته (محارمه)، يعني: محارم المرتضع، (ومحارمها) يعني محارم المرضعة كآبائها وأخواتها وأعمامها (محارمه) أي: محارم المرتضع.

    (دون أبويه، وأصولهما وفروعهما، فتباح المرضعة لأب المرتضع وأخيه من النسب، وأمه وأخته من النسب لأبيه وأخيه).

    هذه المسألة تقدم أن تكلمنا عليها في المحرمات، وذكرنا الضابط.

    إذاً: عندنا صاحب اللبن تنتشر المحرمية إلى أصوله وفروعه وحواشيه دون فروعهم، والمرضعة كذلك تنتشر المحرمية إلى أصولها وفروعها وحواشيها دون فروعهم، ونضرب ثلاثة أمثلة، فعندنا صاحب اللبن ينتشر التحريم إلى أصوله وفروعه وحواشيه دون فروعهم، فلو كان المرتضع ذكراً هل لهذا المرتضع أن يتزوج أم صاحب اللبن؟ لا؛ لأنها تكون جدته، وهل له أن يتزوج بنت صاحب اللبن؟ لا. لأنها تكون أختاً له، وهل له يتزوج أخت صاحب اللبن؟ لا. لأنها تكون عمته، وهل له أن يتزوج بنت أخت صاحب اللبن؟ نعم، له ذلك؛ لأنها تكون ابنة عمته.

    كذلك أيضاً كما قلنا: المرضعة ينتشر إلى أصولها وفروعها وحواشيها، هذا الذكر هل له أن يتزوج أم المرضعة؟ لا، هل يتزوج أخت المرضعة؟ لا؛ لأنها تكون خالة له، بنت أخت المرضعة؟ يجوز ذلك؛ لأنها تكون بنت خالته، بنت المرضعة؟ لا يجوز؛ لأنها تكون أختاً له.

    كذلك صاحب اللبن: هل له أن يتزوج أم المرتضع؟ نعم؛ لأن المرتضع لا ينتشر إلا إلى فروعه ولا ينتشر إلى أصوله، وهل له أن يتزوج أخت المرتضع أخت ابنه؟ يجوز لكن هل يجوز أن يتزوج بنت المرتضع؟ لا يجوز، وعلى هذا فقس.

    إذاً: فما ذكره المؤلف رحمه الله كما تقدم يرجع إلى هذا الضابط.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن حرمت عليه بنتها فأرضعت طفلة حرمتها عليه، وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجته).

    (من حرمت عليه بنتها)، مثل الأخت هذه بنتها تحرم عليك، فلو أن أختك أرضعت طفلة فإن هذا الطفلة تكون محرمة عليك؛ لأنها تكون ابنة أختك، وأنت تكون خالاً لها.

    قال المؤلف: (حرمتها عليه وفسخت نكاحها منه إن كانت زوجة).

    إن كنت عقدت على هذه الطفلة، فجاءت أختك وأرضعتها فإنها تفسخ نكاح هذه الزوجة؛ لأنها تكون ابنة أختك، وأنت تكون خالاً لها، ولا شك أنه لا يجوز للخال أن يتزوج ابنة أخته، وتقدم أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب.

    قال المؤلف: (وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول فلا مهر لها، وكذا إن كانت طفلة فدبت فرضعت من نائمة.. إلى آخره).

    يعني: إذا أفسدت المرأة نكاح نفسها؛ فلا يخلو ذلك من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون ذلك قبل الدخول، ومثاله كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: لو كانت طفلة فدبَّت هذه الطفلة ورضعت من أخت الزوج، أو رضعت من أم الزوج؟ نقول: بأنها تحرم على الزوج وينفسخ النكاح، ولا شيء لها من المهر.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وكل امرأة أفسدت نكاح نفسها برضاع قبل الدخول لا مهر لها)، ومن أمثلة ذلك: لو كان هذا الرجل له زوجة صغيرة، وله زوجة كبيرة، فجاءت الزوجة الكبيرة وأرضعت الزوجة الصغيرة قبل الدخول، ينفسخ نكاح الزوجتين جميعاً؛ لأن الزوجتين أصبحتا أماً وابنتها، ولا يجوز له أن يجمع بين الأم وابنتها كما تقدم.

    وبالنسبة للزوجة الكبيرة لا شيء لها من المهر؛ لأنها هي التي أفسدت نكاح نفسها، وبالنسبة للزوجة الصغيرة لها نصف المهر، ونصف المهر يكون على الزوج، والزوج يرجع به على المفسد وهي الزوجة.

    ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (وإن أفسده غيرها) على الزوج؛ (فلها على الزوج نصف المسمى قبله وجميعه بعده، ويرجع الزوج به على المفسد).