إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الصواب في تعليق الرجعة بشرط أنه يجوز، والمطلقة إذا ادعت انقضاء عدتها فهي مؤتمنة على ما في رحمها، وتعتبر زوجة من استوفى طلاقه محرمة عليه، ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً مع بقية الشروط، والمطلقة ثلاثاً إذا ادعت نكاح من أحلها وانقضاء عدتها منه،

    1.   

    تعليق الرجعة على شرط

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، أو بدأها به فأنكرته فقولها.

    فصل: في أحكام ما إذا استوفى ما يملك من الطلاق:

    إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت عليه حتى يطأها زوج في قبل ولو مراهقاً، ويكفي تغييب الحشفة أو قدرها مع جب في فرجها مع انتشار وإن لم ينزل، ولا تحل بوطء دبر، وشبهة، وملك يمين، ونكاح فاسد، ولا في حيض، ونفاس، وإحرام، وصيام فرض، ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها، وانقضاء عدتها منه، فله نكاحها إن صدقها وأمكن].

    كنا في الدروس السابقة في أحكام الرجعة، وذكرنا تعريف الرجعة في اللغة والاصطلاح، وما هي شروط صحة الرجعة، وكذلك أيضاً زمن الرجعة، وبقي علينا بعض المسائل المتعلقة بالرجعة، من هذه المسائل: جملة: ولا تصح معلقة على شرط، يعني: هل يصح تعليق الرجعة على شرط أو لا؟ المؤلف رحمه الله تعالى يرى أنها لا تصح.

    مثال ذلك: لو قال لزوجته: إن تبت من هذا الذنب فقد راجعتك، فعلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى هذا لا يصح، مع أن في هذا مقصوداً للزوج، وهو حثها على التوبة وعلى الرجوع، وأنها إن تابت من هذا الذنب مثلاً فإنه يراجعها، فالمشهور من المذهب أن الرجعة لا تصح معلقة على شرط، كما مثلنا، أو كان شرطاً محضاً كأن قال: إذا دخل رمضان فقد راجعتك، فعلى كلام المؤلف لا يصح.

    والرأي الثاني: أن هذا صحيح ولا بأس به، وهذا هو الصواب في هذه المسألة؛ لأن الرجعة على شرط هي رجعة مقيدة، فالرجعة رجعتان: إما رجعة مطلقة بلا شرط، وإما رجعة مقيدة بالشرط، والأصل في ذلك صحة الرجعة، ولأن التعليق كما سلف قد يكون فيه مصلحة، وتظهر منه فائدة، ويكون للمعلق معنى مقصود، كما مثلنا: وكما لو قال لزوجته: لو حسنت عشرتك معي فقد راجعتك، هذا فيه حث لها على إحسان العشرة.

    1.   

    ادعت انقضاء عدتها فأنكر أو ادعى المراجعة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن بدأته فقالت: انقضت عدتي، فقال: كنت راجعتك، أو بدأها به فأنكرته فقولها).

    هاتان مسألتان:

    المسألة الأولى: بدأت الزوج، فقالت: انقضت عدتي، وقد مضى زمن يمكن فيه انقضاء العدة، فقال الزوج: كنت راجعتك في العدة، فأنكرت ذلك. هي تقول: انقضت عدتي ولم تراجعني، والزوج يقول: كنت راجعتك في العدة، فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أن القول قول الزوجة، لأنها منكرة، ودعواه المراجعة بعد انقضاء العدة لا تقبل إلا ببينة. ولأن الأصل أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها، لقول الله عز وجل: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228]، فدل ذلك على أن المرأة مؤتمنة على ما في رحمها. ومن ذلك دم الحيض، فإذا ادعت أنها حاضت ثلاث حيض في زمن يمكن ذلك، فنقول: هي مؤتمنة. وحينئذٍ يكون القول قولها.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو بدأها به فأنكرته فقولها).

    في الصورة الأولى هي التي بدأت فقالت: انقضت عدتي، وقال: أنا كنت راجعتك، فيقول المؤلف رحمه الله بأن القول قولها.

    وفي الصورة الثانية، هو الذي بدأها، فقال: كنت راجعتك، فقالت: لا! أنت لم تراجع، انتهت العدة قبل أن تراجع. فللعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك قولان:

    القول الأول: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى من أن القول قول الزوجة.

    الرأي الثاني: أن القول قول الزوج، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعلى هذا فالماتن في هذه المسألة خالف المذهب، وهذه المسألة مرت علينا في الفروق، تكلم عليها الشيخ عبد الرحمن رحمه الله، وقال بأن التفريق هنا ضعيف، يعني إذا بدأته على المذهب فالقول قولها، وإن بدأها، فالقول قوله.

    فالصواب في هذه المسألة هو ما مشى عليه الماتن، وأن القول قول المرأة في الصورتين، لأن الله سبحانه وتعالى جعلها مؤتمنة على ما في رحمها، ومن ذلك دم الحيض: وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ [البقرة:228]، فإذا ادعت أن العدة قد انقضت قبل أن يراجع سواء بدأت بالادعاء أو بدأ هو بالدعوى فالقول قول الزوجة.

    1.   

    المطلقة ثلاثاً

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل:

    إذا استوفى ما يملك من الطلاق حرمت عليه حتى يطأها زوج في قبل ولو مراهقاً).

    إذا استوفى الزوج ما يملك من الطلقات، أي: طلق زوجته آخر الطلقات الثلاثة، فإنها لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره بالإجماع، وقد دل على ذلك القرآن، فالله عز وجل قال: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، ثم قال بعد ذلك: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:229] هذه هي الطلقة الثالثة: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]. فإذا استوفى الزوج آخر ما يملك من الطلقات، فإن الزوجة لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره.

    شروط النكاح الثاني

    النكاح الثاني الذي يباح بسببه أن يرجع الزوج لزوجته يشترط له شروط:

    الشرط الأول: وجود الوطء، ولا يكفي العقد. وهذا باتفاق الأئمة، خلافاً لـسعيد بن المسيب ، وسعيد بن جبير ، فإنهما قالا: يكفي العقد، لأن الله سبحانه وتعالى قال: حَتَّى تَنكِحَ [البقرة:229] وهنا نكحت.

    والصواب في ذلك أنه لا يكفي العقد، وأنه لا بد من الوطء، ويدل على ذلك حديث عائشة في قصة امرأة رفاعة القرضي ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( تريدين أن ترجعي إلى رفاعة ، لا، حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ). فدل ذلك على أنه لا بد من الجماع ومن الوطء، وهذا في الصحيحين، ولا يكفي العقد، وكذلك أيضاً لا تكفي الخلوة، ولا يكفي الاستمتاع بها دون الوطء في الفرج، فإن هذا لا يكفي على الشرط الأول.

    الشرط الثاني: أن يكون الوطء في زواج، وعلى هذا لو وطئها شخص وطء شبهة، يظن أنها زوجته فوطئها، فإنها لا تحل لزوجها الأول، فلا بد أن يكون الواطئ زوج؛ لقول الله عز وجل: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].

    وكذلك أيضاً لو حصل وطء عن طريق زنا، فإنها لا تحل.

    الشرط الثالث: أن يكون الوطء في قبل، وعلى هذا لو وطئها في الدبر فإن هذا الوطء لا تحل به هذه المرأة، لأن هذا الوطء محرم، وجوده كعدمه، والدبر ليس محل الاستمتاع.

    الشرط الرابع: أن يكون العقد صحيحاً، وعلى هذا لو وطئها في عقد باطل، كما لو عقد عليها في العدة، أو وطئها في عقد فاسد، كما لو اختل شرط من شروط صحة العقد، كالولي، فإن هذا الوطء لا عبرة به، لأن الشارع إنما يعلق الأحكام على الصحيح من العقود، فالأحكام لا تعلق بالفاسد، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم خلافاً لبعض الشافعية، فالصحيح هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

    الشرط الخامس. هل يشترط بلوغ الزوج الثاني، أو أن بلوغ الزوج الثاني ليس شرطاً؟ يقول المؤلف رحمه الله: لا يشترط بلوغ الزوج الثاني، لأن الله سبحانه وتعالى قال: حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230]. وهنا نكحت زوجاً غيره، وهذا يشمل البالغ وغير البالغ، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ). وهذا يشمل ما إذا كان الزوج بالغاً أو غير بالغ.

    والرأي الثاني: رأي المالكية، أنه يشترط البلوغ، لأن ذوق العسيلة إنما يكون من البالغ،

    والصواب في ذلك ما عليه جمهور أهل العلم، وأنه لا يشترط البلوغ، كما ذكره المؤلف رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويكفي تغييب الحشفة أو قدرها مع جبٍّ)..

    ذكرنا أنه يشترط الوطء، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، لكن: ما هو ضابط الوطء.

    ضابط الوطء، تغييب حشفة رأس الذكر في فرج هذه المرأة، فإذا حصل التغييب حلت لزوجها الأول.

    فإذا كانت هذه الحشفة قد قطعت، فأن يغيب قدرها من بقية الذكر، ويؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يشترط أن يغيب جميع الذكر.

    قال المؤلف رحمه الله: (في فرجها مع انتشار)..

    هذا هو الشرط السادس، والأئمة يتفقون على أنه لا بد من انتشار الذكر، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ). ومع عدم الانتشار، لا يحصل ذوق العسيلة.

    والرأي الثاني: رأي عند الحنابلة، أنه لا يشترط الانتشار. والصواب في ذلك أنه يشترط الانتشار.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن لم ينزل)..

    هذا هو الشرط السابع، أن الإنزال ليس شرطاً، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم أن الإنزال ليس شرطاً، وهو رأي الأئمة.

    والحسن البصري يشترط الإنزال، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك ).

    لكن الجمهور يقولون: لا يشترط الإنزال لأن ذوق العسيلة يحصل بتغييب الحشفة، كما أن ذوق العسيلة يحصل بالإنزال.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا تحل بوطء دبر)..

    لما تقدم من أنه لا بد من وطء الفرج.

    قال المؤلف رحمه الله: (وشبهة، وملك يمين ونكاح فاسد)..

    تقدم الكلام عليه. شبهة كما ذكرنا أنه لا بد أن يطأها زوج، أو ملك يمين، ونكاح فاسد، تقدم لنا أنه يشترط أن يكون النكاح الثاني صحيحاً.

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا في حيض ونفاس وإحرام وصيام فرض)..

    هذا هو الشرط السابع: أن يكون الوطء مباحاً، وعلى هذا فإذا كان محرماً كما لو وطئها، الزوج الثاني في الحيض، فإنها لا تحل، أو وطئها في النفاس، أو وطئها وهي محرمة، أو وطئها وهي صائمة، فيشترط أن يكون الوطء مباحاً، وهذا هو رأي المالكية.

    الرأي الثاني: رأي الشافعية والحنفية أنه لا يشترط أن يكون الوطء مباحاً، وعلى هذا لو وطئها في حال الحيض، أو في حال الإحرام، أو صيام الفرض فإنها تحل لزوجها الأول لحصول ذوق العسيلة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك )، وهنا قد حصل ذوق العسيلة.

    والذي يظهر والله أعلم: هو ما ذهب إليه المالكية وأنه يشترط أن يكون الوطء مباحاً، بخلاف ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، لأن وطء المحرم وجوده كعدمه، وهو وإن حصل له ذوق العسيلة حساً، إلا أنه لم يحصل له ذوق العسيلة شرعاً؛ لأن هذا وطء محرم ولا يجوز.

    دعوى المطلقة ثلاثاً نكاحاً ثانياً وانقضاء عدتها منه

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن ادعت مطلقته المحرمة وقد غابت نكاح من أحلها، وانقضاء عدتها منه، فله نكاحها إن صدقها وأمكن).

    يعني: هذا رجل طلق زوجته آخر ما يملك من الطلقات، ثم غاب عنها لمدة خمسة أشهر أو ستة أشهر ثم رجع، فادعت أن عدتها قد انتهت، وأنها تزوجت، وأنها حلت له. فيقول المؤلف رحمه الله: إذا صدقها وأمكن ذلك وصدقها فإنها تباح لزوجها؛ لما تقدم من أن الله سبحانه وتعالى جعل المرأة مؤتمنة على ما في رحمها.