إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تحريم الزوجة لا يخلو من أمرين: أن يقصد به اليمين أو مجرد التحريم فيكون ظهاراً، والصواب أنه يمين ما لم ينو الطلاق، والحكم فيمن قال لزوجته: أنت علي كالميتة والدم ولحم الخنزير أنه إن نوى بهن طلاقاً وقع، وإن نوى بهن ظهاراً أو مجرد ترك الوطء أو لم ينو شيئاً فح

    1.   

    تلخيص لما سبق من أحكام الطلاق

    [ وإن قال: أنت علي حرام أو كظهر أمي فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق، وكذلك: ما أحل الله علي حرام، وإن قال: ما أحل الله علي حرام، أعني به الطلاق طلقت ثلاثاً، وإن قال: أعني به طلاقاً فواحدة.

    وإن قال: كالميتة، والدم، والخنزير، وقع ما نواه من طلاق وظهار ويمين، وإن لم ينو شيئاً فظهار، وإن قال: حلفت بالطلاق وكذب لزمه حكماً، وإن قال: أمرك بيدك ملكت ثلاثاً ولو نوى واحدة، ويتراخى ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ.

    ويختص اختاري نفسك بواحدة، وبالمجلس المتصل ما لم يزدها فيهما، فإن ردت أو وطئ أو طلق أو فسخ بطل خيارها.

    باب ما يختلف به عدد الطلاق: يملك من كله أو بعضه حر ثلاثا والعبد اثنتين حرة كانت زوجتاهما أو أمة، فإذا قال أنت الطلاق أو أنت طلاق أو علي أو يلزمني وقع ثلاث بنيتها وإلا فواحدة، ويقع بلفظ كل الطلاق أو أكثره أو عدد الحصى أو الريح أو نحو ذلك ولو نوى واحدة، وإن طلق عضواً أو جزءاً مشاعاً أو معيناً أو مبهماً أو قال: نصف طلقة أو جزءاً من طلقة طلقت وعكسه الروح والسن والشعر، والظفر ونحوه وإذا قال لمدخول بها: أنت طالق وكرره وقع العدد إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً، وإن كرره ببل أو ثم أو بالفاء أو قال: بعدها أو قبلها أو معها طلقة وقع اثنتان، وإن لم يدخل بها بانت بالأولى، ولم يلزمه ما بعدها، والمعلق كالمنجز في هذا.

    فصل: ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والطلقات، فإذا قال أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة وإن قال: ثلاثاً إلا واحدة فطلقتان].

    تقدم لنا في الدروس السابقة ما يتعلق بصفة طلاق السنة، وما يضاد ذلك من طلاق البدعة، وذكرنا أن طلاق السنة ما جمع أربع صفات:

    الصفة الأولى: أن يكون واحدة.

    والصفة الثاني: أن يكون في طهر.

    والصفة الثالثة: أن يكون في طهر لم يطأ فيه.

    والصفة الرابعة: أن يتركها حتى تنتهي عدتها، ألا يلحقها طلقة في أثناء العدة.

    وبينا ما يتعلق بالطلاق المخالف للسنة، من حيث الحكم التكليفي، وكذلك أيضاً من حيث الحكم الوضعي.

    وتكلمنا أيضاً فيما تقدم عن ألفاظ الطلاق، وأن ألفاظ الطلاق تنقسم إلى قسمين: القسم الأول: صريح، والقسم الثاني: كناية، وأن الصريح هو لفظ الطلاق وما تصرف منه، وأن الكناية ما احتمل الطلاق وغيره، وذكرنا أن العلماء رحمه الله لهم مسلكان في تحديد الصريح والكناية، المسلك الأول: الرجوع إلى أصل اللغة، والمسلك الثاني: الرجوع إلى العرف، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة هو الرجوع إلى العرف، فما تعارف الناس عليه أنه صريح فهو صريح، وما لم يتعارفوا على أنه صريح واحتمل فإنه يكون من باب الكناية.

    وتقدم أن الكناية لا يقع بها الطلاق إلا مع النية، لكن هل يكتفى بالقرينة أو لا يكتفى بها المؤلف رحمه الله قال: يكتفى بالقرينة، ففي حال الغضب وحال الخصومة وسؤالها الطلاق يكتفى بذلك عن النية، وذكرنا أن الصواب أنه لا يكتفى بذلك عن النية.

    وقال المؤلف رحمه الله: ويقع مع النية بالظاهرة ثلاث وإن نوى واحدة، وبالخفية ما نواه، وهذه المسألة تقدم الكلام عليها، وذكرنا أن الكنايات الظاهرة وضعت للبينونة الكبرى، وأنه يقع بها ثلاث طلقات ولو نوى واحدة، ولو لم ينو شيئاً، إن نوى واحدة فثلاث، إن نوى اثنتين فثلاث، إن نوى ثلاثاً فثلاث، وأما بالنسبة للكنايات الخفية فيقع ما نواه، إن نوى واحدة، فواحدة، وإن نوى اثنتين فاثنتين، وإن نوى ثلاثاً فثلاث، وإن لم ينو شيئاً فواحدة، ومثله أيضاً الصريح، إن نوى طلقة، فطلقة، وإن نوى طلقتين، فثنتان، وإن نوى ثلاثاً، فثلاث، وإن لم ينو شيئاً، فواحدة.

    1.   

    تحريم الزوجة بنية الظهار

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: وإن قال: أنت علي حرام، أو كظهر أمي، فهو ظهار، ولو نوى به الطلاق).

    هذه المسألة في تحريم الزوجة، وسيأتينا بحثها إن شاء الله في كتاب الظهار، والعلماء رحمهم الله يتعرضون لها هنا، ويذكرونها أيضاً في كتاب الظهار، وفي كتاب الأيمان، وتحريم الزوجة اختلف فيه العلماء رحمهم الله كثيراً، وألفت فيه مؤلفات مستقلة، وسنتطرق لهذه المسألة في كتاب الظهار إن شاء الله، لكن لا بأس أن نذكر الحكم على سبيل الإجمال لذكر المؤلف رحمه الله له، فنقول: تحريم الزوجة لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يقصد به اليمين، فيقصد به الحث، أو المنع، أو التصديق، أو التكذيب، كأن يقول: إن خرجت فأنت عليّ حرام، أو إن ذهبت فأنت عليّ حرام، أو إن لم تذهبي فأنت عليّ حرام، يقصد الحث، أو المنع، أو تصديق خبر، أو تكذيب هذا الخبر، فإذا قصد بالتحريم اليمين، فالمذهب وعليه الجمهور أنه لا فرق وأنه ظهار.

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه يمين فيها كفارة اليمين.

    القسم الثاني: ألا يقصد اليمين، وإنما يقصد مجرد التحريم، كأن يقول لزوجته: أنت عليّ حرام، فالمذهب أيضاً أنه ظهار، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    والرأي الثاني: أنه يمين إلا إن قصد الطلاق فطلاق، وهذا ذهب إليه طائفة من السلف، وهذه المسألة كما أسلفت فيها أقوال كثيرة، وسنتعرض لهذه الأقوال في كتاب الظهار إن شاء الله، والمهم الأن القسم الثاني أن يقصد مجرد التحريم، ولا يقصد اليمين، كأن يقول لزوجته: أنت عليّ حرام، يقصد التحريم، فالمذهب أنه ظهار، والرأي الثاني ذهب إليه طوائف من السلف: أنه يمين، حكمه حكم اليمين، إلا إن قصد الطلاق، فحكمه حكم الطلاق، وعند الظاهرية أنه لغو، والصواب في هذه المسألة هو القول الثاني أنه يمين إلا إن قصد الطلاق.

    ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين أنه قال: الحرام يمين فيها الكفارة، وهو وارد أيضاً عن بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولأن القول بأنه ظهار فيه ضعف؛ لأن الظهار أوجب الله عز وجل فيه الكفارة المغلظة، والكفارة المغلظة لا تجب إلا في التشبيه القبيح، أن يقول لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي، فيشبه أحل الناس له بأحرم الناس عليه، فهنا تجب الكفارة المغلظة.

    وهذه مسألة مهمة تقع عند كثير من الناس اليوم، والخلاصة فيه أنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يقصد الحث، والمنع، والتصديق، والتكذيب، فهذه يمين كما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    القسم الثاني: ألا يقصد اليمين، وإنما يقصد مجرد التحريم، فهذه موضع خلاف كبير بين العلماء رحمهم الله، والصواب في هذه المسألة أيضاً أنها يمين ما لم ينو الطلاق، والمشهور من الذهب أنه ظهار، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    الظهار بنية الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (أو كظهر أمي فهو ظهار ولو نوى به الطلاق).

    إذا قال: أنت عليّ كظهر أمي فهو ظهار، حتى ولو نوى الطلاق.

    وهذا كان موجوداً في الجاهلية، فإذا قال لزوجته: أنت عليّ كظهر أمي ونوى الطلاق، ويجعله طلاقاً رجع إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، فقد كان أحدهم إذا أراد أن يطلق زوجته حرمها، وقال: أنت عليّ كظهر أمي، فيجعلها بائناً بينونة كبرى، ثم جعله الله سبحانه وتعالى ظهاراً، وجعل فيه الكفارة المغلظة، فإذا قال: أنت عليّ كظهر أمي، حتى ولو نوى الطلاق فإننا نجعله ظهاراً.

    وكذلك: ما أحل الله علي حرام، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: إنه يكون ظهاراً، وقد ذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أنه يمين، إلا إذا نوى الطلاق فإنه يكون طلاقاً.

    فقوله رحمه الله: (وكذلك: ما أحل الله علي حرام).

    يدخل في ذلك الزوجة، لأن الزوجة مما أحلها الله عز وجل له، فنقول: هذا كلام المؤلف أنه يكون ظهاراً، والصواب: أنه يمين، إلا إن نوى الطلاق فإنه يكون طلاقاً.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: ما أحل الله علي حرام، أعني به الطلاق طلقت ثلاثاً).

    إذا قال: ما أحل الله علي حرام، أعني به الطلاق، يقول المؤلف رحمه الله: طلقت ثلاثاً، لأن التحريم كناية من كنايات الطلاق، فإذا نوى به الطلاق يقع الطلاق، وهنا قال: يقع عليه ثلاث طلقات؛ لأن قوله: أعني به الطلاق، الألف واللام للاستغراق، فتستغرق جميع الطلقات، والصواب كما تقدم هذه المسألة أنه إذا حرم زوجته ونوى الطلاق وقع الطلاق، لكن لا يقع ثلاث طلقات، وإنما يقع طلقة واحدة.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أعني به طلاقاً فواحدة).

    لعدم ما يدل على الاستغراق، فلو قال: ما أحل الله عليّ حرام، أعني به طلاقاً، فالتحريم من كنايات الطلاق، وعلى هذا يقع بالتحريم مع النية الطلاق، لكن إذا قال: أعني به طلاقاً أو أقصد به طلاقاً، فيقع طلقة واحدة، لعدم ما يدل على الاستغراق.

    1.   

    قول الزوج: أنت علي كالميتة أو الدم والخنزير

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: كالميتة، والدم، والخنزير، وقع ما نواه من طلاق وظهار ويمين، وإن لم ينو شيئاً فظهار).

    إذا قال لزوجته: أنت عليّ كالميتة، أو كالدم، أو كالخنزير، يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يخلو من أقسام:

    القسم الأول: أن ينوي الطلاق، فإذا نوى الطلاق وقع به الطلاق، لأن هذا من كنايات الطلاق.

    القسم الثاني: أن ينوي الظهار، فيقع ظهاراً على كلام المؤلف، والصحيح في ذلك أنه لا يقع ظهاراً، وأن حكمه حكم اليمين؛ لأنه لا ظهار إلا في التشبيه القبيح: أن يشبه أحل الناس له بأحرم الناس عليه، وهنا لا يوجد هذا التشبيه القبيح، ولهذا وجبت في التشبيه القبيح الكفارة المغلظة كما سلف، فالصواب في ذلك أن حكمه حكم اليمين.

    القسم الثالث: أن ينوي اليمين، بأن يقصد مجرد ترك الوطء، فهذا حكمه حكم اليمين، فيه كفارة اليمين.

    القسم الرابع: ألا ينوي شيئاً، فيقول المؤلف رحمه الله بأنه ظهار، والصواب: أنه يمين.

    فالمسألة في كل هذه الأقسام تكون يميناً إلا إذا نوى الطلاق؛ لأنه كناية من كنايات الطلاق، فيقع به الطلاق مع النية.

    1.   

    الحلف بالطلاق كاذباً

    قال المؤلف: (وإن قال: حلفت بالطلاق وكذب، لزمه حكماً).

    مثال ذلك قالت زوجته: أذهب إلى السوق، قال: أنا حلفت بالطلاق أنك ما تذهبين إلى السوق اليوم، وهو كاذب، وذهبت إلى السوق، يقول المؤلف رحمه الله: لزمه حكماً، فلو رافعته الزوجة إلى القاضي فإنه يحكم عليه بالطلاق، لأنه حلف بالطلاق وأحنثته وذهبت إلى السوق، فلو قال: أنا أكذب، ما حلفت بالطلاق، فلا يقبل منه القاضي؛ لأنه يقضي على نحو ما يسمع، وقد أقر على نفسه أنه حلف بالطلاق، والإقرار على النفس مقبول.

    لكن لو قال للزوجة: أنا أكذب ما حلفت، فهل تصدقه الزوجة أو لا تصدقه؟ على حسب الكلام السابق، وهل ترافعه أو لا ترافعه؟ ينظر إلى القرائن، وإلى حال الرجل فإذا كان مثل هذا الشخص لا يكذب في مثل هذه المسائل، ويوثق بخبره وقوله، لديانته ونحو ذلك، فهذا تقبل قوله ولا ترفعه إلى القاضي؛ لأنه لو رفعته إلى القاضي، فسيحكم عليه بالطلاق، وربما تكون هذه هي الطلقة الثالثة فتبين منه، وإن كان معروفاً بالكذب والتساهل وقلة الدين فهنا ترافعه، لكي يحكم عليه بالطلاق.

    1.   

    جعل أمر الزوجة بيدها

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال: أمرك بيدك ملكت ثلاثاً، ولو نوى واحدة).

    أولاً: توكيل الزوجة بالطلاق تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن رأي جمهور أهل العلم أنه يصح، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: (خيرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولو كان طلاقاً لم يخيرنا)، وفي رواية: (ولم يعدها شيئاً)، ولم يعدها شيئاً، فيصح أن توكل المرأة في الطلاق، ولهذا لا بأس أن تطلق نفسها.

    فإذا قال لزوجته: أمرك بيدك، فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: لها أن تطلق نفسها ثلاث تطليقات، ولو نوى واحدة؛ لأن هذا من الكنايات الظاهرة، والكنايات الظاهرة موضوعة للبينونة الكبرى.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية، أنها لا تملك أن تطلق نفسها ثلاثاً إلا مع النية، يعني: المذهب تملك أن تطلق نفسها ثلاث طلقات، ولو نوى أنها تطلق نفسها طلقة واحدة، ورأي الشافعية أنها لا تملك أن تطلق نفسها ثلاثاً إلا إذا نوى الثلاث، أما إذا لم ينو فإنها لا تملك إلا واحدة، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذا كله مفرع على أن الطلاق يقع به ثلاثاً، وإذا قلنا: بأن الطلاق لا يقع به إلا طلقة واحدة فلا تأتينا هذه المسألة، إذا قال: أمرك بيدك، فالزوج لا يملك أن يطلق زوجته إلا طلقة واحدة، فالزوجة ووكيله من باب أولى، فلا تملك أن تطلق نفسها إلا طلقة واحدة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويتراخى ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ).

    إذا قال: أمرك بيدك، فهل هو على الفورية أو على التراخي؟ المؤلف رحمه الله تعالى يقول: بأنه على التراخي، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى والمالكية رحمهم الله لهم تفصيل في هذه المسألة، فيقولون: بأن القاضي إذا علم فإنه يأمر بالاختيار، فإن اختار وإلا أسقط حقه، فكأن المالكية يرون أنه على التراخي إلا إذا علم القاضي فإنه يأمر بالاختيار، فإن اختار وإلا أسقط حقه.

    ويظهر والله أعلم ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمه الله وأنه على التراخي، إلا إذا دلت القرينة على الفورية، وأن الزوج قصد الفورية.

    قال المؤلف رحمه الله: (ما لم يطأ أو يطلق أو يفسخ).

    يعني ما لم يوجد دليل الرجوع، ودليل الرجوع إما بالقول أو بالفعل، بالقول كأن يقول: فسخت، أو رجعت عن قولي: اختاري نفسك، أو أبطلت هذا الاختيار ونحو ذلك، وبالفعل، يكون بالوطء، إذا وطئها فهذا رجوع منه عن قوله لها: اختاري نفسك، لأن الوطء يدل على الرضا ببقاء الزوجية.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويختص اختاري نفسك بواحدة، وبالمجلس المتصل ما لم يزدها فيهما).

    يعني قوله: أمرك بيدك يفترق عن قوله: اختاري نفسك بأمرين:

    الأمر الأول: أن قوله: أمرك بيدك للبينونة، تملك ثلاثاً، وقوله: اختاري نفسك ما تملك إلا واحدة.

    الفرق الثاني: أن قوله: أمرك بيدك على التراخي، وقوله: اختاري نفسك، هذا في المجلس، لابد أن تختار في المجلس.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويختص اختاري نفسك بواحدة وبالمجلس المتصل).

    يعني إذا قال لها: اختاري نفسك، فإنها لا تملك إلا طلقة واحدة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ما لم يزدها فيهما).

    يعني لو قال: لك أن تختاري نفسك إلى طلقتين أو إلى ثلاث، تملك ذلك على كلام المؤلف؛ لأنه قال: ما لم يزدها فيهما، والصواب: أنها لا تملك ذلك، لأن الزوج لا يملك، فنائبه من باب أولى أنه لا يملك، هذا بالنسبة للعدد.

    ولو قال: اختاري نفسك في هذ المجلس أو متى شئت، فلا يختص ذلك بالمجلس، فلها أن تختار نفسها في المجلس وما بعد المجلس.

    قال المؤلف رحمه الله: (وبالمجلس المتصل).

    يعني أن لها أن تختار نفسها في المجلس، أما بعد المجلس فلا تملك أن تختار نفسها وهذا هو المشهور من المذهب، ولا تشترط عند الحنابلة الفورية ما دام في المجلس، وقريب منه قول الحنفية، وعند الشافعية أنه يجب أن تختار نفسها على الفور.

    والأقرب -كما تقدم- أن مثل هذه المسائل يرجع فيها إلى القرائن، فإذا دلت القرينة أو قصد الزوج أن تختار نفسها على الفور فهو على الفور، وإن قصد أن تختار نفسها على التراخي فهو على التراخي، وإلا فكما قال الشافعية على الفور، هذا الذي يظهر والله أعلم، لأن دلالة اللفظ تدل على أنه لابد من الفورية.

    وهذا بخلاف قوله: أمرك بيدك، فإنها تملك أن تطلق نفسها في غير المجلس.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن ردت، أو وطء، أو طلق، أو فسخ بطل خيارها).

    أي: يبطل قوله: اختاري نفسك، كما قلنا فيما إذا قال لها: أمرك بيدك، يبطل إما بالقول أو بالفعل، بالقول كأن يقول: رجعت أو فسخت، أو ترد هي فتقول: رددت الاختيار، وبالفعل كالوطء، إذا وطئها بطل حقها من الاختيار؛ لأن الوطء يدل على الرضا ببقاء الزوجية.

    1.   

    الأحق بالطلاق والمعتبر به

    قال رحمه الله: (باب ما يختلف به عدد الطلاق).

    الطلاق هل هو معتبر بالرجال أو معتبر بالنساء؟ المشهور من المذهب، وهو قول جمهور أهل العلم أنه معتبر بالرجال، ويدل لهذا قول الله عز وجل: الطَّلاقُ مَرَّتَانِ [البقرة:229]، ثم قال: فَإِنْ طَلَّقَهَا [البقرة:230]، من هو؟ الزوج، يدل على أنه معتبر بالرجال، وقد جاء في الحديث الضعيف: ( الطلاق لمن أخذ بالساق )، والزوج هو الذي يأخذ بالساق.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، أن الطلاق معتبر بالنساء، لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعاً، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( طلاق الأمة تطليقتان )، رواه أبو داود والترمذي لكنه ضعيف، والصواب: أن الطلاق معتبر بالرجال.

    ولذلك قال المؤلف رحمه الله: (يملك من كله حر أو بعضه ثلاثاً، والعبد اثنتين، حرةً كانت زوجتاهما أو أمة).

    فالحر يملك ثلاث تطليقات، والرقيق يملك طلقتين، الحر يملك ثلاث طلقات، سواء كانت زوجته حرةً أو أمة، لأن المعتبر هو الرجال، والرقيق يملك طلقتين، سواء كانت زوجته حرة أو أمة، ولو قلنا بأن المعتبر النساء فسننظر إلى المرأة، فإن كانت حرة فطلاقها ثلاث، حتى ولو كان زوجها رقيقاً، وإن كانت أمة فطلاقها طلقتان حتى ولو كان زوجها حراً.

    والصحيح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، وأن المعتبر الرجال.

    1.   

    ما يقع به الطلاق ثلاثاً

    قال المؤلف رحمه الله: (فإذا قال: أنت الطلاق، أو طالق، أو عليّ، أو يلزمني، وقع ثلاث بنيتها، وإلا واحدة).

    إذا قال لزوجته: أنت طالق، أو أنت الطلاق، أو يلزمني الطلاق، فعلى حسب النية، إن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى اثنتين فاثنتين، وإن نوى ثلاثاً فثلاثاً، إذا لم ينو شيئاً فواحدة، ولهذا قال المؤلف: وإلا واحدة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويقع بلفظ كل الطلاق).

    لو قال: أنت طالق كل الطلاق، أو أكثر الطلاق، أو عدد الحصى، والريح ونحو ذلك فثلاث ولو نوى واحدة؛ لأن هذه الألفاظ كما لو قال: أنت طالق ثلاثاً، وإذا صرح بالعدد فإن النية لا تقوى على تخصيص العدد، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً، وقال: أنا نويت واحدة، أو قال: نويت اثنتين، يصلح فلا ينفعه، وأيضاً لو قال: أنت طالق كل الطلاق، فكأنه قال: أنت طالق ثلاثاً، صرح بالعدد، فلا تقدر على تخصيص العدد؛ لأن اللفظ أقوى من النية، وهكذا مع بقية الألفاظ.

    ولو قال: أنت طالق أطول الطلاق، أو أعرض الطلاق، فليس فيه دليل على العدد، لأن الطلقة الواحدة يطلق عليها بأنها أطول الطلاق، نوع من الطلاق، فليس فيه دليل على العدد، فيقع عليه واحدة، إلا إذا نوى طلقة أو طلقتين أو ثلاثاً، فيقع على حسب ما نوى، كما لو قال: أنت طالق، يقع ما نواه، إن نوى طلقة فطلقة، وإن نوى طلقتين فطلقتين، وإن نوى ثلاثاً فثلاثاً، وإن لم ينو فطلقة.

    1.   

    تطليق أبعاض المرأة وتبعيض الطلقات

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن طلق عضواً أو جزءاً مشاعاً أو معيناً أو مبهماً).

    عضواً، كأن قال: رأسك طالق، أو يدك طالق، أو جزءاً مشاعاً، مثل: نصفك طالق، ربعك طالق، أو جزءاً معيناً، مثاله: نصفك الأعلى طالق، صح، أو مبهماً، بأن قال: جزؤك طالق، ما عين، لا الفوقي ولا التحتي.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو قال: نصف طلقة، أو جزءاً من طلقة، طلقت).

    هذه خمس مسائل، طلق عضواً، مع أن الأعضاء كما سيأتينا، عندهم فيها تفصيل، أو طلق جزءاً مشاعاً، أو جزءاً معيناً، أو جزءاً مبهماً، أو قال: أنت طالق نصف طلقة، أو ربع طلقة، أو خمس طلقة، يقول المؤلف رحمه الله: بأنها تطلق، وهذا رأي جمهور أهل العلم، وإن كان لهم تفاصيل في هذه المسألة، لكن هذا هو رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي داود الظاهري ، أنها لا تطلق، لأن هذا الطلاق ليس الطلاق الذي ورد في القرآن والسنة، الطلاق الذي ورد في القرآن والسنة المضاف إلى جملة المرأة، أي: إلى جميع الجملة، ما يطلق يداً أو رجلاً أو رأساً أو جزءاً إلى آخره، أو يطلق نصف طلقة، أو ربع طلقة، هذا ما ورد، ويظهر والله أعلم أن هذا القول هو الأقرب؛ لأن الأصل عندنا هو بقاء النكاح.

    قال المؤلف رحمه الله: (وعكسه الروح والسن، والشعر والظفر ونحوها).

    لو قال: شعرك طالق، سنك طالق، يقولون: لا تطلق، لأن هذه الأشياء في حكم المنفصل، وهذه قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله، في كتابه القواعد، وهي القاعدة الثانية، وأن الشعر والظفر والسن أنها في حكم المنفصل، وعلى هذا لو قال: شعرك طالق، ظفرك طالق، سنك طالق، هذه لا يقع بها طلاق.

    قال: وعكسه الروح، فلو قال: روحك طالق إلى آخره، فهذا لا يقع، ومثله لو قال: ريقك طالق، أو سمعك طالق، أو بصرك طالق.

    1.   

    تكرير الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن قال لمدخول بها: أنت طالق، وكرره وقع العدد، إلا أن ينوي تأكيداً يصح، أو إفهاماً).

    إذا قال لامرأة مدخول بها -هذا قيد لإخراج غير المدخول بها- فإذا قال لها: أنت طالق أنت طالق، فالمؤلف يرى أنها تطلق طلقتين، إلا أن ينوي تأكيداً يصح أو إفهاماً، فإذا قال: أنا قصدت بالثانية الإفهام، يقع واحدة، وإذا قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، قلنا: وقع عليك ثلاث، فإذا قال: قصدت أن أؤكد الأولى بالثالثة، فلا تحسبوها عليّ، لأني قصدت أن أؤكد بها الأولى، فلا ينفعه، لأن التأكيد هنا لا يصح، لأنه لابد فيه من أمرين: الاتصال، وأن يؤكد الجملة بمثلها، فلابد أن تكون فقيهاً، ولو قال: أنا قصدت بالثانية تأكيد الأولى، نفع ووقعت عليه واحدة.

    ولو قال: أنا قصدت بالثالثة أن أؤكد الثانية، صح.

    الشرط الثاني: أن يؤكد الجملة بمثلها، فلو قال: أنت طالق، ثم أنت طالق، بل أنت طالق، وقال: الثالثة قصدت بها تأكيد الثانية، نقول: ما يصلح، لأنك ما أكدت الجملة بمثلها، فوقع عليك ثلاث، لكن لو قال: أنت طالق، ثم أنت طالق، ثم أنت طالق، يصح أن يؤكد الثانية بالثالثة لاختلاف الجملة، فلابد من هذين الأمرين.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن كرره ببل، أو بثم، أو بالفاء، أو قال بعدها، أو قبلها، أو معها طلقة وقع اثنتان).

    كرره ببل، قال: أنت طالق، بل طالق، فيقع طلقتان، إلا إذا كان يقصد الإفهام كما تقدم، ولو قال: أنت طالق ثم طالق، أو أنت طالق فطالق، أو معها طلقة، أو قبلها طلقة، يقول المؤلف رحمه الله: يقع عليه اثنتان، وهذا كله تفريع على وقوع الطلاق الثلاث.

    وهذا أيضاً في المدخول بها، أما التي لم يدخل بها فتطلق بالأولى، ولا يلحقها ما بعدها إلا إذا جمع، فإذا كان عنده امرأة لم يدخل بها، وقال: أنت طالق أنت طالق، فإنها تطلق طلقة واحدة، لأنه لما قال: أنت طالق الثانية، لم تصادف محلاً، فلا تطلق به، إلا إذا جمع، أي: قال لها: أنت طالق ثلاثاً، يقع عليها ثلاث طلقات، حتى وإن كانت غير مدخول بها.

    ومثل ذلك لو قال لها: أنت طالق معها طلقة، أو قبلها طلقة، أو فوقها طلقة، فهذه يقع عليها طلقتان، لوجود الجمع، المهم أن غير المدخول بها إذا جمع فإنه يقع عليها العدد، وإذا لم يجمع فإنه يقع طلقة واحدة.

    قال المؤلف رحمه الله: (والمعلق كالمنجز في هذا).

    المعلق كالمنجز، وما يتعلق بتعليق الطلاق بالشروط، فسيأتي إن شاء الله بيان أقسامه.

    1.   

    الاستثناء في الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: ويصح منه استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات، فإذا قال: أنت طالق طلقتين إلا واحدة وقعت واحدة).

    الاستثناء في اللغة: العطف، وأما في الاصطلاح: فهو إخراج بعض المستثنى منه بإلا أو إحدى أخواتها. الاستثناء يصح في الطلاق، لكن يشترط له شروط:

    الشرط الأول: أن يكون من الزوج، وعلى هذا فلو استثنى أبوه أو استثنت أمه لم يصح، لو قال: أنت طالق ثلاثاً، فقال أبوه: إلا واحدة، لم يصح ذلك، لابد أن يكون الاستثناء من الزوج.

    الثاني: قال: استثناء النصف فأقل من عدد الطلاق والمطلقات، هذا الشرط الثاني، أن يستثني النصف فأقل، وعلى هذا الاستثناء له أقسام:

    القسم الأول: أن يستثني الكل، فهذا لا يصح، والأصوليون يحكون الإجماع على ذلك، مثاله: أنت طالق ثلاثاً إلا ثلاثاً، فالاستثناء هذا لغو؛ لأنه يؤدي إلى إبطال كلام المكلف.

    القسم الثاني: أن يستثني أقل من النصف، فهذا يصح، لو قال: أنت طالق ثلاثاً إلا واحدة، صح.

    القسم الثالث: أن يستثني النصف، فيقول: زوجاتي الأربع طوالق إلا فلانة وفلانة، فيصح.

    القسم الرابع: أن يستثني أكثر من النصف، فيقول: أنت طالق ثلاثاً إلا ثنتين، المذهب أن هذا الاستثناء لا يصح، والرأي الثاني: أنه يصح، هم يقولون: لا يصح استثناء أكثر من النصف لذات اللغة، والرأي الثاني: أنه يصح، وقالوا: بأن استثناء أكثر من النصف ورد في الوصف، فكذلك أيضاً يرد في العدد، الله عز وجل قال: إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ [الحجر:42]، وهذا القول الذي يظهر أنه هو الصواب؛ لأنه مادام أنه ورد في الوصف، فكذلك أيضاً يرد في العدد.

    الشرط الثالث: أن يستثني باللفظ، وعلى هذا إذا استثنى بقلبه، فإن صرح بالعدد فلا يصح ذلك، ولهذا قال: وإن استثنى بقلبه من عدد المطلقات صح دون عدد الطلقات، والاستثناء بالقلب ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون ذلك من عدد الطلقات، فلو قال: أنت طالق ثلاثاً، وقال: نويت إلا واحدة، فلا يصح، لأن النية لا تقوى على رفع اللفظ.

    القسم الثاني: أن يكون ذلك من عدد المطلقات، فيصح، بشرط ألا يصرح بالعدد، قال: نسائي طوالق ونوى إلا الأولى، أو إلا هنداً، فيصح، لأن العام في اللغة العربية يأتي ويراد به الخاص، لكن لو قال: نسائي الأربع طوالق، ونوى إلا هنداً، فلا يصح الاستثناء.