إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطلاق [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يعتبر الطلاق من أسباب فسخ النكاح، ويدور على الأحكام الخمسة، بحيث يختلف باختلاف الأشخاص والحالات، ويشترط لصحته جملة شروط منها البلوغ والعقل، إلا أن الجمهور ذهبوا إلى وقوع الطلاق ممن زال عقله بعذر، خلافاً لشيخ الإسلام ابن تيمية، أما المكره فإن كان بحق وقع ط

    1.   

    الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [كتاب الطلاق.

    يباح للحاجة ويكره لعدمها، ويستحب للضرر، ويجب للإيلاء، ويحرم للبدعة.

    ويصح من زوج مكلف ومميز يعقله، ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه، وعكسه الآثم، ومن أكره عليه ظلماً بإيلام له، أو لولده، أو أخذ مال يضره، أو هدده بأحدها قادر يظن إيقاعه به، فطلق تبعاً لقوله لم يقع].

    تعريف الطلاق

    قال المؤلف رحمه الله: (كتاب الطلاق).

    الطلاق أيضاً من أسباب الفرقة بين الزوجين، وتقدم من أسباب الفرقة: النشوز، والخلع، وسيأتينا الطلاق والظهار، والإيلاء، وسبق فسخ العيب، بسبب تخلف شرط، أو وجود عيب.. إلى آخره، هذه كلها من أسباب الفرقة بين الزوجين.

    الطلاق في اللغة: التخلية.

    وأما في الاصطلاح فهو: حل عقد النكاح كله أو بعضه. كله إذا كانت الطلقة آخر الطلقات الثلاث، أو بعضه إذا طلق طلقة واحدة أو طلق الطلقة الثانية.

    والأصل في الطلاق القرآن والسنة والإجماع، وستأتي الأحاديث في ذلك.

    حكم الطلاق

    قال رحمه الله: (يباح للحاجة، ويكره لعدمها).

    الأصل في الطلاق أنه مكروه، ويدل للكراهة قول الله عز وجل: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227]، والإيلاء أن يحلف على ترك وطء زوجته أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، وهذا من سوء العشرة؛ لأنه يمين على ترك واجب، فهذا المولي إذا رغب في الفيئة وحسن العشرة فقد قال تعالى: فَإِنْ فَاءُوا [البقرة:226]، يعني رجعوا: فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [البقرة:226]، فذيّل الآية بالمغفرة والرحمة، وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:227]، وذيل هنا بالسمع والعلم، مما يشعر بالتهديد، ويدل على أن الطلاق غير مرغب فيه، ما قال: وإن عزموا الطلاق فإن الله غفور أو تواب، مما يشعر بالتهديد.

    تقدم لنا أن النكاح تترتب عليه مصالح كثيرة، ولا شك أن الطلاق يفوت هذه المصالح الكثيرة، من غض الأبصار، وحفظ الفروج، والاستجابة لأمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والقيام على المرأة وكفالتها، وتكثير الأمة وغير ذلك، والطلاق يفوت هذه المصالح، ولهذا نقول: الأصل فيه أنه مكروه.

    ويخرج عن هذا الأصل إلى بقية الأحكام التكليفية الخمسة، فقد يكون محرماً، وقد يكون واجباً، وقد يكون مستحباً، وقد يكون مباحاً كما سيأتينا، لكن نفهم أن الأصل فيه الكراهة.

    قال: (يباح للحاجة).

    هذا حكم الإباحة، يباح إذا كان هناك حاجة؛ لأن الحاجات تبيح المكروهات، فإذا كان هناك حاجة كسوء خلق المرأة، فإذا كانت سيئة الخلق أو كانت ناقصة الدين ونحو ذلك، فهذه حاجة تبيح الطلاق، وقبل الطلاق يجتهد في تقويمها إن تيسر ذلك، ولا يصير إلى الطلاق إلا بعد مراتب، والله عز وجل عالج نشوز الزوج، وعالج نشوز الزوجة لكي لا يقع الطلاق.

    قال رحمه الله: (ويستحب للضرر).

    يستحب الطلاق إذا وجد الضرر، بمعنى إذا حصل ضرر للمرأة باستدامة النكاح، إما لوجود الخلاف والشقاق بين الزوجين، أو لكراهتها لخلق الزوج أو نقص دينه أو نحو ذلك، المهم أنها تتضرر، فيستحب له أن يطلقها وأن يفك أسرها.

    والرأي الثاني: أنه في حال ضرر المرأة ببقائها مع الزوج يجب على الزوج أن يطلقها، أو يخالعها، ولا يجوز له أن يمسكها مع تضررها بالبقاء، لقاعدة: لا ضرر ولا ضرار.

    قال رحمه الله: (ويجب للإيلاء).

    يجب الطلاق للإيلاء، والإيلاء سيأتينا إن شاء الله، وهو أن يحلف الزوج على ترك وطء زوجته أبداً، أو مدة تزيد على أربعة أشهر، إذا مضت مدة التربص التي يضربها الحاكم له، وهي أربعة أشهر، فإذا مضت المدة ولم يفئ: لم يرجع، فإنه يجب عليه أن يطلق، إما أن يفيء أو يطلق أو أن الحاكم يفعل ما هو الأصلح من طلاق أو فسخ.

    وقد ذكر المؤلف رحمه الله أنه يجب الطلاق بالإيلاء، وللطلاق صور أخرى:

    الصورة الأولى: للإيلاء كما سلف.

    الصورة الثانية: في حال الضرر.

    الصورة الثالثة: إذا تركت المرأة الصلاة أو تركت العفة، فإذا تركت الصلاة، أو تركت العفة أو فعلت ما يخل بدينها، كأن تستهزئ بالدين ونحو ذلك، فإنه يجب عليه أن يطلقها، ولا يجوز له أن يمسكها.

    قال رحمه الله: (ويحرم للبدعة).

    يحرم الطلاق بالبدعة، وسيأتينا إن شاء الله طلاق البدعة، وطلاق السنة، وصفاتهما، وبيانهما.

    1.   

    من يصح طلاقه

    قال رحمه الله: (ويصح من زوج مكلف ومميز يعقله).

    يصح الطلاق من الزوج المكلف البالغ العاقل، وهذا ظاهر للعمومات، لكن هل يشترط أن يكون بالغاً؟ أما كونه عاقلاً فيشترط أن يكون عاقلاً، وسيأتي إن شاء الله في كلام المؤلف أن من زال عقله لا يصح طلاقه، لكن هل يشترط أن يكون بالغاً، أو نقول: يصح الطلاق من المميز؟ المشهور المذهب أن الطلاق يصح من المميز إذا كان يعقل الطلاق، يعني: إذا كان مميزاً يعرف الخطاب، ويفهمه ويرد الجواب، ويعقل الطلاق، أي: يعرف أنه إذا تلفظ بهذا اللفظ أن زوجته تطلق عليه، يقول المؤلف رحمه الله: يصح من زوج مكلف، يعني بالغ عاقل، ومميز يعقله.. إلى آخره، فيعلم منه أن النكاح يصح من المميز للعمومات، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أنه يشترط البلوغ، وأنه لا يصح ممن لم يبلغ، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رفع القلم عن ثلاثة )، وذكر منهم: ( الصبي حتى يبلغ )، ولأن الصبي محجور عليه، فإذا كان محجوراً عليه في البيع والشراء، فكذلك أيضاً يكون محجوراً عليه في الطلاق وهو أهم، إذا كنا نحجر عليه في عقد البيع، فكذلك أيضاً نحجر عليه في عقد النكاح؛ لأن التصرف في عقد البيع وعقد النكاح قد يلحقه فيه ضرر، فالصواب في ذلك أنه لا يصح طلاق من لم يبلغ، لكن إذا احتيج إلى طلاق هذه الزوجة من هذا الصبي، فإن وليه هو الذي يتولى هذا الطلاق.

    1.   

    طلاق من زال عقله

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن زال عقله معذوراً لم يقع طلاقه).

    إذا كان الزوج مجنوناً فإن طلاقه لا يصح بالإجماع، كذلك أيضاً إذا كان يعقل ويفيق، في بعض الأحيان يجن، وفي بعض الأحيان يعقل، فإذا طلق حال جنونه لا يصح، وإن طلق حال إفاقته يصح، والمعتوه حكمه حكم الصبي المميز.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: من زال عقله، عندنا زوال العقل، وعندنا التغطية على العقل، فزوال العقل يكون بالجنون، والتغطية على العقل تكون بالإغماء، وشرب البنج أو أكله، أو أكل ما يغيب العقل، ويكون بالسكر، فإذا زال عقله فلا يصح طلاقه، وإذا غطي على عقله فهذا لا يخلو من أمرين: أن يكون معذوراً، كما لو تداوى ببنج، أو أغمي عليه، أو شرب عصيراً فإذا هو مسكر، ونحو ذلك، فهذا لا يقع طلاقه بالإجماع.

    القسم الثاني: أن يكون غير معذور، كما لو شرب مسكراً متعمداً عالماً، فهل يقع طلاقه، أو لا يقع؟ للعلماء رحمهم الله رأيان:

    الرأي الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم، أنه يقع طلاقه، واستدلوا على ذلك بقول علي رضي الله تعالى عنه: كل الطلاق.. نعم، استدلوا على ذلك بعمومات الأدلة، وقالوا إنه وارد عن معاوية رضي الله تعالى عنه، وأيضاً قالوا: مادام أنه ليس معذوراً فهو ليس أهلاً للتخفيف.

    الرأي الثاني: وهو الرواية الثانية عند الحنابلة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو قول لبعض الحنفية وبعض المالكية: أنه لا يقع طلاقه، مادام أنه معذور، واستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى قال: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]، وإذا كان سكران فإنه لا يعلم ما يقول، وأيضاً حديث ماعز رضي الله تعالى عنه لما أقر عند النبي صلى الله عليه وسلم بالزنا، أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يستنكهه، يعني من يشمه، هل شرب مسكراً أو لا؟ مما يدل على أن قول السكران غير معتبر، ويدل لذلك أيضاً حديث حمزة في الصحيحين لما شرب الخمر قبل أن تحرم حتى ثمل واحمرت عيناه، وعمد إلى شارف علي رضي الله تعالى عنه وبقر بعيرين له من غنائم بدر عمد إليهما وبقر بطونهما، وجب أسنمتهما، فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم وهو على هذه الحالة فوقف عليه، فقال: وهل أنتم إلا أعبد لأبي، وهذه الكلمة كبيرة، ومع ذلك النبي صلى الله عليه وسلم لم يؤاخذه، وقالوا أيضاً: هذا وارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وعن عثمان رضي الله تعالى عنه كما في البخاري معلقاً.

    وهذا القول هو الصواب: إذا كان غير معذور بسكره، نقول بأنه آثم، وطلاقه غير واقع، هذا هو الصواب في هذه المسألة والله أعلم.

    والسكران الذي لا يقع طلاقه بينه الله عز وجل بقوله: حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ [النساء:43]، فإذا كان لا يعلم ما يقول ولا يدري ما الذي حصل فيه فإنه لا يقع طلاقه، أما إذا كان يعلم ما يقول، كأن يكون السكر خفيفاً أو نحو ذلك، فيقع طلاقه.

    قال رحمه الله: (وعكسه الآثم).

    أي: أنه إذا كان آثماً بسكره فإنه يقع، وقلنا: بأن هذا هو رأي جمهور أهل العمل للعمومات، وذكرنا الرأي الثاني أنه لا يقع، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    طلاق المكره

    قال رحمه الله: (ومن أكره عليه ظلماً بإيلام له أو لولده، أو أخذ مالٍ يضره، أو هدده بأحدهما قادر يظن إيقاعه به فطلق تبعاً لقوله لم يقع).

    أيضاً يشترط لكي يقع الطلاق أن يكون مختاراً، وعلى هذا إذا كان مكرهاً، فإنه لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون الإكراه بحق، كما في حال الإيلاء، فلو أكرهه القاضي على أن يطلق لمصلحة رآها لوجود خصام وشقاق ونحو ذلك، أو في حال الإيلاء إذا لم يفئ، فهنا نقول بأن الطلاق يقع.

    الحالة الثانية: أن يكون الإكراه بغير حق، فالمؤلف رحمه الله يقول: لا يقع طلاقه في الجملة، ويدل لذلك قول الله عز وجل: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ [النحل:106]، هذا في أعظم المحظورات وهو الكفر بالله عز وجل، فما دونه من المحظورات من باب أولى، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمه الله، وعند الحنفية أنه يقع طلاق المكره للعمومات.

    والصحيح أنه لا يقع طلاقه؛ لأن الفعل بالنسبة للمكره ليس منسوباً إليه، ولم يقصده، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ).