إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [15]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز للزوجين سائر أنواع الاستمتاع سوى الوطء زمن الحيض وفي الدبر، ويجوز للزوج العزل لكن برضا زوجته، ويجب عليها الخدمة بحسب العرف على الصحيح من أقوال أهل العلم، ويجب لها المبيت والوطء، كما يحق لها طلب الاستقلال بمنزل، وللزوج أن يمنعها من الخروج وإجارة نفسها

    1.   

    تابع عشرة النساء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويحرم وطؤها في الحيض والدبر، وله إجبارها ولو ذميةً على غسل حيض ونجاسة، وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره، ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة .

    فصل في أحكام المبيت والجماع ولزوم المنزل: ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلةً من أربع، وينفرد إن أراد في الباقي، ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة، وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه وقدر لزمه، فإن أبى أحدهما فرق بينهما بطلبها، وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد، وتكره كثرة الكلام، والنزع قبل فراغها، والوطء بمرأى أحد والتحدث به، ويحرم جمع زوجتيه في مسكنٍ واحد بغير رضاهما، وله منعها من الخروج من منزله، ويستحب بإذنه أن تمرض محرمها وتشهد جنازته، وله منعها من إجارة نفسها].

    تقدم لنا ما يتعلق بالعشرة بين الزوجين، وذكرنا أن المراد بالعشرة: ما يكون بين الزوجين من الانضمام والألفة والمحبة، وأن مرجع هذه العشرة إلى العرف؛ لقول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] ، وذكر المؤلف رحمه الله تعالى أنه يحرم على كل واحدٍ من الزوجين أن يمطل الآخر حقه، فالزوج يحرم عليه أن يمطل الزوجة حقها من النفقة والكسوة والسكن، بل يجب عليه أن يبذله طيبةً به نفسه؛ لأن هذا حق واجب عليه، فيحرم عليه أن يمطلها، أو أن يبذله بتكره وتثاقل وتبرم، وكذلك يحرم على الزوجة أن تمطل الزوج حقه من الاستمتاع، بل يجب عليها أن تبذل ذلك بنفس طيبة، ولا يجوز لها أن تمطله، أو أن تأتيه وهي متكرهة متبرمة مثاقلة، إلى آخره.

    وتقدم لنا متى يجب تسليم المرأة إلى زوجها؟ وأن المرأة إما أن تكون حرةً، وإما أن تكون أمةً، وذكرنا شرط تسليم الحرة، وما يتعلق بتسليم الأمة، وهل التسليم في بيت الزوج أو في بيت الزوجة؟ وإذا طلب أحدهما المهلة في التسليم فلا يخلو ذلك من أمرين وتكلمنا عليهما.

    الوطء في الحيض والدبر

    ثم قال رحمه الله تعالى: (ويحرم وطؤها في الحيض).

    سبق أن ذكرنا قاعدة في الاستمتاع بين الزوجين، وأن الأصل في الاستمتاع بين الزوجين الحل؛ لقول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] وفي حديث أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح ) فيما يتعلق بوطء الحائض، فنقول: الأصل في الاستمتاع بين الزوجين الحل، إلا ما جاء الشرع بتحريمه.

    ‏وذكر المؤلف رحمه الله شيئًا مما جاء الشرع بتحريمه، فقال: (ويحرم وطؤها في الحيض) ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ [البقرة:222] يعني: حتى ينقطع دم الحيض منهن، فيحرم وطء الزوجة حال الحيض ولا يجوز، بل يجب عليه أن ينتظر حتى تغتسل؛ لقول الله عز وجل: فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ [البقرة:222] وتقدم لنا في باب الحيض أنه إذا وطئ في الحيض فإنه يجب عليه كفارة: دينار أو نصف دينار.

    وتقدم لنا ما يتعلق بالاستمتاع بالحائض، وأن سائر الاستمتاع بها جائز إلا الوطء في الفرج، فإنه محرم ولا يجوز، لما تقدم من حديث أنس الذي رواه مسلم في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيءٍ إلا النكاح ) .

    قال رحمه الله: (ويحرم وطؤها في الحيض والدبر).

    يحرم أيضًا وطؤها في الدبر، وعلى هذا عامة أهل العلم، ويدل لذلك قول الله عز وجل: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [البقرة:223] وموضع الحرث إنما هو القبل، وأما الدبر فإنه موضع الأذى وليس موضع حرث، وفي حديث خزيمة بن ثابت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا يستحي من الحق: لا تأتوا النساء في أعجازهن )، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وابن ماجه وغيرهما، وله شواهد، منها حديث علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه رواه الترمذي والنسائي وعبد الرزاق والدارمي وغيرهما.

    إجبار الزوجة على الغسل والنظافة

    قال رحمه الله: (وله إجبارها ولو ذميةً على غسل حيضٍ ونجاسة).

    يعني أن للزوج أن يجبر زوجته على غسل الحيض والنجاسة؛ لأن هذا يمنع كمال الاستمتاع، والزوجة لا تخلو من أمرين:

    إما أن تكون ذميةً، وإما أن تكون مسلمةً، والذمية هي: اليهودية أو النصرانية، وهذه لا تجب عليها الصلاة، وللزوج أن يلزمها أن تغتسل عن الحيض إذا طهرت من حيضها، وإن كانت الصلاة لا تجب عليها؛ لأن عدم اغتسالها إذا طهرت من حيضها سيمنع الزوج من كمال الاستمتاع، وسيكون في نفسه شيء، فله أن يجبرها على أن تغتسل من الحيض، هذا إذا كانت ذميةً.

    أما إذا كانت مسلمةً فيجبرها على الغسل من الحيض لو كان بقي وقت طويل على الصلاة، فلو طهرت بعد طلوع الشمس، فالوقت إلى صلاة الظهر ما يقرب من نصف نهار، فإذا لم تغتسل لم يتمكن الزوج من الاستمتاع؛ وعلى هذا فله أن يجبرها أن تغتسل عند طلوع الشمس وإن كان غير وقت صلاة؛ لكي يتمكن من الاستمتاع.

    قال المؤلف رحمه الله: (ونجاسة).

    يلزمها أيضًا بغسل النجاسة، وهذا ظاهر سواء كانت مسلمةً أو كانت ذميةً؛ لأن المرأة إذا كانت مصاحبةً لمثل هذه القاذورات فهذا مما يمنع الزوج من كمال الاستمتاع؛ لما يجده في نفسه من كراهة وتقزز ونحو ذلك، وله كذلك أن يمنع زوجته من سائر المحرمات، وليت المؤلف رحمه الله ذكر ذلك، فله أن يمنعها من سماع الغناء، ومن الغيبة، ومن النميمة، ومن شرب الحرام، ومن أكل الحرام، ومن التبرج إلى آخره؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته ) .

    قال رحمه الله: (وأخذ ما تعافه النفس من شعر وغيره).

    للزوج أيضًا أن يلزم زوجته بأن تأخذ ما تعافه النفس من الشعور الزائدة كشعر الإبط وشعر العانة ونحو ذلك، وغير ذلك كالأظفار، وسائر ما يتعلق بسنن الفطرة؛ لأن مثل هذه الأشياء تمنع كمال الاستمتاع؛ لما تحدثه في نفس الزوج من التقزز والكراهة، وله أيضًا أن يمنعها أن تأكل ما له رائحة خبيثة مثل: البصل، والكراث إلى آخره؛ لأن هذا يمنع الزوج من كمال الاستمتاع، ولا فرق في ذلك بين المسلمة والذمية.

    قال: (ولا تجبر الذمية على غسل الجنابة).

    إذا كانت الزوجة يهودية أو نصرانية فلا تجبر على غسل الجنابة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى وقد خالف المذهب في هذه المسألة، فالمذهب أن للزوج أن يجبر زوجته على غسل الجنابة، وهذا القول هو الصواب، لأن عدم اغتسالها من الجنابة سيمنع الزوج من كمال الاستمتاع؛ لما سبق أن أشرنا إليه مما قد يجده الزوج في نفسه من الكراهة لهذا الصنع، ولأن نفسه قد تعاف مثل هذه الأشياء.

    حكم العزل

    بقي مسألة أو مسألتان من هذه المسائل: وهي: عزل الزوج عن زوجته محل خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فبعض العلماء يرى أن هذا جائز ولا بأس به، وبعض العلماء قال: بأنه لا يجوز، وبعض العلماء فصل، فقال: إذا كان بإذن الزوجة إذا كانت حرةً فإن هذا جائز، وإن كانت أمةً فلا بد من إذن السيد، وحديث جابر رضي الله تعالى عنه قد دل على الجواز، كما ورد الجواز عن بضعة عشر صحابيًا من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهم: علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبو أيوب وجابر وابن عباس وزيد بن ثابت وغيرهم.

    ولكن نقول: لا بد من إذن المرأة؛ لأن لها حقاً في الوطء ولها حق في الولد، وكذلك أيضًا الزوجة إذا كانت أمةً فله حق في الوطء ولها حق في الولد، وسيدها أيضاً له حق في الولد، فلا بد من إذن سيد الأمة، ومن إذن الأمة أيضاً، والمشهور من المذهب: أنه يشترط إذن السيد فقط، لكن الصواب في ذلك: أن نشترط إذن السيد وإذن الأمة؛ لأن الأمة لها حق في الوطء ولها حق في الولد، وسبق أن ذكرنا القاعدة فيما يتعلق بالأحكام البدنية المحضة، وأن الأصل تساوي الأحرار والأرقاء في ذلك.

    فالخلاصة في ذلك: أن أكثر أهل العلم على جواز العزل، وبعض أهل العلم كـابن حزم ذهب إلى تحريم العزل، والمشهور من المذهب التفصيل كما تقدم، إن كان بإذن الزوجة وكانت حرة فهذا جائز وإلا لم يجز، وإن كانت أمةً فلا بد من إذن السيد، والصواب في ذلك: أنه لا بد من إذن السيد وإذن الأمة، وإن كانت حرة فلا بد من إذن الزوجة نفسها.

    خدمة المرأة لزوجها

    المسألة الأخرى: حكم إجبار الزوج زوجته على الخدمة، المشهور من المذهب: أن المعقود عليه هو منفعة الاستمتاع؛ وعلى هذا فلا يجب على الزوجة أن تخدم زوجها، يعني: فيما يتعلق بغسل ثيابه، وطحن حبه، وعجن عجينه، وطبخ طعامه، وأما أن تخدم نفسها كأن تغسل ثوبها وتطبخ طعامها وتغسل ماعونها فيرجع في ذلك إلى العرف، فإن كانت هذه المرأة ممن يخدم فيجب أن يخدمها، وإن كانت ممن لا يخدم فلا يجب عليه أن يخدمها.

    الرأي الثاني في هذه المسألة: أنه يجب على المرأة أن تخدم زوجها ديانةً لا قضاءً، وهذا قول الحنفية رحمهم الله.

    والرأي الثالث: أنه يجب على الزوج أن يُخدم زوجته إذا كان ذا سعة، وكانت ممن يُخدم، يعني: إذا كانت هذه المرأة ممن يخدم وكان ذا سعة وغنى فإنه يجب عليه أن يخدمها وهذا قول المالكية.

    والرأي الرابع: أن المرجع في ذلك إلى العرف، وأنه يجب عليه ما يجب لمثلها، ويجب عليها ما يجب لمثله، فإذا كانت المرأة من أناسٍ تُخدَم نساؤهم فإنه يجب عليه أن يأتي لها بخادمة، وإن كانت من أناسٍ نساؤهم لا يخدمن فإنه لا يجب عليه أن يأتي لها بخادم وهذا قول شيخ الإسلام ابن تيمية.

    وكلام المالكية في هذا جيد وكذا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية.

    1.   

    المبيت والجماع

    حكم المبيت

    قال رحمه الله تعالى: (فصل: ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلةً من أربع).

    هذا الفصل ذكره المؤلف رحمه الله فيما يتعلق بأحكام المبيت والجماع وغير ذلك، ومعنى: (ويلزمه أن يبيت عند الحرة ليلةً من أربع) أي: يجب على الزوج أن يبيت عند الحرة ليلةً من أربع، وأصل هذه المسألة أولاً هو: حكم مبيت الزوج عند زوجته، وللعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو رأي أكثر أهل العلم: أنه يجب على الزوج أن يبيت عند زوجته، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] وأيضًا قول الله سبحانه وتعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ [النساء:34] مما يدل على أنها إذا كانت غير ناشز لا تهجر، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبيت مع نسائه في فرشهن.

    الرأي الثاني رأي الشافعية: أنه لا يجب على الزوج أن يبيت مع زوجته في الفراش، فلو أن الزوج وضع له فراشًا مستقلًا فإن هذا جائز ولا بأس به، واستدلوا بما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فراش للرجال، وفراش للمرأة، وفراش للضيف، والرابع للشيطان ) مما يدل على أنه يكون للمرأة فراش مستقلة والزوج يكون له فراش مستقل.

    والصواب في هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن المراد بهذا الحديث عند الحاجة، فلا بأس أن تتخذ المرأة فراشًا والزوج فراشًا، وإذا احتيج إلى ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به، والمقصود هو المنع من السرف والتبذير والفخر والمباهاة ونحو ذلك.

    فتبين من هذا أن الراجح هو رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله وأنه يجب على الزوج أن يبيت مع زوجته.

    قال رحمه الله: (أن يبيت ليلةً من أربع).

    أي: فيبيت معها ليلة وينفرد، وثلاث ليال، وهذا هو المشهور من المذهب، واستدلوا على ذلك بأنه وارد عن عمر رضي الله تعالى عنه في قصة المرأة التي جاءت تشتكي له رضي الله تعالى عنها، وأن زوجها يقوم الليل ويصوم النهار، فقضى فيها كعب بأن يبيت معها ليلة وينفرد ثلاث ليالٍ؛ لأن أكثر ما يمكن أن يجمع معها ثلاث نساء، فدل ذلك على أن له أن ينفرد في الثلاث الليالي الباقية.

    والرأي الثاني رأي الحنفية: وأنه يجب عليه أن يبيت مع زوجته بما يطيب نفسها ويدخل عليها الأنس والألفة، وهذا ليس محددًا، والصواب في هذه المسائل كما قلنا: الرجوع إلى العرف، وليس من العرف أن يهجر فراش زوجته، وهدي النبي صلى الله عليه وسلم أكمل الهدي، فقد كان ينام مع أهله، ولأن الله سبحانه وتعالى: وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ [النساء:34] فدل ذلك على أن الهجر يكون عند النشوز، فإذا لم يكن هناك نشوز، فالأصل أن يبيت مع أهله في فراشه، وذلك لا يمنعه إذا احتاج في بعض الأحيان أن ينفرد في فراش لتعب أو نحو ذلك أن يفعل، أما كونه يهجر الفراش، فالأصل عدمه.

    قال رحمه الله: (وينفرد إن أراد في الباقي).

    هذا بالنسبة للحرة، وأما بالنسبة للأمة، فيقولون: بأن الأمة على النصف من الحرة، وعلى هذا؛ فإذا كان سيبيت عند الحرة ليلة من أربع، فسيبيت عند الأمة النصف، قال بعضهم: ليلة من سبع، وقال بعضهم: ليلة من ثمان، والصحيح أنه لا فرق بين الحرة والأمة كما تقدم، وأن الأصل ألا يهجر فراش زوجته إلا عند النشوز، وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وأن يبيت بالمعروف، وليس من المعروف أن يهجر فراش زوجته.

    حكم وطء الزوجة

    قال رحمه الله: (ويلزمه الوطء إن قدر كل ثلث سنة مرة).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن قدر المبيت ذكر قدر الوطء، فقال رحمه الله: كل ثلث سنة مرة، أن الزوج إن كان يطأ أكثر من مرة خلال ثلث سنة فهذا تفضل وزيادة، لكن الواجب عليه في كل أربعة أشهر أن يجامع مرة واحدة، ويشترط أن يكون قادرًا على الوطء، فإذا كان غير قادر فـ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا [البقرة:286] ويشترط أن تطلب المرأة ذلك، فلو كانت المرأة لا تريد ذلك فلا يجب عليه؛ واستدلوا بقول الله سبحانه وتعالى: لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [البقرة:226-227] قال: (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ)، وما هو الإيلاء؟ والإيلاء هو: أن يحلف على ترك وطء زوجته أبدًا، أو مدةً تزيد على أربعة أشهر، فكون الشارع أمهله أربعة أشهر، مما يدل على أنه لا يجب عليه أن يطأ إلا في كل أربعة أشهر مرة، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    والرأي الثاني: أنه يجب عليه أن يطأ بقدر الكفاية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] وليس من المعروف أن يهجر زوجته، وإنما يكون الهجر عند النشوز، فالصواب في ذلك: أن يطأ بالمعروف، ويطأ بقدر كفاية المرأة.

    والشافعية -كما سلف- في باب القسم من أضعف الناس، فيقولون: لا يجب الوطء بل هو سنة، وهذا لا شك أنه ضعيف؛ لأنه حق من حقوق المرأة، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن لأهلك عليك حقًا، ولبدنك عليك حقًا، ولزورك عليك حقًا ) .

    قال رحمه الله: (وإن سافر فوق نصفها وطلبت قدومه وقدر لزمه، فإن أبى أحدهما فرق بطلبها).

    أي: إذا سافر الزوج فيجب عليه أن يرجع إلى زوجته بشروط:

    الشرط الأول: إن سافر فوق نصف سنة، وقد ورد ذلك عن عمر .

    الشرط الثاني: إن طلبت قدومه؛ لأن الحق لها.

    الشرط الثالث: أن يقدر عليه؛ لأن الواجبات تسقط بالعجز عنها.

    الشرط الرابع: أن يكون السفر غير واجب، فإن كان السفر واجبًا كحج أو رزقٍ يحتاجه، أو لغزو جهاد ونحو ذلك، لأنه إن كان واجباً فهو معذور، وحينئذ لا يفرق.

    فإذا اختل شرط من هذه الشروط فيفرق بينهما، فإذا طلبت التفريق فتفسخ منه.

    قال رحمه الله: (فإن أبى أحدهما فرق بينهما بطلبها) إذا توفرت هذه الشروط الأربعة وأبى، يعني: أبى الوطء كل ثلث سنة مرة، أو أبى القدوم مع توفر الشروط، فإن القاضي يفرق بينهما وكذلك لو ترك المبيت ليلة من كل أربع فإن للقاضي أن يفرق بينهما؛ لكونه ترك الواجب.

    1.   

    آداب الجماع

    قال رحمه الله: (وتسن التسمية عند الوطء وقول الوارد).

    هذا شيء من آداب الجماع.

    لو أن المؤلف رحمه الله ذكر أنه يستحب أن ينوي بوطئه امتثال أمر الله وأمر رسوله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، وإعفاف نفسه وإعفاف أهله، لكان أحسن، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وفي بضع أحدكم صدقة ) فكون الإنسان يستحضر النية في هذه المواضع، مما يجعل هذه العادة وهذه الغريزة عبادة يؤجر عليها.

    قال رحمه الله: (وتسن التسمية وقول الوارد).

    أي: يسن التسمية عند الوطء؛ لحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لو أن أحدكم حين يأتي أهله قال: باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب الشيطان ما رزقتنا، فولد بينهما ولد لم يضره الشيطان أبدًا ) وهو في الصحيحين.

    قال رحمه الله: (ويكره كثرة الكلام).

    يعني: يكره كثرة الكلام في أثناء الوطء، وقد جاء في ذلك حديث عقبة السلمي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تكثروا الكلام عند مجامعة النساء، فإن منه يكون الخرس والفئفئة ) وهذا الحديث رواه ابن ماجه في سننه، وهو حديث ضعيف لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وسبق -كما ذكرنا- أن الأصل في الاستمتاع بين الزوجين الحل، فيظهر والله أعلم أن هذا لا يكره.

    قال رحمه الله: (والنزع قبل فراغها).

    لقول الله سبحانه وتعالى: وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ [النساء:19] وليس من المعاشرة النزع قبل فراغها.

    قال رحمه الله: (والوطء بمرأى أحد والتحدث به).

    لا يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله جواز أن يطأ بمرأى أحد، والعورة مكشوفة بل المراد أنه مستتر بفراشه، لكنه يطأ بمرأى أحد، أو يتحدث بما حصل بينه وبين أهله، وعلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن هذا مكروه، وهذا غير صحيح، والصواب في ذلك الرأي الثاني: وأنه محرم ولا يجوز، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: (شر الناس منزلةً عند الله عز وجل الرجل يفضي إلى المرأة وتفضي إليه، ثم يذهب ينشر سرها ) فالصواب في ذلك أنه محرم ولا يجوز، وهو الذي ذكره الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار.

    قال رحمه الله: (والتحدث به).

    يعني: كون التحدث محرماً، فالوطء بمرأى أحد من باب أولى.

    1.   

    جمع الزوجتين في مسكن واحد

    قال رحمه الله: (ويحرم جمع زوجتيه في مسكنٍ واحدٍ بغير رضاهما).

    إذا كان الإنسان معه أكثر من زوجة، فالسنة أن يفرد كل زوجةٍ في مسكنٍ مستقل؛ لأن هذا هو فعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم جعل لكل زوجةٍ من زوجاته بيتًا مستقلًا، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ [الأحزاب:53] وهذا مما يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم له بيوت، فـعائشة لها بيت مستقل، وحفصة إلى آخره، فنقول: السنة أن يكون لكل زوجة بيت مستقل، وهذا هو الأفضل، فإذا جمع زوجتيه أو زوجاته في بيتٍ واحد، فهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يكون لكل زوجةٍ مسكن مستقل، أي: غرفة ومرافق لهذا المسكن من بيت الخلاء ومكان الطبخ، فإن هذا جائز ولا بأس به، وإن كان الأفضل أن يكون لكل زوجةٍ مسكن مستقل.

    الأمر الثاني: أن تكون المرافق مشتركة، يعني: لكل زوجة غرفة، لكن المرافق مما يتعلق بمكان الطبخ وبيت الخلاء مشتركة بين الزوجات، فهذا كما قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم جمع زوجتيه في مسكنٍ واحدٍ بغير رضاهما) ولا بد من رضا الزوجتين، فإذا لم ترض الزوجتان فنقول: إن هذا محرم ولا يجوز؛ لما يلحقهن من الضرر، إذ إن الضرات يحصل بينهن من الغيرة والنفرة ونحو ذلك ما يوقعهن في شيءٍ من الضرر.

    فالخلاصة في ذلك: الأفضل أن يكون لكل زوجة بيت، فإذا جمعن في بيت واحد، فإن كان البيت مساكن وكل مسكن له مرافقه الخاصة به من بيت الخلاء ومكان الطبخ فهذا جائز، وأما إذا كانت هذه المرافق مشتركة بين الزوجات فهذا لا يجوز إلا برضا الزوجات؛ لما يلحقهن من الضرر، إذ إن بينهن من النفرة والغيرة ما يوقعهن في شيءٍ من الضرر.

    1.   

    منع الزوجة من الخروج من المنزل

    قال رحمه الله تعالى: (وله منعها من الخروج من منزله).

    يعني أن للزوج أن يمنع زوجته من الخروج من منزلها، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ [يوسف:25] فسمى الله عز وجل الزوج سيدًا، مما يدل على أن الزوجة مسودة، والمسود في حكم السيد، وفي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنهن عوان عندكم ) يعني: أسيرات، والأسير في حكم من أسره، وأيضًا حديث الصحيحين: ( لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ) مما يدل على أنه يجوز له أن يمنعها من غير المسجد.

    فيقول المؤلف رحمه الله: إن له أن يمنعها وهذا حق للزوج، وسبق أن تكلمنا عن خروج المرأة إلى المسجد، وأنه ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: خروج سنة، وهو الخروج لصلاة العيدين.

    القسم الثاني: خروج مكروه، وهو خروج الشابة لصلاة الاستسقاء.

    القسم الثالث: خروج مباح، وهو ما عدا ذلك كخروجها لصلاة التراويح أو لحضور درس إلى آخره، فهذا لا بد فيه من إذن الزوج، لكن لا يجوز للزوج أن يمنع الخروج للمسجد للصلاة.

    وخروج محرم: إذا اتصف بصفة من صفات التحريم.

    قال رحمه الله: (ويستحب إذنه أن تمرض محرمها).

    يعني: يستحب للزوج أن يأذن لزوجته أن تمرض محرمها، وهو من تحرم عليه بنسب أو مصاهرة أو رضاع ونحو ذلك، كما سبق لنا في باب المحرمات، فمثلًا: مرض أخوها وهو يحتاج إلى من يقوم بشؤونه؛ لأنه يحتاج إلى طعام خاص، ويحتاج إلى من يجلس عنده ويؤنسه، وقد يحتاج إلى تنظيف، وقد يحتاج إلى تقريب الماء، وقد يحتاج إلى إعطاء الدواء، فهو بحاجة إلى من يخدمه، فهذا يستحب له أن يأذن لها أن تمرضه؛ لما في ذلك من البر والصلة والتعاون على البر والتقوى.

    قال رحمه الله: (وتشهد جنازته).

    أن تتبع الجنازة بأن تذهب إلى البيت وتحضر الجنازة إذا غسلت وأتي بها وكفنت ونحو ذلك، وهذا الكلام فيه نظر؛ لما قد يترتب عليه محذور من البكاء المتكلف، وقد يصل إلى النياحة أو الندبة وغير ذلك.

    قال رحمه الله: (وله منعها من إجارة نفسها).

    هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: إجارة خاصة، وهي: التي قدر نفعها بالزمن، يعني: أن تؤجر نفسها من الساعة السابعة إلى الساعة الثانية عشرة، كموظفة، ومدرسة إلى آخره، فله أن يمنعها من ذلك؛ لأنه يفوت عليه حقه من الاستمتاع في هذه الفترة، فله أن يمنعها من إجارة نفسها إجارة خاصة، اللهم إلا إذا كان هناك شرط: أنها تعمل، فالمسلمون على شروطهم.

    القسم الثاني: أن تكون الإجارة مشتركة، وهي: التي قدر نفعها بالعمل، كأن تجلس في بيتها لتطبخ للناس، وتغسل، وتكوي، وتكتب لهم ونحو ذلك، فهذا جائز؛ لأن هذا لا يفوت عليه حقًا من حقوقه، اللهم إلا إذا كان يتضرر منه.