إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [13]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجب الصداق في حالات منها: المسمى بعد الدخول في النكاح الفاسد، ومنها مهر المثل في الزانية والموطوءة بشبهة، وللمرأة منع نفسها حتى قبض المهر الحال، فإن أعسر بعد الدخول فلها الفسخ عند الجمهور. وتسن وليمة العرس ولو بشاة، وتجب إجابة دعوة المسلم لكن بشروط بينها

    1.   

    تابع نكاح المفوضة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإذا افترقا في الفاسد قبل الدخول والخلوة فلا مهر، وبعد أحدهما يجب المسمى، ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة أو زنًا كرها، ولا يجب معه أرش بكارةٍ، وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال، فإن كان مؤجلًا أو حل قبل التسليم أو سلمت نفسها تبرعًا فليس لها منعها، فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ ولو بعد الدخول، ولا يفسخه إلا حاكم.

    باب وليمة العرس: تسن ولو بشاة فأقل، وتجب في أول مرةٍ إجابة مسلم يحرم هجره إليها، إن عينه ولم يكن ثم منكر، فإن دعاه الجفلى، أو في اليوم الثالث، أو دعاه ذمي كرهت الإجابة، ومن صومه واجب دعا وانصرف].

    تقدم لنا ما يتعلق بأحكام المفوضة، وذكرنا أن التفويض ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: تفويض البضع، والقسم الثاني: تفويض المهر، وذكرنا أن تفويض البضع له صورتان، وذكرنا حكمه، وكذلك ما يتعلق بتفويض المهر، ذكرنا تعريفه إلى آخره، ودليله من القرآن قول الله عز وجل: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236]، وحديث ابن مسعود في السنن: ( أنه سئل عن امرأةٍ توفي عنها زوجها ولم يفرض لها صداقًا، فقال: عليها العدة وترث ولها مهر نسائها، فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: أشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى في بروع بنت واشق امرأةٍ منا بمثل ما قضيت ) .

    وسبق أن تكلمنا عن الصداق: متى يتنصف المسمى، ومتى يسقط، وكذلك إذا حصلت الفرقة من قبل الزوج في باب التفويض ما الذي يجب للمرأة، وكذا إن حصلت الفرقة من قبل المرأة، ومتى يتقرر الصداق إلى آخره.

    وهذه جملة من الأقسام، سبق أن تكلمنا عليها وذكرنا كلام أهل العلم حولها، وأدلتهم في هذه المسائل.

    المهر عند افتراق الزوجين في النكاح الفاسد

    قال رحمه الله: (وإذا افترقا في الفاسد).

    يعني: في النكاح الفاسد، والنكاح الفاسد: هو ما اختل فيه شرط من شروط صحته، وسبق أن ذكرنا أن فقهاء الحنابلة رحمهم الله لا يفرقون بين الفاسد والباطل، فالفاسد عندهم هو الباطل إلا في موضعين:

    الموضع الأول: في الحج، فالفاسد: ما حصل فيه الوطء قبل التحلل الأول، وأما الباطل: فما ارتد فيه.

    والموضع الثاني: في كتاب النكاح، فالفاسد: ما اختلف العلماء في فساده، كالنكاح بلا ولي، أو النكاح بلا شهادة، أو النكاح بلا رضا ونحو ذلك، والباطل: ما أجمع العلماء على بطلانه، كنكاح المرأة في عدتها وكنكاح الخامسة، إلى آخره.

    والمقصود أن الزوجين إذا افترقا في النكاح الفاسد، فلا يخلو من أمرين:

    قال رحمه الله: (قبل الدخول والخلوة).

    هذا الأمر الأول: إذا افترقا قبل ما يقرر الصداق من دخولٍ، أو خلوةٍ، أو كما قال الإمام أحمد رحمه الله: إذا استحل منها ما لا يحل لغيره، فلا مهر لها؛ لأن الفاسد وجوده كعدمه.

    القسم الثاني: أن يفترقا في النكاح الفاسد بعد ما يقرر الصداق، كأن يحصل وطء بين الزوجين، ثم يتبين أنه فاسد ثم يفرق بينهما، أو يحصل خلوة ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: (وبعد أحدهما).

    أي: بعد الدخول أو الخلوة.

    قال رحمه الله: (يجب المسمى).

    وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وعند الحنفية: يجب مهر المثل، والرأي الثالث رأي المالكية، يقولون: إن كان هناك مسمى وجب المسمى، فإن لم يكن مسمى فيجب مهر المثل، ويستدلون على هذا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها في سنن أبي داود أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) فما دام أنه استحل فرجها، وهما يعتقدان صحة هذا النكاح، فلها المهر بما استحل من فرجها.

    والصواب في هذه المسألة: أنه إذا حصل دخول -يعني: وطء- فإنه يجب لها المهر المسمى إن كان هناك مسمى وإن لم يكن هناك مسمى، فإنه يجب مهر المثل كما ذكر المالكية رحمهم الله تعالى، ودليل ذلك ما سلف من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) .

    وقوله رحمه الله: (قبل الدخول والخلوة).

    صريح كلام المؤلف أنه لا يفرق بين الدخول أو الخلوة، وأنه إذا دخل بها فيجب المسمى، وكذلك لو خلا بها فإنه يجب المسمى، والأقرب في هذه المسألة -والله أعلم- أنه يفرق بين الدخول والخلوة، أما إذا دخل بها فالنبي صلى الله عليه وسلم قد نص على هذه المسألة فقال: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) فإذا دخل يجب المهر المسمى إن كان هناك مسمى، وإلا فيجب مهر المثل، أما إذا لم يدخل وإنما حصلت خلوة فقط، فالذي يظهر -والله أعلم- ما دام أن النكاح فاسد فإنه لا يجب فيه شيء.

    مهر الموطوءة بشبهة

    قال رحمه الله: (ويجب مهر المثل لمن وطئت بشبهة).

    لو أن شخصًا أتى إلى بيته فوجد امرأةً في فراشه فوطئها يظنها زوجته، ثم تبين أنها ليست زوجةً له، فيجب لها مهر المثل، كما تمهر من يماثلها من أخواتها وأمهاتها وعماتها وخالاتها .. إلى آخره، والدليل على ذلك ما سلف من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) وهذا قول أكثر أهل العلم: أنه يجب لها مهر المثل.

    والرأي الثاني: أنه لا يجب لها شيء، وهذا ظاهر كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، حيث قال: إن البضع إنما يتقوم على زوجٍ أو شبهه، يعني: شبه الزوج، وهنا ليس زوجًا، هذا الذي وطئ لم يطأ على أنها زوجة له، فيظهر والله أعلم أنه لا يجب عليه شيء هنا، فهو يعتقد الحل، نعم.. إذا كان هناك إتلاف، كما لو كانت بكرًا فهنا يجب أرش البكارة، لكن إذا لم يكن هناك إتلاف فيظهر -والله أعلم- أنه إذا وطأها بشبهة أنه لا شيء؛ لأنه يعتقد أنها زوجة له.

    قال رحمه الله: (أو زنًا كرها)

    الزانية لا تخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن تكون مطاوعة، فإذا كانت مطاوعةً فإنه لا يحل لها أن تأخذ شيئًا، ويدل لذلك حديث رافع بن خديج رضي الله تعالى عنه في مسند الإمام أحمد والسنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( مهر البغي خبيث ) وما دام أنه خبيث فإنه لا يجوز لها أن تأخذ شيئًا، فإذا كانت مطاوعة فإنه لا شيء لها، وإن دفع الواطئ لها شيئًا فإنها لا تستحل هذا الشيء، وإنما تتصدق به في وجوه البر ولا يرد على الواطئ؛ لئلا يجمع له بين العوض والمعوض.

    الأمر الثاني: أن تكون مكرهة على الزنا، فيجب لها مهر المثل، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد وهو قول أكثر أهل العلم، ودليل ذلك ما تقدم من حديث عائشة : ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) .

    والرأي الثاني وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله وبه قال أبو حنيفة واختاره شيخ الإسلام : أن لا يجب لها شيء، حتى وإن كانت مكرهة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مهر البغي خبيث ) وما دام أنه خبيث فلا تستحق هذا المهر الخبيث.

    وعلى هذا نقول كما سلف: إذا كانت مكرهة فإنه يؤخذ من الزوج ولا يترك له؛ لئلا يجمع له بين العوض والمعوض ويتصدق به في وجوه البر، أو يوضع في بيت المال.

    فتلخص لنا في الزانية سواء كانت مطاوعة أو مكرهة: أنها لا تستحق شيئًا على الصحيح، خلافًا لما ذهب إليه المؤلف رحمه الله، فإنه فصل بين المطاوعة وبين المكرهة، وهو قول أكثر أهل العلم أيضاً.

    واستثنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى الأمة البكر فقال: إذا كانت الأمة بكرًا فإنه يجب لها أرش البكارة؛ لأن الوجوب في مقابل ما حصل لها من الإتلاف.

    قال رحمه الله: (ولا يجب معه أرش بكارةٍ).

    لكون أرش البكارة دخل في مهر المثل، بناء على قول المؤلف رحمه الله بأنها إذا كانت مكرهة فيجب لها مهر المثل، فلا حاجة إلى أن يجب لها شيء آخر؛ لأنه سيعتبر مهر بكر مثلها.

    1.   

    امتناع المرأة من تسليم نفسها حتى قبض الصداق الحال

    قال رحمه الله تعالى: (وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها الحال).

    يعني: أن تمنع نفسها فلا تسلم نفسها للزوج حتى تقبض صداقها الحال، ويجب تسليم المرأة بالعقد، فإذا حصل العقد وطلب الزوج أن تسلم له الزوجة فيجب أن تسلم؛ لأن مقتضى العقد: أن المرأة تسلم وأن يسلم الزوج العوض وهو المهر، وعلى هذا؛ فإذا كان الصداق حالًا -وهذا هو الأصل إلا إذا اشترط التأجيل- وطلب الزوج أن تسلم إليه المرأة، فلا بد أن يسلم العوض.

    وهذه المسألة -كما سلف- يبنونها على مسألة تقدمت لنا في أول كتاب النكاح، وهي: أن مورد عقد النكاح هو الاستمتاع، يعني أن العقد يكون على منفعة البضع، وهذا المشهور من المذهب، وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، وذكرنا الرأي الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام : أن مورد عقد النكاح هو ما يكون بين الزوجين من الازدواج والمشاركة.

    إذاً: للمرأة أن تمنع من تسليم نفسها إذا كان الصداق حالًا، أما إن كان مؤجلًا فإنها لا تملك ذلك؛ لأن هذا هو مقتضى العقد.

    1.   

    الحالات التي تمنع فيها المرأة من منع نفسها من الزوج

    قال رحمه الله: (فإن كان مؤجلًا).

    يعني: لا تملك منع نفسها من التسليم، فلو تم العقد واشترط الزوج أن يكون الصداق مؤجلًا، لا يسلم إلا بعد شهرٍ مثلًا، وطلب أن تسلم له الزوجة، فلا تملك الزوجة أن تمنع نفسها؛ لأنها رضيت بتأجيل الصداق، والحق لها وقد أسقطته.

    قال رحمه الله: (فإن كان مؤجلًا أو حل قبل التسليم).

    هذه المسألة لا تملك الزوجة أن تمنع نفسها، وذلك إذا حل الأجل قبل التسليم، ولنفرض أن الصداق كان مؤجلًا إلى شهر، والزوج لم يتسلم المرأة، ومضى ذلك الشهر فحل الصداق، فطلب الزوج أن تسلم له المرأة، فلا تملك أن تمنع نفسها؛ لأنها رضيت بأن يكون الصداق مؤجلًا، فلا تملك منع نفسها.

    والوجه الثاني في المذهب: أنها تملك منع نفسها؛ لأنه الآن أصبح حالاً، نعم لما كان مؤجلًا كانت لا تملك منع نفسها، وأما الآن فقد انتهى التأجيل فيجب عليه أن يسلم الصداق وهي تملك منع نفسها، وهذا هو الأقرب والصواب.

    قال رحمه الله: (أو سلمت نفسها تبرعًا فليس لها منعها).

    هذه المسألة الثالثة: إذا تبرعت بتسليم نفسها ولم تطالب بتسلم الصداق فلا تملك أن تمنع نفسها.

    مثال ذلك: لو أن الرجل لم يشترط تأجيلها الصداق على هذه المرأة، وسلمت المرأة نفسها، فمضى يوم مثلاً فلا تملك أن تمنع نفسها؛ لأنها رضيت بتسليم نفسها دون أن تقبض الصداق، وما دام أنها رضيت بتسليم نفسها دون أن تأخذ الصداق فليس لها أن تمنع نفسها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وبه قال الإمام مالك والشافعي.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله: أنها تملك منع نفسها، وهذا القول هو الأقرب والله أعلم، وأما أنها تبرعت وأحسنت فالله سبحانه يقول: هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ [الرحمن:60] ويقول: مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ [التوبة:91]، يعني: فكونها سلمت نفسها أولًا لا يقضي بأن تكون مجازاتها أن تمنع من تسلم الصداق، أو أن تمنع من أن تمنع نفسها حتى تأخذ صداقها، فالأقرب والله أعلم في هذه المسألة ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله: وأنها إذا سلمت نفسها تبرعًا فإنها تملك أن تمنع نفسها؛ لأن الأصل في الصداق أن يكون حالًا، وهي قد أحسنت في كونها سلمت نفسها، وما على المحسنين من سبيل.

    إعسار الزوج بالمهر

    قال رحمه الله: (فإن أعسر بالمهر الحال فلها الفسخ ولو بعد الدخول).

    يعني: لو أن الزوج افتقر وأصبح لا يتمكن من المهر، ولنفرض أن المهر ألف ريال وتم العقد، فأعسر بالمهر، والمرأة تطالبه بالمهر فلها الحق في فسخ العقد حتى ولو كان بعد أن وطئها، ودليلهم على ذلك ما تقدم من أن المسألة مبنية على أن المعقود عليه هو منفعة البضع، أي: الاستمتاع، فهو لم يسلم العوض، والمرأة سلمت المعوض وهو الاستمتاع، فلها حق الفسخ، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله وهو وجه عند الشافعية.

    والرأي الثاني رأي الحنفية رحمهم الله: أنه ليس لها الحق في الفسخ ما دام أن الزوج معسر بل يجب عليها أن تنتظر، ودليلهم في ذلك أن المهر قد أصبح ديناً في ذمة الزوج كسائر الديون، كما لو أعسر في ثمن مبيع لم يتمكن من تسليمه للمرأة، فإنه ليس لها الحق في الفسخ، ولأن الفرقة بيد الزوج، والأصل بقاء النكاح، وهذا القول الذي ذهب إليه الحنفية رحمهم الله هو الأقرب في هذه المسألة، فالواجب عليها أن تصبر.

    قال رحمه الله تعالى: (ولا يفسخه إلا حاكم).

    يعني: أن الزوج إذا أعسر في المهر وأصبح لا يتمكن من سداده للمرأة فإن لها حق الفسخ، والذي يقوم بالفسخ هو القاضي، فلا بد أن يرجع إلى القاضي، وسبق أن أشرنا إلى هذه المسألة، وأن هناك قاعدة لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وهي: أن مثل هذه الفسوخات نحتاج فيها إلى القاضي عند النزاع، أما إذا لم يكن هناك نزاع فلا حاجة إلى القاضي، فلو اتفق الزوجان على الفسخ وكان الموجب للفسخ صحيحًا فإنه لا حاجة إلى القاضي.

    1.   

    وليمة العرس

    تعريف الوليمة

    قال رحمه الله تعالى: (باب وليمة العرس).

    الوليمة في اللغة تطلق على معانٍ، منها: تمام الشيء واجتماعه.

    وأما في الاصطلاح: فهي الطعام الذي يتخذ عند العرس، والفقهاء رحمهم الله يسمون هذا الطعام الذي يصنع عند العرس بالوليمة، كما أنهم اصطلحوا على أن يسمى الطعام الذي يتخذ عند نزول البيت بالوكيرة إلى آخره، والأصل في الوليمة السنة، وإجماع العلماء رحمهم الله تعالى.

    حكم الوليمة

    قال رحمه الله: (تسن ولو بشاة).

    كلام المؤلف رحمه الله تعالى على أن وليمة العرس سنة وليست واجبة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو قول جمهور أهل العلم،

    والرأي الثاني رأي الشافعي رحمه الله تعالى: أن الوليمة واجبة، ولكل منهم دليل.

    أما الذين قالوا بأنها سنة فقالوا بأنه كسائر الأطعمة الحادثة التي تتخذ عند حدوث سبب من أسباب السرور، ولأن هذا الطعام من قبيل العادات، والأصل في العادات أنها للإباحة، والذين قالوا بالوجوب -كما هو قول الشافعي رحمه الله تعالى- قالوا بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، فقال في حديث عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه: ( أولم ولو بشاة )، ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وأولم، وما ترك الوليمة؛ ولأن هذا من إعلان النكاح.

    وسبق أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: إذا حصل إعلان للنكاح ولم يحصل فيه إشهاد فهو صحيح، وإذا حصل إشهاد ولم يحصل إعلان ففي صحة النكاح نظر، فالوليمة على هذا من باب إعلان النكاح، وإعلان النكاح واجب، وهذا القول -يعني: قول الشافعي رحمه الله- قوي، والله أعلم.

    مقدار الوليمة

    قال رحمه الله تعالى: (تسن ولو بشاة فأقل).

    يعني: السنة أن تكون بشاة، والأولى أن تزيد على الشاة، ولا يسن أن تنقص عن الشاة، ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زينب رضي الله تعالى عنها بشاة، وأيضًا حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أولم ولو بشاة ) فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يولم بشاة.

    والمتأمل للسنة يجد أن الوليمة بالنسبة للقدر من قبيل العادات التي يرجع فيها إلى أعراف الناس، فالنبي صلى الله عليه وسلم في زواجه على صفية أولم بحيس، وأمر عبد الرحمن بن عوف أن يولم بشاة، وفي زواجه من زينب أولم بشاة، وفي صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم على زوجة من زوجاته بمدين من الشعير، فيؤخذ من هذا -والله أعلم- أن الوليمة من العادات، أو من أطعمة العادة التي يرجع في قدرها إلى أعراف الناس، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان؛ وعلى هذا فلا تقدر، وتقديرها قلةً وكثرة راجع إلى أعراف الناس، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان.

    وعلى هذا؛ إذا كثر المدعوون فإن الوليمة تكثر، وإذا قل المدعوون فإن الوليمة تقل، لكن يجتنب ما قد يصحب هذه الوليمة من الفخر والخيلاء والإسراف والتبذير؛ لقول الله سبحانه وتعالى: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ [الأعراف:31] .

    زمن الوليمة

    أما متى تكون الوليمة فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومذهب الشافعية: أن الوليمة تستحب عند عقد النكاح، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تستحب عند الدخول، والمالكية يقولون: من بعد الدخول إلى اليوم السابع، وقال المرداوي صاحب الإنصاف: الذي يظهر أنها من حين العقد إلى نهاية أيام العرس؛ وعلى هذا نقول: إذا تأملت السنة فستجد أن النبي صلى الله عليه وسلم أولم عند الدخول، لما بنى بـصفية رضي الله تعالى عنها، وكذلك زينب، فيظهر -والله أعلم- أن زمن الوليمة يرجع فيه إلى أعراف الناس، ويظهر أن العرف كان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أن الوليمة إنما تكون عند الدخول، فإذا أولم عند الدخول، أو أولم عند العقد.. إلى آخره فهذا كله جائز بحسب العرف.

    إجابة دعوة الوليمة

    قال رحمه الله تعالى: (وتجب في أول مرةٍ إجابة مسلم يحرم هجره إليها).

    قال: تجب الإجابة إلى دعوة وليمة العرس، وأما سائر الأطعمة فلا تجب الإجابة إليها، وهذا رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويرى أبو حنيفة رحمه الله أن الإجابة إلى وليمة العرس ليست واجبة وأنها سنة، والظاهرية في المسلك المقابل يرون أن الإجابة لسائر الدعوات واجبة، والذين قالوا بالوجوب استدلوا بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( شر الطعام طعام الوليمة، يمنعها من يأتيها، ويدعى إليها من يأباها، ومن لم يجب فقد عصا الله ورسوله ) رواه مسلم في صحيحه مرفوعًا.

    لكن كثيراً من أئمة الحديث يرون أن الصواب في هذا الحديث أنه موقوف على أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وأنه لا يصح مرفوعًا للنبي صلى الله عليه وسلم، وإن أخرجه مسلم في صحيحه في بعض طرقه مرفوعًا، لكن أكثر الطرق عن أبي هريرة أنه موقوف.

    واستدلوا أيضًا بالعمومات، مثل حديث أبي هريرة : ( حق المسلم على المسلم خمس -وفي رواية : ست- ... وإذا دعاك فأجبه )، وحديث البراء : ( أمر النبي صلى الله عليه وسلم بسبعٍ، وذكر منها: إجابة الداعي ) .

    ورأي أبي حنيفة رحمه الله أن هذا من قبيل العادات، والإجابة إليها لا تجب؛ لأن هذه أطعمة كسائر الأطعمة، وما ورد من الأمر في هذا محمول على الإرشاد والأدب، ويظهر -والله أعلم- أن كلا القولين فيه قوة، يعني: رأي الجمهور فيه قوة، ورأي الحنفية أيضًا فيه قوة، والجمهور مع أنهم قالوا بالوجوب إلا أنهم اشترطوا لذلك شروطًا كثيرة، والأحوط أن يجيب هذه الدعوة.

    قال رحمه الله: (تجب في أول مرة).

    هذا هو الشرط الأول من شروط الوجوب؛ وعلى هذا لو أن الوليمة تعددت، بأن أولم الزوج في اليوم الأول، والثاني والثالث، فإنه يجب عليه أن يجيب في أول مرة في اليوم الأول، وأما اليوم الثاني وما بعده فلا يجب عليه أن يجيب، وما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم من حديث عثمان أنه قال: ( الوليمة أول يوم حق، والثاني معروف، والثالث رياء وسمعة ) فرواه الإمام أحمد وأبو داود وهو ضعيف، لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ذكر البخاري رحمه الله.

    قال رحمه الله: (إجابة مسلم).

    هذا هو الشرط الثاني: أن يكون الداعي مسلمًا؛ وعلى هذا إذا كان الداعي غير مسلمٍ فإنه لا تجب إجابته؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة : ( حق المسلم على المسلم ) فيفهم منه: أن غير المسلم لا حق له في إجابة الدعوة.

    قال رحمه الله: (يحرم هجره).

    هذا الشرط الثالث، إذا كان الداعي ممن يجب هجره أو يسن هجره أو يباح هجره، فإنه لا تجب إجابة دعوته إلا إذا كان يحرم هجره، والفقهاء رحمهم الله يقسمون من يشرع هجره إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: من يجب هجره وهو المبتدع، فكل صاحب بدعة يجب هجره.

    القسم الثاني: من يسن هجره، وهو المجاهر بالمعصية.

    القسم الثالث: الذي يباح هجره، وهو من يسر بالمعصية، فإذا كان يفعل المعصية لكنه يسر بها، فهذا يباح هجره، وما عدا ذلك يحرم هجره.

    وهذا إذا قلنا به الآن فإن كثيراً من الناس أو أغلب الناس سيهجرون؛ لأن كثيرًا من الناس إما مجاهر بالمعصية فهجره سنة، أو يعمل المعاصي في الخفاء فهجره مباح، أو صاحب بدعة فيجب هجره.

    والأقرب في مثل هذا أن نقول: الأصل عدم الهجر ما دام أنه مسلم؛ للأحاديث الكثيرة في حق المسلم: ( حق المسلم على المسلم ست: إذا دعاك فأجبه، وإذا مرض فعده، وإذا عطس فحمد الله فشمته ) إلى آخره، إلا إذا كان الهجر دواءً، يعني: إذا كان هجر هذا الشخص سيكون سببًا لردعه وزجره عن معصيته، فنقول: هنا يصار إلى الهجر؛ لأنه أصبح من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    قال رحمه الله: (إن عينه).

    هذا هو الشرط الرابع: أن يعينه، فيقول: تحضر يا فلان، بخلاف ما إذا لم يعين بأن قال: يا إخوان غدًا عندنا عرس فأدعوكم للحضور، ما قال: يا فلان! حضر، وهذا الشرط يتفق عليه الذين قالوا بالوجوب وهم الشافعية والمالكية والحنابلة.

    أما ما يتعلق بهذه البطاقات ورقاع الدعوة، فإن قلت: إنها من دعوة العموم فهذا قريب؛ لأنه أصبح الكل يوزع هذه البطاقات؛ فتجد الأب يوزع، والزوج يوزع، والأم توزع ... إلى آخره، وهي بهذا قريبة من دعوة العموم، وإن قلت: إنها من التعيين؛ لكونه يكتب فيها الاسم فهذا قريب، والذي يظهر -والله أعلم- أن مثل هذه إن كان الداعي يهمه أن تحضر، وإذا لم تحضر فإن ذلك سيدخل عليه الهم والحزن ... إلى آخره، فهذا من التعيين، وأما إذا كانت الدعوة من باب التجمل والتشريف، فليست من التعيين.

    قال رحمه الله: (ولم يكن ثم منكر).

    هذا أيضًا يتفق عليه من قال بالوجوب، فإذا كان هناك منكر فإنه لا يجب عليه أن يجيب، كما لو كان هناك غناء أو طبول أو نحو ذلك، إلا إذا كان يقدر على تغييره فيجب عليه أن يجيب لأمرين: إجابةً للدعوة، وأيضًا لتغيير المنكر.

    وقد أضاف الشافعية شروطاً أخرى فقالوا: ألا يخص بها الأغنياء دون الفقراء، فإن خص بها الأغنياء دون الفقراء فلا يجب عليه أن يجيب، وأضاف المالكية والشافعية والحنابلة أيضًا فقالوا: يشترط ألا يكون في مكان الدعوة من يتأذى المدعو بحضوره، فلو كان هناك أحد يتأذى المدعو بحضوره، أو لا يليق به أن يجالسه فلا يجب.

    وأضاف المالكية، فقالوا: يشترط ألا يترتب على ذلك مشقة، فلو كان المدعو يلحقه مشقة، كما لو كان المكان بعيدًا، أو كان طالب علم وكان حضوره كل ليله سيفوت عليه شيئًا كثيرًا ففي هذه الحالة لا يجب عليه أن يجيب.

    الحالات التي لا تجب فيها إجابة الدعوة للوليمة

    قال رحمه الله: (فإن دعاه الجفلى).

    الجفلى هي دعوة العموم، وهنا لا تجب الإجابة؛ لما تقدم من أنه يشترط أن يعين.

    قال رحمه الله: (أو في اليوم الثالث).

    كما تقدم في حديث عثمان : ( الوليمة في الأول حق، وفي الثاني معروف، وفي الثالث رياء وسمعة ) وإن كان فيه ضعف.

    قال رحمه الله: (أو دعاه ذمي كرهت الإجابة).

    أي: إذا دعا الجفلى لم تجب الإجابة، أو في اليوم الثالث لم تجب الإجابة، أو دعاه ذمي فالإجابة مكروهة؛ لأن المطلوب هو إذلال أهل الذمة، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى من أنه يكره إجابة الذمي هو أيضًا قول الشافعية.

    والرأي الثاني: أن إجابة دعوة الذمي غير مكروهة، ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة اليهود، ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب دعوة اليهودية التي صنعت له شاةً ) وأجاب أيضًا دعوة اليهودي الذي دعاه إلى إهالة سنخة، وهذا فيما يظهر -والله أعلم- هو القول الأقرب؛ لأنه قد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهو قول عند الحنابلة، وهو الصواب في هذه المسألة.

    قال رحمه الله: (كرهت الإجابة، ومن صومه واجب دعا وانصرف).

    يشترط العلماء رحمهم أيضًا من شروط وجوب الإجابة: أن لا يكون في مال الداعي حرام، فإن كان في ماله حرام فقد اختلف العلماء رحمهم الله في إجابة دعوته، كما لو كان يتعامل بالربا أو نحو ذلك، على أقوال:

    القول الأول: أن إجابة دعوته محرمة ولا تجوز.

    والرأي الثاني وهو المشهور من المذهب: أنها تكره، وتقوى الكراهة وتضعف بحسب كثرة الحرام وقلته.

    والرأي الثالث: إن زاد الحرام على الثلث فيحرم، وإن نقص عن الثلث فلا يحرم.

    والذي يظهر -والله أعلم- أن إجابة من في ماله حرام، إن كان التحريم لكسبه كمن يتعامل بالربا أو يبيع المحرمات فلا تحرم إجابته؛ لأن ما كان محرمًا لكسبه، فالتحريم على الكاسب؛ ولهذا أجاب النبي صلى الله عليه وسلم دعوة اليهود، مع أن الله عز وجل قد ذكر عنهم أنهم يأكلون الربا فقال: وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ [النساء:161] فيظهر -والله أعلم- أنه لا يحرم إجابة من كسبه حرام، اللهم إلا إذا كان عدم إجابة دعوته من باب الردع والزجر له، فيكون داخلًا في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

    وأما إن كان التحريم لحق الغير لكونه مسروقًا أو مغصوبًا، فهذا لا يجوز أن تأكل منه.