إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [12]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا طلق الرجل زوجته قبل تحديد الصداق وقبل الدخول وجب له نصفه دون نمائه، وإن اختلفا في قدر المهر أو عينه أو فيما يستقر به فالقول قول الزوج لأنه غارم، وإن اختلفا في قبضه فالقول قولها لأن الأصل عدمه. ويصح تفويض البضع والمهر، ولها مهر المثل بالعقد وعليها العد

    1.   

    تابع تملك الزوجة للصداق

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكمًا، دون نمائه المنفصل، وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه، وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به فقوله، وفي قبضه فقولها.

    فصل في أحكام المفوضة: يصح تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، وتفويض المهر: بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي، فلها مهر المثل بالعقد، ويفرضه الحاكم بقدره، وإن تراضيا قبله جاز، ويصح إبراؤها من مهر المثل قبل فرضه، ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر، ولها مهر نسائها، وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره، ويستقر مهر المثل بالدخول، وإن طلقها بعده فلا متعة ].

    تقدم لنا ما يتعلق بشرط شيءٍ من المهر، وأن ذلك ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون المشترط هو الأب، وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك على قولين، وذكرنا هذين القولين ودليل كل قول.

    والقسم الثاني: أن يكون المشترط غير الأب كالجد والأم والأخ والعم ونحو ذلك، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة أنه ليس له أن يشترط شيئًا، وتقدم لنا أيضًا أن المرأة تملك صداقها بالعقد، ودليل ذلك حديث الواهبة نفسها، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أصدقتها إزارك جلست ولا إزار لك )، وتقدم لنا أيضًا ما يتعلق بتعيين المهر، وأنه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون المهر معينًا، والقسم الثاني: أن يكون غير معين، وما يترتب على ذلك من أحكام.

    ثم بعد ذلك قال رحمه الله: (وإن طلق قبل الدخول أو الخلوة فله نصفه حكمًا، دون نمائه المنفصل).

    قول المؤلف رحمه الله: (قبل الدخول أو الخلوة) الأحسن أن يقول: قبل تقرر الصداق، أو قبل ما يستقر به الصداق؛ لأن الصداق يتقرر -يعني: يجب كله للمرأة- بالدخول أو الخلوة أو كما قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: إذا استحل منها ما لا يحل لغيره، وسيأتينا إن شاء الله ما يتقرر به الصداق، بمعنى: متى يثبت جميع الصداق للمرأة، ومتى لا يثبت؟

    فإذا حصل شيء من الدخول أو الخلوة، أو استحل منها ما لا يحل لغيره فإن المهر كله يثبت للمرأة، وكذلك أيضًا يتقرر الصداق بالموت.

    فإذا طلقها قبل تقرر الصداق، فإن (له نصفه حكمًا) يعني: قهرًا، فإذا طلق وقد سمى لها مهرًا فإن هذا المهر يدخل في ملك الزوج قهرًا عليه كالميراث بغير اختياره، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضًا هو قول المالكية.

    والرأي الثاني: أنه لا يدخل في ملكه إلا باختياره، بمعنى: أنه إذا اختار أن يتملك فله ذلك، وإذا لم يختر فله ذلك، وهذا قال به أبو حنيفة وهو قول للشافعي رحمه الله تعالى، والدليل على أن الزوج يكون له نصف المهر مطلقاً، قول الله عز وجل: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة:237].

    نماء صداق المرأة المطلقة قبل الدخول

    قال رحمه الله: (دون نمائه المنفصل).

    النماء المنفصل من المهر يكون للزوجة؛ لأنه نماء ملكها، فمثلًا: لو أصدقها شاةً ثم طلقها قبل الدخول أو الخلوة أو غير ذلك مما يقرر الصداق، وولدت الشاة قبل الطلاق، فالولد يكون للزوجة؛ لأنه نماء ملكها، وأما الشاة فنصفها يكون للزوج والنصف الآخر يكون للمرأة.

    قال رحمه الله: (وفي المتصل له نصف قيمته بدون نمائه).

    هذا القسم الثاني من قسمي النماء: النماء المتصل، كما لو أصدقها شاةً هزيلة تساوي مائتي ريال، فسمنت عند المرأة وأصبحت تساوي ثلاثمائة ريال، ثم طلقها قبل أن يقرر الصداق من دخولٍ أو خلوة أو غير ذلك، فالنماء المتصل يكون للزوجة؛ لأنه نماء ملكها، فهذه المائة تكون للزوجة؛ لأنه لما أصدقها أصدقها الشاة وهي تساوي مائتين، فيكون للزوج مائة واحدة، وللزوجة المائة الأخرى.

    الاختلاف في قدر الصداق أو عينه أو فيما يستقر به

    قال رحمه الله: (وإن اختلف الزوجان أو ورثتهما في قدر الصداق).

    بمعنى: اختلف الزوجان أو اختلف ورثة الزوجين، أو ورثة أحدهما مع الآخر، يعني: اختلف أحد الزوجين مع ورثة الآخر في قدر الصداق، وهذه مسائل الاختلاف في الصداق:

    المسألة الأولى: إذا اختلفا في قدر الصداق، فقال الزوج: أمهرتها ألف ريال، وقالت الزوجة: بل المهر ألفا ريال، فالمشهور من المذهب: أن القول قول الزوج، وقد سلفت قاعدة المذهب في هذا وهي: القول قول الغارم، والزوج غارم فيكون القول قوله، ولأن الأصل براءة ذمته من الألف الأخرى، يعني أن الزوجة تدعي ألفين والزوج يدعي ألفًا، فهما يتفقان على ألف ويختلفان في ألف، فالزوجة تدعيها والزوج ينكرها، والقاعدة أن البينة على المدعي واليمين على من أنكر، فنقول للزوجة التي تدعي الألف الأخرى: أعطينا البينة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أن القول قول مدعي مهر المثل؛ لأن هذه قرينة تدل على صدقه، وهذه قاعدة سبق أن ذكرناها وهي: إذا حصل اختلاف، فإننا نرجع إلى البينات إن كان هناك بينات، كشهود، وإلا فإننا نرجع إلى القرائن، فمثلًا لو قالت الزوجة: أمهرني ألفين، وقال الزوج: بل أمهرتها ألف ريال، وكان مثل هذه المرأة تمهر بألفي ريال ولا تمهر بأقل من ذلك، فالرواية الثانية عن الإمام أحمد رحمه الله: أن القول قولها؛ لأنها تدعي مهر المثل، وهذه قرينة تدل على صدقها.

    قال رحمه الله: (أو عينه).

    هذه هي المسألة الثانية، إذا اختلفا في عين المهر، فقالت الزوجة: أصدقني كتاب المغني، وقال: بل أصدقتها كتاب الكافي، والكلام في هذه المسألة كالكلام في المسألة السابقة تمامًا، فالمذهب أن القول قول الزوج كما سلف.

    قال رحمه الله: (أو فيما يستقر به فقوله).

    المشهور من الذهب: أن الصداق يتقرر بالخلوة، وهما يتفقان على أن المهر ألف ريال، ولكن يختلفان في الاستقرار، فقال الزوج: ما خلوت بالمرأة، وهي تقول: خلوت، لكي تستحق المهر كله، فالقول قول الزوج؛ لأن الأصل عدم الخلوة، فهما يتفقان على أنها تستحق النصف ويختلفان في النصف الآخر، فالزوجة تدعي والزوج ينكر فلا بد لها من البينة، فالقول قول الزوج؛ لأنه غارم، والقول قول الغارم، ولأن الأصل عدم الخلوة، إلا إذا كان هناك قرينة تؤيد قول الزوجة، وأن العرف يقضي أن الزوج في مثل هذه الفترة يكون قد خلا بالمرأة ونحو ذلك، فنرجع إلى القرائن.

    الاختلاف في قبض الصداق

    قال رحمه الله: (وفي قبضه فقولها).

    هذه المسألة الرابعة: إذا اختلفا في قبض الصداق، فقال الزوج: أقبضتها الصداق، وقالت الزوجة: لم يعطني الصداق، فالقول قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم الإقباض، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني رأي الحنفية: أنه يرجع إلى العرف، وهكذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حيث يقول: يرجع إلى العادة الغالبة، بحصول القبض في هذه الديون أو الأعيان، فإذا كان العرف أو العادة أن الناس يعطون المهر عند العقد كما هو العرف في مثل هذه البلاد، فكون المرأة تقول: ما أعطاني هذا يخالف العرف، فهذه قرينة تدل على صدق الزوج، وإذا لم يكن هناك عرف ولا عادة، فالأصل قول الزوجة؛ لأن الأصل عدم الإقباض.

    وهذا كما أسلفنا في القاعدة: إن كان هناك بينة يرجع إلى البينة، وإذا لم يكن هناك بينة فنرجع إلى القرائن، فإذا كان هناك قرائن كأن يكون هناك عرف أو عادة غالبة على أن القبض يحصل قبل الدخول وعند العقد ونحو ذلك كما في بعض البلاد، فنقول: نرجع إلى العرف والعادة الغالبة، ومثل ذلك أيضًا لو أنهما اختلفا في جنس الصداق ونحو ذلك، وكذلك لو تزوجها على صداقين سرٍ وعلانية؛ لأن الناس قد يتفقون على صداق ويظهرون أمام الناس صداقًا آخر يتجملون به، فقد يصدقها ألف ريال، ويظهرون أمام الناس أنه أصدقها ألفي ريال أو ثلاثة آلاف ريال إلى آخره، فهل يؤخذ بالزائد أو يؤخذ بما اتفقا عليه في السر؟

    هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه يؤخذ بالزائد.

    والرأي الثاني رأي المالكية وهو ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يؤخذ بما اتفقا عليه في السر، وهذا هو الصواب؛ لأن المسلمين على شروطهم قال تعالى: وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ [المؤمنون:8] فالزوج لم يرض بهذا العقد إلا بهذا القدر من المهر، وكونهما يتفقان على كذا وكذا تجملًا فهذا من باب التجمل فقط، وأما هذا الزائد فالزوج لم يرض بدفعه، فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه المالكية واختاره شيخ الإسلام ، خلافًا لما ذهب إليه الحنابلة والشافعية رحمهم الله.

    1.   

    المفوضة

    أقسام التفويض

    قال رحمه الله: (فصل: يصح تفويض البضع بأن يزوج الرجل ابنته المجبرة، أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر، وتفويض المهر: بأن يتزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي، فلها مهر المثل بالعقد).

    التفويض في اللغة: الإهمال؛ لأنه أهمل تسمية الصداق، وأما في الاصطلاح: فالتفويض قسمان:

    القسم الأول: تفويض البضع، والقسم الثاني: تفويض المهر.

    قال رحمه الله: (أن يزوج الرجل ابنته المجبرة).

    أي: بلا مهر، والمؤلف ذكر لتفويض البضع صورتين:

    الصورة الأولى: أن يزوج الرجل ابنته المجبرة، وقوله: (المجبرة) تقدم الكلام عليه في شروط صحة النكاح، وأن البكر المكلفة البالغة تجبر على النكاح وأنه لا يعتبر رضاها، فالمجبرة: هي التي لا يعتبر إذنها ورضاها، كالبكر البالغة العاقلة، في المشهور من المذهب فإن زوج الرجل ابنته المجبرة بلا مهر فهذه الصورة الأولى.

    قال رحمه الله: (أو تأذن المرأة لوليها أن يزوجها بلا مهر).

    هذه الصورة الثانية من صور تفويض البضع كما لو كانت غير مجبرة بلا مهر، ومعنى ذلك في الصورتين: عدم تسمية المهر، بمعنى السكوت عن تسمية المهر، وليس المعنى: أن يزوجها على أن لا مهر لها، إذ لو شرط نفي المهر فقد تقدم أن شيخ الإسلام يرى أن النكاح فاسد مفسد، وكثير من العلماء وهو المشهور من المذهب يرون أنه يجب لها مهر المثل.

    إذاً: المقصود أن تزوج دون أن يسم المهر.

    والحكمة والعلة من ذلك:

    أولًا: أن المهر في الزواج ليس مقصودًا للعوض، وقد تقدم لنا أن للأب أن يزوج ابنته بدون مهر مثلها؛ لأن العوض والمال في النكاح ليس مقصودًا لذاته فلا يقصد منه الكسب والعوض والربح، وإنما يقصد منه تحقيق مصالح النكاح الكثيرة.

    فنقول في هذه المسألة: المقصود هو ترك تسمية الصداق، وليس المعنى أن تزوج بلا مهر، أو أن يشرط نفي المهر، فمثل هذا نقول: بأنه لا يصح.

    وثانيًا: أن الولي قد يحتشم أن يقول للزوج: كم تدفع؟ وقد يكون الزوج ذا مكانة دينية أو مكانة دنيوية، ويخطب منه ويزوجه دون أن يقول: كم تدفع؟ فقد يحتشم الولي أن يطلب من الزوج قدرًا من المال فيزوج، فهذا يسمى: تفويض البضع.

    فتلخص لنا: أن تفويض البضع تحته صورتان.

    قال رحمه الله: (بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي).

    هذا هو القسم الثاني: وهو تفويض المهر، ويعني أن يفوض فرض الصداق إلى رضا أحد الزوجين أو غير الزوجين، فمثلًا: يقول الولي للزوج: كم تدفع؟ أو كم المهر؟ فيقول الزوج: ما تريد الزوجة، أو يقول الولي للزوج: ما تريد أن تدفعه فأعطنا إياه وفوض الأمر إليه.

    قال رحمه الله: (أو أجنبي).

    يعني: غير الزوجين والولي، فمثلًا: يقول الولي للزوج: كم تدفع؟ فيقول: ما تريد أمها، أو ما يريد جدها ونحو ذلك، والأجنبي: من عدا الزوجين والولي، فإذا فوض فرضه إلى الولي أو أحد الزوجين فهذا غير أجنبي، وإذا فوض فرضه إلى غير الزوجين والولي فهذا أجنبي.

    والعلة في ذلك: كما ذكرنا أولًا أن العوض في النكاح ليس مقصودًا لذاته، وثانيًا: أن الزوج قد يكون راغبًا في الزواج من هذه المرأة، فيقول: ما تشاء المرأة، أو ما تشاء أنت أيها الولي، أو ما تشاء أمها إلى آخره.

    فتلخص لنا: أن تفويض البضع تحته صورتان، وأما تفويض المهر فهو أن يفوض فرض المهر إلى أحد الزوجين أو أجنبي.

    الأحكام المترتبة على التفويض

    قال رحمه الله: (بأن يزوجها على ما يشاء أحدهما أو أجنبي، فلها مهر المثل بالعقد).

    هذا شروع في الأحكام المترتبة على التفويض:

    الأول: أن العقد صحيح، ويدل لذلك قول الله عز وجل: لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً [البقرة:236] فهذا يدل على أنه لا بأس أن يتزوج المرأة ولم يفرض لها مهرًا، وقد تقدم حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه في قصة بروع بنت واشق رضي الله تعالى عنها: ( أن زوجها توفي عنها ولم يفرض لها صداقًا، فقضى لها النبي صلى الله عليه وسلم بصداق نسائها وعليها العدة وترث ) وبمثل هذا قضى ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.

    قال رحمه الله: (ولها مهر المثل بالعقد).

    هذا هو الحكم الثاني أنه يجب لها مهر المثل، فمثلًا لو قال الزوج في تفويض المهر: ما تريد المرأة، وعقدوا النكاح، فقالت المرأة: أريد مائة ألف، ومهر المثل لها عشرة آلاف، فما لها إلا عشرة آلاف، أو قالت أمها مثلًا: نريد مائة ألف، فنقول: ليس لك إلا مهر المثل وهو عشرة آلاف ريال.

    ودليل هذا حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه المتقدم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم فرض للمفوضة مهر نسائها.

    قال رحمه الله: (فلها مهر المثل بالعقد).

    هذا الحكم الثالث وهو: أن للزوجة أن تطلب فرضه، والذي يفرضه هو ما أفاده بقوله رحمه الله: (ويفرضه الحاكم بقدره).

    يعني: يفرض الحاكم مهرها بقدر مهر المثل، وهذا هو الحكم الرابع؛ وعلى هذا نرجع إلى القاضي لكي يقوم بفرض الصداق؛ لأنه يحتاج إلى اجتهاد، هل هو عشرة آلاف؟ هل هو تسعة؟ من التي تماثلها؟ كما سيأتينا إن شاء الله.

    وسبق أن ذكرنا كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في هذه المسألة، يقول رحمه الله: في مثل هذه الفسوخات، إن اتفق الزوجان على أن مهر المثل يساوي عشرة آلاف، فلا حاجة إلى القاضي، لكن لو اختلفا في مهر المثل، فيقول الزوج مثلًا: يساوي ألفًا، أو يقول: يساوي عشرةً، وتقول الزوجة: يساوي أكثر من ذلك، فهنا نحتاج إلى أن نرجع إلى القاضي.

    فالصحيح في مثل هذه المسألة: أن ما يتعلق بفرض المثل يرجع فيه إلى القاضي عند التنازع، أما عند الاتفاق وعدم التنازع فلا حاجة إلى القاضي.

    والمقصود بمهر المثل من تساويها من نساء عصباتها، كأختها وعمتها وبنت أخيها وعمها، وهذا قال به الشافعي، وقيل: لا يخص ذلك بالعصبات، وإنما يعتبر ذلك بجميع أقاربها، ولا يخص ذلك بالعصبات، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال به أبو حنيفة ، ومالك ، وهذا القول هو الأقرب، وعلى هذا؛ ينظر إلى من تساويها من نسائها في الجمال والسن والشرف والمال والبكارة ونحو ذلك، فالتي تكون قريبًة منها في الصفات من جميع قريباتها، كم تمهر هذه المرأة؟ فيكون مهرها هو مهر المثل لها.

    موت أحد الزوجين في نكاح التفويض

    قال رحمه الله: (ومن مات منهما قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر، ولها مهر نسائها).

    هذا هو الحكم الخامس: إذا حصل موت في باب التفويض، فلو أنه تزوج هذه المرأة ولم يسم لها صداقاً، ثم مات قبل الدخول أو الخلوة أو ما يقرر الصداق، فيجب لها مهر المثل، وهذا ما عليه جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، والمالكية يقولون بأنه لا صداق لها ولها الميراث، لكن الصواب ما عليه جمهور أهل العلم، وحديث ابن مسعود واضح في هذا، وهو نص في هذه المسألة: أن عليه العدة وترث، وأن لها مهر نسائها.

    قال رحمه الله: (قبل الإصابة والفرض ورثه الآخر).

    هذا هو الحكم السادس في باب التفويض أن كل منهما يرث الآخر، وهذا بلا خلاف بين أهل العلم، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] وقوله: وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ [النساء:12] إلى آخره، وأيضًا ما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، وكون الصداق لم يسم ليس مانعًا من الميراث.

    الحكم السابع في باب التفويض: تجب العدة إذا مات الزوج قبل أن يقرر الصداق.

    المتعة في نكاح التفويض

    قال رحمه الله: (وإن طلقها قبل الدخول فلها المتعة بقدر يسر زوجها وعسره، ويستقر مهر المثل بالدخول).

    هذا هو الحكم الثامن: إذا طلقها قبل الدخول وقبل أن يقرر الصداق فلها المتعة، وحكم المتعة: الوجوب؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمر بها، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236] وهذا رأي جمهور العلماء، وهو المشهور من المذهب: أن المتعة واجبة للمفوضة إذا طلقت قبل الدخول وقبل ما يقرر الصداق، وعند المالكية: أن المتعة مستحبة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ [البقرة:236] فسماه محسنًا، مما يدل على أنه ليس واجبًا، والصواب في ذلك رأي جمهور أهل العلم رحمهم الله، أن المتعة واجبة للمفوضة، وسيأتينا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن المتعة واجبة لكل مطلقة فكل امرأة تطلق لها متعة، حتى ولو دخل بها وفرض لها المهر، فإن المتعة واجبة لها.

    إذاً: المؤلف رحمه الله يرى أن المتعة للمفوضة واجبة، وهذا رأي جمهور أهل العلم، والرأي الثاني رأي المالكية أنها مستحبة، والصواب ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، ويدل لذلك قوله: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا [البقرة:241] إلى آخره، سماه: حقًا، وأمر به فقال: وَمَتِّعُوهُنَّ [البقرة:236] والأمر يقتضي الوجوب، ولما في ذلك من جبر خاطر المفوضة وجبر كسرها؛ لأن الطلاق كسر للمرأة، فالصواب في ذلك الوجوب.

    وأما كونه يسمى: محسنًا، فهذا لا يلزم منه أن تكون المتعة غير واجبة، والإحسان قد يكون واجبًا وقد يكون مستحبًا، قال صلى الله عليه وسلم: ( إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة ) وإحسان الذبحة واجب، وإحسان القتلة واجب، والمصلي محسن .. إلى آخره.

    قال رحمه الله: (بقدر يسر زوجها وعسره).

    المعتبر على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله هو حال الزوج، وهذا دليل القرآن: وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236] فالغني يمتعها متعة أغنياء، والفقير يمتعها متعة فقراء، والمتوسط يمتعها متعة متوسطين.

    والرأي الثاني: أن المتعة معتبرة بحال الزوجين جميعًا، وليس بحال الزوج فقط، وهذا هو المشهور من مذهب الحنفية والشافعية: فننظر للزوجين: هل هم فقراء أو أغنياء، أو من المتوسطين، فإن كانوا فقراء فمتعة فقراء، وإن كانوا أغنياء فمتعة أغنياء، وإن كانوا متوسطين فمتعة متوسطين، وإن كان أحدهما فقيرًا والآخر غنيًا فمتعة متوسطين، والصواب في ذلك المذهب ودليله القرآن، والقرآن ظاهر في ذلك.

    وهل المتعة مقدرة أو ليست مقدرة؟ المشهور من المذهب أن المتعة مقدرة، فأعلاها: خادم، يعني: يشتري لها خادماً، وهذا كان في الزمن السالف لما كان الأرقاء يباعون، فأما الآن فلا يوجد أرقاء يباعون، وأقلها: كسوة تجزئها في صلاتها.

    والرأي الثاني: أنها غير مقدرة فلا تقدر بالرقيق أو بالثياب أو نحو ذلك؛ لأن الله سبحانه وتعالى ما قدرها، ولأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كـعبد الرحمن بن عوف وابن عباس وابن عمر والحسن بن علي إلى آخره، والصحيح في ذلك أن نقول بأن المتعة غير مقدرة، وإنما كما قال الله عز وجل: عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ [البقرة:236] فإذا كان الزوج غنيًا فقد تكون المتعة له عشرة آلاف، وإذا كان فقيرًا فقد تكون المتعة ألفين، وإن كان متوسطًا فتكون المتعة خمسة، وهكذا تختلف بغنى الزوج وفقره.

    ما يستقر به مهر المثل

    قال رحمه الله: (ويستقر مهر المثل بالدخول).

    هذا هو الحكم التاسع، وهو باتفاق الفقهاء: أن مهر المثل يستقر بالدخول، وإن كانت غير مفوضة والمهر المسمى يستقر أيضًا بالدخول، ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ [البقرة:237] فيفهم من ذلك: أنه إذا حصل المسيس فيجب المهر كله، وأما إذا لم يحصل المسيس فإنه يجب نصف المهر، ويدل لذلك أيضًا حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ) ، وهذا هو الأمر الأول مما يحصل به تقرر الصداق وهو: الدخول.

    الأمر الثاني: إذا حصلت خلوة، وهي موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى ومذهب أبي حنيفة: أن الخلوة يتقرر بها الصداق، وعلى هذا؛ إذا خلا بها وجب المهر كاملًا، يعني: وجب مهر المثل إن كانت مفوضة، واستدلوا على ذلك بقول الله سبحانه وتعالى: وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ [النساء:21]، وقالوا بأن هذا هو الوارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عمر وعلي رضي الله تعالى عنهما أنهما قالا: ( إذا أرخيت الستور وأجيفت الأبواب وجب المهر والعدة ) وهذا إسناده صحيح، رواه ابن أبي شيبة والبيهقي وغيرهما.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية حيث قالوا: بأن الخلوة لا تقرر الصداق، واستدلوا على ذلك بظاهر الآية: وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ [البقرة:237] والمراد بالمسيس: الجماع، ولكن نقول: هذا استدلال بالمفهوم، وما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم استدلال بالمنطوق، فالأقرب والله أعلم في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة والحنفية، وهو قول المالكية، يعني أنه قول أكثر أهل العلم.

    والمشهور من المذهب أن الخلوة المعتبرة هي الانفراد عن المميز، بحيث ينفرد بالزوجة ولا يحضرهما مميز فأكثر، فلو حضرهما طفل لا يميز فتعتبر خلوة، ولو حضرهما مميز أو حضرهما بالغ -من باب أولى- فهذا ليس بخلوة، وعند المالكية تفصيل في ذلك، يقولون: الخلوة هي إرخاء الستور وإجافة الأبواب ونحو ذلك.

    ويظهر والله أعلم أن يقال بأن الخلوة تكون إذا خلا بها خلوةً يتمكن من الاستمتاع بها، فهذا مما يتقرر به الصداق.

    الأمر الثالث مما يتقرر به الصداق: الموت كما سلف، فإذا مات أحدهما ولو قبل تسمية الصداق، فإن كانت مفوضة تقرر مهر المثل، وإن كان المهر مسمىً فيجب المسمى.

    الأمر الرابع مما يتقرر به الصداق: ما قاله الإمام أحمد رحمه الله: إذا استحل منها ما لا يحل لغيره وجب المهر، ودليل ذلك القياس على الخلوة، فلو أنه استحل منها ما لا يحل لغيره من لمس أو نحو ذلك، فإن المهر يتقرر حينئذٍ.

    متعة المطلقة بعد الدخول

    قال رحمه الله: (وإن طلقها بعده فلا متعة).

    يعني: إذا طلق الزوجة بعد الدخول فلا تجب لها المتعة؛ لأن المهر قد وجب لها، وهذا هو المشهور من المذهب، وظاهر الآية: أن المتعة تجب حيث لا يجب المهر؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ [البقرة:236].

    والرأي الثاني: أن المتعة واجبة لكل مطلقة، وهذا رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، حتى وإن كانت مدخولًا بها وتقرر لها الصداق وأنجبت الأولاد وطلقها، فإنه يجب عليه أن يمتعها؛ لقول الله عز وجل: وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ [البقرة:241] مما يدل على أنه من عمل أهل التقوى، ولأنه جبر للكسر الذي يصيب المرأة.