إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب النكاح [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من مسقطات الولاية في النكاح عضل الولي أو كونه غير أهل، وتجوز الوكالة في النكاح لكلا الطرفين، واختلفوا في اعتبار الشهادة ركناً من أركان النكاح، وفي ماهية الكفاءة المعتبرة، والصحيح أن الكفاءة معتبرة في أمرين: الدين والخلق، أما المحرمات من النساء فينقسمن إلى

    1.   

    تابع مسقطات ولاية النكاح

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ فإن عضل الأقرب أو لم يكن أهلا، أو غاب غيبةً منقطعةً لا تقطع إلا بكلفة ومشقة زوج الأبعد، وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذرٍ لم يصح.

    فصل: الرابع: الشهادة، فلا يصح إلا بشاهدين عدلين ذكرين مكلفين سميعين ناطقين .

    وليست الكفاءة: وهي دين، ومنصب -وهو النسب- والحرية شرطاً في صحته، فلو زوج الأب عفيفة بفاجر، أو عربية بعجمي، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ.

    باب المحرمات في النكاح.

    تحرم أبدًا الأم وكل جدة وإن علت، والبنت وبنت الابن وبنتاهما من حلال وحرام وإن سفلت، وكل أخت وبنتها، وبنت ابنتها، وبنت كل أخ وبنتها، وبنت ابنه وبنتها وإن سفلت، وكل عمة وخالة وإن علتا].

    تقدم أن الولاية لها مسقطات، وذكر المؤلف رحمه الله المسقط الأول، فقال: (فإن عضل الأقرب) العضل في اللغة: المنع، وأما في الاصطلاح: فهو أن يمنع الولي موليته كفئاً رضيته، وبذل ما يصح مهرًا، فإذا منع هذا الكفء الذي رضيته المرأة وقد بذل ما يصح مهرًا، فإن هذا عضل تسقط به ولايته، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ [البقرة:232] وقد ورد في سبب نزول هذه الآية: أنها نزلت في معقل بن يسار كما في صحيح البخاري ، فإن معقلاً منع أخته من التزويج بزوجها الأول لما طلقها وأراد أن يتزوجها مرةً أخرى فمنعها أن تتزوجه، فنزلت هذه الآية.

    قال رحمه الله: (أو لم يكن أهلا).

    هذا المسقط الثاني من مسقطات الولاية: أن يكون الأقرب غير أهلٍ، كما لو كان كافرًا، أو كان صغيرًا، أو كان مجنونًا، فإن ولايته تسقط وتنتقل إلى من بعده، وجاء عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه إذا كان الصغير مراهقًا فإن ولايته لا تسقط، لكن الذي يظهر -والله أعلم- أنه ما دام صغيراً لم يبلغ، فإنه لا ولاية له، وولايته تنتقل إلى من بعده.

    قال رحمه الله: (أو غاب غيبةً منقطعةً لا تقطع إلا بكلفةٍ ومشقةٍ زوج الأبعد).

    هذا المسقط الثالث من مسقطات ولاية النكاح: الغيبة، وضابط الغيبة كما بين المؤلف رحمه الله أنها لا تقطع إلا بكلفةٍ ومشقة، فإذا كان كذلك سقطت ولايته، والمشهور من المذهب: أنه إذا كانت الغيبة فوق مسافة قصر ولا تقطع إلا بكلفة ومشقة، فإن ولايته تسقط.

    والرأي الثاني قال به الإمام مالك رحمه الله تعالى، قال: مثل من يغيب إلى أفريقيا والأندلس.

    والرأي الثالث: أن الغيبة المسقطة للولاية هي الغيبة التي يفوت بها الخاطب الكفء، وقد قال به بعض علماء الحنفية وبعض علماء الحنابلة، فلو فرض أن هذا الزوج سيفوت، وأننا لو انتظرنا الولي حتى يحضر ويعقد النكاح فإن هذا الخاطب الكفء سيفوت، ولنفرض أن الولي قد حج، والحاج يحتاج إلى فترة لكي يرجع، وهذا الزوج لن ينتظر، فتسقط ولاية هذا الولي الأقرب ويزوج الأبعد.

    وهذا القول هو أصح الأقوال، لكن ينبغي أن نفرق بين الأب وغيره من الأولياء، فالأب ينظر لمكانته، أما بقية الأولياء كما لو كان الولي أخًا أو عمًا ونحو ذلك، والخاطب الكفء سيذهب إذا انتظرنا الولي حتى يرجع فتسقط ولايته، والعلة في ذلك كما سبق أن بينا: أن مبنى الولاية بالنسبة للمرأة هي المصلحة، فإذا كانت الولاية لا يترتب عليها مصلحة، وإنما يترتب عليها مفسدة ونحو ذلك، فإن الولاية تسقط.

    المسقط الرابع من مسقطات الولاية: إذا جهل مكان هذا الولي ولا نعلم أين مكانه، فإن ولايته تسقط، والعلة كما سبق، لكن يفرق بين الأب وغيره أيضاً، فالأب يبحث عنه وينتظر شيئًا من الزمن، وذلك لمكانة الأب.

    قال رحمه الله: (وإن زوج الأبعد أو أجنبي من غير عذرٍ لم يصح).

    نحو أن يزوج العم مع وجود الأخ، والأخ لم يوجد فيه مسقط من مسقطات الولاية، لو زوج أجنبي ليس من أولياء المرأة لا يصح عقد النكاح، وهذا كما سلف أن أشرنا إليه: أن الحنابلة والشافعية يضيقون في تصرف الفضولي، فلا يرون تصرف الفضولي، حتى لو جاء الولي الأقرب وأذن في النكاح وأجازه، فإن إذنه لا ينفذ.

    والرأي الثاني: يصح النكاح بالإجازة، فإذا أجازه الولي الأقرب فإن هذا النكاح ينفذ، ويدل لذلك ما تقدم من حديث عبد الله بن بريدة رضي الله تعالى عنه في قصة الفتاة التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له: (أن أباها زوجها من ابن أخٍ له لكي يرفع بها خسيسته، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها) فدل ذلك على أنه ينفذ بالإجازة، فإن أجازه الأقرب فنقول بأنه ينفذ، وإن رده فإنه لا ينفذ.

    1.   

    التوكيل في عقد النكاح

    وهنا نذكر مسائل، منها: صحة التوكيل في عقد النكاح، فيصح أن يوكل الولي من يعقد لموليته، ويصح أيضًا أن يوكل الزوج من يعقد له، فالتوكيل في عقد النكاح جائز ولا بأس به، ويدل لذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وكل في تزوجه لـأم حبيبة رضي الله تعالى عنها ) وهذا وإن كان فيه ضعف إلا أن الأصل في ذلك الحل، لكن إذا أراد وكيل الولي أن يزوج المرأة فلا بد أن يقول في تزويجه لوكيل الزوج: زوجت موكلك، أما لو قال: زوجتك، فإنه لا يصح، ويقول وكيل الزوج قبلته لفلان، أو قبلته لموكلي فلان.

    ومن المسائل المتعلقة بالولاية في عقد النكاح: إذا وجد وليان مستويان في الولاية، يعني: في مرتبةٍ واحدة، كمرتبة الأخوة، أو مرتبة العمومة، أو مرتبة البنوة، ولنفرض أن هذه المرأة لها أخوان شقيقان، فيقدم منهما من أذنت له المرأة، فقد تأذن للصغير، وقد تأذن للكبير، فمن أذنت له المرأة قدم، وإذا لم تأذن المرأة لأحدهما فالسنة أن نقدم الأفضل، ثم بعد الأفضل: الأسن، فإن تشاحوا وكان كلٌ يريد أن يتولى العقد فإنه يصار إلى القرعة.

    إذاً: إذا اجتمع وليان يعين من عينته المرأة، وإذا لم تعين المرأة أحدًا أو عينت كلاً منهما، فنقدم الأفضل تقىً وعلمًا، فإن تساويا في ذلك فالأسن، إن تشاحا في ذلك فإنه يصار إلى القرعة.

    1.   

    الشرط الرابع من شروط النكاح: الشهادة

    قال رحمه الله: (فصل: الرابع الشهادة).

    هذا الشرط الرابع من شروط صحة النكاح وهو الشرط الأخير، وهو: الشهادة، وهو من الفروق بين عقد النكاح وبقية العقود، فبقية العقود كعقد البيع، والوكالة، والوقف، وسائر العقود لا نشترط الشهادة، لكن بالنسبة لعقد النكاح جمهور أهل العلم يرون الشهادة فيه شرطاً للصحة.

    الخلاف في اشتراط الشهود

    والشهادة موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى؛ فأكثر أهل العلم يرون أن الشهادة شرط لصحة النكاح، واستدلوا على ذلك بأدلة، منها قول الله عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2] في شأن الرجعة، فعند مراجعة الزوج لمطلقته فإنه مأمور بالإشهاد، فإذا كان ذلك في إعادة نكاحٍ سابق، فابتداء النكاح من باب أولى، ويدل لذلك حديث جابر وحديث أبي موسى رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ) وهذا الحديث موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى في ثبوته، لكن ثبت ذلك عن ابن عباس موقوفًا عليه.

    الرأي الثاني: أن الشهادة في النكاح ليست واجبة أو ليست شرطًا، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وقال به أبو ثور ، واستدلوا على ذلك بأن الله سبحانه وتعالى أطلق، فقال سبحانه وتعالى: فَانكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ [النساء:3] ولم يقيد ذلك بالشهادة وقال سبحانه: وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [النور:32] ولم يقيد ذلك بالشهادة، وحديث سهل بن سعد : ( زوجتكها بما معك من القرآن ) ، وتزوج النبي صلى الله عليه وسلم صفية وجعل عتقها صداقها، وأشكل أمرها على الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولو كان هناك شهادة ما أشكل أمرها على الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    الرأي الثالث: قال الإمام مالك : الشهادة ليست شرطًا عند العقد، لكنها واجبة عند الدخول، يعني: أنه يستحب أن يشهد عند العقد، فإن لم يشهد عند العقد فإنه يشهد عند الدخول.

    ويقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إذا لم يشهد وأعلن النكاح كفى ذلك، يعني: إذا حصل إعلان ولم يحصل إشهاد فالنكاح صحيح، أما إذا لم يحصل إعلان ولا إشهاد فالنكاح لا يصح، وإن حصل إشهاد ولم يحصل إعلان، ففي صحة النكاح نظر، فشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أنه يكتفى بالإعلان عن الإشهاد، وأنه إذا حصل إعلان فإن هذا كاف عن الإشهاد.

    والأقرب -والله أعلم- في هذه المسألة، عند تأمل أصول الشريعة؛ وأن الشريعة تحتاط للفروج: أنه لا بد من الإشهاد في عقد النكاح؛ احتياطًا للفروج، ورفعًا للنكاح التي جاءت به الشريعة عن الزنا الذي نفته الشريعة.

    شروط شهود النكاح

    قال رحمه الله: (فلا يصح إلا بشاهدين عدلين).

    هنا شرع المؤلف رحمه الله تعالى في ذكر شروط الشهادة، فقال: بشاهدين، ويؤخذ من هذا أنه لا بد من التعدد، وأنه لا يكتفى بشاهد واحد، ويدل لذلك قول الله عز وجل: وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ [الطلاق:2]، وفي الحديث: ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ).

    قال رحمه الله تعالى: (عدلين).

    وهذا هو الشرط الثاني وهو: العدالة، فلا بد أن يكون الشاهدان عدلين؛ وعلى هذا إذا كانا فاسقين فإنه لا تصح شهادتها، ودليلهم على هذا قوله عليه الصلاة والسلام كما في الحديث: ( وشاهدي عدل ) لكن هذا الحديث فيه ضعف؛ ولهذا فإن الحنفية لا يشترطون العدالة، والأقرب في ذلك أنه تشترط الأمانة.

    وقد تقدم في الولاية في عقد النكاح أنهم اشترطوا في الولاية: العدالة، لكن الصواب أن نقول بدلًا من العدالة: الأمانة، فالأمانة هي التي اشترطها عز وجل في قوله: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] فإذا كان أمينًا على موليته -حتى ولو كان عنده شيء من الفسق- فإن ولايته لا تسقط.

    وكذلك هنا نقول: إذا كان أمينًا على شهادته فإن شهادته صحيحة، وكما أسلفنا أن الشهادة تختلف، وأن مرجعها إلى العرف، فإذا كان هذا الشخص مرضي الخبر لصدقه وعدم كذبه وتسرعه فشهادته صحيحة.

    قال رحمه الله: (ذكرين).

    هذا الشرط الثالث في الشهود أن يكونا ذكرين، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهو قول أكثر أهل العلم.

    والرأي الثاني رأي الظاهرية: أنه تصح شهادة النساء، فيصح أن يشهد ذكر وامرأتان، ويصح أن يشهد أربع نسوة، وعند الحنفية أيضًا يصح أن يشهد رجل وامرأتان، والصواب: أنه لا تشترط الذكورة، وأن شهادة المرأة مقبولة؛ لأن الضلال الذي يحصل في شهادة المرأة جبر بمضاعفة العدد كما سلف، فإذا وجد امرأتان فإنهما تقومان مقام رجل، وخصوصًا إذا فهمنا أن أصل الشهادة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    قال رحمه الله: (مكلفين).

    هذا الشرط الرابع من شروط الشهود: أن يكونا بالغين عاقلين؛ لأن غير المكلف لا يوثق بخبره، فالمجنون لا تصح عبارته، وعبارته ملغاة، والصبي الصغير لا يوثق بخبره.

    قال رحمه الله: (سميعين).

    هذا هو الشرط الخامس من شروط الشهود: أن يكونا سميعين، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد، وكذلك أيضًا مذهب الشافعي: أنهما لا بد أن يكونا سميعين، ومعنى ذلك أنهما إن تحملا عن طريق الكتابة، فلا يصح تحملهما؛ لأنهما لم يسمعا الشهادة، والصحيح في هذا أن شهادتهما صحيحة، وأنها مقبولة.

    قال رحمه الله: (ناطقين).

    هذا الشرط الخامس من شروط الشهود: أن يكونا ناطقين؛ وعلى هذا إذا كانا أبكمين لا ينطقان فإن شهادتها لا تصح، والصحيح في ذلك أنهما إذا أديا عن طريق الكتابة فإن شهادتهما صحيحة.

    وأما اشتراط البصر فلم يذكره المؤلف رحمه الله، وهو المشهور من المذهب، أن غير المبصر شهادته صحيحة؛ لأنه أهل للشهادة.

    1.   

    الكفاءة في النكاح

    قال رحمه الله تعالى: (وليست الكفاءة: وهي دين ومنصب -وهو النسب- والحرية شرطاً في صحته).

    المؤلف رحمه الله لما تكلم عن شروط الصحة تكلم عن شرط اللزوم، وشرط اللزوم هو: الكفاءة.

    الكفاءة في اللغة: المساواة، وأما في الاصطلاح: فهي تساوي الزوجين في أوصافٍ خاصة، والمشهور من المذهب: أن الكفاءة تعني أنه لا بد من تساوي الزوجين في خمس خصال، وهذه الخصال تعتبر في حق الزوج ولا تعتبر في حق المرأة، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.

    خصال الكفاءة

    قال رحمه الله تعالى: (وهي دين).

    الدين: هو أداء الفرائض واجتناب النواهي، وعلى هذا؛ إذا كانت المرأة عدلًا، والزوج ليس عدلًا، فالمرأة تقوم بأداء الفرائض وتجتنب النواهي، وأما الزوج فيشرب الدخان أو يحلق لحيته أو نحو ذلك، فالزوج هنا ليس كفؤًا للزوجة، ولمن لم يرض من الأولياء على المشهور من المذهب أن يفسخ عقد النكاح، فمثلًا: لو أن الأب زوج ابنته رجلًا يشرب الدخان فلمن لم يرض من الأولياء كأبناء عمه، حتى ولو كان بعيدًا، أو ولد بعد أن تزوجت بعشرين سنة، فله أن يفسخ عقد النكاح.

    قال رحمه الله: (ومنصب وهو النسب).

    هذا الأمر الثاني: المنصب وهو النسب، ومعنى ذلك: أن يكون للمرأة أصل في أنساب العرب ترجع إلى قبيلة من قبائل العرب، وأما الزوج فليس له أصل في أنساب العرب فلا يرجع إلى قبيلة من قبائل العرب، فيقولون بأن الزوج ليس كفؤًا للمرأة، فلمن لم يرض من الأولياء أو المرأة حق الفسخ.

    قال رحمه الله: (والحرية).

    فلو كان الزوج رقيقًا وكانت المرأة حرةً، فلمن لم يرض من المرأة وبقية الأولياء حق الفسخ.

    بقي أيضًا أن تكون الصناعة غير مزرية، فلو كانت صناعة الزوج مزرية، والزوجة من أناسٍ صناعتهم شريفة، فهو ليس كفؤًا لها، ولنفرض أن الزوج مثلًا كساح، والكساح: هو الذي ينظف الكنف، والمرأة ابنة تاجر مثلًا يبيع الأطعمة ونحو ذلك، فليس هناك مكافأة بين المرأة وبين الزوج، فلمن لم يرض من المرأة والأولياء حق الفسخ.

    ولا بد من اليسار وهو الأمر الخامس، وعلى هذا؛ إذا كانت المرأة من بيت غناء والزوج فقير، فلمن لم يرض من المرأة والأولياء حق الفسخ.

    فالكفاءة تكون في هذه الخصال الخمس، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والحنفية والشافعية قريبون من هذا، فالحنفية يقولون: خصال الكفاءة هي: الحرية والنسب والمال والدين وإسلام الآباء عند غير العرب، والشافعية يقولون: هي الحرية والنسب والسلامة من العيوب والعفة، وهي الدين والصلاح والكف عما لا يحل والحرفة، يعني: هم قريبون من الحنابلة.

    الرأي الرابع في هذه المسألة: رأي الإمام مالك رحمه الله: أن الكفاءة: هي الخلق والدين، وهذا الذي جاءت به السنة، فالنبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي هريرة في الصحيحين يقول: ( فاظفر بذات الدين تربت يداك ) ، والقرآن أيضاً: قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26] يعني: أمين في دينه وقوي في دينه، وقوي في بنيته، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه ) .

    فالصحيح في ذلك أن الكفاءة معتبرة في أمرين هما: الدين والخلق، هكذا جاءت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، والخلق واضح، والدين إذا كان عنده خلل فيه والمرأة عدل، فهل هو كفؤ أو ليس كفؤًا؟ نقول: بأن هذا ينقسم ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الخلل في دينه بحيث يخلّ عليه إسلامه، كما لو كان تاركًا للصلاة، أو عنده استهزاء بأمور الدين ونحو ذلك، فهذا لا يصح تزويجه أصلًا.

    القسم الثاني: أن يكون الخلل في الدين مما يتعلق بالعفة، كما لو كان مقارفًا للفواحش كالزنا واللواط ونحو ذلك ولم يتب، فهذا لا يصح تزويجه كما سيأتينا إن شاء الله في باب المحرمات، والمشهور من المذهب أنهم يفرقون بين الزاني والزانية، فيقولون: يصح العقد للزاني، ولا يصح العقد على الزانية حتى تتوب، والصواب: أنه لا فرق بين الزاني والزانية، وأن كلًا منهما لا يصح العقد له حتى يتوب من فاحشته.

    القسم الثالث: أن يكون خلله في دينه مما يضر بالمرأة، مثل الذين يشربون المسكرات والمخدرات ونحو ذلك، فالمرأة لها حق الفسخ هنا.

    القسم الرابع: أن يكون الخلل في دينه فسقًا مع سلامة أصل الدين، مثل من يشرب الدخان أو يسمع الغناء أو ينظر إلى النساء ونحو ذلك، فالصواب في هذه المسألة: أن هذا مما لا يخل بالكفاءة بمعنى الفسخ، صحيح أنه ينبغي أن تتخير ذا الدين، لكن كونها تتزوج بهذا، أو زوجها أبوها به، فهذا مما لا يلام عليه ولا يفسخ العقد حينئذٍ، خصوصًا إذا كانت المرأة قد كبرت ونحو ذلك، خلافًا للمشهور من المذهب: أن المرأة إذا كانت عدلاً وهو فاسق، فلها ولبقية الأولياء حق الفسخ.

    انفساخ النكاح لعدم الكفاءة

    قال رحمه الله: (وليست الكفاءة: وهي دين ومنصب -وهو النسب- والحرية شرطاً في صحته).

    ولكنها شرط لزوم، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    قال رحمه الله: (فلو زوج الأب عفيفة بفاجر، أو عربية بعجمي، فلمن لم يرض من المرأة أو الأولياء الفسخ).

    أي: إذا اختلت الكفاءة فالمشهور من المذهب أن جميع الأولياء لهم حق الفسخ، حتى لو كان بعيدًا أو حدثاً.

    فلو فرضنا أن هذا الولي له ابنة عدل، وزوجها برجلٍ يشرب الدخان، فلو جاء ابن ابن عم بعيد فله حق الفسخ، حتى لو ولد وهذه المرأة مضى لها عشرون سنة وهي مع هذا الزوج فله حق الفسخ، وكذا للمرأة ولبقية الأولياء حق الفسخ؛ لأن العار عليهم جميعًا.

    الرأي الثاني: أن حق الفسخ ليس لجميع الأولياء، وإنما حق الفسخ للأقرب من الأولياء؛ لأنه هو الذي يلي هذا الولي في الولاية، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، فمثلًا: لو زوج الأب ابنته وهذه البنت ليس لها أبناء، لكن لها إخوان، فأخوها هو الذي له الحق في أن يعترض على أبيه إذا أخل بالكفاءة وله حق الفسخ، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى، وأن حق الفسخ ليس لكل الأولياء كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى؛ لأن هذا مما يترتب عليه فساد عريض، ومثل ذلك يقال فيما لو قيل بأن حق الفسخ خاص بالمرأة دون بقية الأولياء؛ لأن القول بذلك قد يترتب عليه فساد عظيم.

    بقي عندنا مسألتان تتعلقان بالكفاءة:

    المسألة الأولى: أن هذه الأمور معتبرة في الزوج، أما المرأة فليست هذه الأمور معتبرة فيها، وعلى هذا لو أن الزوج كان عدلًا وتزوج امرأةً فاسقة، فلا يخل ذلك بالكفاءة، وكذلك لو كان الزوج له أصل في أنساب العرب وتزوج امرأةً ليس لها أصل في أنساب العرب فهذا لا بأس به، ومثله أيضًا لو أن الزوج كان حرًا وتزوج أمة وهو ممن يصح له تزوج الأمة كما سيأتي، فذلك جائز ولا بأس به.

    المسألة الثانية: هذه الخصال تعتبر عند العقد دون ما بعده، فلو أن الزوج كان غنيًا عند العقد ثم افتقر، فليس للمرأة حق الفسخ.

    1.   

    المحرمات في النكاح

    قال رحمه الله تعالى: (باب المحرمات في النكاح).

    الأصل في النساء الحل؛ لأن الله سبحانه وتعالى ذكر المحرمات فقال: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ [النساء:23] إلى أن قال الله عز وجل: وَأُحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] وفي قراءة: (وَأَحِلَّ لكم ما وراء ذلكم) فالأصل في هذا الباب هو الحل، والتحريم عارض، ولهذا عدد الله عز وجل المحرمات ثم قال: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24].

    والمحرمات في النكاح ينقسمن إلى قسمين:

    القسم الأول: محرمات على التأبيد، يعني: يحرمن إلى يوم القيامة، وبدأ المؤلف رحمه الله بهن؛ لأن تحريمهن أشد.

    والقسم الثاني: محرمات على التأقيت، يعني: يحرمن لعارض، أو بسبب الجمع كما سيأتي، يعني: ليس على التأبيد.

    المحرمات على التأبيد ينقسمن إلى خمسة أقسام: محرمات بسبب النسب، ومحرمات بسبب المصاهرة، ومحرمات بسبب الرضاع، ومحرمات بسبب اللعان، ومحرمات بسبب الاحترام، وهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم يحرمن على بقية أمته؛ تعظيمًا لحق النبي عليه الصلاة والسلام.

    بدأ المؤلف رحمه الله بالنوع الأول وهن المحرمات بالنسب على جهة التأبيد، وهن المذكورات في سورة النساء.

    المحرمات تأبيداً بسبب النسب

    قال رحمه الله: (تحرم أبدًا الأم وكل جدة وإن علت).

    المحرمات بالنسب سبع:

    الأولى: الأم وجداتها وإن علون، سواء كان ذلك من قبل الأم أو كان ذلك من قبل الأب، فالأم وأمها وإن علت، وأم الأب وإن علت، هذه محرمة عليك إلى يوم القيامة، أمك وأمهاتها وأم أبيك وأمهاته وإن علون محرمات إلى يوم القيامة.

    قال رحمه الله: (الأم وكل جدة وإن علت، والبنت).

    هذه الثانية: البنت وبنت البنت وإن نزلت، (وبنت الابن) وإن نزلت، هؤلاء محرمات إلى يوم القيامة.

    قال المؤلف رحمه الله: (وبنتاهما) يعني: بنت البنت وبنت بنت الابن وإن نزلتا.

    قال رحمه الله: (من حلال وحرام وإن سفلت).

    معنى: (من حلال) واضح، لكن قوله: (وحرام) يعني: بنت الزنا، أي: لو أن رجلًا زنا بامرأةٍ ثم حملت هذه المرأة من مائه، فليس له أن يتزوج هذه البنت، وهذا قول أكثر أهل العلم، واستدلوا على ذلك بقصة جريج ، وفيه: ( أن جريجاً لما اتهم بالزنا وأتي له بالولد فضرب في بطنه وقال: من أبوك يا غلام؟ قال: أبي فلان الراعي ) والراعي هذا هو الذي زنا، فسماه أبًا له، فهذا يدل على أن بنت الزنا تكون بنتًا للزاني.

    وكذلك استدلوا بما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا ينظر الله إلى رجلٍ نظر إلى فرج امرأة وابنتها )، واستدلوا أيضاً بقول الله سبحانه وتعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ [النساء:23] وهذه بنت له.

    الرأي الثاني: أن هذه البنت لا تحرم عليه، وهذا قال به الشافعي رحمه الله تعالى، ويدل لذلك أنها أجنبية منه، ولهذا لا تنسب له ولا ترثه ولا يرثها، ولا يجب عليه أن ينفق عليها إلى آخره، فهي أجنبية تمامًا منه، فليست داخلة في قول الله عز وجل: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ [النساء:11] ووقع الإجماع على أنها لا ترث منه، ولا تنسب له، وإذا كانت كذلك فهي أجنبية منه يجوز له أن يتزوجها، وأيضًا: أن الأصل في ذلك الحل، وأيضًا: ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( لا يحرم الحرام الحلال ) وهذا الحديث وإن كان فيه ضعف، لكنه مما يستدل به لهذه المسألة.

    والشنقيطي رحمه الله لما بحث هذه المسألة، قال: الأقرب في ذلك رأي جمهور أهل العلم أنها محرمة، ويدل للتحريم أمران:

    الأمر الأول: أن البنت التي شربت من لبنه تحرم عليه، فالبنت التي نشأت من مائه، يعني: ماؤه أصلها فمن باب أولى أن تحرم عليه، إذا كانت الشريعة جاءت بتحريم البنت من الرضاع، فالبنت التي نشأت من مائه وأصلها من مائه من باب أولى أن تحرم عليه.

    وثانيًا: لئلا يستمتع بشيءٍ محرم هو السبب فيه.

    قال رحمه الله: (وكل أختٍ وابنتها وبنت بنتها).

    هذه الثالثة: الأخت من أي جهةٍ كانت، من جهة الأب أو من جهة الأم، أو كانت شقيقةً، محرمة إلى يوم القيامة.

    قال رحمه الله: (وبنتها وبنت بنتها وبنت ابنها).

    هذه الرابعة: بنت الأخت، سواء كانت بنت الأخت من الأب أو من الأم، أو كانت شقيقة، وبنت بنتها وبنت ابنها وإن نزلت، فهذه محرمة إلى يوم القيامة.

    قال رحمه الله: (وبنت كل أخٍ وبنتها وإن سفلت).

    هذه الخامسة: بنت الأخ، سواء كان من الأب أو من الأم، أو كان شقيقًا، وبنت بنته وبنت ابنه وإن نزلن.

    قال رحمه الله: (وكل عمةٍ وخالةٍ وإن علت).

    السادسة: العمة وإن علت، أي: عمتك وعمة أبيك وعمة جدك، وعمة أمك وعمة جدتك إلى آخره وإن علت، ومثلها الخالة، أي: خالتك وخالة أبيك وخالة أمك وخالة جدتك وإن علت.

    ودليل هؤلاء المحرمات السبع بالنسب الآية في سورة النساء: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23] .