إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الوقف [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الهبة جائزة شرعاً، ولا يجوز الرجوع فيها إلا لأب بشروط منها: بقاء الملكية للابن وعدم تعلقها بحق الغير، ويجوز للأب أخذ مال ولده إن زاد على حاجته ولم يضره. وله التصرف فيه بشرط الرجوع في الهبة أو التملك في المال. ولا يجوز للولد أن يطالب أباه عند الحاكم إلا بن

    1.   

    تابع عطية الوالد

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة، إلا الأب، وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه، فإن تصرف في ماله ولو فيما وهبه له ببيع، أو عتق، أو إبراء، أو أراد أخذه قبل رجوعه، أو تملكه بقول، أو نية، وقبض معتبر، لم يصح، بل بعده، وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه، إلا نفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها، وحبسه عليها.

    فصل: في تصرفات المريض.

    من مرضه غير مخوف، كوجع ضرس، وعين، وصداع يسير، فتصرفه لازم كالصحيح ولو مات منه، وإن كان مخوفًا كبرسام، وذات الجنب، ووجع قلب، ودوام قيام، ورعاف، وأول فالج، وآخر سل، والحمى المطبقة، والربع، وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف، ومن وقع الطاعون ببلده، ومن أخذها الطلق، لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث إلا بإجازة الورثة لها إذا مات منه، وإن عوفي فكصحيح، ومن امتد مرضه بجذام، أو سل، أو فالج، ولم يقطعه بفراش، فمن كل ماله، والعكس بالعكس، ويعتبر الثلث عند موته، ويسوى بين المتقدم والمتأخر في الوصية، ويبدأ بالأول فالأول في العطية، ولا يملك الرجوع فيها].

    تقدم تعريف الهبة في اللغة والاصطلاح، وذكرنا أيضاً بعض المسائل المتعلقة بالهبة، وذكرنا من ذلك هل تصح هبة المجهول أو لا؟ وهل تصح هبة المعدوم أو لا؟ وكذلك أيضاً: ما لا يقدر على تسليمه، وذكرنا أن مثل هذه الأشياء أو أن هبة هذه الأشياء صحيحة، وأن باب التبرعات أوسع من باب المعاوضات، وتكلمنا أيضاً عن صيغة الهبة، وكذلك أيضًا ما يتعلق بالتعديل بين الأولاد في الهبة، وهل يجب أو لا يجب؟ وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة.

    رجوع الوالد عن هبته

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز لواهب أن يرجع في هبته اللازمة إلا الأب). يقول المؤلف رحمه الله: الواهب لا يجوز له أن يرجع في هبته اللازمة، وتقدم لنا متى تلزم الهبة؟ وأن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنها لا تلزم إلا بالقبض.

    والرأي الثاني: أنها تلزم بمجرد العقد.

    والمؤلف رحمه الله تعالى يرى أن الهبة لا تلزم إلا بالقبض، فيقول: لا يجوز للواهب أن يرجع في هبته إذا كانت لازمة، ويفهم منه أنه إذا كانت غير لازمة أن له أن يرجع، ودليلهم على ذلك: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه )، وهذا يدل على أنه لا يجوز الرجوع في الهبة؛ لأن الهبة أخرجها الواهب لله عزّ وجل، فلا يجوز له أن يرجع فيها.

    واستثنى المؤلف رحمه الله الأب، فقال: إن الأب يجوز له أن يرجع، ودليل ذلك: حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـبشير بن سعد لما خصص النعمان بالهبة، قال: ( فارجع )، وقال: ( اردده )، وأيضاً جاء في السنن أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي ولده )، وهذا صححه الترمذي من حديث عمر، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما، والحديث ظاهر في أن الأب له أن يرجع في هبته، وهذا قول جمهور العلماء، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن الأب ليس له أن يرجع في هبته لعموم الحديث، وهذا القول رواية عن الإمام أحمد ، وبه قال الثوري أن الأب ليس له أن يرجع في هبته لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( العائد في هبته كالكلب )، وهذا يشمل الأب؛ لكن الجواب عن هذا سهل، فنقول: هذا الحديث مخصص، نعم خصص بحديث عمر وابن عباس : ( لا يحل للرجل أن يعطي العطية فيرجع فيها إلا الوالد ).

    وأيضاً نفهم أن الأب فيما يتعلق بالولد له أحكام خاصة، خصوصاً فيما يتعلق بالمال فإن له أحكاماً خاصة، ولهذا سيأتينا أن الأب له أن يتملك من مال ولده، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله في قوله: (إلا الأب)، أن الأم ليس لها أن ترجع، وهذا رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن الأم لها أن ترجع، وهو قول الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إلا الوالد )، فإن الوالد يشمل الأب والأم.

    موانع رجوع الأب في الهبة

    ورجوع الأب في الهبة يذكر العلماء رحمهم الله له موانع كثيرة، أي: أن الأب له أن يرجع فيما وهبه لولده ما لم يوجد مانع من الموانع التي تمنع الرجوع، والفقهاء رحمهم الله يعددون موانع كثيرة تصل إلى أكثر من عشرين مانعاً، هذه تمنع من رجوع الأب في هبته، بعضها مسلَّم وبعضها غير مسلَّم، فمن هذه الموانع: أن تكون الهبة باقية في ملك الولد، فإن نقل الملك فيها بأن باعها، أو وهبها، أو وقفها ونحو ذلك، فليس للأب أن يرجع.

    أيضاً من الموانع: ألا يتعلق بها حق للغير، فإن تعلق بالهبة حق للغير كرهن، مثلاً: الولد اقترض ورهن الهبة، فالأب ليس له أن يرجع؛ لما في ذلك من إبطال حق الغير، حتى ينفك التعلق، فإذا تعلق بها حق للغير ليس له أن يرجع.

    ومن الموانع: الزيادة، والزيادة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن تكون الزيادة منفصلة، فهذه لا تمنع الرجوع، فمثلاً: لو وهب ولده شاة وولدت الشاة، فهل للأب أن يرجع أو ليس له أن يرجع؟ نقول: له أن يرجع في الشاة؛ لكن ولد الشاة للولد، وتبقى الشاة له أن يرجع فيها.

    القسم الثاني: أن تكون الزيادة متصلة، فهل له أن يرجع أو ليس له أن يرجع؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، والمشهور من المذهب: أنه ليس له أن يرجع، مثلاً: لو وهبه شاةً وسمنت هذه الشاة، فهل للأب أن يرجع بعد أن سمنت؟ المذهب ليس له أن يرجع، والصواب: له أن يرجع حتى ولو سمنت وزادت زيادة متصلة، وتكون الزيادة المتصلة لمن؟ تكون للولد، مثلاً: لو فرضنا أن الشاة كانت قيمتها أربعمائة، ثم زادت عند الولد سمنت، وأصبحت تساوي خمسمائة، الأب والولد يشتركان في الشاة، هذا له أربعة أخماس، وهذا له خمس.

    كذلك أيضاً: من الموانع التي ذكرها الإمام مالك رحمه الله، وكذلك أيضًا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه يشترط ألا يتعلق بالولد رغبةٌ بسبب الهبة، فمثلاً: لو أن أباً وهب ولده مائة ألف، فلما كان الولد عنده مائة ألف رغب الناس في معاملته، بايعوه، واشتركوا معه، وزوجوه؛ لأن عنده مالاً فتعلق بالولد رغبة من الناس، وبسبب هذه الرغبة حصلت المعاملة، فهل للوالد أن يرجع أو ليس له أن يرجع؟ فهذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله:

    الرأي الأول: أنه ليس له أن يرجع، وهذا رأي الإمام مالك رحمه الله ورواية عن الإمام أحمد، لما في ذلك من الإضرار بالناس؛ لأن الناس تعاملوا معه.

    الرأي الثاني: رأي ابن حزم وهو أيضاً رواية عن الإمام أحمد أن له أن يرجع لعموم الأدلة.

    والرأي الثالث: التفصيل وهو رأي شيخ الإسلام : أنه ليس له أن يرجع بمقدار تلك الرغبة، وهذا القول وسط وهو العدل، ولنفرض أن الأب وهب ولده مليون ريالٍ فالناس لو وهب مائة ألف رغبوا في معاملته، يرجع بتسعمائة ألف، هذا هو العدل، المائة التي تعلق بها رغبة الناس وعاملوه من أجلها هذا ليس له أن يرجع، هذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    1.   

    أقوال العلماء في أخذ الوالد من مال ولده وتملكه

    قال المؤلف رحمه الله: (وله أن يأخذ ويتملك من مال ولده ما لا يضره ولا يحتاجه).

    الأب هل له أن يتملك من مال ولده أو ليس له أن يتملك؟ للعلماء رأيان:

    الرأي الأول: وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد : أن الأب له أن يتملك من مال ولده، واستدلوا على هذا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:( إن أطيب ما أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من كسبكم )، وهذا أخرجه الترمذي وغيره، وحسنه الترمذي . وكذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت ومالك لأبيك ) وهذا مما يدل على أن له أن يتملك.

    الرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم، أن الأب ليس له أن يتملك، واستدلوا على ذلك بالأدلة الدالة على حرمة مال المسلم فليس له أن يتملك، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل مال للمسلم إلا بطيبة نفس منه) وكذلك قال الله تعالى: وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ [البقرة:188] وقال رسول الله: (إن دماءكم، وأموالكم، وأعراضكم، عليكم حرام ).

    والأقرب في هذه المسألة: هو رأي الحنابلة، ما دام أنه ورد حديث صحيح في ذلك، فنقول: الصواب ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله أن الأب له أن يتملك في مال ولده؛ لكن بشروط، كما سيأتي إن شاء الله.

    ويؤيد ذلك أن الولد بضعة من الأب، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في فاطمة : ( فاطمة بضعة مني، يريبها ما يريبني )، فهذا هو الأقرب والصواب. لكن بشروط.

    قوله: (ما لا يضره ولا يحتاجه).

    هذا الشرط الأول: ألا يضر الولد، يعني: هذا التملك يضر الولد، أو يحتاجه الولد، وما زاد على الحاجة له أن يتملكه، فمثلاً: البيت الذي يسكنه، والثوب الذي يلبسه، والسيارة التي يركبها، هذا ليس له أن يتملكه، وما زاد على ذلك أي: على الحاجة له أن يتملكه، هذا هو الشرط الأول.

    الشرط الأول: ألا يلحق بذلك ضرر، أو يكون محتاجًا إلى هذا المال.

    الشرط الثاني: ألا يتملك هذا المال ويعطيه ولداً آخر، يعني مثلاً ليس له أن يتملك سيارة ولده ويعطيه للولد الآخر، فليس له ذلك.

    الشرط الثالث: ألا يكون في مرض الموت المخوف من أحدهما؛ لأنه إذا كان في مرض الموت المخوف أصبح المال للوارث، فالمريض مرض الموت المخوف ليس له إلا الثلث، فيشترط ألا يكون في مرض الموت المخوف لأحدهما.

    الشرط الرابع: أن يكون ذلك بصيغة التملك.

    1.   

    تصرفات الوالد في مال والده أو ما وهبه له

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن تصرف في ماله، ولو فيما وهبه له ببيع، أو عتق، أو إبراء، أو أراد أخذه قبل تملكه، بقول أو نية، وقبض معتبر،لم يصح بل بعده).

    يعني: لا يصح للأب أن يتصرف في مال الولد، ما دام أن ما تملكه ليس له، بل إذا أراد أن يتصرف لا بد أن يتملك، وتتوفر شروط التملك، ثم بعد ذلك يتصرف، فمثلاً: لو وهب سيارة ابنه، فهل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: لا يصح، بل تملك السيارة أولاً، ثم هبها لمن شئت.

    قوله رحمه الله: (أو بيع) مثلاً: قام وباع البيت، نقول له: ليس له ذلك، نقول له: تملك أولاً، ثم بع. (أو عتق) أعتق الرقيق، أيضاً مثله، (أو إبراء) يعني: أبرء من الدين، ونحو ذلك فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح، بل نقول: تملك أولاً، ثم بعد ذلك تصرف، لأنك لا تملك التصرف في المال حتى تتملكه أولاً.

    قوله رحمه الله: (أو أراد أخذه قبل رجوعه)، لو أنه وهب ولده هبةً، كأن وهبه هذه السيارة، وأراد أن يأخذ السيارة قبل أن يرجع، هل يصح ذلك أو لا يصح؟ نقول: لا يصح.

    بل نقول له: ارجع في الهبة، قل: رجعت في الهبة، ثم خذها، أما كونه يأخذها قبل أن يرجع، فيقول المؤلف رحمه الله: (ليس له ذلك).

    قوله رحمه الله: (تملكه بقول، أو نية قبل رجوعه، وقبض معتبر، لم يصح)، أي: أنه ليس للأب أن يأخذ مال ولده، إلا إذا تملكه، فإذا وهبه له ليس له أن يأخذه حتى يرجع، فإذا رجع له أن يأخذه، فإذا كان المال للولد وأراد الوالد أن يأخذه، نقول: لابد أن تتملكه.

    وخلاصة القول: إن كان وهبه له، وأراد أن يأخذه، نقول: ارجع أولاً، وإن لم يهبه له وأراد أن يأخذه، نقول: تملك أولاً، تملك بالقبض مع النية، أو بالقول، أي: قل تملكت، فمثلاً: إذا أراد أن يأخذ سيارة الولد التي وهبها له، نقول له: ارجع أولاً، ثم خذها، أو أراد أن يأخذ سيارة الولد التي لم يهبها له، نقول له: تملك أولاً، ثم بعد ذلك خذها.

    1.   

    تملك الأم مال ولدها

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه ليس للأم أن تتملك؛ لأنه قال: (وله)، والضمير يعود على الأب، أما الأم فليس لها أن تتملك، وأن التملك خاص بالأب؛ لأن النص هكذا جاء: ( أنت ومالك لأبيك )، وهذا القول أقرب؛ لأن المرأة، أو الأنثى ليست كالذكر، فالذكر هو الذي يحتاج إلى مال، ومأمور بالعمل والكسب، أما الأنثى فليست كذلك، فكلام المؤلف أن التملك خاص بالأب، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن الأم لها أن تتملك؛ لكن ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله يظهر أنه هو الأقرب، وأن التملك خاص بالأب، وأن الأم ليس لها أن تتملك.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أيضاً أن الأب له أن يتملك حتى ولو كان كافراً، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني وهو اختيار شيخ الإسلام أن الكافر ليس له أن يتملك، فإذا كان الأب كافرًا، نقول: ليس له أن يتملك، لانقطاع الموالاة، وبسبب اختلاف الدين.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أيضاً أن الأب له أن يتملك ولو كان رقيقاً؛ لكن الصحيح هو ما في المذهب، من أنه يشترط أن يكون الأب حراً؛ لأن الرقيق إذا تملك سيكون المال للسيد.

    1.   

    مطالبة الولد والده بدين أو نحوه

    قال المؤلف رحمه الله: (وليس للولد مطالبة أبيه بدين ونحوه).

    يعني: ليس للولد أن يطالب أباه، فيرفع أمره للقاضي، مثلاً: لو اقترض منه أبوه عشرة آلاف ليس له أن يرفع أمره إلى القاضي يطالبه بالدين، ونحو الدين: مثل قيمة المتلف، لو أتلف أبوه عليه شيئاً، أو أرش الجناية، فليس له أن يطالبه، لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت ومالك لأبيك )؛ لكن له أن يطلبه، فيقول: أعطني الدين، فهذا لا بأس؛ لكن كونه يرفع أمره إلى القاضي، فيطالبه عند القاضي بالدين، فهل له ذلك أو ليس له ذلك؟ ليس له ذلك، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أنت ومالك لأبيك )، وأيضاً من الأسباب: لو طالبه فإن الأب له أن يقول: تملكته وينتهي الأمر، وأيضاً هذا فيه نوع من العقوق، يعني: كونه يطالب أباه نوع من العقوق.

    1.   

    مطالبة الولد والده بالنفقة الواجبة

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا بنفقته الواجبة عليه، فإن له مطالبته بها وحبسه عليها).

    يقول المؤلف رحمه الله: إلا فيما يتعلق بالنفقة الواجبة عليه، كالطعام، والشراب، والسكنى، والزواج، واللباس، فهذا له أن يطالبه؛ لضرورة حفظ النفس، فإذا قصر الوالد في النفقة الواجبة، والولد فقير فله أن يطالبه، بل ذكر المؤلف رحمه الله أن له أن يحبسه على ذلك، يعني: أن يطلب من القاضي إما أن ينفق أو أن يحبسه، له ذلك لما تقدم من ضرورة حفظ النفس.

    وكذلك أيضاً: له أن يطلب من أبيه العين التي هي له بيد أبيه، مثلاً: لو أن أباً أخذ كتاب ابنه، أو أخذ ثوبه، أو سيارته، فله أن يطلبها منه ولا بأس؛ لكن كونه يطالبه عند القاضي فهل له ذلك أو ليس له ذلك؟ نقول: ليس له ذلك.

    1.   

    تصرفات المريض

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل: في تصرفات المريض).

    المقصود بالتصرفات هنا التبرعات؛ لأن التصرفات تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: التصرفات التي ليست من قبيل التبرعات مثل: البيع، والشراء، والشركة، والإجارة ونحو ذلك من التصرفات التي ليست من قبيل التبرعات، فهذه للأب أن يتصرف بها حتى لو كان مريضاً مرضاً مخوفاً، مثلاً: هذا الرجل مرض مرضاً مخوفاً، يخشى عليه من الهلاك، مثل: مرض الإيدز اليوم فإنه مرض مخوف ويخشى على صاحبه من الهلاك، فإذا كان الابن مريضاً بهذا المرض، هل للأب أن يبيع ويشتري في ماله؟ نقول: نعم، يبيع ويشتري، بشرط أن يكون عقله باقيًا، فمهما مرض صاحب المال بأي مرض حتى لو كان المريض يشرف على الهلاك، فنقول: ليس له أن يتصرف إلا بشرط أن يكون العقل باقياً؛ لأن هذا فيه تنمية للمال.

    القسم الثاني من التصرفات: وهو الذي من أجله عقد المؤلف رحمه الله هذا الفصل: التبرعات، يتبرع، يوقف، يهب، يبيع بأقل من ثمن المثل، يبيع بالمحاباة، يعتق، وغير ذلك من صور التبرعات، فالتبرعات -كما قلنا- من وقف، وهبة، وعتق، ومحاباة في البيع والشراء، وإسقاط الديون ونحو ذلك.

    نقول: هنا الأمراض فيما يتعلق بالتبرعات تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    تصرفات المريض في الأمراض غير المخوفة

    الأمراض غير المخوفة، وضابط المرض المخوف وغير المخوف اختلف فيه العلماء رحمهم الله تعالى كثيراً، والصواب في ذلك هو: الرجوع إلى العرف، فما دلّ العرف على أنه مخوف فهو مخوف، وما دلّ العرف على أنه غير مخوف فهو غير مخوف، ولهذا ذكر المؤلف رحمه الله كثيراً من الأمراض، وجعلها من الأمراض المخوفة، وهذه كانت في زمن المؤلف، أما الآن بسبب ترقي الطب أصبحت هذه الأمراض غير مخوفة.

    المهم عندنا بالنسبة للتبرعات، نقول: الأمراض تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    قال المؤلف رحمه الله: (من مرضه غير مخوف، كوجع ضرس) فإنه لا يخشى عليه من الهلاك، (وعين، وصداع يسير، فتصرفه لازم كالصحيح ولو مات منه).

    هذا نقول: حكمه حكم الصحيح، فلو أوجعه ضرسه، ثم قال: حبست مالي، ما الحكم هنا هل ينفذ أو لا ينفذ؟ نقول: ينفذ ولو وهب كل ماله، فما دام أن المرض غير مخوف، نقول: بأنه ينفذ، وهذا القسم الأول.

    وقوله: (ولو مات منه).

    يقول المؤلف رحمه الله: حتى ولو مات من هذا المرض فتصرفه كالصحيح تماماً، والصحيح له أن يهب كل ماله، وله أن يوقف كل ماله.

    قال رحمه الله: (وإن كان مخوفاً كبرسام)؟

    تصرفات المريض في الأمراض المخوفة

    القسم الثاني: أن يكون مخوفاً كبرسام، والبرسام من المرض المخوف، وقد ذكرنا الصواب في ذلك وهو إرجاع مثل هذه الأمراض إلى العرف، وذكر المؤلف البرسام يقولون: بأنه بخار يرقى إلى الرأس ويؤثر في الدماغ، والظاهر أن البرسام هو ما يسمى بالنزيف، أي نزيف في المخ، والذي يظهر والله أعلم أنه نزيف في المخ بسبب يؤدي إلى تقطع الشرايين، فهذا يقول المؤلف رحمه الله: إنه مخوف.

    قال رحمه الله: (وذات الجنب).

    أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: من المخوف ذات الجنب وهو قروح تكون بباطن الجنب.

    قال رحمه الله: (ووجع قلب، ودوام قيام ورعاف).

    دوام قيام: الإسهال وهو المبطون.

    وقوله: (ورعاف) وهو خروج الدم من الأنف، ومثل الإسهال والرعاف، أصبح الطب يعالجها بعقاقير بسيطة، ومثله أيضًا وجع القلب، المهم أنه كما ذكرنا أن مرجع هذه إلى العرف.

    قال رحمه الله: (وأول فالج).

    الفالج هو المعروف بالشلل، وهو داء يرخي البدن.

    قال رحمه الله: (وآخر سل).

    والسل يقولون: بأنه من أمراض الشباب، ويقولون: بأنه قروح تحدث في الرئة.

    قال رحمه الله: (والحمى المطبقة)

    أي: الدائمة.

    قال رحمه الله: (والربع) تأتي في اليوم الرابع وتذهب يومين ثم تأتي بعد ذلك.

    المهم أن هذه الأمراض التي عددها المؤلف رحمه الله، نقول: يُرجع فيها إلى أعراف الناس، فالآن قد ترقى الطب، وتغيرت الأمراض، فوجدت أمراض نحكم بأنها مخوفة، وما ذكر الفقهاء رحمهم الله من هذه الأمراض وغيرها إنما هو على سبيل المثال وهي التي كانت موجودة في عصرهم.

    قال المؤلف رحمه الله: (وما قال طبيبان مسلمان عدلان: إنه مخوف).

    يشترط التعدد، والإسلام، والعدالة.

    فلو قال: طبيب واحد إنه مخوف، فهل يُقبل أو لا يُقبل؟ يقول المؤلف: لا يقبل، والصواب: أنه يقبل، وأنه يكفي واحد، ولو قال الطبيب الكافر: إنه مخوف، يقول المؤلف: لا يقبل، والصواب: أنه يقبل، والدليل على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم استأجر عبد الله بن أريقط في الدلالة من مكة إلى المدينة.

    وقوله: (عدلان) أي: لو كان هذا الطبيب فاسقاً، هل يقبل أو لا يقبل؟ يقول المؤلف رحمه الله: بأنه لا يقبل، والصحيح إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26]، القوة وهي المعرفة بأمر الطب، والأمانة وهي أن يكون أميناً على ذلك، أما التعدد والإسلام والعدالة فلا، والصواب هذان الشرطان اللذان اشترطهما الله عزّ وجل، وهما ركنا العمل: إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الأَمِينُ [القصص:26].

    قوله: (ومن وقع الطاعون ببلده) يقول المؤلف رحمه الله: إنه إذا وقع الطاعون بالبلد فإنه يخشى عليه الهلاك فتكون تبرعاته مثل صاحب المرض المخوف فليس له أن يتصرف في كل ماله، وإنما له فقط الثلث لغير وارث، وهذا هو مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومذهب الشافعي ، وهو الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا يأخذ حكم المرض المخوف، وأن عطاياه تصبح من كل المال؛ لأنه لا يخشى الهلاك والأقدار بيد الله عز وجل.

    قال رحمه الله: (ومن أخذها الطلق).

    المرأة إذا أخذها الطلق يكون حكمها مثل حكم المرض المخوف، وهذا كان في الزمن السابق أن المرأة يخشى عليها من الهلاك عند الولادة؛ لأنه قد تتعسر ولادتها فتهلك، أما اليوم فهذا غير متصور؛ إذ لو حصل لها شيء من العسر شق بطنها وأُخذ الولد -الحمد لله- وهذا بسبب ترقي الطب.

    ومن أمثلة ذلك يقولون: من كان بين الصفين عند الالتحام في القتال، ومن كان في البحر عند هيجانه؛ لكن الذي يظهر والله أعلم أن هذه أقدار بيد الله؛ لكن من قدم للقصاص، أو حبس في القتل، هذا يخشى عليه من الهلاك؛ لأن العفو بيد ولي الدم.

    قال رحمه الله: (لا يلزم تبرعه لوارث بشيء، ولا بما فوق الثلث، إلا بإجازة الورثة لها إذا مات منه، وإن عوفي فكصحيح).

    المريض إذا كان مريضاً مرضاً مخوفًا، أو كان في حكم المريض، ليس له أن يتبرع إلا بالثلث لغير وارث، إلا إذا أجاز الورثة، فلو سبل نصف المال ليكون مسجداً هل له ذلك؟

    نقول: ليس لك ذلك، إلا بإجازة الورثة، ولو أنه أعطى أحد الورثة شيئاً، مثلاً: أعطى هذا الوارث ألف ريال، نقول: لا بد من إجازة الورثة، وهذا يدلك على أن الإنسان ينبغي له أن يزهد في الدنيا؛ لأن الإنسان إذا حصل له هذا المرض أصبح محجوراً عليه، فليس لك من مالك إلا الثلث، والثلثان للورثة، أما إن أذن لك الورثة ومنّ عليك الورثة بشيء من هذا المال فلك الزيادة، فلو زدت ريالاً واحداً لا بد أن يأذن لك الورثة، فلو أعطيت وارثاً لابد أن يأذن لك الورثة.

    فبمجرد وقوع المرض أصبحت لا تملك إلا الثلث فقط، أما الثلثان فلك أن تتصرف فيهما بالتنمية بالبيع والشراء، تتصرف للورثة، تنميه للورثة -الحمد لله- نميه للورثة؛ لكن تريد شيئاً تدخره أنت لنفسك من تبرع، أو وقف، أو حبس، هل تملك ذلك؟ لا تملك ذلك، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم أرشد، لما سئل عن أفضل الصدقة، فقال: ( أن تتصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر )، يعني: تأمل الزيادة؛ لأنك صحيح، وتخشى الفقر، فينبغي للمسلم أن يقدم لنفسه وهو صحيح شحيح، ولا ينتظر حتى يقع به المرض ثم يقول: لفلان كذا، وقد كان لفلان كذا؛ لأنه لا يملك.

    قوله: (إن مات منه، وإن عوفي فكصحيح).

    لو أنه قال: نصف المال وقف لله، وهو مريض بالإيدز، أو بالسرطان، ونحو ذلك من الأمراض المخوفة، قال: نصف المال وقف لله عزّ وجل فإن مات، قال المؤلف: إن مات من المرض، نقول: ليس لك إلا الثلث فقط، إلا إن أذن لك الورثة، وإن عافاه الله عزّ وجل فهل ينفذ أو لا ينفذ؟ نقول: ينفذ، مثلاً: قال: أنا كنت أظنني سأموت فاجعلوها الثلث فقط، فإذا عوفي نفذ كل الذي سبله؛ لأنه لو سبل كل المال ثم مات، الورثة يقولون: لا ينفذ إلا الثلث، قال: أنا كنت أظنني سأموت يكفي الثلث، فإنه ينفذ الكل.

    تصرفات المرض في الأمراض الممتدة

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن امتد مرضه بجذام، أو سل، أو فالج).

    هذا القسم الثالث من أقسام الأمراض: وهو ما يسمي بالأمراض الممتدة، والأمراض الممتدة لا توجد إلا عند الحنابلة، فإن الحنابلة هم الذين أتوا بهذا القسم، أما الفقهاء رحمهم الله غير الحنابلة يقولون: مرض مخوف، ومرض غير مخوف، والحنابلة يقولون: الأمراض الممتدة وتنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يقطعها بفراش، فهذا حكمه حكم المخوف.

    القسم الثاني: ألا يقطعها بفراش فهذا حكمه حكم المرض غير المخوف.

    والصحيح: أن الأمراض إما أن تكون مخوفة، وإما أن تكون غير مخوفة، هذا الصواب، أما إحداث قسم ثالث، وهو ما يسمى بالأمراض الممتدة، فهذا ذكره الحنابلة رحمهم الله، وهذا فيه نظر، وضرب المؤلف رحمه الله مثالاً قال: (بجذام)، الجذام تآكل، يعني: قروح ترعى في الأعضاء، فتتآكل منها الأطراف، ويظهر والله أعلم أن الجذام هو ما يسمى بالغرغرينة، ويظهر أنها بسبب مرض السكر.

    قوله: (أو سل، أو فالج).

    وقد تقدمت هذه.

    قال رحمه الله: (ولم يقطعه بفراش فمن كل ماله، والعكس بالعكس).

    والصحيح في هذا القسم من الأمراض الممتدة ما عليه أكثر أهل العلم، نقول: إما أن تكون مخوفة، وإما أن تكون غير مخوفة هذا هو الصواب.

    قال رحمه الله: (ويعتبر الثلث عند موته).

    يقول المؤلف رحمه الله: نعتبر الثلث عند الموت، وهذا سيأتينا إن شاء الله في باب الوصايا بإذن الله عز وجل، متى نعتبر الثلث؟ ومتى لا نعتبر الثلث؟ هذا نعتبره ماذا؟ عند الموت؛ لأنه قد يزيد المال وقد ينقص المال، فالمعتبر هو كم تساوي التركة عند الموت؟ إذا كانت التركة تساوي ثلاثة ملايين، نقول: الثلث هو مليون، إن وهب مليوناً فأقل نفذ، فإذا وهب أكثر من مليون، نقول: لا ينفذ إلا بإجازة الورثة، وهذا سيأتينا إن شاء الله في باب الوصايا، وسنذكر الدليل عليه، ونذكر إن شاء الله أيضًا ما يتعلق بضرب الأمثلة عليه.

    1.   

    الفرق بين الوصية والهبة

    قال المؤلف رحمه الله: (ويسوي بين المتقدم والمتأخر في الوصية).

    الهبة في مرض الموت المخوف تتفق مع الوصية في أنها في الثلث لغير وارث إلا بإجازة الورثة، هنا لما كانت الهبة العطية في مرض الموت تتفق مع الوصية في هذا الحكم، أراد المؤلف رحمه الله: أن يبين الفروق بين الهبة والوصية؛ لأن هناك فروقاً بين الهبة والوصية، فأراد المؤلف أن يبينها.

    قوله رحمه الله: (يسوي بين المتقدم والمتأخر في الوصية).

    العطية يبدأ بالأول فالأول.

    وهذا إذا كان الثلث ما يسعه، نفرض أنه في الوصية وصى بمليون ريال لمسجد، ووصى بمليون ريال للجمعية، ووصى بمليون ريال للفقراء، والثلث كله مليون، هل نبدأ بالأول، أو نقول: بأنهم يتزاحمون؟ يقول المؤلف رحمه الله: (يسوي) لا فرق بين الوصية الأولى، والوصية الأخيرة، كلهم يشتركون في الثلث، لا نقول: هو قد وصى للمسجد نبدأ به إن فضل شيء أخذه الذي بعده، إن فضل شيء أخذه الثالث لا، بل نقول: يسوي بين المتقدم والمتأخر في الوصية، لماذا نسوي بين المتقدم والمتأخر؟ لأنها تبرع بالمال بعد الموت، والموت يأتي مرة واحدة، وعلى هذا نقسم الثلث بينهم بالقسط.

    مثلاً لو قال: خمسمائة ألف للمسجد، وخمسمائة ألف للفقراء، والثلث كله مائة ألف، كيف نقسم هنا؟ نجمع الوصايا، ثم ننسب كل وصية إلى مجموعة الوصايا، ونعطي كل واحد من الثلث بمقدار تلك النسبة، فمثلاً هو قال: خمسمائة ألف للمسجد، وخمسمائة ألف للفقراء، والثلث كله مائة ألف، كم مجموع الوصايا؟ مليون المسجد نعطيه نصف المائة، والفقراء نعطيهم نصف المائة أما إذا كانت هذه هبة في مرض الموت، نبدأ بالأول فالأول، فمثلاً: الثلث مليون، وأعطى المسجد مليوناً، وأعطى الفقراء مليوناً، نبدأ بأي شيء؟ نبدأ بالمسجد، فإن فضل شيء أخذه الثاني، ولهذا قال المؤلف: (يبدأ بالأول فالأول في العطية، وأما الوصية يسوى بين المتقدم والمتأخر).