إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [41]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • تثبت الشفعة فيما كان عوضه مالياً، وهي ثابتة للشريك وله أن يتراخى في وقتها بشرط ألا يلحق المشتري الجديد ضرر، وللشفعة صور، وتقدير الشفعة يكون على قدر الأملاك، وهي ثابتة في العقارات والمنقولات والثمرة والزرع، وفي حق الجار إذا كان الجاران يشتركان في شيء من حق

    1.   

    الشفعة في انتقال النصيب بعوض غير مالي

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن انتقل بغير عوض أو كان عوضه صداقاً أو خلعاً أو صلحاً عن دم عمد فلا شفعة، ويحرم التحيل لإسقاطها، وتثبت لشريك في أرض تجب قسمتها، ويتبعها الغراس والبناء لا الثمرة والزرع فلا شفعة لجار. وهي على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذاً بلا عذر بطلت، وإن قال للمشتري: بعني، أو صالحني، أو كذب العدل، أو طلب أخذ البعض سقطت، والشفعة لاثنين بقدر حقيهما، فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك، وإن اشترى اثنان حق واحد، أو عكسه، أو اشترى واحد شقصين من أرضين صفقة واحدة فللشفيع أخذ أحدهما، وإن باع شقصاً وسيفاً، أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن].

    تقدم لنا شيءٌ من أحكام الشفعة، وقبل ذلك تكلم المؤلف رحمه الله عن شيءٍ من أحكام الإتلافات، فذكر ما يتعلق بإتلافات السباع الضارية، وكذلك ما يتعلق بإتلافات بهيمة الأنعام، وأيضاً ما يتعلق بإتلاف المحرمات، وبعد ذلك ذكر المؤلف رحمه الله: تعريف الشفعة، وذكرنا تعريفها في اللغة والاصطلاح، وأن الأصل فيها السنة، والإجماع بالجملة، وأن الإجماع يحكى في مشروعيتها.

    وتقدم لنا شيءٌ من شروطها، وذكرنا الشرط الأول: أن يكون النصيب انتقل بعوضٍ مالي، وذكرنا أن انتقال النصيب لا يخلو من أمور:

    الأمر الأول: أن يكون انتقاله عن طريق الميراث، فهذا لا تثبت به الشفعة إجماعاً.

    والأمر الثاني: أن يكون انتقاله عن طريق البيع، فهذا تثبت به الشفعة.

    والأمر الثالث: أن يكون انتقاله عن طريق الهبة وغير ذلك، يعني: يكون انتقاله بغير عوض، فهذا أيضاً لا تثبت به الشفعة.

    بقينا في القسم الرابع: وهو أن يكون انتقال الشقص أو النصيب بعوضٍ غير مالي، فقال المؤلف رحمه الله: (فإن انتقل بغير عوضٍ، أو كان عوضه صداقاً، أو خلعاً، أو صلحاً عن دم عمدٍ فلا شفعة).

    يعني: إذا كان انتقال النصيب بعوضٍ غير مالي -كما سيأتي بأمثلة المؤلف رحمه الله- فالمشهور من المذهب: أن الشفعة لا تثبت، ولهذا قال: (أو كان عوضه صداقاً أو خلعاً)، وهذا مذهب الحنفية، فإذا كان العوض غير مالي فلا شفعة، واستدلوا على ذلك بأن الشفعة إنما وردت في البيع، والبيع العوض فيه مال، فلا تثبت الشفعة إلا فيما كان عوضه مالياً.

    الرأي الثاني: وهو رأي المالكية والشافعية أن الشفعة تثبت فيما كان عوضه غير مالي إلحاقاً لهذه الأشياء في البيع، والذي يظهر والله أعلم أن الرأي الثاني هو الأقرب، فما دام أن النصيب انتقل بعوض، فالذي يظهر والله أعلم أن الشفعة تثبت، والنبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، وكونه ورد في البيع فهذا يحدث التخصيص.

    انتقال النصيب بالصداق

    ذكر المؤلف رحمه الله أمثلة فقال: (أو كان عوضه صداقاً) فهنا العوض ليس مالياً.

    مثال ذلك: رجلان شريكان في أرض، ولنفرض أنهما زيد وعمرو، زيد تزوج فاطمة فأعطاها مهراً نصيبه من هذه الأرض، فهنا العوض ليس مالياً، إنما العوض هو الاستمتاع بالزوجة، وأعطاها هذا النصيب مهراً مقابل الاستمتاع، فهنا الآن انتقل النصيب إلى فاطمة بعوض، هو الاستمتاع بهذه المرأة، وعلى هذا لا تثبت به الشفعة.

    انتقال النصيب بالخلع

    قوله: (أو خلعاً)، أيضاً هنا انتقل النصيب بعوض غير مالي، وهو الخلع.

    مثال ذلك: هذه الأرض شركة بين زيد وفاطمة، فاطمة أرادت أن تخلع نفسها من زوجها عمرو فأعطته نصيبها من هذه الأرض، فهنا النصيب انتقل إلى الزوج، لكنه ليس هناك عوض مالي؛ ما دفع شيئاً، وإنما هو افتكاك المرأة من هذا الزوج فأعطته هذا النصيب، فعلى كلام المؤلف رحمه الله لا تثبت الشفعة للشريك، فلو أراد الشريك أن يشفع على الزوج لا تثبت له الشفعة؛ لأنه انتقل إليه النصيب بعوض غير مالي، هو فك الزوجة فقط.

    انتقال النصيب بالصلح عن دم عمد

    قوله: (أو صلحاً عن دم عمدٍ).

    أيضاً هنا انتقل النصيب بعوض غير مالي، وهو صلح عن دم عمد، وصورة المسألة: زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، ثم إن زيداً قتل صالحاً عمداً، فالواجب القصاص أو الدية، وأهله بالخيار بين القصاص وبين الدية، فصالحهم على ترك القصاص مقابل أن يعطيهم نصيبه من هذه الأرض، فهل لشريك زيد -عمرو- أن يشفع على ورثة الدم أو ليس له أن يشفع؟ ليس له أن يشفع؛ لأن النصيب هنا انتقل إلى ورثة الدم بعوض غير مالي، وهو: افتكاك الشريك من القصاص، فليس لشريكه أن يشفع، فيقول المؤلف رحمه الله: الشريك ليس له أن يشفع في مثل هذه الصور؛ لأن انتقال النصيب هنا بعوض غير مالي.

    وإذا قلنا: له أن يشفع، فإنه يقدر مثل هذه الأشياء، يُقدر النصيب كم يساوي ويعطى، فمثلاً في الصداق: زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، زيدٌ تزوج فاطمة وأمهرها نصيبه من هذه الأرض، فلشريكه عمرو أن يشفع على فاطمة، فينظر كم قيمة النصيب ويعطيها لفاطمة ويستقل به، وذكرنا أن هذا هو الأقرب في هذه المسألة.

    1.   

    الحيل لإسقاط الشفعة

    قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم التحيل لإسقاطها).

    يقول المؤلف: يحرم التحيل لإسقاط الشفعة، وهكذا سائر الحقوق، فسائر حقوق المعصومين يحرم التحيل لإسقاطها؛ لأن في هذا شبهاً باليهود، فاليهود هم الذين يستحلون محارم الله بأدنى الحيل، فالتحيل لإسقاط الحقوق والواجبات، أو لفعل المحرمات، هذا كله محرم لا يجوز.

    مثال ذلك: زيد وعمرو شريكان في هذه الأرض، وصالح يريد أن يشتري نصيب عمرو، ولو أن عمراً باع على صالح، فزيد له أن يشفع، فلكي لا يشفع الشريك يظهران أن انتقال النصيب لا عن طريق البيع، ولكن عن طريق الهبة، فيظهران أن عمراً وهب النصيب لصالح، وصالح يهبه شيئاً من الدراهم مقابل النصيب، فهما يظهران أنها هبة لكي لا يشفع، فهذا من باب التحايل، وهذا محرم لا يجوز.

    ومن صور حيل الإسقاط: النصيب يساوي خمسين ألفاً، فيظهران أن الثمن سبعون ألفاً، فإذا كان الثمن سبعين ألفاً فإن الشريك لن يشفع في السبعين ألفاً، وهما في الباطن على خمسين ألفاً، فهذا كله من التحيل على إسقاط حق المعصوم، وهو محرم ولا يجوز.

    1.   

    الشرط الثاني: أن يكون الشفيع شريكاً

    قال المؤلف رحمه الله: (وتثبت لشريكٍ في أرضٍ تجب قسمتها).

    الشرط الأول كما تقدم: أن يكون النصيب انتقل بعوضٍ مالي، وذكرنا الأقسام تحت هذه المسألة.

    والشرط الثاني قال: (وتثبت لشريك)، يعني: أن يكون الشفيع شريكاً، وعلى هذا هل تثبت الشفعة للجار، أو لا تثبت له الشفعة؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: أن الشفعة لا تثبت للجار، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، وهو قول أكثر أهل العلم، واستدلوا على ذلك بحديث جابر: (إنما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الشفعة للشريك).

    الرأي الثاني: أن الشفعة تثبت للجار، وهذا رأي الحنفية، واستدلوا بحديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الجار أحق بشفعة جاره ينتظره بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحد )، رواه أبو داود والترمذي وحسنه الترمذي، وأيضاً استدلوا على ذلك بحديث سمرة : ( جار الدار أحق بالدار )، رواه الإمام أحمد ، وفي صحيح البخاري: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الجار أحق بسقبه )، والسقب: هو ما قارب الأرض، أو لاصقه.

    الرأي الثالث: وهو رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الجار له حق الشفعة إذا كان الجاران يشتركان في شيءٍ من حقوق الملك، كما لو كانا يشتركان في الطريق، أو يشتركان في المال، أو يشتركان في جدار أو غير ذلك، المهم أنهما يشتركان في شيءٍ من حقوق الملك، ويدل له ما تقدم من حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الجار أحق بشفعة جاره ينتظر بها وإن كان غائباً إذا كان طريقهما واحد )، وهذا القول هو الأقرب؛ لأنهما إذا كانا يشتركان في شيءٍ من حقوق الملك، فإنه قد يحصل ضرر من المنازعات والانقسامات، أما إذا كان كلٌ منهما منفصلاً عن الآخر، فالضرر هنا فيه شيءٌ من البعد، فما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله هو الأقرب، وهو رواية عن الإمام أحمد .

    1.   

    الشرط الثالث: أن تكون الشفعة في عقار

    أيضاً قال المؤلف رحمه الله: (في أرضٍ تجب قسمتها).

    هذا الشرط الثالث: أن تكون الشفعة في عقار، وهذا العقار أيضاً يجب قسمته، ويتفرع على هذا الشرط مسألتان:

    المسألة الأولى: هل تثبت الشفعة في المنقولات أم أنها خاصةٌ بالعقارات؟

    رأي المؤلف رحمه الله، وهو قول أكثر أهل العلم: أن الشفعة تثبت في العقار ولا تثبت في المنقول، واستدلوا على ذلك بحديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة )، فقوله: (فإذا وقعت الحدود)، فالحدود لا تكون إلا في العقار.

    والرأي الثاني: أن الشفعة تثبت حتى في المنقولات، وهذا رأي الظاهرية، ويستدلون بصدر الحديث: (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم).

    وأيضاً الحكمة من الشفعة: هي دفع الضرر المتوقع من الشريك الجديد، وهذا كما يكون في العقار يكون في المنقول، فقد يكون هناك شريكان في سيارة تساوي آلاف الريالات، سيارة للتحميل مثلاً، فتثبت فيها الشفعة، وهذا القول فيما يظهر -والله أعلم- هو الأقرب.

    وقوله: (تجب قسمتها) يؤخذ من ذلك أن العقار الذي لا تجب قسمته لكونه صغيراً، لأنه كما سيأتينا إن شاء الله في باب القسمة: عقارٌ يجب أن يقسم، وعقار لا يجب أن يقسم، يقول: فالعقارات الصغيرة هذه لا يجب أن تقسم كالأرض الصغيرة، فمثلاً لو كان عندنا أرض تساوي مائة متر، هذه لا يمكن أن تقسم؛ لأنها لو قسمت، فكم سيأخذ كل واحد؟ يأخذ خمسين متراً، ماذا يفعل بها؟! فهذه ما تقسم.

    والمؤلف يقول: الشفعة تجب في العقار الذي يقسم، أما الأشياء الصغيرة التي لا يمكن أن تقسم فهذه لا شفعة فيها، وهذا ما ذهب إليه الشافعية.

    والرأي الثاني: مذهب الحنفية والمالكية: أن الشفعة تجب فيها، وهذا القول هو الصواب؛ فالشفعة تجب فيها من باب أولى، فإذا ثبتت الشفعة فيما يقسم فالذي لا يقسم من باب أولى أن تثبت فيه الشفعة؛ لأن الذي يقسم يمكن دفع ضرر الشريك في القسمة، يعني: يمكن للشريك القديم لو أثبتنا فيه الشفعة أن يدفع الضرر بالمقاسمة، فأرض واسعة كبيرة يمكن أن تقسم؛ لكن الأرض الصغيرة هذه ما يمكن أن تقسم، ولا يمكن أن ندفع الضرر بالقسمة، فيظهر والله أعلم أن الراجح ما ذهب إليه أهل الرأي الثاني وهم الحنفية والمالكية، وأيضاً يؤيد ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم)، وأما حديث عثمان : ( لا شفعة في بئر، ولا فحل )، فهذا ضعيف لا يثبت.

    1.   

    ما يتبع الأرض في الشفعة

    قال رحمه الله: (ويتبعها الغراس والبناء لا الثمرة والزرع فلا شفعة لجار).

    يقول المؤلف رحمه الله: الغراس والبناء يتبعان الأرض في الشفعة، فمثلاً: لو أن زيداً وعمراً شريكان في مزرعة فيها زرع وفيها أشجار، وعمرو باع نصيبه على صالح، فزيد يشفع في الأرض، ويشفع في الغراس أو في البناء الذي عليها، المشتري -يعني: صالح- اشترى نصيب عمرو من الأرض وما عليها من بناء أو غراس، فلو أن صالحاً المشتري قال لزيد: شفع في الأرض، والغراس والبناء لي، هل يُمكَّن من ذلك أو لا يمكن؟

    نقول: لا يمكن؛ لأن هذه الأشياء -كما تقدم- تطول مدتها ويلحقه ضرر، فالشفيع إذا شفع في الأرض يبقى المشتري يأخذ الغراس والبناء، فالضرر موجود هنا ويعظم، فتثبت الشفعة في الغراس والبناء تبعاً للأرض.

    قوله: (لا الثمرة والزرع) فالثمرة والزرع لا يدخلان في الشفعة، فمثلاً: لو أن زيداً وعمراً شريكان في أرض، زرعا هذه الأرض براً، وعمرو باع نصيبه على صالح، فزيد يشفع في الأرض فقط، والزرع لا يشفع فيه، بل يبقى للمشتري الجديد، فيبقى لصالح؛ لأن الزرع مدته لا تطول؛ لكن كما قلنا: الصحيح أن الشفعة تثبت في كل شيء حتى في المنقولات، فنقول: الصحيح أن الشفعة تثبت حتى في الزرع، وهذا هو الصواب.

    ومثله أيضاً الثمرة، فلو كان في هذه الأرض ثمرة، مثلاً: فيها ثمرة طماطم، أو باذنجان، أو نحو ذلك، وباع هذا الشريك نصيبه، فيقول المؤلف: الشفعة في الأرض، أما الثمرة فإنها تكون للمشتري الشريك الجديد، ولا تثبت فيها الشفعة، والصواب في ذلك: أن الشفعة ثابتة حتى في الثمرة، وحتى في الزرع لما تقدم أن الشفعة تبثت في كل شيء، تثبت في الغراس، وفي البناء، وفي المنقولات.. إلى آخره، هذا هو الصواب في هذه المسألة.

    قوله: (فلا شفعة لجار)، هذا تقدم الكلام عليه، وذكرنا أن هذه المسألة فيها ثلاثة آراء.

    1.   

    وقت الشفعة واختلاف العلماء فيه

    قال المؤلف رحمه الله: (وهي على الفور وقت علمه، فإن لم يطلبها إذاً بلا عذرٍ بطلت).

    الشرط الرابع من شروط صحة الشفعة: أن يشفع على الفور ساعة علمه، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو مذهب أبي حنيفة والشافعي ، فلابد من الشفعة على الفور، واستدلوا على ذلك ببعض الأحاديث التي لم تثبت مثل ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال:( الشفعة كحل العقال ) في سنن ابن ماجه ، أو ( الشفعة لمن واثبها ) فهذه لم تثبت.

    الرأي الثاني: أن الشفعة تجوز على التراخي، وهذا مذهب المالكية والظاهرية، فالمالكية يقولون: له أن يتراخى إلى سنة، والظاهرية يقولون: لا حد له، ويستدلون بحديث جابر (أن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالشفعة في كل ما لم يقسم)، وهذا يشمل ما إذا أخذ بالشفعة على الفور أو أخذ بها على التراخي.

    والصواب في ذلك: أنه لا ضرر ولا ضرار؛ لأنه لو قلنا بأن الشفعة على التراخي، فهنا يلحق الضرر بالمشتري، فالشريك الجديد يلحقه ضرر؛ لأنه لا يدري متى يأخذ الشريك، فقد يأخذ اليوم وقد يأخذ غداً، فيكون ملكه معلقاً فيلحقه ضرر، والشفعة إنما شرعت لإزالة الضرر، فلا يزال الضرر بمثله، وهذه قاعدة فقهية: أن الضرر لا يزال بمثله، أي: لا يدفع الضرر بضررٍ مثله.

    فلا نقول كما يقول المؤلف رحمه الله: أنه لابد أن يشفع على الفور، وسيأتي شيءٌ من الأمثلة على ذلك، فهم يقولون: إذا علم بالليل لا بأس أن ينتظر للصباح، أو مثلاً: إذا كان محتاجاً للأكل، فيأكل ثم يشفع، أو محتاجاً للشرب، فيشرب ثم يشفع، أو سيصلي ثم يشفع.. إلى آخره، يعني: لا بأس أن يتراخى في الأشياء اليسيرة، أما غيرها فليس له ذلك، وهذا كما ذكرنا هو ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله.

    وذكرنا الرأي الثاني: رأي المالكية والظاهرية، والصواب أن نقول في ذلك: إن الشفعة ثابتة للشريك، ويجوز له أن يتراخى بشرط ألا يلحق المشتري الجديد ضرر، فإن لحقه ضرر فإنه لابد أن يبادر؛ إما أن يأخذ بالشفعة، وإما أن يترك، أما كونه يتراخى فليس له ذلك، فمثلاً: لو تراخى إلى يوم أو يومين لكي ينظر هل عنده مال ولكي يستشير فينظر ما هو الأصلح له، فهذا لا بأس به، أما كونه يتأخر لمدة أسبوع، أو لمدة شهر ونحو ذلك، فهذا يلحق الضرر بالمشتري الجديد.

    قال رحمه الله: (وإن قال للمشتري: بعني أو صالحني أو كذب العدل، أو طلب أخذ البعض سقطت).

    هذه الأمثلة ذكرها المؤلف رحمه الله وكلها مترتبة على القول بأن الشفعة تجب على الفور.

    فلو قال للمشتري: بعني ما اشتريت ولم يقل: شفعني، فقد سقطت الشفعة؛ لأنه ما أخذ بها على الفور، فالواجب أن يقول: شفعني ولا يقل: بعني.

    أو قال الشريك للمشتري: صالحني، يعني: بدلاً من أن آخذ بالشفعة؛ أعطني ألف ريال على الشفعة ولا أشفع.

    وتقدم لنا في باب الصلح أن الصلح عن حق الشفعة لا يصح على المذهب، وقلنا: بل الصواب أنه يصح؛ لأن هذا حق مالي، وعلى هذا لو قال: أعطني ألف ريال ولا أشفع، فإنه يسقط حقه من الشفعة؛ لأنه لم يبادر ويشفع على الفور.

    قوله: (أو كذب العدل) جاء شخص وقال: شريكك باع فاشفع، قال: لا، كذبت، ما باع، فقال: لا، بل باع، قال: ما باع، سقطت شفعته أو ما تسقط؟ يقول لك المؤلف: سقطت الشفعة، لما أخبره عدل؛ لأن خبر العدل أقل شيء أنه يفيد الظن والصدق، نعم يحصل له غلبة الظن بالصدق، فالواجب أن يكون لبيباً، ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله: أنه لو كان الذي أخبره غير عدل، كأن يكون فاسقاً قال: شريكك باع، فقال: كذبت، ما باع، هل تسقط الشفعة أو لا تسقط الشفعة؟ قال: الشفعة لا تسقط؛ لكن لو كذب العدل سقطت.

    قوله: (أو طلب أخذ البعض سقطت)، يعني قال للمشتري: أنت اشتريت النصيب، والنصيب يساوي ألف متر، فأعطني خمسمائة ولك الباقي، فهل له ذلك أو ليس له ذلك؟ ليس له ذلك، وسقطت شفعته؛ لأنه لم يبادر بالأخذ بالشفعة.

    كل هذه الصور مبنية على ما تقدم من أن الشفعة على الفور، لكن إذا قلنا: بأنها ليست على الفور فلا تسقط الشفعة بمثل هذه الأشياء، لكن قلنا: الصواب أنها على التراخي ما لم يلحق المشتري الجديد ضرر، فإن لحقه ضرر بالتأخير. فيقال له: إما أن تشفع وإلا سقطت شفعتك؛ لأن الضرر لا يزال بمثله.

    1.   

    الشفعة على قدر الأملاك

    قال رحمه الله: (والشفعة لاثنين بقدر حقيهما، فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك).

    اختلاف العلماء في تقدير الشفعة

    الشفعة على ما ذهب إليه المؤلف، وهو المذهب وقول جمهور أهل العلم: أنها على قدر الأملاك وليست على قدر الرءوس، وهذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله بخلاف الحنفية الذين يقولون بأنها على قدر الرءوس، والصواب: ما ذهب إليه الجمهور؛ لأن حق الشفعة حقٌ يستفاد بسبب الملك، فإذا كان يستفاد بسبب الملك فتكون الشفعة على قدر الأملاك، يعني صورة المسألة: ثلاثة شركاء في أرض، زيد وعمرو وصالح، زيد له النصف، وعمرو له الثلث، وصالح له الباقي وهو السدس، فمسألتهم من ستة، فعندك سدس وثلث بينهما تداخل، وسدس ونصف بينهما تداخل، فالمسألة من ستة، صاحب النصف يأخذ ثلاثة، وصاحب الثلث يأخذ اثنين، وصاحب السدس له سهمٌ واحد.

    زيد باع نصيبه على محمد، الآن يشفع الشريكان، فصاحب الثلث يأخذ اثنين من ثلاثة، يعني: يأخذ الثلثين، فيشفع في الثلثين، وصاحب السدس له واحد من ثلاثة، فله السدس، فهذا يشفع في الثلثين، فيأخذ ثلثي النصيب، فأصبح له اثنان واثنان، أي: أربعة، وصاحب السدس يشفع في السدس، فله سهم واحد، فيصير له اثنان، فهذه ستة.

    فزيد الآن باع نصيبه النصف ثلاثة أسهم، صاحب الثلث الذي هو اثنان له ثلثا النصيب، وصاحب السدس الذي هو واحد له ثلث النصيب، هذا إذا قلنا: بأنها على قدر الملك.

    وإذا قلنا: بأنها على قدر الرؤوس، فيقسم بينهما، فيكون لصاحب الثلث نصف الثلاثة واحد ونصف، والصواب كما ذكرنا: أن الشفعة على قدر الأملاك؛ لأنها حقٌ يستفاد بسبب الملك، وإذا كانت مرتبة على الملك فإنها تكون على قدر الأملاك.

    والحنفية والظاهرية يقولون بأنها على قدر الرؤوس، يقولون: لأن السبب هو المشاركة في العقار، وكلٌ منهم شريك في العقار؛ لكن الصحيح هو قول جمهور أهل العلم، وإن كانوا يشتركون في العقار؛ لكن أيضاً عندنا سبب آخر، وأن السبب الذي استفيدت به الشفعة هو الملك، وليس مجرد المشاركة.

    قوله: (فإن عفا أحدهما أخذ الآخر الكل أو ترك). في الصورة السابقة زيد هو الذي باع نصيبه، قال صاحب الثلث: الثلث لعمرو، والسدس لمحمد، والبيع على صالح، قال صاحب الثلث: أنا لن أشفع وليس عندي دراهم، فماذا نقول لمحمد إذا قال: أنا لي سهم واحد، وسأشفع بواحد من ثلاثة، ويبقى اثنان للمشتري؟ فهل يقبل قوله أو نقول بأن قوله غير مقبول؟ قوله غير مقبول؛ لأن فيه ضرراً على المشتري، والضرر لا يزال بالضرر إلا إذا رضي المشتري فالأمر إليه، فإن رضي فالحمد لله، وإن لم يرض فنقول للشريك الثالث: إما أن تأخذ بنصيبك ونصيب الشريك زميلك، أو تترك الشفعة.

    1.   

    من صور الشفعة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن اشترى اثنان حق واحدٍ أو عكسه، أو اشترى واحدٌ شقصين من أرضين صفقةً واحدة فللشفيع أخذ أحدهما).

    هذه ثلاث صور:

    الصورة الأولى: قال: (إن اشترى اثنان حق واحد)، زيد وعمرو شريكان في أرض، وعمرو باع نصيبه على محمد وصالح، فكيف يشفع زيد؟ له أن يشفع على المشتري محمد، وله أن يشفع على المشتري صالح، وله أن يشفع على كلٍ منهما، والعلة في ذلك أن العقد مع اثنين بمنزلة عقدين.

    وقوله: (أو عكسه)، اشترى واحدٌ حق اثنين صفقة، فللشفيع أن يأخذ بأحدهما، فالشركاء الآن ثلاثة زيد وعمرو وصالح، زيد وعمرو باعا على محمد، وصالح الآن هو الذي يشفع، فله أن يشفع بنصيب عمرو، وله أن يشفع بنصيب زيد، وله أن يشفع بالنصيبين جميعاً، إذاً: له أن يأخذ النصيبين جميعاً، وله أن يأخذ أحد النصيبين؛ لأنه كما تقدم العلة في ذلك أن تعدد البائع كتعدد المشتري، فهاتان صورتان.

    الصورة الثالثة: (أو اشترى واحدٌ شقصين من أرضين صفقةً واحدة فللشفيع أخذ أحدهما)، زيد وعمرو شريكان في أرض لهما في مكة وأرض في المدينة، زيد باع نصيبه من أرض مكة وأرض المدينة على صالح، فعمرو له أن يشفع بأرض مكة، وله أن يشفع بأرض المدينة، وله أن يشفع بالأرضين جميعاً.

    فهذه ثلاث صور، فله أن يشفع بهذه الأرض وبهذه الأرض؛ لأن الضرر قد يلحقه بأرض دون أخرى.

    قال رحمه الله: (وإن باع شقصاً وسيفاً، أو تلف بعض المبيع، فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن).

    إذا باع شقصاً يعني: نصيباً من أرضه، وسيفاً المقصود أنه منقول، فالشريك يشفع في العقار، أما المنقول فهم لا يرون فيه شفعة.

    فصورة المسألة: هذا زيد وعمرو شريكان في أرض وشريكان في سيارة، زيد باع نصيبه من الأرض ومن السيارة على محمد، فعمرو له أن يشفع في الأرض، أما السيارة فلا يشفع فيها؛ لأنها من المنقولات.

    قوله: (أو تلف بعض المبيع فللشفيع أخذ الشقص بحصته من الثمن) مثلاً: زيد وعمرو شريكان في هذه الدار، زيد باع نصيبه على محمد، انهدم بعض الدار، ثم باع نصيبه فالشريك -عمرو- له أن يشفع بالباقي.