إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [32]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أنواع الشركات الجائزة الوجوه والأبدان والمفاوضة، فشركة الوجوه تتضمن الكفالة والوكالة، ويكون الملك بينهما على ما شرطاه، والخسارة على قدر الملكية. وشركة الأبدان تتضمن الاشتراك في العمل والكسب، ويكون الكسب بينهما بالتراضي. أما شركة المفاوضة فقد تكون مضارب

    1.   

    شركة الوجوه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [فصلٌ: الثالث: شركة الوجوه: أن يشتركا في ذمتيهما بجاهيهما فما ربحا فبينهما، وكل واحد منهما وكيل صاحبه وكفيل عنه بالثمن، والملك بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما، والربح على ما شرطاه.

    الرابع: شركة الأبدان، أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما، فما تقبله أحدهما من عملٍ يلزمهما فعله، وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات، وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما، وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه.

    الخامس: شركة المفاوضة: أن يفوض كلٌ منهما إلى صاحبه كل تصرف مالي وبدني من أنواع الشركة، والربح على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال، فإن أدخلا فيها كسبًا، أو غرامةً نادرين، أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصبٍ ونحوه فسدت.

    باب المساقاة: تصح على شجر له ثمرٌ يؤكل].

    تقدم لنا فيما سلف شركة المضاربة، وذكرنا تعريف المضاربة في اللغة والاصطلاح، وأيضاً ما يتعلق بشروط المضاربة، وأيضاً ما يتعلق بقسمة الربح.

    ضابط شركة الوجوه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصلٌ: الثالث: شركة الوجوه: أن يشتركا في ذمتيهما بجاهيهما فما ربحا فبينهما).

    هذا النوع الثالث من أنواع الشركة، وهي شركة الوجوه.

    والمراد بالوجوه: الجاه، والجاه هو الشرف والقدر.

    وأما في الاصطلاح: فهي أن يشتركا في ذمتيهما بجاهيهما.

    وصورة شركة الوجوه هي كما عرفها المؤلف رحمه الله: أن يشتركا في ذمتيهما بجاهيهما، وذلك بأن يكون هناك شخصان فأكثر لهما قدر وشرف عند الناس، فيأخذا من الناس وليس عندهما مال يشتركان فيه، لكن يأخذا من التجار أموالاً في الذمة ويعملان بهذا المال، هذه تسمى شركة الوجوه.

    وشركة الوجوه كما قال المؤلف رحمه الله: (فما ربحا فبينهما).

    الربح كما في القاعدة على حسب الشرط، وأما الوضيعة فعلى قدر ملكيهما.

    حكم العلماء في شركة الوجوه

    وشركة الوجوه هل هي جائزة أو ليست جائزة؟

    في المشهور من مذهب الإمام أحمد أنها جائزة، وعند المالكية والشافعية أنها ليست جائزة، المذهب ومذهب الحنفية أنها جائزة؛ علتهم في ذلك يقولون: لأنها عبارة عن وكالة عن الشركاء الباقين في البيع والشراء، يعني: هي تتضمن الوكالة وتتضمن الكفالة، فكل من الشركاء كفيل عن الآخر بالثمن، ووكيل عن الآخر بالتصرف، هما الآن أخذا في ذمتيهما أموالاً يعملان بهذا المال، الشركاء اثنان أو ثلاثة، كل واحد من الشركاء كفيل للشريك الآخر، بمعنى: أن صاحب المال يطالب هذا الشريك أصالة عن نفسه.

    وأيضاً كفالة عن شركائه، فهو كافل لشركائه، والكفالة جائزة، وأيضاً هي وكالة، فإن الشريك يتصرف بهذا المال بالنسبة لنفسه أصالة، وبالنسبة لنصيب شركائه هو وكيل عنهم يتصرف عنهم.

    والرأي الثاني: رأي المالكية والشافعية، قالوا: ليست جائزة؛ لأن الشركة تقوم على المال والعمل، وكلاهما معدوم، ولكن هذا غير صحيح، فالمال موجود، وكذلك أيضاً العمل موجود.

    تكييف تصرف الشريكين في شركة الوجوه

    قال المؤلف رحمه الله: (وكل واحد منهما وكيل صاحبه).

    أي: في التصرف هو وكيل عنه، يعني: يتصرف في هذا المال بالنسبة لماله أصالةً، وبالنسبة لمال شريكه وكالة.

    قال: (وكفيل عنه بالثمن).

    يعني: أن صاحب المال الذي أقرض هؤلاء يطالب هذا الشريك أصالةً عن نفسه، وأيضاً يطالبه كفالةً عن شركائه، فهو كفيلٌ لشركائه، فهي تجمع بين الوكالة فيما يتعلق بالتصرف، وبين الكفالة فيما يتعلق بضمان المال، فصاحب المال يملك مطالبة كلٍ من الشركاء بجميع المال.

    ضابط الملكية والخسارة في شركة الوجوه

    قال المؤلف رحمه الله: (والملك بينهما على ما شرطاه، والوضيعة على قدر ملكيهما).

    يعني: هذان الرجلان اللذان لهما قدر وشرف عند الناس، إذا أخذا أموالاً في ذمتيهما يعملان فيهما على حسب الشرط، قال أحدهما: لي النصف ولك النصف، أو لي ثلاثة أرباع المال ولك الربع، فالملك على حسب الشرط، والوضيعة هي الخسارة على حسب قدر المال.

    فلو خسرت، وأحدهما له ثلاثة أرباع، والآخر له ربع فعلى حسب قدر المال، والربح على ما شرطاه -كما سلف- لأن المسلمون على شروطهم؛ ولأن أحدهما قد يكون أخبر بالعمل والتجارة فيشترط أكثر، فنقول: هذا صحيح.

    أو قد يكون أحدهما أكثر مالاً فيشترط أكثر ربحًا، فنقول: هذا صحيح أيضاً.

    1.   

    شركة الأبدان

    قال رحمه الله: (الرابع: شركة الأبدان: أن يشتركا فيما يكتسبان بأبدانهما، فما تقبله أحدهما من عملٍ يلزمهما فعله).

    هذا النوع الرابع من أنواع الشركة وهي شركة الأبدان، وشركة الأبدان نوعان:

    النوع الأول: الاشتراك في العمل. النوع الثاني: الاشتراك في الكسب.

    أو نقول: النوع الأول: الاشتراك من قِبل أصحاب الحِرف والمهن.

    والنوع الثاني: الاشتراك في الكسب.

    اشتراك أصحاب الحرف والمهن

    النوع الأول: اشتراك أصحاب الحِرف والمهن، وهذا النوع جائز عند جمهور العلماء رحمهم الله تعالى خلافًا للشافعية، فمثلاً: إذا اشترك الحدادون، أو اشترك البناءون، أو اشترك الذين يعملون في إصلاح الكهرباء، أو استصلاح مواسير المياه، يصح ذلك. فالحدادون الذين يعملون في هذه العمارة، أو الخياطون أو الطباخون أو غير ذلك، يشتركون وما رزقهم الله فهو بينهم على حسب الشرط.

    وهل يُشترط اتحاد الصناعة، أو نقول بأن هذا ليس شرطاً؟ للعلماء رأيان:

    الرأي الأول: أنه يُشترط الاتحاد في الصناعة، فلا يصح أن يشترك الحدادون والبناءون، وهذا قال به المالكية رحمهم الله.

    والرأي الثاني: وهو المشهور من المذهب، أنه لا يُشترط اتحاد الصناعة، فمثلاً: لو اشترك بناءٌ وكهربائي، أو سباك أو مهندس وطبيب، اشتركا أن يعملا وما يكتسبان فهو بينهما، نقول: هذا صحيح، وهذا هو الصواب؛ لأن الأصل في الشركات الحِل.

    هذا النوع الأول من نوعي شركة الأبدان، وهي الاشتراك في الحِرف والمهن، وهذا باب واسع، وجواز مثل هذا من محاسن الشريعة؛ لأن هذا الشخص قد يجد عملاً والآخر قد لا يجد، قد يجد البناء عملاً لكن السباك ما وجد شيئاً اليوم، فما اكتسب أو اكتسب أحدهما فإنه يكون بينهما على حسب الشرط، وفي هذا من التعاون ما هو ظاهر.

    الاشتراك في الكسب من المباحات

    النوع الثاني من نوعي الشركة: الاشتراك فيما يتكسبان من المباحات، كأن يخرجا للصيد، وما يصيدا فهو بينهما، أو يخرجا إلى البحر وما يستخرجا من معادن أو صيد أو جواهر فهو بينهما، أو يخرجا إلى الصحراء وما يكتسبا ويحصلا من حطب أو حشيش ونحو ذلك فهو بينهما، فهذا النوع الثاني من نوعي الشركة وهي أيضاً جائزة، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضا رأي المالكية.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية والحنفية أن هذه غير جائزة.

    والصواب في هذه المسألة: أن هذا جائز لا بأس به، لأن الأصل في الشركات الحِل، وهذا فيه من التعاون على الخير وعلى البر والتقوى ما هو ظاهر، ولا شك أنهما إذا خرجا للصيد جميعاً قد يُحصِّل أحدهما ولا يُحصِّل الآخر، فيشتركان فيه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فما تقبله أحدهما من عملٍ يلزمهما فعله). لأن شركة الأبدان لا تنعقد إلا على ذلك.

    فمثلاً: إذا فتحا ورشةً لإصلاح السيارات، أو لإصلاح الآلات الكهربائية، فما تقبله أحدهما، يعني عقده أحدهما مع من يريد إصلاح هذه الآلة أو هذه المركبة فإنه يلزم جميع الشركاء؛ لأن كل واحد من الشركاء وكيل عن الآخر، فهو يتصرف بالنسبة لنفسه أصالةً، وأما بالنسبة لشريكه فعلى سبيل الوكالة، فهي كما تقدم تجمع الوكالة والكفالة، كل منهما وكيل بالنسبة للتصرف، وأيضاً كفيل بالنسبة للضمان.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وتصح في الاحتشاش والاحتطاب وسائر المباحات).

    وهذا هو النوع الثاني من نوعي الشركة في اكتساب المباحات، وذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى فيها.

    مآل الكسب إذا حصل مرض أو عذر لأحد الشريكين

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن مرض أحدهما فالكسب بينهما، وإن طالبه الصحيح أن يقيم مقامه لزمه).

    إذا مرض أحدهما أو حصل له عذر في ترك العمل ثم حصل كسب فالكسب بينهما، فإذا ترك أحدهما العمل في شركة الأبدان فهذا لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يترك العمل لعذر، فإذا ترك العمل لعذر ثم حصل كسب فإن الكسب بينهما، لكن لغير المعذور أن يطالب المعذور أن يقيم مقامه من يعمل، إذا كان لا يتمكن من العمل بسبب مرض أو غير ذلك فله أن يطالبه، أو أنه يستقل بالربح هذا إذا كان معذورًا.

    الأمر الثاني: أن يكون ترك العمل لغير عذر، فأيضاً المشهور من المذهب: أن الربح والكسب بينهما.

    والذي يظهر والله أعلم: أنه إذا تعمد ترك العمل لا يستحق الربح إلا برضا الآخر، اللهم إلا إذا كان شيئًا يسيرًا، لكن كونه يتعمد ترك العمل فيظهر والله أعلم أنه لا يستحق.

    ومن ذلك أيضاً لو اشتركا، أحدهما منه السيارة، والآخر منه العمل، يعني: يعطيه السيارة لكي يُحمل عليها، أو لكي يؤجر عليها وما كسب فهو بينهما، هذا له النصف وهذا له النصف، أو هذا له الربع وهذا له ثلاثة أرباع، فهذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    1.   

    شركة المفاوضة

    قال رحمه الله: (الخامس: شركة المفاوضة، أن يفوض كلٌ منهما إلى صاحبه كل تصرف ماليٍ وبدنيٍ من أنواع الشركة).

    هذا القسم الأخير من أقسام الشركة: وهي شركة المفاوضة.

    والمفاوضة في اللغة تطلق على معان منها: الرد والانتشار والإهمال.

    وأما في الاصطلاح فعرفها المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: أن يفوض كلٌ منهما إلى صاحبه كل تصرفٍ ماليٍ وبدنيٍ من أنواع الشركة، يعني: أن شركة المفاوضة شركة عامة تشمل كل أنواع الشركة.

    وشركة المفاوضة تنقسم إلى قسمين:

    شركة المفاوضة الشاملة لكل أنواع الشركة

    القسم الأول: ما ذكره المؤلف رحمه الله: وهي أن يفوض كلٌ منهما إلى صاحبه كل تصرف ماليٍ وبدنيٍ من أنواع الشركة.

    القسم الأول: ما يتضمن كل أنواع الشركة كأن يشتركا شركة مضاربة هذا منه العمل وهذا منه المال، وشركة عنان أيضاً كلٌ منهما منه العمل والمال، وشركة وجوه أن يأخذا بذمتيهما أموالاً من الناس ويعملا فيها، وشركة أبدان قد يكون هذا الرجل عنده حِرفة وهذا عنده حِرفة، هذا مثلاً خياط، وهذا سباك أو نحو ذلك، وما يحصلان أيضاً داخل في الشركة، أو هذا موظف وهذا مدرس وما يحصلان من رواتب فهو في الشركة.

    المهم النوع الأول من نوعي الشركة ما يشمل كل أنواع الشركة فيشتركان، شركة وجوه يأخذان بذمتيهما أموالاً، وشركة أبدان أيضاً يكتسبان المباحات من احتطاب وصيد كله داخل في الشركة، وشركة مضاربة أحدهما يدفع مالاً والآخر منه العمل، وشركة عنان، هذا منه مال وهذا منه مال, ويعملان فيه إلى آخره، بحيث أنها تشمل كل أنواع الشركة تسمى مفاوضة؛ هذا النوع الأول من نوعي شركة المفاوضة، وهذا النوع كما هو المذهب جائز ولا بأس به.

    وعند الشافعية: أن هذا لا يجوز، والحنفية يشترطون لذلك شروطًا، وكذلك أيضاً المالكية يرون الجواز، وأما الشافعية فهم أضيق الناس في باب الشركة.

    وعموماً الشافعية عندهم ضعف في باب المعاملات، وأوسع الناس هم الحنابلة رحمهم الله، ولهذا يجوزون ذلك النوع، ثم بعد ذلك المالكية، أما الحنفية فهم يشترطون شروطاً لحل هذا النوع.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والربح على ما شرطاه، والوضيعة بقدر المال).

    الضابط في باب الشركة أن الخسارة على قدر المال، وأن الربح على ما شرطاه، وأن الملك على حسب الشرط.

    شركة المفاوضة بالأكساب النادرة

    قال رحمه الله تعالى: (فإن أدخلا فيها كسبًا، أو غرامةً نادرين، أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصبٍ أو نحوه فسدت).

    هذا النوع الثاني: أن يُدخل فيها الأكساب نادرة كوجدان اللقطة، أو الركاز أو الميراث أو ما يلزم أحدهما من ضمان غصبٍ أو أرش جناية ونحو ذلك.

    وقال المؤلف رحمه الله: بأن شركة المفاوضة عامة تشمل كما تقدم كل التصرفات المالية والبدنية، البدنية شركة الأبدان، والمالية المضاربة والوجوه والعنان.

    ومما يدخل في البدنية الأكساب، قال: إذا كانت الأكساب نادرة، فما يصح أن تُدخل فيها؛ لأن النادر يترتب عليه الغرر، لو قالوا: كل شيء داخل في الشركة الذي يجد لُقطة داخل في الشركة، الذي يجد ركازاً داخل في الشركة، الذي يموت له شخص ويرثه داخل في الشركة، هذا كسب نادر، لكن لو قالوا: الرواتب، أنت موظف تحط راتبك الشهري، وأنا موظف أحط راتبي الشهري في الشركة، فهذه أكساب غير نادرة، فقال: الأكساب النادرة هذه لا يصح أن تكون في الشركة؛ لما يترتب عليها من الغرر.

    وكذلك أيضاً: لو جعله في الشركة قالوا: ما يلزم أحدنا من أرش جناية، أو ضمان غصب، هذا يؤخذ من الشركة، قال المؤلف رحمه الله: لا يصح، قال: تفسد لكثرة الغرر.

    1.   

    ضابط العمل في باب الشركة

    بقينا في مسألة أيضاً قبل أن ننتقل إلى باب المساقاة، وهي ما هو ضابط العمل في باب الشركة؟ يعني: مثلاً شركة العنان، كما تقدم أن شركة العنان أن يشتركا بماليهما وبدنيهما.

    مثلاً: فتحا بقالة أو محلاً تجارياً لبيع المواد الغذائية أو معرضًا لبيع السيارات، ما ضابط التصرف؟ هل له أن يبيع بغبن فاحش؟ هل له أن يُقيم شريكاً أو أن الشريك قائم؟ هل يملك ذلك أم لا يملك؟ اشترى شخص سيارة ثم جاء يطلب الإقالة، هل يملك الشريك أن يقيل أو لا بد أن يرجع للشركاء؟

    كذلك أيضاً: هل يملك أن يتبرع، يتصدق من مال الشركة؟ هل يملك أن يُقرض من مال الشركة؟ هل يملك أن يبيع مال الشركة نسيئة بثمن مؤجل؟ هل يملك أن يبيع بعروض؟ أن يبيع سيارة بسيارة أخرى أو نقول بأنه لا يملك ذلك؟

    هذه مسائل يتكلم عليها الفقهاء رحمهم الله، ويطيلون الكلام في هذه المسائل، فنقول: الضابط أولاً إن كان هناك شرطٌ لفظي فالمسلمون على شروطهم.

    لكن إذا لم يكن شرطٌ لفظي، يعني: لو أن الشركاء -وهذا هو الأحسن- قالوا: كل واحد من الشركاء له من التصرف كذا، وكذا، وكذا، وكذا، فجعلوا ضوابط، فهذا أحسن بُعدًا للنزاع والخلاف والشقاق، فإذا كان هناك شرط لفظي فنقول: المسلمون على شروطهم.

    كذلك إذا لم يكن هناك شرطٌ لفظي فنرجع إلى أعراف التجار، ماذا تعارف التجار عليه؟ بأن التاجر يملك هذا العمل أو لا يملك هذا العمل؟ نرجع إلى أعراف التجار، إذا لم يكن شيء من ذلك، نرجع إلى كلام العلماء رحمهم الله، وأن الأصل أنه لا يتصرف إلا بالإذن.

    1.   

    مسائل متنوعة في تصرفات أحد الشركاء في الشركة

    هناك مسائل، لعلنا نأخذها بإجمال، ننظر كلام العلماء رحمهم الله فيها، المسألة الأولى: البيع نسيئة، هل يملك أحد الشركاء أن يبيع نسيئة؟ مثلاً صاحب المعرض باع السيارة نسيئة بثمن مؤجل، هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، للعلماء رحمهم الله رأيان:

    الرأي الأول: مذهب أبي حنيفة والمالكية أنه يملك ذلك.

    والرأي الثاني: مذهب الشافعي والإمام أحمد أنه لا يملك ذلك، لكن عُرف الناس الآن هل يملك أن يبيع نسيئة أو لا يملك أن يبيع نسيئة؟ إذا كان هناك عُرف مطرد أو إذا كان هناك شرط، فالمسلمون على شروطهم، لكن إذا كان هناك عُرف أن التجار يبيعون بالنقد ويبيعون بالنسيئة فنرجع إلى العُرف، فالعلماء يختلفون في ذلك على هذين القولين.

    المسألة الثانية: الحوالة والاحتيال، هل يملك أن يتحول؟ لو أنه باع سيارة، وقال للمشتري: أعطني الثمن، قال المشتري: أُحيلك على زيد، هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟ نقول: يملك ذلك؛ لأن هذا من عُرف التجار.

    كذلك: البيع بالعرض، هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟ مثلاً: لو باع الأرض بسيارات، أو باع السيارة بأرض، أو باع السيارة بأثواب ونحو ذلك، فجمهور العلماء أنه يملك ذلك، والشافعية قالوا: لا يملك ذلك.

    المسألة الثالثة: التبرع من مال الشركة، هل يملك ذلك أو لا يملك ذلك؟ نقول: لا يملك ذلك.

    كذلك البيع بغبن فاحش، هل يملك ذلك أو لا يملكه؟ جمهور العلماء: أنه لا يملكه، لكن عند أبي حنيفة يرى أنه يملك ذلك.

    كذلك أيضاً: الإقراض من مال الشركة، هل يملك أن يقرض من مال الشركة أو لا يملك؟ نقول: جمهور العلماء على أنه لا يملك الإقراض، وعند المالكية يقولون: يُرجع في ذلك إلى المصلحة.

    الإقالة، هل له أن يُقيل أو ليس له أن يُقيل؟ جمهور العلماء على أن له أن يُقيل، وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله أنه لا يُقيل.

    كذلك هل يوكل غيره أو لا يوكل غيره؟ جمهور العلماء على أنه لا يملك التوكيل إلا الأشياء التي يعجز عنها، أو يؤذن له فيها، وعند المالكية أنه يملك التوكيل.

    وكذلك أيضاً: إعارة مال الشركة، إذا كانت الشركة مثلاً فيها سيارات للعمل، أو فيها أدوات كتابية، أو فيها معدات، فهل يملك أن يُعير أموال الشركة أو نقول بأنه لا يملك أن يُعير أموال الشركة؟

    نقول: لا يملك ذلك؛ لأن هذا ليس من عمل التجار، ولا يُقصد به الكسب، خلافا للحنفية.

    المهم مثل هذه المسائل كما ذكرنا، والقاعدة في ذلك نرجع إلى الشروط اللفظية، فإذا لم يكن شروط لفظية فنرجع إلى عُرف التجار، وما تعارف عليه التجار، وإذا لم يكن هناك عُرف فنرجع إلى كلام العلماء، والأصل في ذلك هو المنع إلا بالإذن.

    1.   

    المساقاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب المساقاة).

    تعريف المساقاة

    المساقاة في اللغة: من السقي؛ لأن العامل يسقي الشجر.

    وأما في الاصطلاح: فهو دفع شجر لمن يقوم عليه بجزءٍ معلومٍ مشاعٍ من الثمر.

    مثلاً يعطيه الأشجار؛ أشجار البرتقال، الزيتون، التفاح، الرمان، النخيل ليعمل عليها، وما حصل من الثمرة فهو بينهما، هذا له النصف أو هذا له الربع وهذا له ثلاثة أرباع؛ جزءٍ معلوم مشاع من الثمرة.

    أقوال العلماء في حكم المساقاة

    المساقاة موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى فيها، وأوسع الناس في باب المساقاة والمزارعة هم الحنابلة، والحنفية هم من أضيق الناس، ثم بعد ذلك الشافعية.

    جمهور العلماء على أن المساقاة جائزة؛ واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم عامل أهل خيبر بشطر ما يخرج منها من زرع أو ثمر ).

    أما الحنفية القائلين بأنها غير مشروعة فاستدلوا لذلك بحديث رافع بن خديج أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان له أرض فليزرعها، أو ليُزرعها أخاه، ولا يُكاره بثلثٍ ولا ربُعٍ ولا طعامٍ مسمى )، فقوله: (من كان له أرض فليزرعها، أو ليُزرعها أخاه)، يعني: يعطيها أخاه، يزرعها أخاه وينتفع بها، (ولا يُكاره بثلثٍ ولا ربُعٍ) يعني: بثلث الثمرة أو ربع الثمرة، (ولا طعامٍ مسمى).

    والصواب في ذلك: ما عليه جمهور العلماء رحمهم الله، وأما هذا الحديث فمحمول على أمرين:

    الأمر الأول: أنه محمول على ما كان في أول الإسلام، لما كان الناس في حاجة وعندهم فاقة نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يُكاره بثلث أو ربع، بل يعطيها أخاه.

    ونظير ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ادخار لحوم الأضاحي من أجل الدافة الذين يدفون فوق ثلاث، ثم بعد ذلك رخص النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك، فهذا الحمل الأول.

    الأمر الثاني: أن هذا محمول على ما إذا كان هناك شيء معين، يعني يقول: لك الثمرة الفلانية أو ثمرة الشجر الفلاني، ولي ثمر الشجر الفلاني.

    صور المساقاة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (تصح على شجر له ثمرٌ يؤكل).

    المساقاة لها صور: الصورة الأولى: أن يدفع له شجرًا مغروسًا له ثمرة، وهذه الثمرة لم تكتمل، فيقوم عليها العامل حتى تكتمل، فهذا جائز، يقوم عليها العامل بجزء مشاع معلوم من الثمرة، نقول: هذا جائز ولا بأس به.

    الصورة الثانية: أن يدفع له شجرًا لم يثمر، فيقوم عليه العامل حتى يثمر بجزءٍ مشاعٍ معلوم من الثمرة.

    الصورة الثالثة: أن يدفع له شجرًا ليس له ثمرٌ يؤكل، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنها لا تصح المساقاة، وإن كان الثمر يُنتفع به فالمذهب أنه لابد أن يكون الثمر مما يؤكل، ولهذا قال: يؤكل، وعلى هذا إذا كان الثمر لا يؤكل فإنه لا يصح.

    والرأي الثاني: أنه إذا كانت الثمرة مقصودة ويُنتفع بها، وخصوصًا في مثل وقتنا الآن بسبب تقدم الصناعات ونحو ذلك، فأصبح الآن يُستفاد من كل شيء تقريباً، فإذا كان له ثمرٌ مقصود ويُنتفع به فيصح ذلك، وربما أن الثمرة هذه تدخل في صناعات ومستحضرات طبية أو نحو ذلك مما يكون أفيد من مسألة الأكل.

    الصورة الرابعة: أن يدفع له شجرًا ليس له ثمر، وإنما يُنتفع بأغصانه أو بأوراقه أو بساقه ونحو ذلك، فعلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن المساقاة لا تصح، بل لابد أن تكون المساقاة على شجرٍ له ثمرٌ يؤكل.

    والرأي الثاني في المذهب: أن المساقاة صحيحة، ما دام أن هذه الشجرة تُقصد ويُستفاد منها، وهذا يحصل الآن، بسبب تقدم الصناعات، الآن يُستفاد من الورود في صناعة العطورات وأدوات التجميل، ويُستفاد من أوراق الأشجار، وهناك أشياء الآن تُغرس لا من أجل الثمرة التي تؤكل وإنما من أجل أشياء أخرى، يُستفاد منها في الصناعات، فنقول: الصواب في ذلك: أن هذا جائز ولا بأس به، إن شاء الله.