إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [21]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • ينفك الرهن إذا استوفى الدين، فإن حل أجل الدين ولم يوف الراهن للمرتهن حقه فإن أذن له ببيعه فإنه يبيعه، وإلاَّ أجبره الحاكم، ويحق للمرتهن الانتفاع بالرهن بقدر نفقته عليه، وإذا أنفق على الرهن رجع على الراهن إذا أذن له وإلاَّ فلا يرجع.

    1.   

    انفكاك الرهن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما، أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه، ومتى حل الدين وامتنع من وفائه، فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه ووفى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه أو بيع الرهن، فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى دينه.

    فصل: فيمن يكون الرهن عنده: ويكون عند من اتفقا عليه، وإن أذنا له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد، وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن، وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره، ولا بينة، ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل، وإن شرط ألا يبيعه إذا حل الدين، أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده، ويُقبل قول راهن في قدر الدين والرهن ورده وكونه عصيراً لا خمراً، وإن أقر أنه ملك غيره أو أنه جنى قُبل على نفسه وحُكم بإقراره بعد فكه إلا أن يصدقه المرتهن.

    فصل: الانتفاع بالرهن وما يتعلق بذلك: وللمرتهن أن يركب ما يُركب ويحلب ما يُحلب بقدر نفقته بلا إذن، وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع، وإن تعذر رجع ولو لم يستأذن الحاكم، وكذا وديعة وعارية ودواب مستأجرة هرب ربها، ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط].

    تقدم لنا ما يتعلق بتصرفات الراهن والمرتهن بالعين المرهونة، وأن تصرفات المرتهن غير صحيحة؛ لأنه ليس مالكاً وإنما له فقط حق التوثق، وأما تصرفات الراهن فإنها تنقسم إلى أقسام، وذكرنا هذه الأقسام:

    الأول: التصرف بما ينقل الملك.

    الثاني: التصرف بالمنافع.

    الثالث: التصرف بعتق العين المرهونة.

    وتقدم لنا أيضاً: ما يتعلق بكسب العين المرهونة، وأيضاً ما يتعلق بأرش الجناية عن العين المرهونة، وأن هذه الأشياء تكون رهناً مع العين المرهونة، وأيضاً ما يتعلق بمؤنة العين المرهونة على من تكون؟ وأنها على الراهن؛ لأن الراهن هو المالك.

    وأيضاً ذكر المؤلف رحمه الله: أن العين المرهونة أمانة في يد المرتهن إذا قبضها، فإن تعدى أو فرط ضمن، وإن لم يتعد أو يفرط فإنه لا ضمان عليه.

    وهنا قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما، أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه).

    هاتان صورتان:

    الصورة الأولى: قوله: (وإن رهن عند اثنين شيئاً فوفى أحدهما) وهذه الصورة الأولى مثالها: اقترض من زيد وعمرو عشرة آلاف، فأعطاهما مائة صاعٍ من الرز، فوفى زيداً قرضه، أو أعطى عمرو قرضه، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: (ينفك في نصيبه).

    هو الآن اقترض من زيد وعمرو عشرة آلاف، وأعطاهما مائة صاع من الرز ثم وفى زيداً نصيبه خمسة آلاف، فينفك من الرهن بمقدار نصيب زيد؛ لأن اقتراضه من اثنين ورهنه عندهما بمنزلة عقدين، فإذا وفى نصيب أحدهما انفك الرهن في نصيبه.

    الصورة الثانية: قال: (أو رهناه شيئاً فاستوفى من أحدهما انفك في نصيبه) هذه عكس الصورة الأولى، أقرض زيداً وعمراً عشرة آلاف ريال، وزيد وعمرو رهناه مائة صاع من البر، ثم إن أحدهما وفى دينه للمرتهن أي: للمقرض فينفك الرهن في نصيبه؛ لما تقدم أن هذا بمنزلة تعدد العقود، فإذا وفى أحدهما انفك في نصيبه.

    فإذا أقرض اثنين، أو ثلاثة، أو باع عليهما بثمن مؤجل ثم أعطياه رهناً فوفى أحدهما، فنقول: بأن الرهن ينفك في نصيبه؛ لأن هذا بمنزلة تعدد العقود.

    1.   

    أحوال امتناع الراهن من الوفاء عند حلول الدين

    قال المؤلف رحمه الله: (ومتى حل الدين وامتنع من وفائه فإن كان الراهن أذن للمرتهن أو العدل في بيعه باعه).

    هذه فائدة الرهن: أنه إذا حل الدين ولم يوفِ الراهن للمرتهن حقه فإنه يُستوفى من هذه الوثيقة، نقول: يُستوفى الحق من هذه الوثيقة، وحينئذٍ إذا حل الأجل، ولم يوفِ الراهن المرتهن حقه، فإن هذا له أحوال:

    الحالة الأولى: أن يكون الراهن قد أذن للمرتهن في البيع، أي أن يكون الراهن قد أذن للمرتهن أو العدل، والمقصود بالعدل هنا: من اتفق الراهن والمرتهن على أن تكون العين المرهونة عنده؛ لأنه كما تقدم لنا على المشهور من المذهب: أن الرهن لا يكون لازماً إلا إذا قبضه المرتهن، ولابد أن يقبضه المرتهن، فربما أن الراهن لا يرضى بأن يكون الرهن عند المرتهن، فيتفقان على شخص تكون عنده هذه العين المرهونة، وهذا ما يسميه العلماء رحمهم الله بالعدل.

    أما إذا قلنا: بأن عقد الرهن يلزم وإن لم يُقبض حتى ولو كان عند الراهن فإنه لا حاجة إلى هذا؛ لكن هذا تفريع على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، فيقول المؤلف رحمه الله: (في بيعه باعه ووفى الدين، وإلا أجبره الحاكم على وفائه).

    وهذه الحالة الثانية: ألا يكون الراهن قد أذن للمرتهن في بيع العين المرهونة فإن القاضي يُجبر الراهن في أن يبيع أو أن يأذن، فإذا باع أو أذن في البيع كفى ذلك.

    قال رحمه الله: (أو بيع الرهن فإن لم يفعل باعه الحاكم ووفى دينه).

    هذه الحالة الثالثة: إذا لم يأذن الراهن في بيع العين المرهونة، ولم يبع العين المرهونة، فإن الحاكم يقوم مقامه، ويكون حينئذٍ الإكراه بالحق، فالحاكم يقوم مقامه، ويقوم ببيع العين المرهونة ويوفي المرتهن حقه، وحينئذٍ لا يخلو ذلك من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون الثمن مساوياً للحق، فهذا الراهن لا له ولا عليه.

    الحالة الثانية: أن يكون الثمن أكثر من الحق، فما زاد فإنه يرجع على المالك.

    الحالة الثالثة: أن يكون الثمن أقل من الحق، أنقص من الحق فيبقى في ذمة الراهن للمرتهن.

    1.   

    وضع العين المرهونة عند العدل

    قال رحمه الله: (فصل: ويكون عند من اتفقا عليه).

    هذا التفريع الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى: كله مبني على أن القبض شرط للزوم عقد الرهن، فإذا قلنا بأن عقد الرهن يلزم لمجرد العقد فلا حاجه إلى هذا؛ لكن على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله وهو قول جمهور أهل العلم: أنه لابد من القبض لكي يكون عقد الرهن لازماً، وحينئذٍ لا يخلو: إما إن يكون الرهن عند المرتهن، فإذا رضي الراهن أن يكون الرهن عند المرتهن فالأمر ظاهر، أو لا يرضى الراهن في أن تكون العين المرهونة عند المرتهن، وحينئذٍ يتفقان على شخص، وهذا الشخص يسمى عند العلماء رحمهم الله تعالى بالعدل.

    وهذا العدل تكون العين المرهونة تحت يده أمانة، بمعنى: إن تعدى أو فرط في الحفظ فإنه يكون ضامناً، وإن لم يتعد ولم يفرط في الحفظ فإنه لا ضمان عليه.

    الإذن للعدل ببيع العين المرهونة

    قال رحمه الله: (وإن أذن له في البيع لم يبع إلا بنقد البلد).

    إذا حل الأجل ولم يوف الراهن المرتهن حقه فإنه كما تقدم إما أن يقوم الراهن بالبيع أو يأذن، فإذا أذن للعدل في البيع فإنه لا يبيع إلا بنقد البلد، ودليل ذلك: أن الحظ إنما يكون في نقد البلد لرواجه؛ لأنه لا يتصرف إلا بما فيه مصلحة، والمصلحة إنما تكون في نقد البلد؛ ولأن هذا هو العُرف، وشرط العُرف كشرط اللفظ، والناس إنما يتعارفون على نقد البلد.

    قال رحمه الله: (فإن تعدد النقد).

    يعني: في البلد عدة نقود يُتعامل بها، فالعلماء رحمهم الله تعالى يقولون: ببيع العين المرهونة بالنقد الذي هو جنس الدين.

    فلو كان هناك عدة دراهم رائجة في البلد يتعامل الناس بها، مثلاً: بالريالات، ويتعامل الناس بالدولارات كما يوجد في بعض البلدان أو بالجنيهات فإن لم يكن له إلا نقد واحد، فإنه يبيع بنقد البلد، أما إذا كانت هناك عدة نقود رائجة، فالعلماء رحمهم الله يقولون: يبيع بالنقد الذي هو من جنس الدين، فإن عدم النقد الذي يكون من جنس الدين فإنه يبيع بما هو أصلح.

    وعندنا قاعدة: وهي أن من تخير لغيره فإن خياره يكون خيار مصلحة، ومن تخير لنفسه فإن خياره يكون خيار تشه، وعلى هذا إذا كان الخيار خيار مصلحة، فإن العدل ينظر إلى ما هو الأصلح سواء كان من جنس الدين أو من جنس آخر.

    تلف ثمن العين المرهونة بعد القبض

    قال رحمه الله: (وإن قبض الثمن فتلف في يده فمن ضمان الراهن).

    العدل إذا باع العين المرهونة وقبض الثمن، ثم بعد ذلك تلف هذا الثمن يقول المؤلف رحمه الله تعالى بأنه من ضمان الراهن، بمعنى: أن المرتهن لا يضمن، ولا يسقط شيء من دينه، والعدل لا يضمن؛ لأنه أمين، يستثنى من ذلك: ما إذا تعدى أو فرط فإنه يضمن، أما إذا لم يتعد ولم يفرط فإنه لا ضمان عليه.

    ادعاء العدل دفع الثمن إلى المرتهن ولا بينة

    قال: (وإن ادعى دفع الثمن إلى المرتهن فأنكره ولا بينة، ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل).

    لو أن العدل ادعى أنه دفع الثمن إلى المرتهن، وأنه وفى المرتهن حقه فقال المرتهن: لا، ما أعطاني شيئاً، والعدل يقول: أنا بعت العين المرهونة وأعطيت المرتهن حقه فما الحكم؟ يقول: (ولا بينة)، وعلى هذا نقول: إن كان هناك بينة لأحدهما إما للعدل أو للمرتهن فكما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( شاهداك أو يمينه ) نرجع إلى البينة؛ (البينة على المدعي واليمين على من أنكر).

    وإذا لم يكن هناك بينة فمن ضمان من؟ قال المؤلف رحمه الله: من ضمان العدل إلا إذا كان ذلك بحضور الراهن، ولماذا من ضمان العدل؟ لأن العدل فرط، والواجب عليه أن يُشهد أو أن تكون هناك وثيقة حينما دفع الثمن إلى المرتهن، الواجب عليه أن يكون هناك بينة أو أن يكون هناك وثيقة تحفظ هذا الحق، فكونه فرط لم يكن هناك وثيقة ولم يكن هناك بينة، فإنه يكون من ضمان العدل، اللهم إلا أنه يستثنى من ذلك الأشياء التي جرت عادة الناس أنهم لا يُشهدون عليها، ولا يوثقونها لعدم خطرها، مثلاً: كمائة ريال، كمائتي ريال، كخمسمائة ريال، عادة الناس أنهم لا يُشهدون على مثل هذه الأشياء؛ لكن المبالغ الكبيرة، هذه يأخذون عليها الوثائق والسندات، أو يجعلون عليها البينات، فما جرت العادة أنه لا تؤخذ عليها بينة ولا وثيقة فنقول: بأن العدل لا يضمن، ويبقى الأمر بين المرتهن وبين الراهن؛ لكن ما لم تجرِ العادة إلا بتوثيقه أو أخذ البينة عليه فنقول هنا: العدل فرط وعليه أن يضمن.

    قول المؤلف رحمه الله تعالى: (ولم يكن بحضور الراهن ضمن كوكيل).

    يعني: حكمه حكم الوكيل في مثل هذه المسائل، فالوكيل إذا وكل في قضاء الدين فقضى الدين للمدين، ثم بعد ذلك المدين أنكر، قال: ما أعطاني شيئاً، فقال الوكيل: أنا أعطيته، فهل يضمن الوكيل أو لا يضمن؟ يقول المؤلف رحمه الله: يضمن، لأنه فرط، والواجب على الوكيل حينما سدد الدين للمدين أن تكون هناك بينة، أو أن يكون هناك وثيقة؛ لكن نستثني من هذه المسألة ما جرت العادة أنه لا تؤخذ عليه البينات أو الوثائق.

    1.   

    اشتراط عدم بيع العين المرهونة إذا حل الدين

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن شرط ألا يبيعه إذا حل الدين، أو إن جاءه بحقه في وقت كذا، وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده).

    إذا شرط الراهن ألا تُباع العين المرهونة إذا حل الدين فقال: بشرط أنه ما يباع، يقول المؤلف رحمه الله: هذا شرط فاسد، لأنه يخالف مقتضى العقد، ومقتضى العقد أن الراهن إذا لم يسدد للمرتهن حقه فإن العين المرهونة -هذه الوثيقة- يستوفى الحق منها، ولا يمكن أن نستوفي الحق منها إلا إذا بيعت، اللهم إلا إذا كان مراده ألا تباع إلا بعد إذنه ونحو ذلك فهذا الأمر فيه ظاهر.

    لكن إذا كان قصده ألا يباع مطلقاً، فهنا نقول: بأنه لا فائدة من الرهن، وهذا يخالف مقتضى العقد وهو شرط غير صحيح؛ لكن إذا كان مراده ألا يباع إذا حل الأجل حتى يأذن وينظر هل يجد ما يسدد به الحق فهذا شرط صحيح.

    وقوله رحمه الله: (أو إن جاءه بحقه في وقت كذا وإلا فالرهن له لم يصح الشرط وحده) هذه المسألة تقدمت في شروط البيع: وهي ما يسمى بغلق الرهن، لو قال مثلاً: إذا لم تأت بالحق -بالدين- أو بثمن المبيع في وقت كذا فإن الرهن لي، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( لا يغلق الرهن من صاحبه الذي رهنه له غنمه وعليه غرمه ). وتقدم الخلاف في هذه المسألة، وغلق الرهن كان موجوداً في الجاهلية، وذكرنا أن هذه المسألة ثلاثة أقسام.

    1.   

    اختلاف الراهن والمرتهن

    قال رحمه الله: (ويُقبل قول راهن في قدر الدين والرهن ورده وفي كونه عصيراً لا خمراً).

    هذه مسائل:

    الاختلاف في قدر الدين والرهن

    المسألة الأولى: ما يتعلق بقدر الدين إذا اختلفا في قدر الدين، فقال المرتهن: قدر الدين عشرة آلاف وقال الراهن: لا، قدر الدين تسعة آلاف فمن القول قوله؟ يقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأن القول قول الراهن، لأن الراهن غارم، والقاعدة في الجملة -على المذهب- أن القول قول الغارم.

    فإذا اختلف المرتهن صاحب الحق فقال: عشرة، والراهن الذي عليه الحق، يقول: تسعة، فقول المؤلف: بأن القول قول الراهن؛ لأن الراهن غارم.

    والمرتهن والراهن يتفقان على تسعة، ويختلفان في ألف، المرتهن يدعيه والراهن ينكره، و(البينة على المدعي واليمين على من أنكر)، وعلى هذا نقول: إن كان هناك بينة فنرجع إلى البينات، وإن كان هناك شهود أو وثائق نرجع للشهود والوثائق، فإذا لم يكن هناك بينة فنرجع إلى القرائن، فقد تدل القرائن على أن القول قول المرتهن، وقد تدل القرائن على أن القول قول الراهن.

    فمثلاً: إذا كان الرهن يساوي عشرة آلاف أو أكثر، فهذه قرينة تؤيد قول المرتهن، وإذا كان الرهن يساوي تسعة آلاف فهذه القرينة تؤيد قول الراهن، وإذا لم يكن هناك قرائن فعلى ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، قال: (في قدر الدين والرهن)، مثلاً قال الراهن: أنا رهنت كتابين، قال المرتهن: لا، أنت لم ترهني إلا كتاباً واحداً فقط.

    والكلام في هذه المسألة كما سلف إن كان هناك بينة نرجع للبينة، وإذا لم يكن هناك بينة نرجع للقرائن، فقد تدل القرائن لقول المرتهن، وقد تدل لقول الراهن، فإذا لم يكن شيء من ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: بأن القول قول الراهن، لأن الأصل معه.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (ويقبل قول راهن) لأنه منكر، والمرتهن مدعي، والبينة على المدعي واليمين على من أنكر.

    الاختلاف في رد العين المرهونة

    قال: (ورده).

    هذه المسألة الثالثة: إذا اختلفا في رد العين المرهونة فيقول المؤلف رحمه الله: بأن القول قول الراهن، قال المرتهن: رددت عليك الكتاب المرهون، قال الراهن: لم ترده، هذا كما تقدم إن كان هناك بينة نرجع للبينة، وإذا لم يكن هناك بينة نرجع للقرائن، وإذا لم يكن شيء من ذلك فيقول المؤلف رحمه الله: بأن القول قول الراهن؛ لأن الأصل عدم الرد.

    الاختلاف في صفة العين المرهونة

    قال رحمه الله: (وفي كونه عصيراً لا خمراً).

    هذه المسألة الرابعة: قال المرتهن: أنت رهنتني هذا الشيء؛ لكنه خمر، قال الراهن: لا، أنا أعطيتك عصيراً لم أعطك خمراً، فمن القول قوله؟ يقول المؤلف رحمه الله: بأن القول قول الراهن؛ لأن الأصل في ذلك السلامة.

    1.   

    إقرارات الراهن بعد تسليم العين المرهونة

    قال رحمه الله: (وإن أقر أنه ملك غيره، أو أنه جنى قُبل على نفسه).

    لو أن الراهن بعد أن سلم العين المرهونة، مثلاً: الراهن اقترض وأعطى السيارة رهناً، فقال: السيارة التي أعطيتك رهناً هذه ليست لي، إنما لزيد هل يُقبل ذلك على المرتهن، أو يُقبل على نفسه؟

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يُقبل على المرتهن، بل إقراره يُقبل على نفسه ولا يُقبل على غيره، وحينئذٍ قوله: السيارة ليست لي وإنما هي لزيد، هذا غير مقبول على المرتهن وتبقى الوثيقة كما هي تُباع ويوفى منها الحق، ويُقبل على نفسه، أي: أنه بعد الرهن يطالبه زيد الذي أقر له، ولا يمكن أن نبطل حق الغير بهذا الإقرار، يعني: كونه أقر على غيره هذا غير مقبول؛ لكن كونه أقر على نفسه هذا مقبول؛ لأننا لو قبلنا إقراره على غيره دون أن يكون هناك بينة لأدى ذلك إلى ضياع الحقوق، ومثل هذه المسألة تؤدي إلى ضياع حق المرتهن من الوثيقة فنقول: كلامك هذا مقبول على نفسك تُطالب بعد فك الرهن بما أقررت به لزيد، وأن هذه السيارة ليست لك إنما لزيد؛ لكن هذه السيارة تبقى وثيقة ولا تعطى للمقر له.

    قوله: (أو أنه جنى قُبل على نفسه)، فمثلاً قال: هذا الرقيق الذي أعطيتك رهناً جنى -عمل جناية- والرقيق أرش جنايته، نقول الجناية تكون في رقبته، وكيف في رقبته؟ يعني: نأخذ هذا الرقيق ونبيعه ونسدد للمجني عليه أرش الجناية من ثمنه؛ لكن هل هذا يُقبل على المرتهن أو لا يُقبل على المرتهن؟ نقول: بأن هذا لا يُقبل على المرتهن، وتبقى العين المرهونة رهناً يوفى منها الحق، وبعد توفية الحق يُقبل ذلك على نفسه، ولا يُقبل ذلك على المرتهن، وحينئذ من أُقر له بأنه جُني عليه يرجع على المقر.

    قال رحمه الله: (وحُكم بإقراره بعد فكه إلا أن يصدقه المرتهن).

    إذا صدقه المرتهن أو كان هناك بينة فيُرجع إلى مثل هذه الأشياء، فلو قال المرتهن: السيارة ليست له وإنما هي لزيد، فحينئذ تكون السيارة لزيد، وتبطُل الوثيقة بهذه السيارة ويُطالب بوثيقة أخرى أو بينة على أن هذه السيارة كما أقر، وأنها لزيد.

    1.   

    انتفاع المرتهن بالعين المرهونة

    قال المؤلف رحمه الله: (فصل:

    وللمرتهن أن يركب ما يُركب، ويحلب ما يُحلب بقدر نفقته بلا إذن).

    هنا تكلم المؤلف رحمه الله عن انتفاع المرتهن بالعين المرهونة، وأنه ينقسم إلى قسمين:

    الانتفاع بالعين المرهونة بإذن الراهن

    القسم الأول: أن يكون ذلك بإذن الراهن، مالك الحق وهو الذي أعطاه الكتاب، قال: لا بأس أن تنتفع به، أو أعطاه السيارة رهناً قال: لا بأس أن تستعملها، فإذا كان بإذن الراهن فللمرتهن أن ينتفع بالعين المرهونة بشرط ألا يكون سبب الرهن هو القرض، فإن كان سبب الرهن هو القرض فإنه لا يجوز؛ لأنه يدخل في القرض الذي جر منفعة، اللهم إلا كما تقدم إن كان يريد أن يحتسبه من دينه.

    الانتفاع بالعين المرهونة بدون إذن الراهن

    القسم الثاني: ألا يكون ذلك بإذن الراهن فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: (وللمرتهن أن يركب ما يُركب، ويحلب ما يُحلب).

    إذا لم يكن بإذن الراهن فتحته أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الرهن حيواناً يُحلب أو يُركب، هنا لم يأذن الراهن بالانتفاع، الراهن قال: اجعل البقرة عندك، أو الناقة اجعلها عندك وليس لك أن تركب وليس لك أن تحلب.

    فالمشهور من المذهب: أن المرتهن -كما ذكر المؤلف رحمه الله- له أن يركب ما يُركب، وأن يحلب ما يُحلب بقدر النفقة وإن لم يأذن الراهن؛ لأن الشارع أذن في هذا، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الظهر يُركب بنفقته إذا كان مرهونا، ولبن الضرع يُشرب بنفقته إذا كان مرهونا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة )، فنقول: إذا كان حيواناً يُركب أو يُحلب، فللمرتهن أن يركب ويحلب بقدر النفقة، وحينئذٍ لا يخلو ذلك من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن تكون النفقة مقابلة للحليب فهذا لا له ولا عليه.

    الحالة الثانية: أن تكون النفقة أكثر من الحليب فإن المرتهن يحسب هذه النفقة على الراهن.

    والحالة الثالثة: عكس الحالة الثانية أن يكون الحليب أكثر من النفقة، فهذا يُحسب للراهن، أي يُحتسب من الدين الذي على الراهن، وهذا هو المشهور من المذهب وهو الذي دل له الحديث، وعند جمهور العلماء: ليس للمرتهن أن يركب ما يُركب، وأن يحلب ما يُحلب إذا كان الراهن لم يأذن لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه )، وفي الصحيحين: ( لا يحلبن أحدٌ شاة أحدٍ إلا بإذنه )، فالأصل في مال المسلم المعصوم الحرمة، لكن ما لم يرِد التخصيص من الشارع والاستثناء، وأنه جوز للمرتهن أن يركب وأن يحلب ما يُركب ويُحلب، فنقول: بأن هذا مستثنى.

    القسم الثاني: أن تكون العين المرهونة حيواناً لا يُحلب ولا يُركب لكنه يستخدم، مثل: الرقيق، هل للمرتهن أن يستخدم هذا الرقيق مقابل النفقة عليه أو ليس له أن يستخدمه مقابل النفقة عليه؟

    جمهور أهل العلم: ليس له ذلك وحتى المذهب، والأئمة الأربعة متفقون على ذلك، وأنه إذا كان حيواناً لا يُركب، ولا يُحلب، فإن المرتهن ليس له أن ينتفع.

    والرأي الثاني: أنه إذا كان حيواناً لا يُركب ولا يُحلب؛ لكنه يستخدم فللمرتهن أن يستخدمه مقابل النفقة، وهذا اختيار شيخ الإسلام ، حيث قاس الرقيق على ما جاء فيه الحديث عن الحيوان الذي يُركب ويُحلب، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وهذا القول أقرب وأقوى.

    القسم الثالث: أن تكون العين المرهونة ليست حيواناً مثل: السيارة، والكتاب، والثوب، فنقول: هنا لا يجوز للمرتهن أن ينتفع به مادام أن الراهن لم يأذن؛ لأن الأصل في مال المسلم الحرمة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه ).

    1.   

    الإنفاق على الرهن بغير إذن الراهن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع وإن تعذر رجع ولو لم يستأذن الحاكم، وكذا وديعة، وعارية، ودواب مستأجرة هرب ربها).

    هنا يقول المؤلف رحمه الله: (وإن أنفق على الرهن بغير إذن الراهن مع إمكانه).

    الرهن يحتاج إلى نفقة ولنفرض أن الرهن بيت، والبيت ربما تأتيه الأمطار وتفسده فيحتاج إلى إصلاح، كمجاري الماء ونحو ذلك، فإذا احتاج إلى إصلاح مثل هذه الأشياء فأنفق المرتهن على العين المرهونة، قال: (بغير إذن الراهن مع إمكانه لم يرجع)، فهل يرجع المرتهن على الراهن بما أنفقه أو لا؟ قال المؤلف بأن هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يتمكن من استئذان الراهن؛ لكنه لم يستأذنه، وقال له مثلاً: البيت يحتاج إلى إصلاح، السيارة تحتاج إلى كذا، الثوب يحتاج إلى كذا، يحتاج إلى نفقة فلم يستأذن المرتهن الراهن مع إمكانه استئذانه، فيقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يرجع على الراهن لأن المرتهن فرط بترك استئذان المالك.

    القسم الثاني: ألا يتمكن من الاستئذان كأن يكون الراهن غائباً ولا يتمكن من أن يستأذن منه فأنفق، هل يرجع المرتهن عن الرهن أو لا يرجع؟ قال المؤلف: (وإن تعذر رجع ولو لم يستأذن الحاكم)، أي: لا حاجة أن يذهب إلى المحكمة ويستأذن القاضي، وإنما نص عليها المؤلف رحمه الله، وذلك أن بعض العلماء قال: إذا لم يتمكن المرتهن من استئذان الراهن فإنه يرجع إلى الحاكم ويستأذنه؛ لأن الحاكم يقوم مقام الغائبين في أموالهم بما يصلحها، والصحيح في ذلك: أنه لا حاجة إلى أن يرجع إلى القاضي؛ لأن رجوعه إلى القاضي فيه مشقة وهذا فيه حفظ لهذه العين المرهونة.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أنه إذا كان يتمكن من الاستئذان ولم يستأذن فإنه لا يرجع على الراهن، والصواب في هذه المسألة أن من أدى واجباً عن غيره فإن ذلك لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن ينوي التبرع، فنقول: ليس له أن يرجع؛ لأنه كالهبة (والعائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه).

    الحالة الثانية: أن ينوي الرجوع فنقول: له أن يرجع.

    الحالة الثالثة: أن يطلق فهذا موضع خلاف، والصحيح في ذلك أن له أن يرجع إذا أطلق؛ لأن الغالب أن الإنسان لا ينفق على غيره إلا بقصد الرجوع، فالصحيح في ذلك أن له أن يرجع.

    قوله: (وكذا وديعة، وعارية، ودواب مستأجرة هرب ربها).

    الحكم في مثل هذه المسائل الوديعة حكمها حكم الرهن، فمثلاً لو كان عندك وديعة حيوان يحتاج إلى نفقة كما تقدم، أو عندك حيوان عارية يحتاج إلى نفقة فهل يمكن استئذان رب الحيوان أو لا يمكن استئذانه؟ وهل يرجع إلى الحاكم أو لا يرجع؟ وذكرنا الصواب في هذه المسألة: أنه يرجع إلى هذه الأقسام الثلاثة.

    1.   

    خراب الرهن عند المرتهن

    قال المؤلف رحمه الله: (ولو خرب الرهن فعمره بلا إذن رجع بآلته فقط).

    لو خرب الرهن مثلاً: بيت تهدم وقام المرتهن وعمر هذا البيت ولم يستأذن الراهن، يقول المؤلف رحمه الله: (رجع بآلته فقط) ومعنى (آلة البيت) مثل: الأبواب، والنوافذ، والحجارة، ونحو ذلك، هذه تسمى بآلة البيت، فهذه التي يرجع بها وما عدا ذلك من أجرة المعمرين، ومما تحفظ به ماهية البيت هذه لا يرجع بها، فمثلاً: الإسمنت، الطين، الأصباغ، هذه لا يرجع بها وإنما يرجع بالآلة فقط. وسبق أن ذكرنا أن من أدى واجبا عن غيره، فإنه لا يخلو من ثلاث حالات.

    نكتفي بهذا، والحمد لله رب العالمين.