إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • إذا اختلف المشتري والبائع في صفة البيع فالقول قول المنكر، وإذا اختلفا في المبيع في حالة تغيره بعد الرؤية المتقدمة فالقول قول البائع؛ وأما ما بيع بتقدير سواء بكيل أو وزن أو عد أو ذرع أو بيع برؤية سابقة أو وصف فكل هذا من ضمان البائع، وكذلك ما بيع من الثمر ع

    1.   

    ثامناً: خيار الخلف في الصفة أو ما تغيرت رؤيته

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ويثبت الخيار للخلف في الصفة، ولتغير ما تقدمت رؤيته.

    فصل في التصرف في المبيع قبل قبضه، وما يحصل به قبضه: ومن اشترى مكيلاً ونحوه صح ولزم بالعقد، ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه، وإن تلف قبل فمن ضمان البائع، وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع، وإن أتلفه آدمي خُير مشترٍ بين فسخ وإمضاء ومطالبة متلفه ببدله، وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه، وإن تلف ماعدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه، ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك، وفي صبرة وما ينقل بنقله وما يتناول بتناوله، وغيره بتخليته ].

    تقدم لنا ما يتعلق بخيار تخبير الثمن، وذكر المؤلف رحمه الله أن صوره أربع: وهي التولية، والمرابحة، والمواضعة، والشركة، وذكر أيضاً ما يتعلق بالبيع تولية وما يتعلق به من مسائل، وكذلك أيضاً سبق لنا ما يتعلق بخيار اختلاف المتبايعين، وأن المتبايعين إذا اختلفا فإن لهذا الاختلاف أنواعاً:

    النوع الأول: أن يختلفا في قدر الثمن.

    النوع الثاني: أن يختلفا في عين السلعة.

    النوع الثالث: أن يختلفا في الأجل أو الشرط.

    النوع الرابع: أن يختلفا في تسليم الثمن والمثمن.

    وإذا اختلفا في تسليم الثمن والمثمن فإن له أقساماً:

    القسم الأول: أن يكون الثمن عيناً، يعني يكون معيناً.

    القسم الثاني: أن يكون الثمن ديناً، وهو حاضر في مجلس العقد.

    القسم الثالث: أن يكون الثمن ديناً وهو غائب في البلد إلى مسافة القصر.

    القسم الرابع: أن يكون الثمن ديناً لكنه غائب فوق مسافة القصر.

    القسم الخامس: إذا تبين أن المشتري معسر.

    ثم بقي عندنا القسم الأخير من أقسام الخيارات، وهي ما يتعلق بخيار الخُلف في الصفة، أو ما تغيرت رؤيته، فقال المؤلف رحمه الله تعالى: ( ويثبت الخيار للخُلف في الصفة، ولتغير ما تقدمت رؤيته ).

    خيار الخلف في الصفة

    قول المؤلف رحمه الله: ( يثبت الخيار للخلف في الصفة ) يعني للاختلاف فإذا اختلف المتعاقدان في صفة المبيع كأن يقول المشتري: صفته كذا وكذا، والبائع يقول: صفة المبيع كذا وكذا.

    مثال ذلك: أن يختلفا في صفة السيارة، فالمشتري يقول: لونها أبيض، والبائع يقول: لونها أسود، فمن القول قوله إذا اختلفا في صفة المبيع؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن القول قول المنكر، فمثلاً إذا قال المشتري: لونها أبيض، أو صفة البُر جيد، وقال البائع: بل صفة البُر متوسط، فالقول قول المنكر، هذا ما عليه جمهور أهل العلم، وعلى هذا يكون القول قول البائع؛ لأنهما يتفقان أنه رديء ولكن المشتري يدعي وصفاً، والبائع ينكر هذا الوصف، فنقول بأن القول قول البائع.

    ودليلهم على ذلك أن الأصل عدم هذه الصفة، فما دام أن الأصل عدم هذه الصفة فيكون القول قول البائع، ويؤيد ذلك ما تقدم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا اختلفا المتبايعان وليس بينهما بينة، فالقول ما يقول رب السلعة ).

    الرأي الثاني: رأي الشافعية، أنهما يتحالفان كما سلف.

    والصواب في هذا ما عليه أكثر أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    خيار الخلف لتغير ما تقدمت رؤيته

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: ( ولتغير ما تقدمت رؤيته ) صورة ذلك: اشترى السلعة برؤية متقدمة، فرأى هذه السلعة عند البائع، وبعد أن رآها بفترة اشتراها، فلما تم العقد وأخذ المشتري السلعة ادعى أنها قد تغيرت، وأنه رآها على صفة، والآن هي على صفة أخرى، فمن القول قوله؟

    العلماء رحمهم الله لهم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن القول قول المشتري، وهذا هو المشهور من المذهب، وهو قول الشافعية، ودليلهم على ذلك أن الأصل براءة المشتري من الثمن، فلا يلزمه الثمن ما لم يعترف بالمثمن.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية والمالكية، أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير، والأقرب في هذه المسألة أن القول قول البائع؛ لأن الأصل عدم التغير، وأيضاً أن الأصل هو بقاء العقد، فالمشتري يدعي عدم ثبوت العقد، والأصل بقاء العقد.

    1.   

    القبض

    قال رحمه الله: (فصل).

    هذا الفصل عقده المؤلف رحمه الله لبيان حكم التصرف في المبيع قبل قبضه، وبم يكون القبض، وإذا تلف المبيع قبل قبضه فمن يضمنه؟ وكذلك أيضاً ما يتعلق بحكم الإقالة.

    1.   

    البيع بالتقدير

    قال رحمه الله: (ومن اشترى مكيلاً ونحوه صح).

    المراد بقوله: (ومن اشترى مكيلاً ونحوه) يعني اشترى ما بيع بتقدير؛ لأن المبيع لا يخلو من أمرين: مبيع بيع بتقدير، ومبيع بيع جزافاً بغير تقدير.

    فمثال الأول: ما بيع بتقدير، كأن يقول: بعتك هذا القطيع من الغنم كل واحدة بكذا وكذا، أو بعتك هذا البُر كل مُد بريال، لهذا سمي مبيعاً بيع بتقدير، فالذي يُباع بتقدير يحتاج إلى توفية، يعني يحتاج إلى أن نقدره بما بيع به.

    القسم الثاني: مبيع بيع جزافاً بغير تقدير، مثال ذلك: كأن يقول: بعتك هذا الغنم، أو بعتك هذا القطيع من الشياة بعشرة آلاف ريال، أو بعتك هذا الدكان بخمسين ألف ريال، فهذا بيع جزافاً بدون تقدير.

    فتلخص لنا أن قوله: (ومن اشترى مكيلاً) يعني بذلك ما بيع بتقدير، وهذا القسم الأول، وكلا القسمين -ما بيع بتقدير أو بيع بغير تقدير- كل منهما له أحكام، فما بيع بتقدير فقد يكون التقدير بالكيل، وقد يكون بالوزن، وقد يكون بالعد، وقد يكون بالذرع، هكذا يكون التقدير.

    فالكيل مثاله: بعتك هذا البُر كل مُد بريال، وبالوزن كأن يقول: بعتك هذا اللحم، أو الشحم، كل كيلو بريال، وبالعد يقول: بعتك هذه الكتب كل كتاب بريال، وبالذرع يقول: بعتك هذا الثوب كل متر أو كل ذراع بريال أو بريالين، فهذا القسم الأول وهو ما بيع بتقدير.

    فهذا الحكم الأول، فإذا اشتريت ما بيع بتقدير -وإن لم يُقدر- فالعقد صحيح.

    لزوم العقد

    قال رحمه الله: (ولزم بالعقد).

    هذا الحكم الثاني: نقول بأنه لازم بالعقد. إذاً العقد صحيح، والعقد أيضاً يكون لازماً.

    وقوله: ( ولزم بالعقد ) يعني إذا لم يكن هناك خيار، فإن كان هناك خيار مجلس، أو خيار شرط فهذا لا إشكال أنه غير لازم، ولكن المقصود إذا لم يكن هنالك شيء من الخيار.

    بطلان التصرف قبل القبض

    قال رحمه الله: (ولم يصح تصرفه فيه حتى يقبضه).

    هذا الحكم الثالث من الأحكام المتعلقة بما بيع بالتقدير، قال المؤلف رحمه الله: (أنه لا يصح تصرفه فيه حتى يقبضه) وظاهر كلام المؤلف رحمه الله (أنه لا يصح تصرفه فيه) أنه يشمل البيع وغيره. يعني: ما بيع بتقدير لا يصح لك أن تتصرف فيه بالبيع ولا بالتأجير ولا بالوقف ولا بالهبة ولا بالمساقاة، ولا بالمزارعة، فما بيع بتقدير يقول المؤلف: لا يصح أن تتصرف فيه يعني أنت محجور عليك أيها المشتري حتى تقبضه.

    وهذا كما سلف ظاهر كلامه، وأنه يشمل سائر العقود، وإن كانوا يستثنون بعض التصرفات، فمثلاً يقولون: يصح عتقه، مثلاً: لو أنه اشترى رقيقاً بتقدير كل رقيق بكذا وكذا، فيصح أن تُعتق بعض هذا الرقيق مع أنك ما قبضته، ويقولون: يصح الوصية به، فيصح أن تجعله مهراً، فمثلاً اشتريت بُراً بتقدير كل مُدٍ بريال، فيصح أن تجعله مهراً؛ لأن المرأة اشترت ذلك، ويصح أن تجعله عوض خُلع كذلك.

    فالمهم: أن التصرف في المبيع قبل قبضه، إذا كان هذا المبيع بيع بتقدير في الجملة ففيه رأيان:

    الرأي الأول: لا يصح لك أن تتصرف فيه، وإن كانوا يستثنون بعض التصرفات، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني: أنه يصح لك أن تتصرف فيه كل التصرفات، إلا مسألة واحدة فقط، وهي البيع، كل التصرفات يصح لك أن تتصرف فيها بما بيع بتقدير إذا كان البيع قبل قبضه، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ولكن استثنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مسألتين:

    المسألة الأولى: إذا باعه تولية، فيقول: يصح أن يبيعه قبل أن يقبضه إذا كان بيعه له تولية، فمثلاً اشترى هذا الثوب الذي يحتاج إلى تقدير بالذرع، حتى الآن لم يقبضه، ذهب المشتري وباعه برأس ماله تولية، فيصح ذلك لماذا؟ أو ما هي العلة أن الشارع منعك أن تتصرف في هذا المبيع قبل قبضه؟

    قال شيخ الإسلام: إن العلة في ذلك أن المشتري قد يعجز عن تخليص المبيع إذا رأى البائع أن المشتري قد ربح، ولهذا قال لك الشارع دفعاً للخلاف والنزاع والشقاق، قال: لا تتصرف فيه حتى تقبضه، فالعلة التي يقول بها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه ربما أن المشتري ربح، فإذا ربح المشتري قد لا يتمكن من تخليص السلعة، ولو قلنا له: تبيع قبل أن تقبض، وربح مثلاً، فقد لا يتمكن من تخليص السلعة من البائع، فيدعي الغبن أو يدعي الغرر أو يدعي التدليس، فالمهم أنه سيدعي، فلهذا قال: لا تتصرف فيه قبل قبضه.

    وإذا باع المشتري السلعة تولية، فهل العلة هنا موجودة أو غير موجودة؟ غير موجودة؛ لأنه سيستطيع أن يخلصه، بل البائع يتبين له أنه لم يقبل، فإذا باعه تولية فإنه يجوز له ذلك قبل قبضه. وهذه المسألة الأولى التي يستثنيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    والمسألة الثانية: قال: إذا باعه على البائع فلا بأس؛ لأنه قد حصل التسليم، مادام أنه بيد البائع فالتسليم حاصل، فالمشتري إذا باع السلعة على البائع فلا بأس في ذلك، وليس هناك حاجة إلى أن يقبضها ثم يرجع ويبيعها ويقبضها مرة أخرى للبائع، فنقول: التصرف الممنوع هو ما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو الراجح.

    أما سائر التصرفات في المبيع قبل قبضه فهذه جائزة، إلا ما يتعلق بمسألة واحدة فقط، وهي البيع وهو الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لو أنه وقف المبيع قبل قبضه، أو وهبه، أو عقد عليه عقد إجارة إلى آخره، فنقول بأن هذه التصرفات كلها جائزة، والذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو البيع، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يستوفيه )، كما في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وهذا ما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهو الصواب في هذه المسألة؛ لأن الأصل في المعاملات الحِل إلا في مسألة ما إذا باعه المشتري تولية، فإذا باعه المشتري تولية فعموم كلام النبي صلى الله عليه وسلم ( لا يبعه حتى يقبضه )، أنه لا يبعه ولو كان تولية حتى يقبض، وهذا هو الأحوط.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: (ومن اشترى مكيلاً ونحوه) أن المبيع الذي يُمنع من التصرف فيه قبل قبضه ليس خاصاً بالطعام، بل يشمل الطعام وغيره؛ لأنه قال: (ومن اشترى مكيلاً ونحوه) كالموزون والمعدود والمذروع ولم يقل: ومن اشترى طعاماً، فكل السلع على كلام المؤلف التي تحتاج إلى تقدير، أو بيعت بتقدير وتحتاج إلى توفية وتقدير، سواء كانت طعاماً أو كانت غير طعام، لا يجوز التصرف فيها قبل قبضها.

    واستدلوا على ذلك بحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه )، قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، إلا مثل الطعام، وهذا في الصحيحين.

    وكذلك أيضاً استدلوا بحديث عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بيع، ولا ربح ما لا يضمن )، فقالوا: كون الإنسان يربح في المبيع قبل قبضه وكونه يبيعه قبل أن يقبضه، فهذا يؤدي إلى أن يربح في شيء لم يدخل في ضمانه.

    واستدلوا بحديث زيد بن ثابت ( أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تُباع السلع حيث تُبتاع حتى يحوزها التجار إلى رحالهم ).

    والرأي الثاني في المسألة: أن الذي يُمنع من بيعه قبل قبضه هو الطعام خاصة، أما ما عدا ذلك من بقية السلع فلا بأس أن تبيعها قبل قبضها، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام مالك رحمه الله تعالى.

    بل المالكية يقولون: الذي يُباع بتقدير من الطعام، فليس كل طعام تُمنع من بيعه قبل قبضه، بل الذي تُمنع من بيعه قبل قبضه هو ما بيع بتقدير، وأما ما بيع جزافاً فإن للمشتري أن يبيعه قبل أن يقبضه.

    والصحيح في هذه المسألة أن النهي شامل، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات، وكما قال ابن عباس -وهذا هو فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم-: ولا أحسب كل شيء إلا مثله، إلا مثل الطعام، فالصواب في هذه المسألة أن نقول: إن كل سلعة بيعت فإنه لا يجوز للمشتري أن يبيعها، ويتصرف فيها بالبيع قبل قبضها.

    تلف المبيع قبل قبضه

    قال رحمه الله تعالى: (وإن تلف قبل قبضه).

    هذا هو الحكم الرابع، تقدم لنا الحكم الأول صحة العقد، والثاني لزومه، والثالث التصرف في المبيع قبل قبضه إذا بيع بتقدير، والحكم الرابع قال المؤلف: (وإن تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع) يعني: هذا الذي بيع بتقدير إذا تلف قبل قبضه فمن ضمان البائع.

    وعلى هذا: لو اشترى شخص هذه الغنم كل شاة بكذا وكذا ثم بعد ذلك تلفت هذه الشياة قبل أن يقبضها المشتري، أو اشترى هذا الحبحب وكل حبة بعشرة ريالات ثم تلفت قبل أن يقبضها المشتري فمن ضمان البائع.

    تلف المبيع بآفة سماوية

    قال رحمه الله تعالى: (وإن تلف بآفة سماوية بطل البيع).

    هذا الحكم الخامس إذا تلف بآفة سماوية بطل البيع، ومعنى ذلك: أنه إذا تلف بآفة سماوية يكون من ضمان البائع، فمثلا: لو اشترى هذا البُر كل مُد بريال ثم بعد ذلك جاءت الرياح وأتلفت هذا البُر، أو جاءت الأمطار وأفسدته، فما الحكم هنا؟

    يقول المؤلف: ( بطل البيع ) معنى ذلك: أن المشتري يرجع على البائع بالثمن، فيكون من ضمان البائع.

    وإن أتلفت هذه الآفة السماوية بعض المبيع دون بعض؟

    فالعلماء رحمهم الله يقولون: بأن المشتري مخير؛ لأن الصفقة بعضت عليه وقد يفوت غرضه، فإذا أتلفت النصف وبقي النصف، فالفقهاء يقولون: إن المشتري بالخيار إن شاء أخذ الباقي بقسطه من الثمن وإن شاء فسخ.

    والصحيح في ذلك أن يقال: إن الأصل بقاء العقد، فالأصل لزوم العقد إلا في حالة فوات غرض المشتري فإذا فات غرض المشتري، وتضرر بأخذ بعض الصفقة.

    فمثلاً: السلعة تساوي مائة صاع وأتلفت هذه الآفة السماوية الأصواع فما بقي إلا صاع أو صاعان ونحو ذلك ولا يستفيد منهما المشتري، فنقول: مادام أن غرضه قد فات فله الحق في الفسخ.

    إذا أتلف المبيع آدمي

    قال رحمه الله: (وإن أتلفه آدمي خُير مشترٍ بين فسخ، وإمضاء، ومطالبة متلفه ببدله).

    هذا الحكم السادس إذا كان المتلف لهذه السلعة قبل قبضها آدمي وليست آفة سماوية، والآفة السماوية: هي ما لا صُنع للآدمي فيه، والآفة غير السماوية ما للآدمي صُنع فيه.

    فإذا كان المتلف آدمي فمثلاً: لنفرض أن هذا الرجل اشترى مجموعة من الكتب وكل كتاب بريال أو مجموعة الأقلام وكل قلم بريال فجاء شخص وأحرق هذه الكتب أو هذه الأقلام فنقول للمشتري: أنت بالخيار إن شئت أن تطالب المتلف بالثمن، وإن شئت أن تطالب البائع، والبائع يرجع على المتلف.

    ولماذا قلنا بأن المشتري بالخيار؟ لماذا لا نقول بأنه من ضمان البائع ويرجع على البائع؟

    هم يقولون: المشتري يُخير؛ لأن هذا أوسع له؛ لأن مطالبة البائع قد تكون عسرة، وقد لا يتمكن من تخليص ماله من البائع ويتمكن من تخليص ماله من المتلف فيرجع على المتلف، وقد يكون بالعكس يتمكن من تخليص ماله من البائع، ولا يتمكن من تخليص ماله من المتلف؛ لكون المتلف ظالماً فيرجع على البائع والبائع يرجع على المتلف.

    وقوله رحمه الله: (ومطالبة متلفه ببدله).

    البدل هو: المثل في المثليات والقيمة في المتقومات، وسيأتينا إن شاء الله في باب القرض ما هو ضابط المثل، وما هو ضابط القيمة؟

    1.   

    بيع الجزاف

    قال رحمه الله: ( وما عداه ).

    لما أنهى المؤلف رحمه الله تعالى القسم الأول من قسمي البيع باعتبار التقدير وعدم التقدير وأن المبيع لا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: مبيع بيع بتقدير سواء بكيل أو وزن أو عد أو ذرع.

    والقسم الثاني: مبيع بيع جزافاً بلا تقدير فلا يحتاج إلى توفية، وسبق أن المبيع بتقدير الذي يحتاج إلى توفية تترتب عليه ستة أحكام، والآن شرع المؤلف رحمه الله في القسم الثاني وهو ما بيع جزافاً بلا تقدير فقال: ( وما عداه ) يعني ما عدا القسم الأول الذي بيع بتقدير.

    قال رحمه الله: ( وما عداه يجوز تصرف المشتري فيه قبل قبضه ).

    هذا القسم الثاني، والأحكام المترتبة عليه هي: الحكم الأول: ما بيع جزافاً بلا تقدير العقد صحيح، والحكم الثاني: أن العقد لازم -كما سلف- ما لم يكن هناك خيار شرط أو خيار مجلس، والحكم الثالث: من حيث التصرف هل يجوز التصرف فيه قبل قبضه أو نقول بأنه لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه؟

    التصرف فيما بيع جزافاً قبل قبضه

    قال رحمه الله: ( يجوز التصرف فيه قبل قبضه ) وعلى هذا لو اشتريت هذا القطيع من الأغنام لم تشتر هذا القطيع بتقدير وإنما اشتريته جزافاً، أو هذه السيارة فيها أغنام ثم اشتريتها بعشرة آلاف، فيجوز لك على كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن تبيع هذه الأغنام قبل قبضها وكذلك يجوز لك سائر التصرفات، فيجوز لك وقفها وهبتها وجعلها مهراً، أو عوض خلع، فهذه التصرفات كلها تجوز فيها قبل قبضها، فما دامت أنها لم تُبع بتقدير يجوز لك ذلك، أو مثلاً: اشترى هذا المجموع من الحبحب قبل أن يقبضها، فيجوز له أن يتصرف فيها قبل قبضها، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أنه لا فرق في التصرف بين ما بيع بتقدير أو بغير تقدير، وأنه لا يجوز التصرف فيه قبل قبضه لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: ( من ابتاع طعاماً فلا يبعه حتى يقبضه )، وهذا يشمل ما إذا كان المبيع بتقدير أو كان بغير تقدير، وهذا القول هو الصواب.

    هم يستهلون هذه المسألة بما بيع برؤية متقدمة أو بيع بوصف فيرون أنه لا يُباع إلا بعد قبضه، وعلى هذا ما بيع بتقدير أو بيع برؤية متقدمة أو بوصف فهذا لا يُباع إلا بعد قبضه، فمثلاً لو قال: عندي سيارة صفتها كذا وكذا وكذا بعتها عليك، فقال: قبلت، فهنا السيارة لا تحتاج إلى تقدير، فهل يجوز له أن يتصرف فيها أو لا يجوز؟

    الأصل: أنه يجوز له أن يتصرف فيها؛ لأن القاعدة عندهم أن ما بيع جزافاً بلا تقدير يجوز للمشتري أن يتصرف فيه، لكن يقولون: هاتان المسألتان مستثنيتان:

    المسألة الأولى: إذا كان البيع عن طريق الوصف فليس لك أن تتصرف فيها حتى تقبضها.

    فمثلاً لو قال: بعتك سيارتي التي صفتها كذا وكذا وموديلها كذا ولونها كذا، فقال: قبلت، فهل يجوز للمشتري أن يتصرف قبل أن يقبض؟ يقولون: لابد أن يقبض ثم يبيع، فإذا بيعت برؤية متقدمة أي رأى هذه السلعة عنده قبل يومين أو ثلاثة مثلاً، ثم بعد ذلك اشتراها منه وهي غائبة فيقولون: ليس له أن يبيعها حتى يقبضها.

    أما ما بيع جزافاً أو برؤية حاضرة فله أن يتصرف فيها قبل أن يقبضها.

    مثلاً باعه السيارة والسيارة موجودة الآن وقبل أن يقبضها المشتري تصرف فيها بالبيع، فعلى المشهور من المذهب أن هذا جائز ولا بأس به.

    فتلخص لنا: على المذهب أنه لا بد من قبض ما بيع بتقدير، وكذلك أيضاً ما بيع بوصف وما بيع برؤية متقدمة، وما عدا ذلك سواء بيع جزافاً بلا تقدير أو بيع برؤية حاضرة فهذا يجوز للمشتري أن يتصرف فيه قبل قبضه.

    وذكرنا الرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجوز التصرف في المبيع حتى يقبض لعموم الأدلة، وكما أسلفنا أن التصرف الذي يُمنع منه إنما هو البيع فقط أما بقية التصرفات فهذه جائزة.

    الضمان على من أتلف بيع الجزاف

    قال رحمه الله: ( وإن تلف ما عدا المبيع بكيل ونحوه فمن ضمانه ما لم يمنعه بائع من قبضه ).

    هذا الحكم الرابع: ما بيع بلا تقدير هل هو من ضمان المشتري أو من ضمان البائع؟ نحن ذكرنا أن ما بيع بتقدير فهذا من ضمان البائع، وأما ما بيع بلا تقدير أي بيع جزافاً فيقول المؤلف رحمه الله بأنه من ضمان المشتري.

    وعلى هذا: لو باعه الكتب جزافاً أو البُر جزافاً أو الحبحب جزافاً ونحو ذلك، وقبل أن يقبضه المشتري تلفت هذه الأشياء، كأن جاءت أمطار وأتلفتها أو رياح أو حرائق أو نحو ذلك فنقول: بأنها من ضمان المشتري.

    ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( مضت السنة أن ما أدركته الصفقة حياً مجموعاً فهو من مال المشتري ) وهذا أخرجه البخاري معلقاً.

    قوله رحمه الله: ( ما لم يمنعه بائع من قبضه ) يعني: فإذا منعه البائع من قبض السلعة حتى تلفت فنقول بأنها من ضمان البائع؛ لأن البائع كالغاصب، فالواجب عليه أن يُسلم السلعة إلى المشتري، فإذا طالبه المشتري فقال: أعطني السلعة فماطل حتى تلفت هذه السلعة فنقول: بأنها من ضمان البائع، إلا إذا كان التأخير لشيء جرى به عُرف التجار فمن ضمان المشتري، ولكن إذا زاد على ذلك فنقول بأنه من ضمان البائع؛ لأنه كالغاصب.

    فتلخص لنا: أن الذي يكون من ضمان البائع هو ما بيع بتقدير، أو بيع برؤية سابقة أو وصف فهذه تكون من ضمان البائع.

    ومثله أيضاً أضاف العلماء الثمر على النخل: إذا تلف فإنه يكون من ضمان البائع، وهذا سيأتينا إن شاء الله في أحكام الجوائح في باب بيع الأصول والثمار، وأنه يجوز بيع الثمرة بعد بدو الصلاح فإن تلفت قبل أن يتسلمها المشتري؛ لأن المشتري يحتاج إلى أن يتركها، يعني: إذا بدأت تحمر وتصفر فيجوز للبائع أن يبيع، ولكن المشتري لن يتمكن من الأخذ حتى يتم الصلاح فإذا تلفت فهي من ضمان البائع.

    1.   

    الخلاصة فيما بيع بتقدير أو بغير تقدير

    فتلخص لنا: أن ما بيع بتقدير سواء بكيل أو وزن أو عد أو ذرع، فمن ضمان البائع، وكذلك ما بيع برؤية سابقة أو وصف يكون من ضمان البائع، وكذلك الثمر على رؤوس الشجر نقول: بأنه من ضمان البائع.

    وتلخص لنا أيضاً أن المبيع ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ما بيع بتقدير يحتاج إلى توفية كالمبيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع.

    القسم الثاني: ما بيع جزافاً ولا يحتاج إلى توفية أي بيع جزافاً بلا تقدير ولا يحتاج إلى توفية.

    وأن ما بيع بتقدير له أحكام مترتبة عليه هي:

    الحكم الأول: صحة العقد.

    الحكم الثاني: لزومه ما لم يكن هناك خيار.

    الحكم الثالث: أنه من ضمان البائع، ويضاف إلى ذلك ثلاث مسائل:

    المسألة الأول: ما بيع برؤية سابقة، والمسألة الثانية: ما بيع بوصف، والمسألة الثالثة: الثمر على رؤوس الشجر.

    الحكم الرابع: أنه إذا تلف بآفة سماوية بطل البيع.

    الحكم الخامس: أنه إذا أتلفه آدمي فإن المشتري مخير بين أن يطالب البائع وبين أن يطالب المتلف، فهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: ما بيع جزافاً بلا تقدير، فنقول أيضاً: الحكم الأول: صحة العقد، الحكم الثاني: لزومه ما لم يكن هناك خيار، الحكم الثالث: أنه من ضمان المشتري، الحكم الرابع: ما يتعلق بالتصرف أيضاً نقول: يصح التصرف فيه على المذهب إلا ما بيع برؤية سابقة أو وصف فيقولون: لا يصح التصرف فيه والمذهب أنه يصح التصرف فيه.

    كما أن ما بيع بتقدير لا يصح التصرف فيه، وما المراد بالتصرف؟ قلنا: الصحيح أن المراد بالتصرف هو البيع، وهل هو شامل لكل السلع أو أنه خاص بالطعام؟ نقول: أكثر أهل العلم على أنه شامل لكل السلع.

    1.   

    ما يحصل به القبض

    قال رحمه الله: (ويحصل قبض ما بيع بكيل أو وزن أو عد أو ذرع بذلك).

    هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى في هذه الجملة ما يحصل به القبض لما قال: (ما بيع بتقدير) فما بيع بتقدير لا يُتصرف فيه حتى يُقبض، فما هو القبض؟ قال: (ما بيع بكيل) قبضه الكيل هذا المشهور من المذهب، أن ما بيع بكيل قبضه بكيل.

    فمثلاً الأرز باع هذا الأرز كل مُدٍ بريال، فلا يحصل قبض المشتري له إلا أن يكيله له البائع، فإذا كاله حصل القبض حتى وإن لم ينقله المشتري من مكانه.

    والرأي الثاني: أنه لا يحصل القبض إلا بأمرين: الأمر الأول: الكيل، والأمر الثاني: النقل لابد أن ينقله من مكان البائع.

    مثله أيضاً: ما بيع بعد فلابد من العد والنقل، ومثله: ما بيع بذرع أو ما بيع بوزن، فالمشهور من المذهب أنه يكفي التقدير ولا حاجة إلى النقل، والرأي الثاني: أنه لا يُكتفى بالتقدير وهذا رأي المالكية والشافعية.

    ويدل لذلك حديث ابن عمر قال: ( كنا في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم نبتاع الطعام فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله من المكان الذي ابتعناه فيه إلى مكان سواه قبل أن نبيعه ) وهذا حديث في صحيح مسلم .

    أنواع القبض

    قال رحمه الله: (وفي صبرة وما ينقل بنقله، وما يتناول بتناوله، وغيره بتخليته).

    (وفي صبرة) الصبرة هي: الشيء المجموع من الطعام ونحو ذلك.

    قوله: (وما يُنقل بنقله).

    قلنا: الصبرة: مجموعة من الطعام قبضها بنقلها، وكذلك أيضاً ما يُنقل يكون بنقله كالثياب والحيوانات، يكون بنقله.

    قوله: (وما يُتناول بتناوله).

    فالأشياء التي تتناول مثل الذهب ومثل الأقلام ومثل الساعات تكون بالتناول.

    قوله: (وغيره بتخليته) يعني مثل العقار، ومثل التمر على الشجر يكون بالتخلية، بأن يخلي البائع بينك وبين هذه الأشياء.

    والخلاصة في ذلك: هو: (ويحصل قبض ما بيع بكيل، أو وزن، أو عد، أو ذرع) ذكرنا رأيين: المذهب أنه يكفي التقدير، والرأي الثاني: أنه لابد مع التقدير من النقل كما هو قول المالكية والشافعية.

    والصبرة يكون قبضها بالنقل، فما يُنقل يكون قبضه بنقله، وما يُتناول يكون قبضه بتناوله، وما يُخلى يكون قبضه بتخليته كالعقار والثمر على رؤوس الشجر.

    الخلاصة في مسألة حصول القبض

    والخلاصة في ذلك: أن نقول: بأن القبض مرجعه للعُرف، فإذا تعارف الناس على أن هذا قبض، فنقول: بأنه قبض شرعاً، هذا الذي يظهر والله أعلم، وهذا هو رأي الحنفية في الجملة.

    فعُرف الناس الآن أن ما يتناول قبضه بتناوله مثل الساعة، فهذه قبضها بتناولها، والثوب إذا اشتريته فقبضه أن تأخذه بيدك، والقلم قبضه أيضاً أن تأخذه بيدك وهكذا، والذهب أن تقبضه بيدك، والحيوانات قبضها أن تأخذها بيدك..، والسلع الكبيرة مثل الحديد والأخشاب، والمكائن الكبيرة ونحو ذلك بعض العلماء يُلحقها بالعقارات ويكون القبض فيها بالتخلية، بأن يُخلي بينك وبينها حتى تتمكن منها؛ لأن السلع الآن اختلفت، فالسلع الآن ليست كالسلع في الزمن السابق، فالآن قد توجد أطنان الحديد والأخشاب والمكائن الكبيرة فمثل هذه الأشياء إذا وثقت بالأوراق وتمكن المشتري من أخذها فهذا هو القبض.

    أما بالنسبة للحيوانات والأعداد اليسيرة فهذه قبضها في أخذها وأن يُمسكها، مثل قبض السيارات الآن، فبعض العلماء يقول: قبضها أن تُكتب في الأوراق الرسمية وأن تُخرجها من مكان البائع، وبعض العلماء يقول: يكفي إذا سُجلت في الأوراق الرسمية فهذا قبض لها بحيث أن المشتري يكون متمكناً منها، فما دام أنه متمكن من التصرف فيها فإنه يكون قد قبضها.

    كذلك أيضاً نفهم مسألة، وهي أن المكان قد يكون مكاناً عاماً فهذا مما يهون مسألة الضبط، فمثلاً: إذا كان المكان مكاناً عاماً وليس خاصاً بالبائع فهذا يكفي أن يُخلى، وإذا كان يحتاج إلى تقدير فلابد من التقدير، ولكن هل لابد من النقل نقول: يكفي أن يُخلي البائع بين المشتري وبين هذه السلعة إذا كان المكان عاماً.

    والأشياء التي تكون يسيرة مثل ما يكال ويوزن ويُعد وهي أمور يسيرة فهذه نقول كما قال المالكية والشافعية: لابد من التقدير ولابد من النقل، ولكن قد تكون الأشياء كبيرة وكثيرة، مثلاً البطيخ أشياء كثيرة كما يوجد الآن فهل نقول: إذا بيع بتقدير مثل هذه الأشياء لابد أن ينقلها المشتري أو نقول إذا تمكن منها مع وجود الوثائق؟ فالذي يظهر أن مثل هذه الأشياء الكبيرة نلحقها بالعقارات، والله أعلم. وصلى الله على محمد وآله وسلم.