إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يثبت الخيار في البيع إذا كان في المبيع غبن يخرج عن العادة، أو كان فيه تدليس، أو عيب ينقص من قيمته، وللمشتري إذا علم بالعيب حق الفسخ وأخذ الثمن، أو الأرش مع إمساك المبيع، وفسخ البيع لا يحتاج إلى حكم أو رضا أو حضور صاحبه.

    1.   

    تابع ثالثاً: خيار الغبن

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة وبزيادة الناجش والمسترسل.

    الرابع: خيار التدليس، كتسويد شعر الجارية وتجعيده، وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها.

    الخامس: خيار العيب، وهو ما ينقص قيمة المبيع، كمرضه وفقد عضو أو سن أو زيادتهما، وزنا الرقيق وسرقته، وإباقه وبوله في الفراش، فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه -وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب- أو رده وأخذ الثمن، وإن تلف المبيع أو عتق العبد، تعين الأرش، وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسره كجوز هند، وبيض نعام، فكسره فوجده فاسداً فأمسكه فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره، وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن، وخيار عيب متراخ، ما لم يوجد دليل الرضا، ولا يفتقر إلى حكم، ولا إلى رضا، ولا إلى حضور صاحبه، وإن اختلفا عند من حدث العيب، فقول مشتر مع يمينه، وإن لم يحتمل إلاَّ قول أحدهما قبل قول المشتري بلا يمين].

    تقدم لنا ما يتعلق بخيار الشرط، وذكرنا تعريفه، وأن الأئمة متفقون عليه، وتقدم لنا ما يثبت به خيار الشرط من العقود، وأن العلماء رحمهم الله لهم في ذلك اتجاهان: الاتجاه الأول: ما يتعلق بالعد، والاتجاه الثاني: ما يتعلق بالحد والضبط، وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة هو الاتجاه الثاني، وأن شرط خيار الشرط يكون في سائر العقود، وهذا ما اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وتقدم لنا أيضاً ما يتعلق بالملك في زمن الخيارين، لمن يكون؟ كذلك أيضاً ما يتعلق بالتصرفات في المبيع في زمن الخيارين، وذكرنا أن التصرفات في المبيع في زمن الخيارين تنقسم إلى خمسة أقسام، وذكرنا هذه الأقسام، ثم بعد ذلك شرعنا في خيار الغبن.

    وقال المؤلف رحمه الله: ( الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة ).

    ذكرنا تعريف الغبن في اللغة والاصطلاح، والمشهور من المذهب أن الغبن يكون في ثلاث صور:

    الصورة الأولى: تقدمت لنا، وهي ما يتعلق بتلقي الركبان، وذكرنا أيضاً ما يتعلق بتلقي الركبان من مسائل.

    النجش

    الصورة الثانية من صور الغبن: قال المؤلف: ( وبزيادة الناجش ).

    والنجش في اللغة: الإثارة، ومنه نجشت الصيد إذا أثرته.

    وأما في الاصطلاح: فهو الزيادة في الثمن ممن لا يريد الشراء.

    وسواء كانت هذه الزيادة بمواطأة واتفاق بين البائع وبين الناجش أو لم يكن ذلك بمواطأة ولا اتفاق، فإن النجش محرم ولا يجوز، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ [النساء:29] ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه )، ولا شك أن المشتري لا يرضى بهذه الزيادة، والنجش محرم ولا يجوز، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولا تناجشوا ).

    وكما أسلفنا أن النجش لا يجوز سواء كان بمواطأة واتفاق بين الناجش والبائع أو لم يكن، وسواء قصد الناجش نفع البائع أو مضرة المشتري، أو لم يقصد شيئاً من ذلك، المهم أن النجش محرم ولا يجوز.

    ومن صور النجش أن يقول البائع: أعطيت بها كذا وكذا وهو كاذب، كأن يقول: سيمت مني هذه السيارة بكذا وكذا وهو كاذب، فإن هذا من صور النجش.

    المسترسل

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (والمسترسل).

    هذه الصورة الثالثة من صور خيار الغبن، والمسترسل في اللغة: مأخوذ من استرسل إذا اطمئن.

    وأما في الاصطلاح: فهو من جهل القيمة ولا يحسن المماكسة، والمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن المسترسل من جهل القيمة ولا يحسن المماكسة، فلابد من هذين الأمرين، وعلى هذا إذا كان يعلم بالقيمة، ولكنه لا يحسن المماكسة فليس مسترسلاً، وإن كان يحسن المماكسة ويجهل القيمة فليس مسترسلاً، وعلى هذا لا يثبت الخيار؛ لأنهم يقولون: لابد من هذين الأمرين: أن يكون جاهلاً بالقيمة، وكذلك أيضاً ألا يحسن المماكسة.

    وعموماً فهم يقولون كما أسلفنا: إن خيار الغبن لا يثبت إلا في هذه الصور الثلاث: في تلقي الركبان، وزيادة الناجش، والمسترسل، والصواب في ذلك: أن الغبن يثبت في هذه الصور الثلاث وفي غيرها، فمن غبن غبناً يخرج عن العادة، سواء كان بائعاً أو كان مشترياً، فإن الخيار يثبت له، سواء في هذه الصور أو في غيرها من الصور، فهذا هو الضابط.

    وقوله: (يخرج عن العادة)، أي: يخرج الغبن اليسير الذي اعتاده الناس، كأن يكون الكتاب بعشرة، فيشتريه بأحد عشر، فهذا قدر يسير تعارف عليه الناس، فهذا لا يخرج عن العادة، وإنما مثل هذه الأشياء ترجع إلى الحذق في الشراء، وحسن المماكسة ونحو ذلك، أو مثلاً السيارة بعشرة آلاف فيشتريها بعشرة آلاف ومائة، أو بعشرة آلاف ومائتين، فهذا لا بأس به، فما جرى العرف أن الناس يتغابنون فيه فإنه لا يثبت فيه الخيار؛ لأن هذا يشق التحرز عنه، وقد لا ينضبط، أما ما جرى العرف على أنه كثير وأن هذا لا يتغابن فيه الناس، وإنما يتغابن فيه أفراد الناس فهذا يثبت فيه خيار الغبن.

    ضابط الربح

    وهنا مسألة وهي الربح، هل له ضابط بحيث لا يتجاوزه البائع أو نقول بأنه ليس له ضابط؟

    الأصل أنه ليس له ضابط، كما تقدم لنا في حكم التسعير، وأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لما غلى السعر قالوا: ( سعّر لنا يا رسول الله! فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الله هو المسعّر، القابض، الباسط.. ) ، وذكرنا فيما سلف أن التسعير ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون ارتفاع السعر بسبب الخلق كالاحتكار ونحو ذلك، فهذا التسعير بحق.

    والقسم الثاني: أن يكون ارتفاع السعر بسبب الله سبحانه وتعالى -بسبب الخالق لا بسبب الخلق- فهذا التسعير بغير حق، وهذا هو الذي لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم. والمهم: أن الأصل في الربح أنه لا حد له، وعندنا أصل آخر وهو أن الأصل في مال المسلم، بل وفي مال المعصوم سواء كان مسلماً أو غير مسلم، الأصل في ذلك هو الحرمة، ولا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة نفس منه.

    وعلى هذا: نأخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن مقدار الربح أن يبيع السلعة بسعر مثلها، وأنه إذا زاد مما يتغابن عليه الناس فإن هذا لا بأس به، وإذا زاد على ما فوق ذلك فإنه لا يجوز، فالمؤلف رحمه الله حدد لك. وقال: الذي يثبت فيه الخيار هو ما لم تجر به عادة الناس أنهم يتغابنون فيه، وما زاد على ذلك فإنه يثبت فيه الخيار، وبعض العلماء حده بالسدس، يعني إذا زاد على السدس، وبعض العلماء حده بالثلث، وهذا الذي يظهر والله أعلم؛ أنه يحد بالثلث؛ لأن الإرجاع إلى العادة قد لا تنضبط، وقد تختلف السلع.

    وعلى هذا نقول: الإنسان ينظر إلى السلعة وكم تكلفت عليه، ثم بعد ذلك لا يزيد على الثلث في الربح؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث سعد قال: ( الثلث، والثلث كثير )، فمثلاً إذا كانت هذه السلعة قد تكلفت عليه بعشرة ريالات فإنه لا يزيد إلى خمسة عشر وإنما يزيد إلى ثلاثة عشر، فإذا ضبط بهذا فإنه لا يكون هناك ظلم للناس، كما أن البائع إذا أخذ الثلث فإنه يربح.

    ويستثنى من ذلك بعض السلع التي ترتفع أسعارها، يعني يتعارف الناس على أن هذه هي أسعارها حتى ولو زادت على الثلث، مثل العقارات، ومثل السلع التي لا تكون مبذولة، فما يتعلق بالعقارات، فهذه أسعارها، يتعارف الناس على أنها قد ترتفع؛ لأن العقار ليس كسائر السلع المبذولة.

    ولهذا العلماء رحمهم الله يفردون العقار بأحكام خاصة، وسيأتينا في باب الحجر أن القُصَّر لا يباح عقارهم إلا عند الغبطة يعني عند الربح الظاهر، أو عند الضرورة كأن يحتاجوا إلى طعام وشراب، وما عدا ذلك فلا يباح، لكن بالنسبة لغير العقار كثوبه وسيارته فللولي أن يتصرف في ذلك.

    وما يتعلق بالعقارات فالعلماء يفردونها بأحكام.

    فنقول: ما يتعلق بالعقارات قد يتعارف الناس أنه قد تزيد أسعارها إلى المضاعفة، وكذلك أيضاً السلع التي ليست مبذولة وتكون قليلة ونادرة، فقد تقل السلع وترتفع الأسعار، وهذا بفعل الله سبحانه وتعالى، فنقول: هذا لا ينضبط فيه، لكن ما عدا ذلك وهي سائر السلع المبذولة عند الناس، فنقول: إذا ضبطت بالثلث فهذا وسط.

    1.   

    رابعاً: خيار التدليس

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( الرابع: خيار التدليس ).‏

    تعريف التدليس

    التدليس في اللغة: مأخوذ من الدُلسة وهي الظلمة، كأن البائع جعل المشتري في ظلمة معنوية لما دلس عليه السلعة.

    وأما في الاصطلاح فالتدليس: أن يظهر الرديء بمظهر الجيد، والجيد بمظهر الأجود لكي يزيد الثمن.

    أنواع التدليس

    التدليس نوعان:

    النوع الأول: ما يتعلق بكتمان العيب، وهذا سيأتينا إن شاء الله في خيار العيب.

    والنوع الثاني: ما يزيد به الثمن، وهو أن يظهر الرديء بمظهر الجيد، والجيد بمظهر الأجود لكي يزداد من الثمن.

    قال المؤلف رحمه الله: ( كتسويد شعر الجارية وتجعيده ).

    هذه أمثلة ضربها المؤلف رحمه الله كانت موجودة في عصره، أما في وقتنا الحاضر فيوجد التدليس كثيراً كتغيير أسماء المصانع على السلع، وتغيير البلدان التي صنعت فيها هذه الصناعات، وتغيير العلامات التجارية، وتغيير أسماء الشركات ونحو ذلك، فهذا كله داخل في التدليس، ومن التدليس في بيع السيارات تغيير ما يتعلق بعداد السيارة، فتجد أن السيارة مشت مائة ألف فيجعلها مشت خمسين ألفاً، فهذا ضرب من التدليس المحرم.

    أما ما يتعلق بغسل السيارة وترميم السيارة فهذه الأشياء واضحة للناس فلا تكون داخلة في التدليس، فالأشياء التي تكون معروفة عند الناس هذه لا تكون داخلة في التدليس، لكن الأشياء التي تخفى على الناس تكون داخلة في التدليس، يعني كونه يغسل السيارة، ويصلح ما فيها من العيوب، لا نقول بأن هذا داخل في التدليس؛ لأن هذا أمر ظاهر ومعروف عند الناس، لكن الذي يدخل في التدليس هو الذي يخفى على الناس بحيث أنه يظهر الجيد بصورة الأجود، والرديء بصورة الجيد كما سلف.

    ومن التدليس في بيع الخضار أو الفواكه أنه يظهر الجيد في الأعلى والمعيب تجده يكون في الأسفل، فهذا أيضاً ضرب من التدليس.

    وقول المؤلف: ( كتسويد شعر الجارية )، يعني أن يصبغ شعر الجارية المبيعة باللون الأسود، فتظهر أنها أقل في السن.

    وقوله: ( وتجعيده )، يعني جعله جعداً وليس سبطاً؛ لأن جعودة الشعر تدل على قوة البدن، ولا شك أن هذا وصف مقصود بمثل هذه الجارية.

    قال المؤلف رحمه الله: ( وجمع ماء الرحى وإرساله عند عرضها ).

    قوله: (وجمع ماء الرحى) يعني الماء الذي تدور به الرحى.

    ( وإرساله عند عرضها ) أي: عند عرضها للبيع؛ لأنه إذا أرسله بعد أن حبسه فإنه يشتد دوران الرحى، فإذا انصب الماء قوياً قوي الرحى فيكثر الطحن للحب، والرحى هي التي تطحن الحب ولها مراوح، وهذه المراوح يرسل عليها الماء، فإذا أرسل عليها الماء تحركت هذه المراوح، فإذا تحرك هذه المراوح تحرك الرحى وطحن الحب، فعندما يحبس الماء ثم يرسله بقوة، فتدور المراوح بقوة، فتدور الرحى بقوة فيكثر الطحن، فيظن أن هذه العادة لها، فهذا من التدليس.

    ومن التدليس أيضاً أن يحبس اللبن في ضروع البهائم حتى يكثر، فيظن المشتري أن هذه عادة لها، وفي حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تصروا الإبل والغنم، فمن ابتاعها فهو بخير النظرين بعد أن يحلبها؛ إن شاء أمسك وإن شاء ردها وصاعاً من تمر ).

    وهذه صور التدليس التي ذكرها المؤلف رحمه الله، وقد ذكرنا بعض الصور الموجودة في هذا الوقت.

    الخيار عند وقوع التدليس

    وحكم التدليس أنه محرم ولا يجوز، فإذا تبين للمشتري أن البائع قد دلس عليه أو تبين للبائع أن المشتري قد دلس عليه في الثمن فنقول: بأنه يثبت فيه الخيار.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن التدليس يثبت به الخيار إذا حصلت زيادة الثمن، سواء كانت هذه الزيادة قليلة أو كثيرة؛ لأن هذا من الغش، والواجب هو النصيحة كما في الحديث: ( إن صدقا وبينا بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما )، ومن التدليس كما ذكرنا تصرية الإبل: ( لا تصروا الإبل والغنم )، وذلك أن تربط ضروعها حتى يجتمع اللبن ثم بعد ذلك تباع، فإذا وجد المشتري أنه قد دلس عليه في هذه البهيمة، فالنبي صلى الله عليه وسلم قطعاً للنزاع أوجب أن يردها وأن يرد بدل اللبن -الذي كان موجوداً في ملك البائع- صاعاً من تمر، وهل يجزئ أن يرد غير التمر من الأقوات ونحو ذلك؟

    شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: يجزئ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نص على التمر؛ لأنه كان هو القوت في ذلك الوقت. وهل يجزئ أن يرد نفس اللبن؟ أي: إذا حلب هذا الحليب هل يجزئ أن يرد نفس الحليب الذي حلبه أو نقول بأنه لا يجزئ؟ نقول: إن تراضيا على ذلك فالأمر إليهما، لكن إذا لم يتراضيا فنرجع إلى حكم النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي عليه الصلاة والسلام قد حكم بصاع من تمر.

    1.   

    خامساً: خيار العيب

    قال المؤلف رحمه الله: ( الخامس: خيار العيب وهو ما ينقص قيمة المبيع ).

    تعريف العيب وضابطه

    العيب في اللغة: النقص.

    وأما في الاصطلاح، فالمؤلف رحمه الله ضبط خيار العيب بأنه: ( ما ينقص قيمة المبيع ) وعلى هذا إذا كان العيب لا ينقص القيمة ولا تتغير به القيمة فلا يكون عيباً، ولنفرض أن رجلاً اشترى كتاباً، وهذا الكتاب قد قطع منه صفحة بيضاء في أوله فقد جرت العادة أن يكون في أول الكتاب صفحة أو صفحتان أو ثلاث بيضاً، فإذا قطعت منه هذه الصفحة، هل تتغير القيمة أو نقول بأن القيمة لا تتغير، فالغالب أن القيمة لا تتغير مع أنه قطعت منه صفحة؟

    يقول المؤلف رحمه الله: إن الحكم راجع إلى الثمن، وهذا المشهور من المذهب، وعند المالكية أن العيب ما تنقص به القيمة أو ينقص به المبيع، يعني سواء كان النقص للقيمة أو كان النقص للمبيع، وعلى هذا في الصورة السابقة يكون عيباً، والشافعية قالوا: العيب ما تنقص به القيمة أو ما يفوت به غرض صحيح، والحنفية جعلوا الأمر راجعاً إلى أهل الخبرة، فما عده أهل الخبرة عيباً فإنه عيب.

    أمثلة على العيب في المبيع

    وضرب المؤلف رحمه الله أمثلة فقال: ( كمرضه )، يعني كما لو كان المبيع مريضاً، كما لو كان حيواناً مريضاً، مثلاً: اشترى بقرة مريضة، ثم قال: ( وفقد عضو )، يعني فقد منه عضو من الأعضاء، كإصبع مثلاً من الرقيق، ونحو ذلك.

    قال رحمه الله: ( أو سن أو زيادتهما، وزنا الرقيق وسرقته، وإباقه وبوله في الفراش ).

    يعني إذا كان مثل هذا الرقيق يهرب من سيده فهذا عيب، وقال المؤلف رحمه الله: ( إذا كان يبول في فراشه )، فهذا عيب.

    ومثل هذه الأشياء تختلف باختلاف الزمان واختلاف المكان، والمهم أن الضابط عندنا الذي ذكره المؤلف رحمه الله، أنه كل ما ينقص القيمة -وظاهر كلام المؤلف رحمه الله سواء كان النقص قليلاً أو كثيراً- فكل ما ينقص القيمة فإنه عيب يثبت به الخيار، أما إذا كان لا ينقص القيمة فإنه لا يثبت به الخيار، وذكرنا أن رأي المالكية أشمل، أنه ما ينقص القيمة أو ينقص ذات المبيع.

    تصرف المشتري عند علمه بالعيب

    قال المؤلف رحمه الله: ( فإذا علم المشتري العيب بعد أمسكه بأرشه -وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب- أو رده وأخذ الثمن ).

    إذا علم المشتري بالعيب فالمؤلف رحمه الله تعالى يقول: هو مخير أن يمسكه ويأخذ الأرش، أو أن يرده ويأخذ الثمن.

    فمثلاً: وجد المشتري أن السيارة معيبة أن الأنوار لا تعمل، أو أن الماكينة فيها خلل، فنقول: أنت مخير إما أن تمسك هذه السيارة وتأخذ الأرش، وإما أن ترد السيارة وتأخذ الثمن.

    والأرش يقول المؤلف رحمه الله: ( وهو قسط ما بين قيمة الصحة والعيب )، وهنا انتبه، قال المؤلف رحمه الله: ( قيمة ) ولم يقل: ثمن؛ لأنه عندنا ثمن وعندنا قيمة، وما الفرق بين الثمن والقيمة؟

    الثمن: هو ما جرى عليه العقد، أو ما اتفق عليه المتعاقدان، وقال بعض العلماء: الثمن هو ما دخلت عليه باء العوض، وأما القيمة: فهي ما تساويه هذه السلعة عند التجار؛ لأنهما قد يتفقان مثلاً بالنسبة لهذه السيارة على الثمن وأنه عشرة آلاف، لكنها تساوي عند التجار خمسة عشر ألفاً، فعندنا قيمة وعندنا ثمن.

    فإذا أردنا أن نخرج الأرش فيقول المؤلف: ( قسط ما بين قيمة الصحة والعيب )، فالثمن نتركه جانباً، فكم تساوي هذه السيارة صحيحة؟ قالوا: تساوي هذه السيارة صحيحة عند التجار -أصحاب المعارض- خمسة عشر ألف ريال، وكم تساوي معيبة وفيها هذا الخلل؟ قالوا: تساوي عشرة آلاف ريال، فقيمة الصحة خمسة عشر ألف وقيمة العيب عشرة آلاف، والفرق بين الخمسة والعشرة؟ خمسة، ونسبة الخمسة إلى الخمسة عشر تساوي الثلث، فإذا كان الثمن خمسة آلاف، يكون أرش العيب ثلث الخمسة، وإذا قلنا بأن الثمن ثلاثة يكون أرش العيب ألف ريال، هذا معنى كلامه: ( قسط ما بين قيمة الصحة والفساد )، فعندنا ثمن -وهو ما جرى عليه العقد واتفق عليه المتعاقدان- وعندنا قيمة صحة وقيمة فساد، فقيمة الصحة تساوي مثلاً خمسة عشر ألفاً، وقيمة العيب تساوي عشرة آلاف، فالفرق بين قيمة الصحة وقيمة العيب خمسة آلاف، فننسب هذا الفرق إلى قيمة الصحة، فخمسة إلى خمسة عشر يساوي الثلث، فننظر إلى الثمن إن كان الثمن ثلاثة آلاف فالأرش يساوي ألفاً، وإن كان الثمن ثلاثين فالأرش يساوي عشرة.

    وعلى هذا تكون الطريقة كالآتي:

    أولاً: تنظر إلى قيمة الصحة ثم إلى قيمة الفساد.

    ثانياً: تخرج الفرق بين قيمة الصحة وقيمة الفساد.

    ثالثاً: تنسب هذا الفرق إلى قيمة الصحة ثم تأخذه من الثمن بمقدار تلك النسبة.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أن المشتري مخير بين هذين الأمرين، رضي البائع أو لم يرض، يعني: نقول: للمشتري الخيار إما أن تمسك السلعة ولك الأرش، وإما أن تردها وتأخذ الثمن، فلك الخيار، وقال بعض العلماء: بأن المشتري لا يتمكن من أخذ الأرش إلا برضا البائع، فلو قال البائع: لا نعطيك الأرش فإنه لا يتمكن من ذلك، والبائع يرد السلعة ويأخذ الثمن.

    والأقرب في مثل هذه المسألة، أن نقول: بأنه ينظر إذا كان العاقد قد غش ودلس فنعامله بأضيق الأمرين، وعلى هذا نقول للعاقد الآخر الذي وجد هذا العيب نقول: أنت مخير، وأما إذا لم يكن غش ولا تدليس، فيظهر والله أعلم أن لا نلزمه بدفع الأرش ما دام أنه لم يرض، بل إذا اختار أن يرد السلعة ويأخذ الثمن فنقول بأن له ذلك، والفقهاء يثبتون الأرش في خيار العيب، لكن لا يثبتونه في خيار الغبن، ولا يثبتونه في خيار التدليس.

    فمثلاً: لو أنه غبن المشتري، مثلاً السيارة بعشرة واشتراها بثلاثة عشر، فقال المشتري: أنا أريد السيارة ويرد عليَّ الزيادة، فزاد عليه البائع ثلاثة آلاف، فهل يمكن من ذلك أو لا يمكن؟ أو نقول: ما لك إلا الخيار فقط، إما أن تفسخ فترد السيارة وتأخذ الثمن، أما بالنسبة للزيادة التي زادها عليك البائع فهذه ليست لك، وهذا على مذهب من لا يثبتون الأرش، يعني في خيار الغبن لو أن البائع زاد وغبن، وقبل المشتري، فالسيارة بعشرة تباع عليه بثلاثة عشر، بأربعة عشر، قال المشتري: أنا أريد السيارة لكن يرد عليَّ الزيادة، هل يجاب إلى ذلك أو لا يجاب؟

    لكن كما ذكرنا: الذي يظهر -والله أعلم- أن نقول: كل من غش أو دلس فقد فعل محرماً، ونعامله بأضيق الأمرين، فإذا ثبت أن البائع قد حصل منه التدليس غشاً أو غبناً أو نحو ذلك، فأننا نعامله بأضيق الأمرين.

    مسائل يتعين فيها الأرش

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: ( وإن تلف المبيع أو عتق العبد تعين الأرش ).

    هنا بعض المسائل التي يتعين فيها الأرش:

    المسألة الأولى: إذا تلف المبيع، ولنفرض أنه اشترى سيارة ثم تبين فيها عيب، ثم بعد ذلك تلفت هذه السيارة كأن أصيبت بحريق أو حادث أو نحو ذلك، فهنا لا يتمكن المشتري من أن يرد السلعة، فنقول: يتعين له الأرش.

    المسألة الثانية: إذا نقل الملك في هذه السلعة، مثلاً اشترى السيارة ثم بعد ذلك قال: هي وقف لله عز وجل على جمعية تحفيظ القرآن، ثم تبين أن فيها عيباً، فالآن لا يتمكن منها، فنقول: يتعين له الأرش، أو أنه وهبها أو باعها، فنقول بأنه يتعين له الأرش ما دام أنه نقل الملك فيه.

    المسألة الثالثة: إذا استهلكها، مثلاً: اشترى أرزاً، ثم بعد ذلك أكله، وبعد أن أكله تبين أنه معيب، نقول هنا: يتعين الأرش؛ لأنه لا يتمكن من الفسخ.

    مسائل لا يجوز فيها الأرش

    وفي بعض المسائل لا يجوز الأرش، إذا كان يترتب على أخذ الأرش الربا، فنقول: لا يجوز الأرش، إما أن تمسك وإلا ترد وتأخذ الثمن أي تفسخ، وذلك إذا اشترى ربوياً بجنسه ثم وجد فيه عيباً، مثلاً: اشترى ذهباً بذهب، فالمشتري لما أخذ الذهب وجد فيه بياضاً، والبياض في الذهب عيب، والسواد في الفضة عيب، فلو أن المشتري اشترى عشرين غراماً مصنع، بعشرين غراماً غير مصنع، أو مثلاً عشرين غراماً عيار عشرين أو عيار ثمانية عشر أو أربعة وعشرين، فلما أخذ المشتري السلعة وجد فيه بياضاً، فلو قال: تعطيني غرامين مقابل العيب، هل هذا الأرش يجوز أو لا يجوز؟ نقول: لا يجوز؛ لأنه يترتب على ذلك الوقوع في الربا، فعند مبادلة ربوي بجنسه لابد من التساوي، ولابد أيضاً من التقابض.

    أقسام السلع التي لا يعرف العيب إلا بفتحها

    قال المؤلف رحمه الله: ( وإن اشترى ما لم يعلم عيبه بدون كسر كجوز هند، وبيض نعام، فكسره فوجده فاسداً، فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره، وإن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن ).

    هذه المسألة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى إذا كانت السلعة لا يعرف أنها معيبة أو غير معيبة إلا بفتحها، مثلاً الآن المعلبات، فلا تعرف المعيب حتى تفتحها، فلو أن المشتري فتح المعلبات ووجدها فاسدة، فذهب للبائع وقال له: خذ هذه المعلبات فهي فاسدة، فقال البائع: أنت فتحتها وكسرتها، فهل يلزم المشتري أرش الكسر؟ فهذا الذي تكلم عنه المؤلف. وقد تكون زجاجاً وكسره المشتري ثم وجد السلعة معيبة، فهل نلزم المشتري أرش الكسر، أو نقول لا يجب عليك أرش الكسر؟

    نقول: هذه المسألة -على حسب كلام المؤلف رحمه الله- تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: ألا يكون لهذا الوعاء -الإناء الذي فيه السلعة- قيمة، ومثّل المؤلف فقال: ( إن كان كبيض دجاج رجع بكل الثمن ) فقشر بيض الدجاج ليس له قيمة، ومثله أيضاً اليوم كثير من المعلبات، فكثير من المعلبات هذه ترمى بالنفايات، وليس لها قيمة. ماذا يقول المؤلف؟ قال: ( رجع بكل الثمن ) بمعنى أن البائع لا يطالبه بشيء، مثلاً لو اشترى معلب زيتون ثم فتحه فوجده فاسداً، يرجع بكل الثمن، فإذا اشتراه بخمسين يرجع بالخمسين ولا يطالبه البائع بشيء، ولا يجب على المشتري أن يرد الإناء ولا يرد أيضاً ما يعطيه قيمة الكسر؛ لأن مثل هذا الوعاء ليس له قيمة عند الناس.

    القسم الثاني: أن يكون هذا الوعاء له قيمة، ويفتحه فتحاً يفسد به الوعاء، أو أن يكون له قيمة ويكسره كسراً يفسد به الوعاء، فنقول: إذا فعل ذلك فإنه يلزم بأرش الكسر، ومثّل المؤلف قائلاً: ( كجوز هند وبيض نعام، فكسره فوجده فاسداً فله أرشه، وإن رده رد أرش كسره ) فبيض النعام كبير وله قيمة عند الناس، فإذا كسره ووجده فاسداً فالآن أفسد الوعاء، فالواجب عليه أن يفتحه فتحاً لا تفسد فيه هذه البيضة، فإذا كسره كسراً ولما أخذ هذه البيضة إلى البائع قال: أنا وجدتها فاسدة، فنقول: عليك قيمة هذه القشرة.

    القسم الثالث: أن يكون للوعاء قيمة ويفتحه فتحاً لا تنقص به القيمة فهذا لا يلزم بالأرش، مثلاً بيض النعام قام وشدبها شدباً، ثم بعد ذلك ردها على البائع، هذا القشر -وهذا كان في الزمن السابق، أما الآن فيظهر أن الناس اليوم لا يستفيدون منه - فإذا كسرها بحيث يفوتها أو يفسد قيمتها على البائع فيلزم بأرش الكسر، أما إذا فتحها فتحاً لا يذهب القيمة على البائع فنقول: لا يلزم.

    اشتراط التراخي في خيار العيب والفسخ

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وخيار عيب متراخٍ ما لم يوجد دليل الرضا).

    يقول المؤلف رحمه الله بأن خيار العيب على التراخي، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه على التراخي في العلم وفي الفسخ، ومثاله في العلم: نفرض أنه اشترى كتاباً، وبعد سنة وجد أن فيه طمس صفحة، نقول: خيار العيب على التراخي؛ لأن الحق لا يسقط بالتقادم، يعني: بمضي الزمن، فنقول: له الحق في الفسخ، فهنا نقول: خيار العيب يثبت على التراخي فيما يتعلق بالعلم، فإذا لم يعلم العاقد بالعيب إلا بعد مضي مدة فهو على خياره.

    لكن الفسخ هل هو على التراخي أو ليس على التراخي؟

    المشهور من المذهب: أنه على التراخي، فمثلاً لو وجد الكتاب فيه طمس صفحة أو صفحتين فله الفسخ اليوم أو غداً أو بعد غد على التراخي، لكن لا يجوز له أن يتصرف فيه، فلو تصرف فيه كأن شرع في القراءة سقط حقه، فيقول هنا: له الحق في الفسخ متى شاء -في آخر أسبوع أو بعد أسبوعين أو ثلاثة أسابيع- فإذا أراد أن يفسخ ذهب وفسخ، هذا المشهور من المذهب أن الفسخ على التراخي. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية أنه في الفسخ ليس على التراخي بل يجب عليه أن يبادر؛ لأن التراخي فيه ضرر على البائع، فهو يفوت التصرف في هذا المبيع، ففيه ضرر على البائع وهذا هو الصواب، وما دمنا أننا أثبتنا لك حق الفسخ فالضرر لا يُزال بضرر مثله.

    فالصواب في هذه المسألة: مذهب الشافعية وأنه يجب عليه أن يبادر؛ لأننا لو قلنا بأن له حق التراخي مطلقاً لحق بالبائع ضرر، والضرر لا يزال به ضرر، لكن لو تراخى شيئاً يسيراً، يعني من الليل إلى الصباح، أو إلى أن يتيسر وسيلة نقل، أو قد لا يكون في نفس البلد بل في بلد آخر، فهنا معذور، لكن إذا لم يكن شيء من ذلك فإنه لا يجوز له التأخير ويسقط حقه من الفسخ.

    سقوط خيار العيب إذا وجد دليل الرضا

    قال المؤلف رحمه الله: (ما لم يوجد دليل الرضا).

    يعني: إذا وجد دليل الرضا بالسلعة المعيبة فنقول بأن حقه يسقط، مثلاً: تصرف فيه بالاستعمال، فنقول: إن حق الخيار يسقط، وقال بعض العلماء: بأن حقه يسقط لكن يبقى له أن يطالب بالأرش.

    قال رحمه الله: ( ولا يفتقر إلى حكم، ولا رضا، ولا إلى حضور صاحبه ).

    عند الفسخ لا يفتقر الفسخ إلى القاضي، فقوله: ( إلى حكم )، أي: فلسنا بحاجة إلى أن نذهب إلى القاضي، فله الفسخ دون أن يكون هناك قاضي.

    وقوله: ( ولا رضا ) يعني أن يرضى العاقد الآخر؛ لأن الحق في الفسخ لمن وجد عنده العيب.

    وقوله: ( ولا إلى حضور صاحبه ) يعني لا يشترط أن يواجهه بالفسخ، فلو أنه قال: فسخت فنقول: يصح ويكون أمانة عنده يرجعه إليه كالطلاق؛ فالطلاق لا يشترط فيه رضا المرأة، وكذلك أيضاً لا يشترط أن يواجهها بالطلاق، فلو طلقها وهي ليست عنده نقول: هذا صحيح.

    في اختلاف من وقع عنده العيب

    قال رحمه الله: (وإن اختلفا عند من حدث العيب، فقول مشترٍ مع يمينه، وإن لم يحتمل إلا قول أحدهما قبل قول المشتري بلا يمين).

    إن اختلفا عند من حدث العيب، فالمشتري قال: العيب حدث عندك، والبائع قال: العيب حدث عندك أيها المشتري، فنقول: هذا لا يخلو من ثلاث حالات: الحالة الأولى: ألا يحتمل إلا قول البائع، يعني: نقطع أن العيب حدث عند المشتري، فنقول بأن القول قول البائع، فمثلاً: السيارة مكسورة الزجاج وجاء البائع فقال: العيب حدث عندك، وقال المشتري: لا العيب حدث عندك، فالقول قول البائع؛ لأن الزجاج المكسور أخذه المشتري عن بصيرة وراضٍ بالعيب، فهنا لا يحتمل إلا قول البائع، فنقول بأن القول قول البائع.

    الحالة الثانية: ألا يحتمل إلا قول المشتري، فنقول بأن القول قول المشتري، ومثال ذلك: وجد المشتري طمساً في الصفحات، فقال البائع: حدث عندك، وقال المشتري: لا إنه من الأصل، فالقول قول المشتري؛ فالمشتري لا يمكن أن يشتري كتاباً ثم تنطمس الصفحات، فالقول قول المشتري في هذه الحالة.

    الحالة الثالثة: أن يحتمل قول البائع أو قول المشتري ومثال ذلك: وجد في الكتاب أن صفحة تمزقت، فيحتمل أن هذه الصفحة التي تمزقت حدثت عند البائع، ويحتمل أنها حدثت عند المشتري.

    فقال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإن اختلفا عند من حدث العيب فقول مشترٍ مع يمينه) يعني إذا لم يحتمل إلا قول المشتري فإنه يقبل قول المشتري، وإن كان لا يحتمل إلا قول البائع فنقبل قول البائع، لكن إذا كان يحتمل قول كل منهما. فيقول المؤلف رحمه الله: (قبل قول المشتري مع يمينه)، هذا المذهب، فإذا كان يمكن أن يكون العيب حدث عند البائع، ويمكن أن يكون حدث عند المشتري فالمذهب أن القول قول المشتري، ودليلهم على هذا: أن المشتري غارم، وأيضاً يقولون: الأصل أن المشتري لم يقبض هذا الجزء الفائت؛ لأن العيب كالجزء الفائت من السلعة. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: وهو قول جمهور العلماء: أن القول قول البائع؛ لأن الأصل هو السلامة، فالحنابلة وإن عللوا بالأصل إلا أن الجمهور أيضاً يعارضونه بأصل آخر، وهو السلامة، وكذلك الأصل بقاء العقد؛ لأن المدعي يدعي ما يقتضي فسخ العقد، ويظهر والله أعلم أن قول البائع أقرب فيرجع إلى قول البائع.