إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أقسام الخيارات خيار الشرط، وابتداء مدته من العقد، ويبطل بانتهاء مدته أو أن يقطعاه، ويثبت هذا الخيار على المذهب في عقود معينة، واختيار شيخ الإسلام ثبوته في كل العقود وهو الصحيح، وأن شرط الخيار لأحدهما دون صاحبه صح، والعمل في تحديد مدة الخيار يكون على ال

    1.   

    ثانياً: خيار الشرط

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [الثاني: أن يشترطاه في العقد مدة معلومة ولو طويلة، وابتداؤها من العقد، وإذا مضت مدته أو قطعاه بطل، ويثبت في البيع والصلح بمعناه، والإجارة في الذمة أو على مدة لا تلي العقد، وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح، وإلى الغد أو الليل ويسقط بأوله، ولمن له الخيار الفسخ ولو مع غيبة الآخر وسخطه، والملك مدة الخيارين للمشتري، وله نماؤه المنفصل وكسبه، ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع وعوضه المعين فيها بغير إذن الآخر بغير تجربة المبيع إلا عتق المشتري، وتصرف المشتري فسخ لخياره، ومن مات منهما بطل خياره.

    الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة].

    قد شرعنا في أحكام الخيارات، وذكرنا تعريف الخيار، وأن الخيار: هو طلب خير الأمرين من إمضاء العقد أو فسخه، وأن القول بإثبات الخيار -خصوصاً فيما يتعلق بخيار المجلس، وخيار العيب، وخيار الشرط، وكذلك أيضاً ما يتعلق ببقية الخيارات- من محاسن الشريعة الإسلامية؛ لأن القول بإثبات الخيار يجعل فسحةً للعاقد من الإمضاء أو الفسخ، فقد يكون راغباً في السلعة، أو راغباً في البيع ثم بعد ذلك يندم. فجعل له الشارع فسحة لكي يسترجع، كذلك أيضاً فيما يتعلق بخيار العيب، والتدليس، والغبن، ونحو ذلك، كل هذه الخيارات يترتب عليها نفي الظلم، وعندنا قاعدة وهي: أن المعاملات لابد فيها من انتفاء ثلاثة أمور:

    الأمر الأول: الربا، وسيأتينا إن شاء الله ما يتعلق بالربا.

    والأمر الثاني: الغرر، وسيأتينا إن شاء الله عندما نتكلم على خيار الغبن سنتكلم عن الغرر إن شاء الله والفرق بين الغرر، والميسر، والقمار.

    كذلك أيضاً الأمر الثالث: الظلم، لابد من انتفاء الظلم، ويدخل في ذلك ما يتعلق بالتدليس والعيب والغبن والنجش، وأن يسوم على سوم أخيه، وأن يشتري على شرائه.

    قال رحمه الله تعالى: (الثاني: أن يشترطاه في العقد مدة معلومة ولو طويلة).

    هذا القسم الثاني من أقسام الخيارات وهو خيار الشرط، وخيار الشرط متفق عليه بين الأئمة، أما خيار المجلس كما سلف لا يثبته الحنفية والمالكية ويثبته الشافعية والحنابلة؛ لكن بالنسبة لخيار الشرط فهذا متفق عليه بين الأئمة، وإن اختلفوا في بعض تفاصيله.

    وخيار الشرط: هو أن يشترط أحد العاقدين مدة للفسخ أو الإمضاء، فمثلاً: البائع يشترط أن له الخيار لمدة يوم أو يومين، أو المشتري يشترط أن له الخيار لمدة يوم أو يومين، ودليله ما تقدم من قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1]، والأمر بإيفاء العقد يتضمن إيفاء أصله ووصفه، ومن وصفه: الشرط فيه، وأيضاً حديث عقبة : ( إن أحق الشروط أن توفوها ما استحللتم به الفروج، والبيعان بالخيار )، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة معلقاً في البخاري بصيغة الجزم: ( المسلمون على شروطهم ).

    قوله: (معلومة) يخرج المجهولة، فلو قال: لي الخيار لمدة بضعة أيام، فلا ندري كم هي! فهذا لا يصح، أو قال لي الخيار إلى أن أجد سيارة فهذا لا يصح، بل لابد أن تكون المدة معلومة كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى نفياً للغرر.

    وقوله: (ولو طويلة)، هذا هو المشهور من المذهب، فالمهم أن تكون المدة معلومة حتى ولو كانت طويلة، فلو أنه شرط الخيار لمدة أسبوع، أو لمدة شهر فيقول المؤلف رحمه الله: إن هذا شرط صحيح، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، واختاره شيخ الإسلام ؛ لإطلاق الأدلة فليس في الأدلة تحديد المدة.

    الرأي الثاني: أن مدة خيار الشرط ثلاثة أيام فقط، وهذا هو المشهور من مذهب أبي حنيفة ، وكذلك أيضاً مذهب الشافعية، فعندهما أن مدة خيار الشرط لا تتجاوز ثلاثة أيام، واستدلوا بما في سنن ابن ماجه والدارقطني والبيهقي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة حبان : ( إذا بايعت فقل لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل سلعة ابتعتها ثلاث ليالٍ ) وهذا الحديث ضعيف لا يثبت، والصحيح في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله؛ لأن الأصل في المعاملات الحل، ولإطلاق الأدلة كما سلف.

    فإذاً يشترط أن تكون المدة معلومة، فإن كانت مجهولة فإنه لا يصح، أما شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فيقول: إنه يُتوجه إذا أطلقَ المدة أن ذلك ينصرف إلى ثلاثة أيام؛ لخبر حبان بن المنقذ ، يعني: إذا قال: لي الخيار ولم يقيد بمدة فنقول: يتوجه أنه ينصرف إلى ثلاثة أيام، والأحوط هو المذهب، ودليلهم حديث ابن عباس في الصحيحين في السلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم إلى أجل معلوم ) فالأحوط هو المشهور من مذهب الحنابلة.

    ابتداء مدة خيار الشرط

    قال رحمه الله: (وابتداؤها من العقد).

    فمثلاً: إذا عقد في الساعة الثانية عشرة نقول: تبدأ من الساعة الثانية عشرة إلى تمام ثلاثة أيام، فإذا كان في يوم السبت تم العقد ففي يوم الثلاثاء الساعة الثانية عشرة انتهت المدة، فإذا لم يفسخ فإن العقد يلزم.

    مبطلات خيار الشرط

    قال رحمه الله: (وإذا مضت مدته أو قطعاه بطل).

    إذا مضت المدة ولم يحصل فسخ فيقول المؤلف رحمه الله: (بطل) أي الخيار، كذلك أيضاً: إذا (قطعاه) أي: من له الحق قطعه، فنقول: يلزم العقد ويبطل الخيار؛ لأن الحق له، فمثلاً: لو أنه شرط الخيار لمدة يومين، والمشتري أيضاً شرط الخيار لمدة يومين، ثم بعد ذلك قال: نلزم العقد ونبطل هذه المدة، فيقول المؤلف رحمه الله: (يبطل)، لماذا يبطلونه؟ لأنه قبل إبطال الخيار. إذا كان الخيار لكل منهما فإنه ما يملك أن يتصرف، مثلاً لو قال: لك الخيار لمدة يومين، ولي الخيار لمدة يومين وأراد أن يبيع فما يملك أن يبيع، كما سيأتينا في التصرفات في زمن الخيار، فمثلاً أراد أن يوقف الأرض أو أراد أن يهب ما يملك فلابد أن ينتفي حق الآخر من الخيار، فإذا قال: نسقط الخيار لكي يلزم العقد ولكي يتصرف سقط ذلك، أما إذا لم يسقطاه فإن الخيار لا يزال باقياً.

    ما يثبت به خيار الشرط من العقود

    قال رحمه الله: (ويثبت في البيع).

    تقدم لنا أن خيار المجلس يثبت في البيع وما كان في معنى البيع؛ لأن الحديث هكذا جاء: ( إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ) فقلنا: يثبت في البيع، وما كان في معنى البيع من الصلح والإقرار والإجارة، والصرف، والسلم ... إلخ، فالضابط فيما يثبت به خيار المجلس نقول: إنه يثبت في البيع، وما كان في معنى البيع.

    أما ما يثبت به خيار الشرط من العقود فهذه المسألة للعلماء رحمهم الله فيها اتجاهان:

    الاتجاه الأول -وهو اتجاه أكثر أهل العلم- اتجاه العد، يقولون: يثبت خيار الشرط في كذا وكذا من العقود.

    والاتجاه الثاني: اتجاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: وهو اتجاه الحد والربط، وأنه يثبت في كل العقود، وما ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية من كونه يثبت في كل العقود قول قوي جداً، فسائر العقود يثبت فيها خيار الشرط، وهذه مسألة مهمة، مثلاً: في الوقف لو أراد أن يوقف البيت والخيار مدته ثلاثة أيام فعلى المشهور عند الفقهاء لا يصح، وأعظم من ذلك عقد النكاح، لو قالت المرأة: أنا أتزوج هذا الرجل؛ لكن لي الخيار ثلاثة أيام أو خمسة أيام ربما أنه سيئ الخلق، أو ناقص الدين! فيثبت لها الخيار على رأي شيخ الإسلام ؛ لكن عند الفقهاء رحمهم الله: لا يثبتون لها الخيار، فهذه مسألة مهمة، فكلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يعتبر كالضابط لهذه المسألة، وأن خيار الشرط يثبت في سائر العقود، حتى فيما يشترط فيه التقابض، كأن تشتري ذهباً من الصائغ، ولابد أن يكون يداً بيد -تأخذ الذهب وتعطيه الدراهم- لكن لو قال: لي الخيار لمدة ثلاثة أيام أو لي الخيار لمدة يومين صح ذلك؛ لكن عند الفقهاء لا يصح، فالصحيح هو الاتجاه الذي ذهب إليه شيخ الإسلام رحمه الله، وأن خيار الشرط يثبت في سائر العقود كما ذكرنا مما يتعلق بالهبة، وما يتعلق بالأوقاف، وما يتعلق بالأنكحة.

    ومقتضى كلام شيخ الإسلام: أنه يثبت في سائر العقود خيار الشرط، حتى العقود التي يشترط فيها التقابض مثل: الربويات، فيثبت فيها خيار الشرط، أما على كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى فهم يقولون بالعد، ولهذا عدد لك المؤلف العقود التي يثبت فيها، فقال: (ويثبت في البيع...).

    قال رحمه الله: (والصلح بمعناه).

    هذا سيأتينا إن شاء الله في باب الصلح أن الفقهاء رحمهم الله يقسمون الصلح إلى قسمين: صلح إقرار، وصلح إنكار.

    صلح الإقرار: يقولون: بأنه بمعنى البيع، مثلاً: يدعي أحدهم على زيد فيقول: أنا أريد منك ألف ريال، فقال زيد: نعم، أنا أقر أنه طلب مني ألف ريال؛ لكن لا يوجد معي ألف ريال، لكني سأعطيك هذه الكتب، أو أعطيك هذه السيارة، هذا يسمى صلح إقرار، فالعلماء يقولون: بأن صلح الإقرار في حكم البيع؛ لأنه مبادلة مال بمال، فلو قال: أنا أريد منك دين ألف ريال، قال: نعم، خذ السيارة هذه، وتصالحا على ذلك فله الحق أن يشترط، فيقول لي: نعم، أنا أقبل السيارة؛ لكن لي الخيار لمدة ثلاثة أيام أو لمدة يومين فيثبت خيار الشرط في الصلح الذي بمعنى البيع: وهو صلح الإقرار.

    ومثل ذلك أيضاً: الهبة التي بمعنى البيع: وهي هبة الثواب، فمثلاً: لو قال: وهبتك هذا الكتاب بشرط أن تعطيني كتابك، فالعلماء يقولون: بأنها بمعنى البيع، فيثبت فيها خيار الشرط، ومثله أيضاً: القسمة التي بمعنى البيع، وسيأتينا إن شاء الله أنها تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: قسمة تراضٍ.

    والقسم الثاني: قسمة إجبار.

    وقسمة التراضي: هي التي يكون فيها ضرر أو رد عوض، كأن يتقاسموا الأرض ولكي يحصل التعديل في القسمة يدفع أحد الشريكين للآخر كذا وكذا من المال، فهذه القسمة هي قسمة التراضي ويقولون: بأنها بمعنى البيع، وعلى هذا يصح أن يشترط، فيقول مثلاً: أنا آخذ هذا الجانب من هذه الأرض وأعطيك كذا وكذا من الدراهم؛ لكن لي الخيار لمدة يومين أو ثلاثة أيام مثلاً، فيصبح فيها خيار الشرط.

    قال رحمه الله: (والإجارة في الذمة).

    الإجارة إما أن تكون على الذمة، وإما أن تكون على منفعة من المنافع، وهذا سيأتينا في باب الإجارة أن الإجارة إما أن تكون على الذمة، أي على عمل موصوف بالذمة، كأن يستأجره لكي يبني له حائطاً، أو يخيط له ثوباً أو أي عمل موصوف، فهذا يسمونه: إجارة على الذمة، إذا كانت على عمل موصوف، فيقول: يثبت فيها خيار الشرط، فإذا استأجر زيداً لكي يخيط له الثوب، فقال: لي الخيار لمدة ثلاثة أيام صح ذلك.

    قال رحمه الله: (أو على مدة لا تلي العقد).

    هذه في القسم الثاني، وهي: الإجارة على منفعة، فمثلاً: استأجر منه الدكان، وقال المستأجر: لي الخيار لمدة يومين، فالمدة مثلاً تبدأ من 1/1، وقال المستأجر: لي الخيار لمدة يومين، نقول لك: لا يصح، لا بد أن تكون مدة الإجارة بعد مدة الخيار، فتبدأ المدة من 3/1؛ لأن مدة الخيار من واحد إلى ثلاثة لمدة يومين، أما إذا كانت المدة متداخلة مع مدة الخيار فيقول المؤلف: لا يصح؛ لأن هذه المدة إذا فسخ المستأجر إما أن تضيع على المستأجر أو تضيع على المؤجر، فمثلاً: العقد يبدأ من 1/1، فإذا كان فيه خيار فلابد أن تكون مدة الإجارة بعد مدة الخيار، أي في 3/1 أما إذا كانت المدة مع مدة الخيار فيقول المؤلف رحمه الله: لا يصح، هذا معنى كلامه، وهذا في القسم الثاني: وهي الإجارة على المنفعة.

    وعلى كلام المؤلف رحمه الله لا يثبت الخيار في مثل هذا، وقد عدد الذي يثبت فيه خيار الشرط فقال: (في البيع والصلح بمعناه..)،كما ذكرنا أيضاً: ما كان في معنى البيع من قسمة التراضي، وهبة الثواب، وكذلك أيضاً الإجارة على العمل، والإجارة على المنفعة، بشرط ألا تلي المدة مدة الخيار.. إلخ، وما عدا ذلك فلا يثبت فيه خيار الشرط، فلا يثبت خيار الشرط في عقد السلم، وعقد القرض، وعقد المساقاة، والمزارعة، وعقد الوقف، وكذلك أيضاً الهبة، أو النكاح.. إلخ.

    وذكرنا الرأي الثاني، وهو اتجاه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن خيار الشرط يثبت في سائر العقود، لعموم قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة:1] والأمر بإيفاء العقد يتضمن الأمر بإيفاء أصله ووصفه، وكونه يقال بجواز خيار الشرط في بعض العقود دون بعض هذا فيه نظر.

    اشتراط الخيار لأحدهما

    قال رحمه الله: (وإن شرطاه لأحدهما دون صاحبه صح).

    صح الشرط؛ لأن الحق لهما، فكيفما تراضيا جاز، إذا شرطاه لأحدهما دون الآخر، فلو قال البائع: لي الخيار لمدة يومين والمشتري لا خيار له؛ فنقول: بأن هذا الشرط صحيح؛ لأن الحق لا يعدوهما، فكيفما تراضيا فلهما ذلك.

    مدة نهاية خيار الشرط

    قال رحمه الله: (وإلى الغد، أو الليل يسقط بأوله).

    لو قال: لي الخيار إلى الغد فيسقط بغروب الشمس، فالمؤلف رحمه الله تعالى غلّب الحقيقة اللغوية هنا؛ لأن الحقيقة اللغوية في الليل إلى الفجر، والنهار يستمر إلى غروب الشمس، والصحيح في ذلك: أنه إذا اختلفت الحقيقة اللغوية مع الحقيقة العرفية فإن المصير إلى العرف، فنقول: إذا كان هناك عرف أنه إذا قال: الغد فتحت المحلات، والمحلات ما تفتح إلا في الساعة التاسعة فيستمر له الخيار إلى الساعة التاسعة، المهم: إذا كان هناك عرف فإنا نغلب العرف على الحقيقة اللغوية.

    فسخ خيار الشرط

    قال رحمه الله: (ولمن له الخيار الفسخ، ولو مع غيبة الآخر وسخطه).

    فلا يشترط عند الفسخ أن يواجهه بالفسخ، بل إذا اشترط الخيار لمدة يومين ومضى يوم فله أن يفسخ، أو أن يقول: فسخت؛ لكن الأحوط أن يُشهِد، وليس بشرط أن يواجه العاقد الآخر، وكذلك أيضاً: (وسخطه)، فلو أن العاقد الآخر سخط فلم يرض بالفسخ فيقولون: لا يشترط الرضا؛ لأن الحق لهذا العاقد، ولا يشترط رضا الآخر.

    الملك في مدة خياري المجلس والشرط

    قال رحمه الله تعالى: (والملك مدة الخيارين للمشتري).

    الملك في مدة خيار الشرط ومدة خيار المجلس يكون للمشتري، وماذا يترتب على ذلك؟

    الجواب: يترتب على ذلك ما سيذكره المؤلف رحمه الله: (وله نماؤه المنفصل وكسبه) ويدل على أن الملك هنا للمشتري حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من باع عبداً وله مال فماله للبائع )، قال: ( ماله للبائع ) فهذا يدل على أن الرقيق صار للمشتري إلا أن يشترط المبتاع أي: المشتري، فقوله: ( فماله للبائع ) يدل على أن المبيع أصبح للمشتري، فهذا كما ذكر المؤلف رحمه الله: بأن الملك يكون في مدة الخيارين للمشتري.

    ومن الأدلة كذلك على هذا حديث سهل بن سعد في الصحيحين (أن امرأة وهبت نفسها للنبي صلى الله عليه وسلم، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن له رغبة في النكاح، فقال له رجل: يا رسول الله! إن لم يكن لك بها حاجة فزوجنيها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما تصدقها؟ قال: أصدقها إزاري)، يقول الراوي: عليه إزار ما عليه رداء! عليه إزار أي: يستر نصف بدنه الأسفل، وأما النصف الأعلى فما عليه شيء، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك )، فهذا يدل على أن الإزار انتقل للمرأة بمجرد العقد، فنقول: إن الملك يكون في زمن الخيارين للمشتري.

    قال رحمه الله: (وله نماؤه المنفصل وكسبه).

    هذا الكلام مرتب على ما سبق، فمثلاً: هذه السيارة أجرت، فأجرتها تكون للمشتري؛ لأنه كسب العين، والعين هذه ملك للمشتري، فالكسب هنا يكون للمشتري، كذلك أيضاً: النماء، قال: (وله نماؤه المنفصل)، مثل: الثمرة، فلو أثمرت الشجرة في مدة الخيارين فنقول: الثمرة تكون للمشتري؛ لأنه نماء ملكه، فقوله: (وله نماؤه المنفصل)، هذا يُخرج المتصل، فعلى كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن النماء المتصل يكون تبعاً للعين، وعلى هذا: إذا فسخ العقد يكون هذا النماء المتصل للبائع، وهذه قاعدة المذهب، فهم يفرقون بين النماء المنفصل وبين النماء المتصل في الأحكام.

    وابن رجب رحمه الله في كتاب القواعد وضع قاعدة لما يتعلق بالنماء المتصل ووضع قاعدة لما يتعلق بالنماء المنفصل، والصحيح في هذه المسألة: أن النماء كله للمشتري؛ لأنه نماء ملكه، سواء كان متصلاً أو كان منفصلاً، وكما جاء في حديث عائشة -وإن كان فيه ضعف- ( الخراج بالضمان )، فكما أن هذه السلعة لو تلفت في مدة الخيار تكون من ضمان المشتري؛ فكذلك أيضاً إذا حصل نماء فإنه يكون للمشتري، فالغنم بالغرم، فالصحيح في هذه المسألة أن نقول: بأن الخيار يكون -سواء كان النماء متصلاً أو منفصلاً- للمشتري، وعلى هذا مثلاً: إذا كانت الشاة هزيلة تساوي ثلاثمائة ريال، ثم بعد ذلك سمنت، وفسخ العقد، نقول: السِمَن الذي حصل بمقدار مائة ريال في زمن الخيارين يكون للمشتري، ولا يكون تابعاً للعين كما هو المشهور من المذهب.

    قال: (وكسبه)، كما أن النفقة تكون على المشتري فالنماء له والنفقة عليه، فإذا حصل عيب فهو عليه، وإذا حصل تلف فهو عليه، فكذلك أيضاً الكسب -من الأجرة ونحو ذلك- وكذلك أيضاً النماء نقول: إنه كله للمشتري، ( الغنم بالغرم)، (والخراج بالضمان ).

    التصرف في المبيع وعوضه المعين في مدة الخيار

    قال رحمه الله: (ويحرم ولا يصح تصرف أحدهما في المبيع وعوضه المعين فيها بغير إذن الآخر).

    العوض أي: الثمن، فالمبيع معين؛ لكن الثمن قد يكون معيناً وقد يكون غير معين، مثال المعين كأن يقول: اشتريت منك السيارة بهذه العشرة آلاف، وقد يكون موصوفاً في الذمة غير معين -كما سبق لنا- مثاله أن يقول: اشتريت منك السيارة بعشرة آلاف، لم يقل: بهذه العشرة، وإنما قال: بعشرة آلاف، فهذا موصوفٌ في الذمة، فهنا الذي لا يصح التصرف فيه هو: المبيع المعين، أما العوض الموصوف في الذمة فهو لم يعين حتى نقول: يمنع التصرف فيه! فنقول: يُمنع التصرف في المبيع، وكذلك أيضاً في الثمن المعين.

    قال المؤلف رحمه الله: (بغير تجربة المبيع إلا عتق المشتري وتصرف المشتري فسخ لخياره... إلى آخره).

    التصرف في المبيع، أو في الثمن المعين مدة الخيارين نقول: بأنه ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يكون الخيار لكلٍ منهما: للمشتري وللبائع، مثل: خيار المجلس، أو خيار الشرط، فالبائع اشترط مثلاً ثلاثة أيام، والمشتري اشترط أربعة أيام فهنا الخيار لكل منهما، فنقول: إذا كان الخيار لكل منهما فتصرف كل واحد منهما بما ينقل الملك باطل؛ لأن فيه إبطالاً لحق الغير في الفسخ، وعلى هذا: لو أنه باعه السيارة وهما في خيار المجلس فذهب وباعها نقول: لا يصح؛ لأن المشتري إذا باعه الآن أبطل حق البائع من الفسخ، وحتى الآن العقد غير لازم إلا إذا كان هناك إذن لفظي، أو إذن عرفي، تعارفوا بأنه يأذن له في البيع فلا بأس.

    ولهذا قال المؤلف: (بغير إذن الآخر) لكن لو استأذنه وكان هناك إذن لفظي، أو إذن عرفي فنقول: إن هذا جائز ولا بأس به، مثل ذلك: الآن ما يوجد في البقالات تجد أنه يشتري الشراب، ويشربه في البقالة، والأصل أنه ما يشربه حتى يخرج! لأن الخيار لكل منهما، فكونه يشربه أو يأكله هذا فيه إبطال لحق الآخر! لكن العرف الآن يأذن بذلك، البائع ما يهمه أن تشربه أو ما تشربه؛ لأنه أذن لك في التصرف، هذا هو القسم الأول، وهو أن يكون الخيار لكل منهما، فإذا كان الخيار لكل منهما فنقول: يمنع من التصرف تصرفاً ينقل الملك، كالبيع، والهبة، والوقف، إلا بإذن الآخر كما ذكر المؤلف رحمه الله.

    القسم الثاني: أن يكون الخيار لأحدهما، إما للبائع أو للمشتري، البائع هو الذي شرط أو المشتري هو الذي شرط، فالمشهور من المذهب أن المشتري له التصرف بما ينقل الملك في العين التي اشتراها، ويكون إمضاءً للعقد وإبطالاً لحقه من الفسخ، ولهذا قال: (وتصرف المشتري فسخ لخياره) المشهور من المذهب أن المشتري وحده له حق التصرف في المبيع، ويكون إمضاء للبيع وفسخاً للخيار.

    فمثلاً: لو أن المشتري اشترى السيارة، وقال: لي الخيار ثلاثة أيام فيقول: له حق التصرف، قبل أن يفسخ فله أن يبيع، وله أن يهب، وله أن يوقف، ويكون إمضاء لعقد البيع، فالمشتري له الخيار فتصرفه يكون في السلعة أما تصرفه في الثمن فلا يملك التصرف فيه؛ لأن الثمن أصبح ملكاً للبائع لا يملك التصرف فيه، بل لابد أن يفسخ أولاً ثم يتصرف في الثمن؛ لكن بالنسبة للسلعة له أن يتصرف فيها؛ لأنها ملكه، والصحيح في ذلك أن نقول -وظاهر كلامهم: أن البائع ليس له أن يتصرف في الثمن المعين- مقتضى العدل ما دمنا جعلنا المشتري يتصرف في السلعة، كذلك أيضاً: البائع له أن يتصرف في الثمن المعين إذا ثبت له الخيار.

    فالصحيح في ذلك أن نقول: إذا كان الخيار لأحدهما سواء كان بائعاً أو مشترياً فإن البائع يملك التصرف في الثمن المعين بما ينقل الملك؛ لأنه يتصرف في ملكه، ويكون حينئذٍ إمضاء للعقد، وإن كان الخيار للمشتري فإن المشتري له أن يتصرف في السلعة بما ينقل الملك ويكون إمضاء للعقد، وهل للبائع أن يتصرف في السلعة إذا كان له الخيار وحده أو نقول: لا يملك؟ الجواب: نقول: لا يملك إلا بعد الفسخ، كما أن المشتري ليس له أن يتصرف في الثمن إذا كان له الخيار وحده إلا بعد الفسخ.

    إذاً: إذا كان الخيار لأحدهما، فإن كان للبائع وحده فنقول: له حق التصرف في الثمن المعين بما ينقل الملك ويكون إمضاء للعقد، وإن كان الخيار للمشتري وحده فله حق التصرف في السلعة بما ينقل الملك ويكون إمضاء للعقد؛ لكن ليس للبائع أن يتصرف في السلعة إلا بعد الفسخ ولو كان له الخيار وحده، وليس للمشتري أن يتصرف في الثمن إلا بعد الفسخ ولو كان له الخيار وحده، هذا القسم الثاني.

    القسم الثالث في هذه المسألة: التصرف بتجربة المبيع، فنقول: التصرف بتجربة المبيع جائز ولا يكون إلزاماً للعقد، فلو أن المشتري قال: سأجرب السيارة، فأخذ السيارة وجعل يقودها، فهذا جائز ولا بأس به، وله حق الفسخ ولا يكون إمضاء للعقد.

    قال رحمه الله تعالى: (بغير تجربة المبيع إلا عتق المشتري).

    يقول: يصح التصرف في العتق، فلو أنه اشترى الرقيق -والخيار لكل منهما أو لأحدهما- يقول: فيصح أن يتصرف المشتري بعتق الرقيق هذا، ولنفرض أن البائع قال: بعتك هذا الرقيق ولي الخيار لمدة يومين، فقال المشتري: اشتريت، وأخذ الرقيق وأعتقه! فنقول: ينفذ؛ لأن الشارع يتشوف إلى العتق، والعتق مبني على السراية والتغليب، فيقولون: إنه ينفذ، كما في المشهور من المذهب، حتى ولو كان الخيار للبائع فقط، وفيه إبطال لحقه من الفسخ، فيقولون: ينفذ ويأثم المشتري، وهذا فيه نظر!

    والصحيح في هذه المسألة أن نقول: إذا كان الخيار لكل منهما، أو كان الخيار لأحدهما فلا ينفذ العتق إلا لمن له الخيار فقط، أما إذا كان الخيار لكل منهما، أو لأحدهما فلا ينفذ عتق الآخر إلا بالإذن؛ لما يترتب على تنفيذ العتق من الظلم وإبطال حق الآخر من الفسخ، فمثلاً: الخيار للبائع، والمشتري أخذ الرقيق وأعتقه، وليس له خيار! فهذا لا يصح.

    القسم الخامس: التصرف في المنافع، فمثلاً: اشترى السيارة، وقال البائع: لي الخيار لمدة يومين، والمشتري قال: لمدة يومين أيضاً، فهل تؤجَّر السيارة أو لا تؤجر؟ يقول المؤلف رحمه الله: إن المشهور من مذهب الحنابلة أن المنافع تبقى معطلة حتى يتفقا على التأجير، أي: على أن تؤجر أو يكون العقد مع الآخر، هذا هو المشهور من المذهب، والصحيح في ذلك: أنه إذا طالب المشتري أن المنافع لا تعطل، فتؤجر السيارة، ويؤجر الرقيق، وتؤجر الدابة، ويؤجر البيت، فالصواب في ذلك أنها لا تعطل، كما طالب المشتري؛ لأن الملك الآن أصبح للمشتري.

    قال رحمه الله: (ومن مات منهما بطل خياره)، من أحد العاقدين، فمثلاً: لو أن المشتري قال: لي الخيار لمدة يومين، ثم مات، يقول: (بطل خياره)، هذا هو المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: أن الخيار لا يبطل وأنه يورث، وهذا مذهب المالكية والشافعية؛ لأن هذا حق مالي، والله عز وجل يقول: وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ [النساء:12] وهذا يشمل كل ما تركه الأزواج من الأعيان المالية، والحقوق المالية، فالصواب في ذلك: أنه لا يبطل حقه في أي شيء بالموت؛ لكن المشهور من المذهب أنه إن طالب قبل الموت لم يبطل، وإن مات قبل أن يطالب بالفسخ فإنه يبطل، والصحيح: أنه لا يبطل سواء طالب أو لم يطالب.

    1.   

    ثالثاً: خيار الغبن

    قال المؤلف رحمه الله: (الثالث: إذا غبن في المبيع غبناً يخرج عن العادة).

    هذا القسم الثالث من أقسام الخيارات، وهو خيار الغبن.

    والغبن في اللغة: الخديعة، وأما في الاصطلاح: فهو أن يغبن غبناً يخرج عن العادة.

    والمشهور من المذهب أن الغبن له ثلاث صور فقط، ما عدا ذلك فإنه لا غبن، وهذه الصور بينها المؤلف، والغبن محرم ولا يجوز؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من غشنا فليس منا ). ‏

    تلقي الركبان

    الصورة الأولى من صور الغبن: تلقي الركبان، ودليل حرمتها قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تلقوا الجلب فمن تلقاه فاشترى منه فإذا أتى السوق فهو بالخيار )، وتلقي الركبان هل هو خاص بالخروج خارج البلد، أو أنه يشمل التلقي ولو داخل البلد ما دام أنه خارج السوق؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وهو المشهور من قول الظاهرية والحنابلة: أنه سواء كان التلقي داخل البلد أو خارج البلد، ما دام أنه خارج السوق، هذا المشهور من المذهب.

    والرأي الثاني: أنه لا يكون تلقياً إلا إذا كان خارج البلد، وهذا مذهب الشافعية.

    والصحيح في ذلك ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله، وأن التلقي يشمل ما كان داخل البلد وخارج البلد إذا كان خارج السوق.

    لكن لو أنه خرج ولم يقصد التلقي وإنما وجدهم في الطريق فهل يشتري منهم أو لا يشتري؟ نقول: لا يشتري حتى يهبط الأسواق.

    لكن لو أنهم لا يريدون هذا البلد، وإنما يريدون بلداً آخر فهل يشتري منهم أو لا يشتري؟ نقول: لا بأس أن يشتري منهم؛ لأنهم مسافرون، ولو أنهم هم الذين أتوا الشخص ولم يقصدهم هو فلا بأس أن يشتري منهم؛ لكن أن يقصدهم هو فنقول: انتظر حتى يهبطوا الأسواق.