إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب البيع [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من البيوع التي جاء الشرع بالنهي عنها حفاظاً على علاقة المسلم بإخوانه: بيع المسلم على بيع أخيه، وشراء المسلم على شراء أخيه، وسوم المسلم على سوم أخيه، وهناك بيوع أخرى نهى عنها الشارع لوقوع الربا فيها أو وجود التحايل، ومن ذلك: بيع العينة وبيع التورق.

    1.   

    بيع المسلم على بيع أخيه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ويحرم بيعه على بيع أخيه، كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة، وشراؤه على شرائه، كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة، ليفسخ ويعقد معه، ويبطل العقد فيهما، ومن باع ربوياً بنسيئة، واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس لم يجزِ، وإن اشتراه بغير جنسه، أو بعد قبض ثمنه، أو بعد تغير صفته، أو من غير مشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز].

    إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد:

    تقدم لنا ما يتعلق بشرط كون الثمن معلوماً، وذكرنا دليل ذلك، وأيضاً تكلمنا عن المسائل التي أدرجها المؤلف رحمه الله تعالى تحت هذا الشرط، ثم بعد ذلك تكلمنا عن مسائل تفريق الصفقة، وما المراد بها، وكيف يقسط الثمن إذا جمع في عقد واحد، وبينا ما يصح العقد عليه، وما لا يصح العقد عليه، ثم بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله في بعض البيوع المنهي عنها، وذكر من هذه البيوع البيع بعد نداء الجمعة الثاني، ومثله أيضاً البيع بعد تضايق وقت المكتوبة، وكذلك أيضاً إذا باع شيئاً من المباحات مما يستعان به على المحرم، فإن هذا من المحرم ولا يجوز، وكذلك أيضاً ما يتعلق ببيع العبد المسلم للكافر، ومتى يجوز ذلك، ومتى لا يجوز، وكذلك أيضاً ذكرنا حكم ما إذا جمع بين عقدين صفقة واحدة، وأن هذا جائز لا بأس به.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم بيعه على بيع أخيه).

    كأن يقول لمن اشترى سلعة بعشرة: أنا أعطيك مثلها بتسعة.

    يحرم أن يبيع المسلم على بيع أخيه، ودليل ذلك نهي النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: ( ولا يبع بعضكم على بيع بعض ).

    صور البيع على بيع المسلم

    والبيع على بيع المسلم له صورتان:

    الصورة الأولى: في الكمية كما مثل المؤلف رحمه الله ذلك: أن يبيع سلعة بعشرة فيأتي شخص ويقول: أنا أبيعك مثلها بتسعة، فهذا بيع على بيع أخيه في الكمية.

    الصورة الثانية: في الكيفية كأن يبيعه سيارة بعشرة فيأتي شخص ويقول: أنا أبيعك أحسن من هذه السيارة بعشرة، فكلا الصورتين سواء كان ذلك في الكمية، أو كان ذلك في الكيفية كل ذلك لا يجوز، والحكمة من ذلك ظاهرة، وهي أن البيع على بيع المسلم يوقع في إيغار الصدور، والبغضاء والتدابر والشحناء ونحو ذلك، فحرم ذلك.

    البيع على بيع الكافر

    وقول المؤلف رحمه الله: (يحرم بيعه على بيع أخيه) يفهم منه أنه لا بأس أن يبيع على بيع الكافر، فلو أن الكافر باع سلعة بعشرة فلك أن تبيع على بيعه، سواء كان ذلك في الكمية أو في الكيفية. هذا هو ظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى، وبه قال كثير من العلماء: أن التحريم خاص بالمسلم إذا باع، أما إذا باع على بيع الكافر فإن هذا جائز لا بأس به.

    والرأي الثاني في المسألة: أنه لا يجوز حتى ولو كان كافراً؛ لأنه لا يجوز لك أن تبيع على بيعه، لما في ذلك من الظلم، والله سبحانه وتعالى لا يقر الظلم، فالكافر لا يجوز لك أن تظلمه، بل يجب عليك أن تعدل معه، قال الله عزّ وجل: فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ [التوبة:7] ما دام أنه لم يظلمك بذاته فإنه لا يجوز لك أن تعتدي عليه وتظلمه، وهذا القول هو الصواب، وعلى هذا نقول: لا يجوز أن تبيع على بيع الكافر. ولا المسلم.

    شراء المسلم على شراء أخيه

    قال المؤلف رحمه الله: (وشراؤه على شرائه).

    أيضاً يحرم أن تشتري على شراء أخيك المسلم، وهذا أيضاً تحته صورتان كما سلف سواء كان ذلك في الكمية، أو كان ذلك في الكيفية، مثاله في الكمية: أن يشتري السيارة بعشرة، فيأتي شخص ويقول: أنا أشتريها بأحد عشر، فنقول: هذا محرم لا يجوز، أو في الكيفية: كأن يشتري السيارة بعشرة بثمن مؤجل، فيأتي شخص ويقول أنا أشتريها بعشرة بثمن الحال، فنقول: هذا محرم لا يجوز، أو مثلاً: يشتري السيارة ببر متوسط، فيأتي شخص ويقول: أنا أشتريها ببر جيد، نقول: هذا كله لا يجوز، فالشراء على شراء أخيه سواء كان ذلك في الكمية أو في الكيفية كله لا يجوز.

    قال: (كأن يقول لمن باع سلعة بتسعة: عندي فيها عشرة ليفسخ ويعقد معه).

    يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى: (ليفسخ ويعقد معه)، أنه إذا كانت هذه العلة فإنه لا يجوز، بخلاف ما إذا لم تكن هذه هي العلة: كأن يشتري على شرائه، وهو لا يريد أن يفسخ وإنما يريد زيادة السلع.

    إذاً عندنا صورتان:

    الصورة الأولى: إذا كان يريد أن يفسخ ويعقد معه، فإن هذا لا يجوز، مثال ذلك اشترى سيارة بعشرة فقال الثاني: أنا أشتريها بأحد عشر، فيأتي البائع ويفسخ مع الأول، ويعقد مع الثاني لأن الثاني سيبيعه بأحد عشر، فإذا كان كذلك فإن هذا لا يجوز.

    الصورة الثانية: إذا كان لا يترتب عليه فسخ، ونعلم أن البائع لن يفسخ البيع مع المشتري الأول، فظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن هذا جائز ولا بأس به، فمثلاً اشترى السيارة بعشرة، فجاء شخص وقال: أنا أشتري بأحد عشر، وهو لا يريد أن يفسخ معه في نفس هذه السلعة، وإنما يريد سلعة أخرى، فإذا كان لا يريد أن يفسخ ويعقد معه، فظاهر كلام المؤلف أن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن العلة انتفت، وهي أنه إذا فسخ البائع مع الأول، وعقد مع الثاني ترتب على ذلك ما يتعلق بإيغار الصدور والشحناء والبغضاء.

    أما إذا علمنا أن البائع لن يفسخ مع الأول، وإنما سيعقد مع الثاني على سلعة أخرى، فكلام المؤلف رحمه الله: أن هذا جائز لا بأس به، ولكن مع ذلك نقول: إذا كان سيترتب عليه ما يترتب على حكمة النهي من الشراء على شراء أخيه، والبيع على بيع أخيه من إيغار الصدور، فنقول: الأحوط في ذلك أن يتركه المسلم.

    الأثر المترتب على بيع وشراء المسلم على أخيه

    قال: (ويبطل العقد فيهما).

    أي: يبطل العقد في البيع على بيعه، والشراء على شرائه، فمثلاً: لو أنه باع السيارة بعشرة، ثم جاء شخص وقال: أنا أشتريها بأحد عشر، ففسخ البائع مع الأول، وعقد مع الثاني بأحد عشر، فنقول: العقد الثاني باطل، ولا يجوز؛ لأن النهي يقتضي الفساد، ولهذا قال المؤلف رحمه الله: (ويبطل العقد فيهما)، يعني يبطل العقد في البيع على بيعه، وفي الشراء على شرائه، فإذا فسخ العاقد مع العاقد الأول وعقد مع الثاني فنقول بأن هذا العقد باطل؛ لأن النهي يقتضي الفساد.

    سوم المسلم على سوم أخيه

    بقي أيضاً مسألة ثالثة، وهي السوم على سومه، هل هذا جائز أو ليس جائزاً؟

    نقول: السوم على سومه ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون ذلك في بيوع المزايدة، ونقول بأن هذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم باع فيمن يزيد، وعلى هذا جرى عمل المسلمين، فالسلع تعرض، ثم بعد ذلك يسوم الناس هذه السلع، ويتزايدون فيها.

    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنه لو قيل في بيوع المزايدة، أنه ليس لأحدهما أن يفسخ لما يترتب عليه من الضرر، لكان ذلك متوجهاً، فمثلاً السيارة عرضت بعشرة آلاف، ثم زاد شخص إلى أحد عشرين ألفاً، ثم بعد ذلك توقف عليه السوم، فهل له الحق في الفسخ، أو ليس له الحق في الفسخ؟ الفقهاء رحمهم الله يقولون: له الحق في الفسخ، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله قال: لو قيل بأنه ليس له الحق في الفسخ، لما يترتب عليه في الضرر، ما دام أنه زاد إلى هذا الثمن، فإنه لا يتمكن من الفسخ، ولو قلنا: افسخ لأدى إلى ضرر البائع؛ لأن الناس قد انصرفوا عن هذه السلعة لكون هذا الشخص زاد على الثمن الذي يرغبه الناس، حتى تركها الناس.

    القسم الثاني: السوم في غير بيوع المزايدة، ونقول: إذا ركن كل واحد منهما إلى الآخر، ورضي المشتري بالسلعة، والبائع بالثمن لكنه لم يحصل العقد، فإنه لا يجوز أن يسوم على سوم أخيه إذا حصل رضا لكن لم يحصل العقد، أما لو حصل العقد فهو البيع على بيعه، أو الشراء على شرائه، هذا هو الفرق بين السوم على سومه، والبيع على بيعه، والشراء على شرائه، الفرق بينهما أنه في البيع تم العقد، لكن الآخر فسخ لكونه يملك الفسخ؛ إما لكونه في خيار المجلس أو كونه في خيار الشرط، أما في السوم على سومه فلم يحصل العقد، وإنما حصل الرضا التام بين المتعاقدين، فهذا رضي بالثمن، وهذا رضي بالمثمن، لكن لم يحصل العقد، فهل يجوز السوم على سومه؟ نقول: لا يجوز السوم على سومه؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك، لكن لو سام على سوم أخيه بعد الرضا التام، ثم عقد مع الثاني، يعني توافقا، هذا يريد الثمن وهذا يريد المثمن، ثم جاء شخص وزاد فعقد البائع مع الثاني، ما حكم هذا العقد؟ هل العقد صحيح؟ أو باطل؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أن العقد صحيح، وهذا قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى؛ لأنه في السوم على سومه، لا يعود النهي على ذات المنهي عنه، وإنما يعود إلى أمر خارج.

    مدى إمكانية الفسخ في بيع المسلم على بيع أخيه وشرائه

    بقينا في مسألة أخيرة في البيع على بيعه، والشراء على شرائه، متى يحرم ذلك؟

    العلماء رحمهم الله يقولون: يحرم ذلك إذا كان العاقد يتمكن من الفسخ، أما إذا كان لا يتمكن من الفسخ فإنه لا يحرم، ومتى يتمكن العاقد من الفسخ، ومتى لا يتمكن؟

    إذا كان في زمن الخيارين فإنه يتمكن من الفسخ، أما إذا لم يكن في زمن الخيارين فإنه لا يتمكن من الفسخ، مثال ذلك: باعه السيارة بعشرة آلاف ريال، ثم جاء شخص وقال: أنا أبيعك أحسن منها بتسعة، وهما في مجلس الخيار، فهنا المشتري يتمكن من الفسخ، ويعقد مع الثاني، هذا في زمن خيار المجلس، وفي زمن خيار الشرط: اشترى السيارة بعشرة، وقال: لي الخيار لمدة يومين وذهب، فجاءه شخص، وقال: أنا أبيعك مثل هذه السيارة بتسعة، هنا هل يتمكن من الفسخ، أو لا يتمكن؟

    يتمكن ما دام أن له خيار الشرط، لكن لو حصل البيع على بيعه، والشراء على شرائه بعد زمن الخيارين، فنقول بأن هذا لا بأس به، فمثلاً: باعه السيارة بعشرة، وتفرقا عن مجلس العقد وليس لأحدهما شرط، ثم بعد ذلك جاء شخص وقال: أنا أبيعك مثل هذه السيارة بتسعة، يقولون: إن هذا جائز ولا بأس به، والصواب في ذلك: أنه حتى بعد زمن الخيارين فإنه محرم لا يجوز؛ لأن هذا العاقد -المشتري- إذا اشترى بعشرة، وجاء شخص وقال أنا أبيعك بتسعة، فإن هذا العاقد سيسلك أي طريق لفسخ هذا العقد، سيدعي الغبن، سيدعي العيب.. إلخ، مع أنه سيقع في قلبه أيضاً ما نهي عنه، وحكمة النهي عن مثل هذه العقود ما سيترتب على ذلك من إيغار الصدور والتباغض والتدابر ونحو ذلك، فالصواب في ذلك: أنه حتى بعد لزوم العقد، وبعد ذهاب زمن الخيارين: لا يجوز له أن يشتري على شرائه، أو أن يعقد على عقده.

    1.   

    بيع الربوي بنسيئة

    قال رحمه الله: (ومن باع ربوياً بنسيئة، واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة).

    هذا مصطلح عند الفقهاء يقولون: من باع ربوياً، أو اشترى ربوياً، أو أوصى بربوي، أو نحو ذلك، فما المراد بالربوي؟

    المراد بالربوي المكيل والموزون في المشهور من المذهب، يعني إذا قالوا: (ربوياً فالمراد بالربويات هي المكيلات والموزونات، فقال: (من باع ربوياً) يعني باع مكيلاً أو موزوناً نسيئة، يعني بثمن مؤجل، (واعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة)، فهذا لا يجوز.

    وصورة المسألة: رجل باع مائة صاع بر بألف ريال مؤجلة لمدة سنة، باع ربوياً بنسيئة ثمناً مؤجلاً، وبعد أن مضت السنة جاء له فقال: أعطني الألف، قال: ما عندي ألف، لكن أنا أعطيك بدلاً من هذه الألف شعيراً، أي: اعتاض عن ثمنه ما لا يباع به نسيئة، عندما تبادل بر بشعير، ماذا تشترط؟ التقابض وكما سيأتينا إن شاء الله عند مبادلة ربوي بربوي آخر، يتفق معه في العلة، ويختلف معه في الجنس، فإنه يشترط أن يكون يداً بيد، فعندما تبادل ربوي بربوي آخر، فالشعير ربوي، والبر ربوي، ويتفقان في العلة، والعلة في البر والشعير واحدة، وفي المذهب هي الكيل، فإنه لا بد أن يكون يداً بيد لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد )، هنا الآن باعه براً بألف ريال، بعد سنة، قال: أعطني الألف، قال: ما عندي ألف لكن أعطيك قيمة الألف شعيراً، قال المؤلف: هذا لا يجوز؛ لأن الصورة بأنه باعه بر بشعير مؤجل، فيقع في الربا؛ لأنه اعتاض بدل الألف شعيراً، وعندما تبادل البر بشعير فإنه يشترط أن يكون يداً بيد، وهنا الآن ما حصل يداً بيد، فيقول: لا يجوز إذا باع ربوياً بنسيئة، واعتاض عن ثمن هذا الربوي ما لا يباع به نسيئة، والعلة كما ذكرنا أن هذه الصورة هي صورة ربا، فكأنه بادله براً بشعير دون التقابض، وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: رأي ابن قدامة رحمه الله أن هذا جائز؛ لأن التحيل على الربا في مثل هذه الصورة بعيد، اللهم إلا إذا قصد بذلك التحيل على الربا، وهذا بعيد؛ فالصواب في هذه المسألة: أن هذا جائز؛ لأن التحيل على الربا مبادلة الربوي بالربوي الذي يتفق معه في العلة، ويختلف في الجنس، يعني لا بد من التقابض.

    1.   

    بيع العينة

    قال المؤلف رحمه الله: (أو اشترى شيئاً نقداً بدون ما باع به نسيئة لا بالعكس لم يجز)، هذه المسألة تسمى بمسألة العينة.

    تعريف العينة في اللغة والاصطلاح

    والعينة في اللغة تطلق على معانٍ: منها الزيادة، ومنها: النقد الحاضر، ومنها: خيار الشيء، وكذلك أيضاً: تطلق على الربا، وتطلق أيضاً على مادة الحرب.. إلخ، المهم العينة في اللغة لها إطلاقات.

    وأما في الاصطلاح: فهي أن يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على الذي اشتراها منه بأقل من ثمنها نقداً، كأن يشتري سيارة بمائة ألف ريال إلى مدة سنة، ثم بعد ذلك يأخذ هذه السيارة، ويبيعها على الذي اشتراها منه بثمانين ألف، فيأخذ منه الثمانين ألف، وترجع له السيارة ثمانين بمائة، فأصبح الآن دراهم بدراهم مؤجلة، يعني أخذ منه ثمانين بمائة ألف مؤجلة.

    أقسام العينة

    ومسألة العينة تنقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون هناك اتفاق ومواطأة، يعني يكون هناك شرط بأن يشتري منه السلعة، بشرط أن يشتريها منه بأقل من ثمنها نقداً، فهذا باتفاق الأئمة شرعاً لا يجوز إذا كان هناك اتفاق ومواطأة؛ لأن صورة هذه العينة كما أسلفنا أنها دراهم بدراهم متفاضلة عنها.

    القسم الثاني: أن لا يكون هناك اتفاق وشرط، وإنما اشترى منه السيارة بثمن مؤجل، ثم بعد ذلك ذهب ليبيع هذه السيارة في السوق في المعارض، فجاء البائع ووجدها تباع فاشتراها، هنا لم يكن هناك اتفاق ومواطأة، إنما اشتراها بأقل من ثمنها نقداً، فهل هذا جائز، أو ليس جائزاً؟ جمهور العلماء على أنه لا يجوز، حتى لو لم يكن هناك شرط أو اتفاق.

    والرأي الثاني: رأي الشافعية أن هذا جائز إذا لم يكن هناك شرط ولا اتفاق.

    أدلة من يقول بحرمة العينة

    والجمهور استدلوا على تحريم مسألة العينة بأدلة كثيرة: من ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم بأذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم )، وكذلك أيضاً حديث أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما، أو الربا ) وابن القيم رحمه الله يقول: المراد بكلام النبي صلى الله عليه وسلم: ( من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما )، أو يأخذ بالناقص، فإن أخذ بالزائد أخذ بالربا، وهذه هي مسألة العينة، فمثلاً في الصورة التي ذكرنا اشترى السيارة بمائة ألف ريال مؤجلة ثم رد السيارة للبائع بثمانين ألفاً نقداً، الآن البائع أخذ المائة كاملة بالربا، وإن أخذ بالأوكس أخذ بالناقص، أخذ ثمانين، وإن استوفى المائة كاملة أخذ أوكسهما، يعني يأخذ الثمانين، يعني لما رد عليه السيارة وباع عليه فأخذ منه ثمانين، فله أوكسهما، أي: الناقص، وإن أخذ الزائد أي: مائة ألف، فإنه يكون قد أخذ بالربا، (فله أوكسهما، أو الربا) هذه مسألة، وهي الآن فيها بيعتان: فيها بيعة مؤجلة، وبيعة حاضرة، فيها بيعة واحدة، وهي هذه السيارة فله أوكسهما أو الربا.

    وأيضاً ابن القيم رحمه الله في كتابه تهذيب السنن حمل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا يحل سلف ولا بيع ولا شرطان في بيع)، قال: المراد بالشرطين في البيع هو بيع العينة، وكذلك أيضاً ما ورد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها أنكرت على زيد بن الأرقم لما سلك مسألة العينة، وقالت لأم ولده: أخبريه أنه قد أبطل جهاده مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا أن يتوب.

    وقول المؤلف رحمه الله تعالى: (لا بالعكس) المراد بذلك عكس مسألة العينة، وهذه سنتكلم عنها إن شاء الله.

    محترزات في مسألة العينة

    قال رحمه الله: (وإن اشتراه بغير جنسه، أو بعد قبض ثمنه، أو بعد تغير صفته، أو من غير مشتريه، أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز).

    هذه كلها محترزات في مسألة العينة.

    قوله: (إن اشتراه بغير جنسه) يعني اشترى السلعة بثمن غير جنس الثمن الذي باع به، ولنفرض أن هذا الرجل باع السيارة بمائة ألف ريال نسيئة، ثم جاء المشتري وباعها للبائع الأول واشتراها بالدولار، أو بالدينارات الكويتية، ولنفرض أنه باع عليه بثمن ثمانية آلاف دينار كويتي.

    فهذا جائز ولا بأس به، ولو كان هذا الجنس أقل في الصرف لو حصلت مصارفة هذا الجنس، فالدينارات أقل من الثمن، والآن ثمن النسيئة مائة ألف، والدينارات ثمانية آلاف نقداً، وهي أقل، فهذا جائز ولا بأس به؛ لأن الثمن إذا تغير بتغير الجنس فإنه يجوز التفاضل بينهما عند تغير الجنس، هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني في هذه المسألة: أن هذا محرم ولا يجوز وهو مذهب الحنفية والمالكية، واختاره ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهذا القول هو الصواب؛ لأن كلاً من الثمنين كالجنس لكونها ثمن الأشياء، والزيادة الآن حاصلة لأنها مبادلة دراهم بدراهم، يعني صورة العينة لا تزال موجودة فيها، وهي مبادلة دراهم بدراهم مع الزيادة بينهما، فالحيلة ما تزال موجودة على أخذ الزيادة عند مبادلة الدراهم بالدراهم.

    قول المؤلف رحمه الله: (أو بعد تغير صفته)، مثلاً باعه السيارة بمائة ألف ريال مؤجلة لمدة سنة، والمشتري أخذ السيارة وجعل يستعملها، ولما استعملها مدة شهر نقصت قيمتها، وذهب وباعها على من باعها عليه بأقل من ثمنها نقداً، فيقول المؤلف رحمه الله: إذا كان ذلك بعد تغير الصفة فإن هذا جائز ولا بأس به، ولو كان بأقل من ثمنها نقداً، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله: أنه إذا كان الثمن أقل سواء كان ذلك بمقدار تغير الصفة، أو بأكثر من تغير الصفة؛ لأن الصفة قد تتغير بمقدار كذا وكذا، ويبيعها بأقل من ثمنها نقداً أكثر من تغير الصفة.

    والرأي الثاني في هذه المسألة: أننا ننظر إلى تغير الصفة، فيبيع عليه السيارة بمقدار ما حصل من التغير، فمثلاً هو الآن لما استعملها نقصت قيمتها، خمسة آلاف ريال، فينقص خمسة آلاف ريال، ولو أنقص ستة آلاف ريال وقع في الربا -العينة- فإذا كان النقص بمقدار ما حصل من نقص الصفة فإن هذا جائز ولا بأس به، وإذا لم يكن شيء من ذلك، فإن هذا لا يجوز، مع أن الأحوط في ذلك -حتى مع تغير الصفة- أن لا يسلك هذا، لكن لو سلك ذلك نقول: ينظر إلى نقص الثمن، إن كان بمقدار نقص الصفة فإن ذلك جائز ولا بأس به.

    قوله: (أو من غير مشتريه)، يعني لو أنه اشترى هذه السيارة بمائة ألف ريال مؤجلة ثم باعها على شخص آخر.

    صورة هذه المسألة، أن زيداً اشترى من عمرو السيارة بمائة ألف ريال مؤجلة، وزيد -المشتري- بعد ذلك باعها على صالح، فجاء عمرو -البائع الأول- فاشتراها، لكن لم يشترها من زيد، وإنما اشتراها من صالح بأقل من ثمنها نقداً، فيقول المؤلف رحمه الله بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن صورة الربا انتفت ما لم يكن هناك حيلة، فإذا كان هناك حيلة فالحيل لا تسقط الواجبات، ولا تبيح المحرمات.

    قوله: (أو اشتراه أبوه أو ابنه جاز)، يعني أبو البائع، فالبائع باعها بمائة ألف مؤجلة، ذهب أبو البائع واشتراها بأقل من ثمنها نقداً فهذا جائز ولا بأس به؛ لأن المالك اختلف، وملك البائع يختلف عن ملك أبيه ما لم يكن هناك حيلة.

    ومثله أيضاً لو اشتراها ابن البائع أو زوجة البائع نقول بأن هذا جائز ولا بأس به؛ لأن الملك قد اختلف، لكن لو اشتراها رقيق البائع نقول: لا يجوز؛ لأن الرقيق وما ملك يكون لسيده، فلو أن زيداً باعها بمائة ألف ريال مؤجل، ثم جاء رقيقه واشتراها بأقل من ثمنها نقداً نقول: لا يجوز، ومثل ذلك أيضاً لو اشتراها وكيله بأقل من ثمنها نقداً، نقول: إن هذا لا يجوز؛ لأن الوكيل نائب في حكم المالك، فهو نائب عن المالك.

    1.   

    التورق

    مسألة التورق، التورق شبيهة بالعينة.

    التورق في اللغة والاصطلاح

    والتورق في اللغة: مأخوذة من الورق، والورق في اللغة يطلق على معانٍ: منها المال بجميع أنواعه، كذلك أيضاً الفضة تسمى بالورق، كذلك أيضاً ورق الشجر، وكذلك أيضاً حسن القوام وجماله.

    وأما في الاصطلاح: فهو أن يشتري سلعة بثمن مؤجل، ثم يبيعها على غير بائعها بأقل من ثمنها نقداً، وإنما يفعل ذلك لكي يتوسع بالثمن، فمثلاً: اشترى هذه السيارة بثمن مؤجل، ثم يأخذها ويبيعها على غير بائعها بأقل من ثمنها نقداً، هذا هو التورق.

    آراء العلماء في التورق

    والتورق موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى هل هي معاملة جائزة أو لا؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك ثلاثة أراء:

    الرأي الأول: وهو قول جمهور أهل العلم من الحنفية والمالكية والحنابلة إنها جائزة، مع أن الحنفية والمالكية ينصون على أنها مكروهة، واستدلوا على ذلك بأن الأصل في البيع الحل، والله عزّ وجل يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا [البقرة:275] فهو الآن اشترى سيارة بغرض صحيح، وباعها على غير بائعها أيضاً بغرض صحيح، وحيث اختلف البائع فشبهة الربا قد انتفت، فهو الآن لم يبعها على بائعها، حتى لا يكون هناك مبادلة دراهم بدراهم بينهما تفاضل، هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم.

    الرأي الثاني: أن هذه المعاملة محرمة، وهذه رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وهذه الرواية اختارها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وكذلك أيضاً اختارها الشيخ محمد بن عبد الوهاب وهو مذهب عمر بن عبد العزيز ، وقد ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قال: كنت أراجع شيخ الإسلام لكي يحلها فيأبى ويقول: هي أخية العينة.

    إذا تصورت -الآن- مسألة التورق تجد أن صورتها صورة العينة؛ لأن خلاصتها خلاصة دراهم بدراهم، أخذ السيارة وباعها بمائة ألف، وأخذ ثمانين ألفاً، أو سبعين ألفاً، فأصبحت الآن دراهم بدراهم دخلت بينهما هذه السلعة، وقد ذكر بعض الاقتصاديين: بأن الأضرار المترتبة على الربا هي نفس الأضرار المترتبة على مسألة التورق، وهذا مما يؤيد القول بالتحريم كما هو مذهب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    الرأي الثالث في هذه المسألة: أنها جائزة عند الحاجة، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، إذا كان الإنسان محتاجاً إلى المال كأن يبني مثلاً، أو أن يتزوج، أو أن يوفي ديناً عليه، أو نحو ذلك، المهم أنه يحتاج إلى ذلك، لا يريد أن يتوسع ويتزيد من أمور الدنيا، أو إلى أمور كمالية، أو سفر، فإن هذا جائز ولا بأس به بضوابط، ولعل هذا القول يكون وسطاً، وإذا تورع عن التورق فهو أحسن، والآن في البنوك يسمى التورق المنظم، وكذلك أيضاً الآن خرج قريباً ما يسمى بالتورق العكسي، وهو صورة من صور الربا، أو التورق عن طريق بيع المعادن، أو غير ذلك.

    بقي مسألتان تتعلقان بالبيع قبل أن ننتقل إلى باب الشروط في البيع:

    1.   

    التسعير

    المسألة الأولى: التسعير.

    والمسألة الثانية: الاحتكار.

    التسعير جائز، أو ليس جائزاً؟ روى مسلم في صحيحه من حديث أنس : (أن السعر غلا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالوا: يا رسول الله! لو سعرت لنا، فقال: إن الله هو القابض، الباسط، الرازق، المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله، ولا يطلبني أحد بمظلمة في دم ولا مال )، فهذا الحديث يفيد أن التسعير لا يجوز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يجب طلب الصحابة رضي الله عنهم إلى التسعير.

    وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى وكذلك أيضاً ابن القيم أن التسعير ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: تسعير بحق، وهو ما إذا كانت زيادة السعر بسبب الخلق، أي بسبب ظلم الخلق فهذا تسعير بحق، فمثلاً: إذا كانت الزيادة بسبب الخلق وظلمهم بعضهم لبعض، فالتسعير بحق، فقد يلجأ بعض التجار إلى احتكار بعض السلع، أو شراء بعض السلع، أو احتكارها حتى ترتفع أسعارها، فنقول: إذا كان هذا التسعير. أو زيادة السعر بسبب الخلق، فهو تسعير بحق كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    القسم الثاني: أن يكون التسعير لابساً للخلق نتيجة إما أن السلع قلت، أو الخلق كثرت، ونحو ذلك لا بسبب الخلق، وإنما هو بسبب من الله سبحانه وتعالى، حتى ارتفعت الأسعار ونحو ذلك، فالتسعير هنا مما نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: التسعير في هذه الحالة محرم ولا يجوز.

    1.   

    الأسئلة

    حكم مقاهي الإنترنت

    السؤال: أريد أن أفتح محلاً يكون فيه مقهى للإنترنت، وأنا متردد فهل هذا جائز؟

    الجواب: الذي يظهر والله أعلم أن مثل هذه المقاهي محرمة؛ لأنها تشتمل على محرمات، فهي سبب للاجتماع على محرم، ووسيلة إلى محادثات محرمة، والاطلاع على صور محرمة، وغير ذلك، ومفاسدها كثيرة، فأنا أنصح السائل أن يقرأ حول هذا الموضوع، فهناك خطب وكتب في هذا الموضوع، وكثير من أهل العلم قد تكلم حول مثل هذه المقاهي وما تشتمل عليه من المحرمات، وإذا كانت تشتمل على محرمات فإنه لا يجوز أن تؤجر لهذه المنافع، والله عزّ وجل يقول: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ [المائدة:2].