إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب المناسك [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأنساك هي: القران، والتمتع، والإفراد، وأفضلها لمن لم يسق الهدي التمتع، وقد اتفق العلماء على أن المتمتع يلزمه دم والمفرد لا يلزمه، وأما القارن فالصحيح أنه يلزمه، وكذلك يلزم من ارتكب محظوراً من محظورات الإحرام، ومنها: حلق الشعر وقلم الأظفار ولبس المخيط وتغ

    1.   

    وجوب الدم في الأنساك الثلاثة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ وعلى الأفقي دم، وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنة، وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، يصوت بها الرجل وتخفيها المرأة.

    باب محظورات الإحرام:

    وهي تسعة حلق الشعر، وتقليم الأظفار، فمن حلق أو قلم ثلاثةً فعليه دم، ومن غطى رأسه بملاصق فدى، وإن لبس ذكر مخيطاً فدى].

    سبق لنا ما يتعلق بالميقات الزماني للحج، وكذلك أيضاً للعمرة، وذكرنا أن الميقات الزماني للحج موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله، وأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: أن الميقات الزماني للحج هو شهر شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    والرأي الثاني: أن الميقات الزماني للحج هو شوال وذو القعدة وتسع من ذي الحجة، ولكن يقولون: بأنه يمتد إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر، وهذا مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.

    والرأي الثالث: مذهب الإمام مالك رحمه الله: وأن أشهر الحج ثلاثة: شوال، وذو القعدة، وذو الحجة كاملاً، وذكرنا بأن هذا القول هو أقرب الأقوال؛ لأن هذا هو ظاهر القرآن، وأن الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم متعارضة، وإذا كانت كذلك فإنه يصار إلى ظاهر القرآن والسنة، وذكرنا حكم ما إذا أحرم قبل الميقات المكاني، أو أحرم قبل أشهر الحج، وأن الراجح ما عليه جمهور أهل العلم أنه إذا أحرم قبل الميقات المكاني أن إحرامه ينعقد، ولكنه يكره خلافاً لما ذهب إليه الظاهرية، وإذا أحرم قبل الميقات الزماني فإن إحرامه على الصحيح ينقلب عمرةً مجزئة عن عمرة الإسلام كما هو مذهب الشافعي رحمه الله تعالى.

    وذكر المؤلف رحمه الله تعالى جملةً من آداب الإحرام، فذكر ما يتعلق بالاغتسال، وهل يشرع التيمم أو أن التيمم لا يشرع؟ وكذلك أيضاً ما يتعلق بالتنظف، وما المراد بالتظف؟ وهل هو من خصائص الإحرام أو ليس من خصائصه؟ وكذلك أيضاً يشرع أن يتطيب عند الإحرام، أن يطيب رأسه ولحيته، وهل للإحرام صلاة خاصة أو ليس له صلاة خاصة؟ وما أفضل الأنساك؟ وذكرنا أن الأنساك ثلاثة: التمتع والقران والإفراد، وأن أفضل الأنساك هو التمتع؛ لأن التمتع هو المذكور في القرآن؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تمناه، إلا إن ساق الهدي فإن الأفضل القران؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً، وإن اعتمر قبل أشهر الحج ومكث في مكة ولم يخرج إلى أهله، فإن الأفضل في حقه الإفراد، يعني إذا مكث في مكة حتى جاء وقت الحج، فإن الأفضل في حقه الإفراد كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، فأصبح عندنا أفضل الأنساك هو التمتع إلا في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا ساق الهدي، فإذا ساق الهدي فإن الأفضل هو القران.

    والحالة الثانية: إذا اعتمر قبل أشهر الحج ومكث في مكة حتى حج، فإن الأفضل في حقه الإفراد كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.

    وتقدم ما يتعلق بصفة التمتع، وذكرنا أيضاً صفة القران، وأن القران له ثلاث صفات، وكذلك أيضاً ذكرنا صفة الإفراد.

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعلى الأفقي دم).

    الأفق ذكرنا بأن الأفقي هو من لم يكن من حاضري المسجد الحرام، فحاضروا المسجد الحرام هؤلاء لا يجب عليهم دم؛ بدليل قول الله عز وجل لما ذكر أن المتمتع يجب عليه دم: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196]، إلى أن قال الله عز وجل: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196]، فإذا كان من حاضري المسجد الحرام فإنه لا يجب عليه دم، ومن هم حاضروا المسجد الحرام؟ هذا موضع خلاف بين العلماء رحمهم الله تعالى، فقد اختلف العلماء رحمهم الله في تفسير قوله تعالى: ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ [البقرة:196]، وذكرنا خلاف أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، وذكرنا أن الأقرب في حاضري المسجد الحرام أنهم أهل مكة وأهل الحرم، فأهل مكة وأهل الحرم هؤلاء لا يجب عليهم الهدي، ولا يجب عليهم دم، وما عداهم من المتمتعين والقارنين يجب عليهم دم.

    والحاج لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون متمتعاً، فهذا يجب عليه دم بالاتفاق، والقرآن والسنة والآثار في هذا ظاهرة، فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196].

    الحالة الثانية: أن يكون الحاج قارناً، فالقارن هل يجب عليه دم، أو لا؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول وهو قول جمهور العلماء: أن القارن يلزمه دم، واستدلوا على ذلك بأن القران فيه تمتع، والصحابة رضي الله تعالى عنهم يجعلون القران من التمتع، وذلك أن القارن تمتع بترك أحد السفرين، فالقارن أدى نسكين في سفرة واحدة، ويدل لذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: (أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر وكن قارنات)، بمن فيهن عائشة رضي الله تعالى عنها، فذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن نسائه البقر، وذبح عن عائشة بقرة كما في صحيح مسلم .

    الرأي الثاني: رأي الظاهرية قالوا: بأن القارن لا يجب عليه دم، واستدلوا بظاهر القرآن: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196]، فقالوا: بأن ظاهر القرآن أن الهدي إنما يجب على المتمتع، والصواب في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لأن في القران تمتعاً، وذلك أن القارن تمتع بترك أحد السفرين، ولهذا ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم أنهم سموا القارن متمتعاً، وأن القران تمتع، وكما ذكرنا حديث عائشة أو حديث جابر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عن عائشة بقرةً يوم النحر وكانت قارنة رضي الله تعالى عنها، فالصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    الحالة الثالثة: إذا كان الحاج مفرداً فهذا لا يجب عليه هدي بالاتفاق، فأصبح عندنا إن كان متمتعاً وجب عليه الهدي بالاتفاق، وإن كان مفرداً لم يجب عليه الهدي بالاتفاق، وإن كان قارناً فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، وذكرنا أن الصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور العلماء رحمهم الله.

    1.   

    مسائل متفرقة في التمتع

    والتمتع ذكرنا صفته، وهو أن يحرم بالعمرة في أشهر الحج ويفرغ منها، ثم بعد ذلك يهل بالحج من عامه، والعلماء رحمهم الله ذكروا شروطاً للتمتع، وهذه الشروط تدخل في هذه الكيفية التي ذكرتها، أن يهل بالعمرة في أشهر الحج، ثم يفرغ منها، ثم يهل بالحج من عامه، لكن هناك مسائل أيضاً تكلم عليها العلماء رحمهم الله، وذكروا هل هي شرط في التمتع، أو ليست شرطاً فيه؟

    سقوط الدم عن المسافر بين النسكين

    من أهم هذه المسائل: السفر بين النسكين، وهذه تحصل كثيراً، فالمتمتع إذا أدى العمرة ثم بعد ذلك خرج وسافر هل يسقط تمتعه، أو لا يزال متمتعاً؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى أنه إذا سافر مسافة قصر فإن تمتعه يسقط عليه، وعلى هذا إذا أدى العمرة ثم سافر مسافة قصر ورجع إلى مكة، فإنه لا يكون متمتعاً.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي : أنه إذا سافر إلى الميقات ثم رجع، فإن تمتعه يسقط عنه، وحينئذ يسقط عنه الدم.

    الرأي الثالث: وهو مذهب أبي حنيفة رحمه الله: أنه إذا سافر إلى بلده فإن تمتعه يسقط، وحينئذ لا دم عليه، وأما إن سافر إلى غير بلده، سواء سافر مسافة قصر أو أكثر من ذلك فإن تمتعه لا يسقط عليه.

    والصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنفية رحمهم الله تعالى؛ لأن هذا هو الوارد عن عمر وابنه رضي الله تعالى عنهما؛ ولأنه إذا سافر إلى بلده ثم خرج مرةً أخرى يكون أنشأ سفراً جديداً.

    اشتراط نية التمتع مع بداية الإحرام بالعمرة

    المسألة الثانية: هل تشترط نية التمتع من حين الإحرام بالعمرة، أو نقول: بأن هذا ليس شرطاً؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه لكي يكون متمتعاً لا بد أن ينوي التمتع حين إحرامه بالعمرة.

    والرأي الثاني ذهب إليه صاحب المغني رحمه الله: أن هذا ليس شرطاً، وهذا القول هو الصواب، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل من لم يسق الهدي من المفردين والقارنين أن يحلوا، وأن يجعلوا إحرامهم عمرةً، فيكونوا متمتعين، وهم لم ينووا التمتع في ابتداء العمرة قطعاً، فالصحيح في هذه المسألة: أن نية التمتع كما ذكر ابن قدامة رحمه الله ليست شرطاً.

    اشتراط الإحرام من الميقات في التمتع

    المسألة الثالثة: أيضاً هل يشترط لكي يكون متمتعاً أن يحرم من الميقات، أو من مسافة قصر فأكثر؟

    المشهور من المذهب أنه لكي يكون متمتعاً لا بد أن يحرم من الميقات أو من مسافة قصر فأكثر.

    والرأي الثاني: أن هذا ليس شرطاً، وهذا رأي ابن قدامة رحمه الله تعالى، وهو الصواب، وعلى هذا لو أحرم دون الميقات -وهذا يفعله الآن كثير من الناس، فكثير منهم بسبب تصاريح الحج تجده يتجاوز الميقات ثم بعد ذلك يحرم دون الميقات، يحرم بعمرة ثم يتحلل منها، ثم يحرم بالحج- فنقول: بأن هذا متمتع، وإن ترك الإحرام من الميقات فالصواب في هذه المسألة أنه لا يشترط أن يحرم منه، أو من مسافة قصر كما يقول الحنابلة رحمهم الله تعالى.

    الانتقال من التمتع إلى القران عند الخشية من فوات الحج

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن حاضت المرأة فخشيت فوات الحج أحرمت به وصارت قارنةً).

    المؤلف رحمه الله تعالى يقول: (وإن حاضت المرأة) ويا ليت المؤلف قال: وإن أحرم متمتعاً فخشي فوات الحج، أحرم بالحج، فلو أنه أتى بعبارة عامة ولم يخص ذلك بالمرأة الحائض لكان أحسن، ولكن المؤلف رحمه الله عذره في ذلك أن القضية وردت في عائشة رضي الله تعالى عنها، فإن عائشة رضي الله تعالى عنها أحرمت متمتعة، أحرمت بالعمرة، ثم بعد ذلك حاضت، فلو أن عائشة جلست تنتظر حتى تطهر من حيضها، ثم بعد ذلك تؤدي العمرة لفات وقت الوقوف بعرفة، وحينئذ أمرها النبي صلى الله عليه وسلم بأن تحرم بالحج؛ لكي تكون قارنةً، فأحرمت عائشة رضي الله تعالى عنها بالحج، فنقول في ذلك: إذا أحرم بالعمرة متمتعاً، وحصل له عذر بحيث يخشى أن يفوت الحج، ولنفرض أن إنساناً أصابه عائق في مركوبه أو عائق في أهله، وخشي لو ذهب لكي يؤدي العمرة فاته الحج، فنقول: أحرم بالحج لكي تكون قارناً، أي أدخل الحج على العمرة فتكون قارناً، وحينئذ تقف مع الناس.

    ولكن إدخال الحج على العمرة، هل هو جائز في حال الضرورة، أو جائز مطلقاً؟

    لو فرضنا أن رجلاً أحرم بالعمرة، فقال: أريد أن أهل بالحج لكي أكون قارناً، فهل نقول: بأن هذا جائز، أو نقول: بأن هذا خاص بحال الضرورة؟ لأن حديث عائشة إنما ورد في حال الضرورة؛ لأن عائشة رضي الله تعالى عنها حاضت فلم تتمكن من العمرة، ولو قلنا: تنتظر المرأة الحائض حتى تطهر وتؤدي العمرة لأدى ذلك إلى فوات الحج؛ لأن الحج يفوت بفوات الوقوف بعرفة، فهل هذا سائغ مطلقاً أو أنه خاص في حال الضرورة؟

    للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أنه خاص في حال الضرورة، وأنه لا ينتقل من التمتع إلى القران إلا في حال الضرورة، لأمرين:

    الأمر الأول: حديث عائشة ؛ لأن حديث عائشة رضي الله تعالى عنها ورد في حال الضرورة، وهي الحيض.

    الأمر الثاني: أنه انتقال من الأفضل إلى المفضول.

    وعلى هذا لو أهل بالحج فإنه يبقى متمتعاً، فنقول: اذهب وطف واسع وقصر.. إلى آخره.

    والرأي الثاني: أنه يصح أن يدخل الحج على العمرة فيكون قارناً، حتى ولو حل في حال السعة، واستدلوا بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها، والأحوط هو الرأي الأول.

    فسخ الحج إلى العمرة

    وهنا مسألة أخرى وهي: أن المفرد والقارن إذا لم يسوقا الهدي فالسنة لهما أن يفسخوا إحرامهم بالحج ليكون عمرةً فيكونوا متمتعين، ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل من لم يسق الهدي من الصحابة رضي الله عنهم أن يفسخ إحرامه بالحج وأن يجعله عمرة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، وهو من المفردات، وعند الأئمة الثلاثة أن هذا لا يجوز، فعند الأئمة الثلاثة أن فسخ الحج إلى العمرة هذا غير جائز، وعند الظاهرية أنه واجب، فالظاهرية يقولون: يجب على المفرد والقارن إذا لم يسوقا الهدي أن يفسخا إحرامهما بالحج لكي يكون عمرة فيكونا متمتعين، ورأيهم في ذلك ظاهر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة رضي الله تعالى عنهم وعزم عليهم، فكل من لم يسق الهدي أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يفسخ إحرامه بالحج، وأن يجعله عمرة.

    والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى، وأن ذلك سنة، وأما القول بالوجوب فهذا فيه نظر، والصحيح أنه لا يجب، ولكن كما قال الظاهرية: يجب، ولكنه في ذلك العام الذي أمر به النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، فيكون الوجوب خاصاً بالصحابة رضي الله تعالى عنهم، ويدل لذلك ما ورد عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه: أن الوجوب كان خاصاً بالصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    وأما الجمهور فيقولون: لا يجوز؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ [محمد:33]، فنقول: هذا ليس فيه إبطال للعمل، هو سيأتي بالعمل، وسينتقل من المفضول إلى الأفضل.

    1.   

    استحباب التلبية ووقت ابتدائها

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، يصوت بها الرجل.. إلى آخره).

    التلبية سنة من سنن الإحرام، والإحرام ينعقد بدون التلبية على الصحيح، خلافاً للحنفية، فإن الحنفية وبعض أهل العلم يرون وجوب التلبية، وأن التلبية كتكبيرة الإحرام في الصلاة، والصواب في ذلك أن الإحرام كما تقدم لنا هو نية الدخول في النسك، يعني النية الخاصة، فإذا نوى أن يدخل في النسك كفى ذلك.

    وتشرع التلبية من حين الإحرام بلا خلاف بين الفقهاء، وهذا من حيث الجواز، فأنه يجوز أن يلبي من حين أن يدخل في النسك؛ من حين أن ينوي الدخول في التحريم.

    لكن ما هو الوقت الأفضل لبدء التلبية؟ هذا هو موضع الخلاف، فالمؤلف رحمه الله تعالى قال: (وإذا استوى على راحلته قال)، فالمؤلف يرى أن الوقت الأفضل لبدء التلبية حين يستوي على الراحلة، حين يركب سيارته أو يركب قاطرته أو نحو ذلك، المهم يركب المركوب، وما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى هو مذهب الإمام مالك رحمه الله، وأن وقت التلبية يبدأ إذا استوى على راحلته، وبهذا نفهم أن المؤلف رحمه الله في هذه المسألة خالف المشهور من المذهب، فالمشهور من المذهب ومذهب الحنفية: أن وقت التلبية يبدأ دبر الصلاة، كما تقدم لنا أنه يشرع أن يحرم دبر الصلاة، وعلى هذا يبدأ وقت التلبية دبر الصلاة.

    والرأي الثالث: وهو رأي الشافعي رحمه الله تعالى: أنه يبدأ من بدء السير، فإذا بدأ بالسير فإنه يشرع له أن يبدأ بالتلبية.

    ولكل منهم دليل، أما الذين قالوا: بأن وقت التلبية يبدأ من حين الإحرام كما هو مذهب أبي حنيفة وأحمد ، استدلوا بحديث عمر السابق في البخاري قال: (أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرةً في حجة).

    والذين قالوا: بأنه يبدأ إذا استوى على راحلته كما ذكر المؤلف رحمه الله استدلوا بحديث جابر رضي الله تعالى عنهما (أن إهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذي الحليفة حين استوت به راحلته)، رواه البخاري .

    وكذلك أيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين.

    والذين قالوا: بأنه من حين السير استدلوا بحديث جابر لما ذكر صفة حج النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فلما علا على البيداء أهل بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك).

    والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الحنفية والحنابلة، وابن عباس رضي الله تعالى عنهما كما في سؤال سعيد بن جبير له إذ جمع بين هذه الروايات، وقال كما في مسند الإمام أحمد : إن النبي صلى الله عليه وسلم أهل دبر الصلاة، وأهل حين استوت به راحلته، وأهل حين علا على البيداء، وكان الناس يأتون النبي صلى الله عليه وسلم أوزاعاً متفرقين، فيأخذون منه، وأيم الله لقد أهل الرسول صلى الله عليه وسلم دبر الصلاة، وحين استوت به راحلته، وحين علا على البيداء.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإذا استوى على راحلته قال: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك).

    وسيأتي إن شاء الله الكلام على التلبية.

    قال رحمه الله: (يصوت بها الرجل).

    يعني: يجهر بها الرجل، ويدل لذلك حديث السائب بن خلاد ، قال: (أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال)، هذا الحديث رواه أبو داود والترمذي وغيرهما وصححه الترمذي .

    ثم قال رحمه الله: (وتخفيها المرأة) المرأة تخفي التلبية، قال العلماء: تجهر بها بقدر ما تسمع رفيقتها؛ لأن أمر المرأة مبني على الستر والحشمة والحياء، هذا هو الأصل في الشريعة، أن أمر المرأة مبني على الستر والحشمة والحياء، وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ [النور:31].

    وقبل أن ننتقل للباب التالي هناك مسائل، سأل عنها بعض الإخوة.

    1.   

    تجاوز الميقات والإحرام من ميقات آخر

    من هذه المسائل: إذا مر بميقات، هل له أن يتعدى هذا الميقات إلى ميقات آخر؟

    الجواب: الحنفية رحمهم الله هم أوسع الناس في هذه المسألة، فيرون أنه لا بأس أن تتجاوز هذا الميقات إلى ميقات آخر؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (هن لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن).

    والرأي الثاني: رأي الحنابلة والشافعية: أنك إذا مررت بميقات فإنه يكون لك هذا الميقات، ولا يجوز لك أن تتجاوزه إلى ميقات آخر، فمثلاً: أهل نجد الآن يذهبون إلى المدينة ويمرون بميقات ذي الحليفة، فهل لهم أن يؤخروا الإحرام إلى ميقات الجحفة أو ميقات السيل الكبير، أو نقول: ليس لهم ذلك؟ الحنابلة والشافعية يقولون: بأنه ليس لهم ذلك، بل أصبح ميقاتهم هو ميقات ذي الحليفة.

    الرأي الثالث قال به الإمام مالك رحمه الله: أنه إذا أخر إلى ميقاته الأصلي فإنه لا بأس، فمثلاً: الشامي إذا مر بذي الحليفة، ذو الحليفة ليس ميقاتاً له، ولكن لو أخر إلى ميقاته الأصلي فإن هذا جائز ولا بأس به، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وهذا القول أقرب الأقوال، وعلى هذا نقول: النجدي لو أخر إحرامه إلى ميقاته الأصلي فإن هذا جائز ولا بأس به.

    1.   

    إحرام من لم يحاذ ميقاتاً

    مسألة أخرى: من لم يحاذ ميقاتاً؟ قال العلماء: يحرم قبل مكة بمرحلتين، ويمثل العلماء رحمهم الله بأهل سواكن في السودان، فهم يصلون إلى جدة قبل أن يحاذوا ميقاتاً من المواقيت، فيحرمون قبل مكة بمرحلتين، والمرحلة تساوي عشرين ميلاً.

    1.   

    إحرام من يحاذي الميقات

    وأيضاً من المسائل: أن الإنسان إذا لم يمر بميقات فإنه إذا حاذى أقرب المواقيت إليه فإنه يحرم منه، ويدل لذلك قول عمر رضي الله تعالى عنه: انظروا حذوها من طريقكم، ولكن ما هو ضابط المحاذاة؟

    ضابط المحاذاة تنظر إلى أقرب المواقيت إليك، وكم يبعد هذا الميقات عن المسجد الحرام، فمثلاً: المسافة -كما تقدم لنا- مرحلتان.. ثلاث مراحل كما الجحفة، ويقول العلماء رحمهم الله، يحرم قبل المسجد الحرام بثلاث مراحل.

    1.   

    محظورات الإحرام

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (باب محظورات الإحرام).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن الإحرام وآدابه والأنساك المشروعة فيه، شرع في بيان الأشياء الممنوعة بسبب الإحرام، فقوله رحمه الله: (باب محظورات الإحرام) معنى ذلك: الأشياء التي تمنع بسبب الإحرام، ومعنى محظورات الإحرام، يعني: الممنوعات بسبب الإحرام.

    حكم مقاربة هذه المحظورات التحريم؛ لأن الأصل في نهي الشارع أنه يقتضي التحريم، والحكمة من منع المحرم من هذه المباحات هي البعد عن الترفه، وتربية النفس على التقشف، والاتصاف بصفة الخاشع، وليتذكر بتجرده ولباسه لهذين الثوبين الأبيضين، يتذكر بذلك نهايته وقدومه على ربه سبحانه وتعالى.

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وهي تسعة).

    هذه الأعداد التي يذكرها العلماء رحمهم الله هي مبنية على الاستقراء، فالعلماء رحمهم الله استقرءوا الأدلة، ثم تبين لهم أن هذه المحظورات تسعة. ‏

    حلق الشعر

    قال رحمه الله: (حلق الشعر).

    هذا المحظور الأول من محظورات الحج؛ لقول الله عز وجل: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، وفي المراد بحلق الشعر خلاف بين الجمهور والظاهرية، فجمهور العلماء رحمهم الله تعالى يقولون: المراد بحلق الشعر جميع شعر البدن وأنه ليس خاصاً بالرأس.

    والظاهرية يقولون: بأنه خاص بشعر الرأس؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، فقالوا: بأنه خاص بشعر الرأس، والذي يظهر والله أعلم بعد تأمل الأدلة أن شعر البدن ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: شعر الرأس، وهذا بالاتفاق أن حلقه من محظورات الإحرام؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ [البقرة:196]، وأيضاً قصة كعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يحلق في الحديبية، وأن يطعم ستة مساكين، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يذبح شاةً.

    القسم الثاني: ما يتعلق بسنن الفطرة من قص الشارب، ونتف الإبط، وحلق العانة، أيضاً يظهر أن هذا من محظورات الإحرام، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، ومما يدخل في قضاء التفث كما جاء عن جمع من أئمة المفسرين وأهل اللغة، فمما يدخل في ذلك حلق العانة، ونتف الإبط، وقص الشارب، وتقليم الأظفار.

    القسم الثالث: بقية شعر البدن، فكما أسلفنا الجمهور يرون أنه من محظورات الإحرام، والظاهرية يرون أنه ليس من محظورات الإحرام، ويظهر والله أعلم أنه لا دليل على أنه من محظورات الإحرام، وحينئذ يبقى على الأصل، ولكن إذا احتاط المسلم وترك أخذ مثل هذه الأشياء، فإنه ليس بحاجة إليها، يعني: كونه يأخذ من شعر يده أو يأخذ من شعر رجله ما له حاجة إلى هذا، فنقول: الأحسن أنه يترك مثل هذه الأشياء، ولكن من حيث الدليل -كما تقدم لنا- عندنا قسمان يظهر أنهما داخلان في محظورات الإحرام.

    وقول المؤلف رحمه الله: (حلق) التعبير هنا بالحلق اتباعاً لنص القرآن وإلا سواء حلق أو قلع أو قص ونحو ذلك، هذا كله من محظورات الإحرام فلا يجوز، وعندنا قاعدة وهي: أن النهي يتعلق بجميع أفراد المنهي عنه، فالشارع نهاك أن تحلق شعر رأسك، فنقول: بأن النهي يشمل كل شعر الرأس، ولو شعرة واحدة لا يجوز لك أن تأخذها، وأيضاً لا بد أن نفرق بين مسألتين: بين مسألة الحكم التكليفي بأن هذا محرم، وبين مسألة الحكم الوضعي، هل تجب الفدية أو لا تجب؟ فهذا شيء آخر، فمسألة الحكم التكليفي مسألة، ومسألة الحكم الوضعي مسألة أخرى.

    تقليم الأظفار

    قال المؤلف رحمه الله: (وتقليم الأظفار).

    أيضاً هذا رأي الجمهور في الجملة وإن كان لهم تفاصيل، ولكن رأي جمهور العلماء في الجملة أن تقليم الأظفار أنه من محظورات الإحرام خلافاً للظاهرية؛ لأن الظاهرية لا يرون أن تقليم الأظفار من محظورات الإحرام، والصواب كما أسلفنا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، ودليل ذلك قول الله عز وجل: ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29]، فمما يدخل في قضاء التفث حلق العانة، وتقليم الأظفار، وقص الشارب، ونتف الإبط.. إلى آخره، والله عز وجل ذكر هذه الأشياء بعد قضاء النذر، والمقصود بقضاء النذر التحلل من الإحرام؛ لأن الله سبحانه وتعالى سمى الإحرام نذراً؛ لأنه بمنزلة النذر؛ لأن الإنسان إذا أحرم يجب عليه أن يتم هذا الإحرام، ولا يجوز له أن يخرج منه، وكما أسلفنا في كتاب الصيام أن نفل الحج والعمرة لا يخرج منه؛ لأنه بمنزلة النذر.

    ثم قال رحمه الله: (فمن حلق أو قلم ثلاثةً فعليه دم).

    يقول المؤلف: إذا قص ظفراً عليه إطعام مسكين، وإذا قص ظفرين عليه إطعام مسكينين، وإذا قص ثلاثة عليه دم؛ لأن الثلاثة بمنزلة الكل، فعليه دم، وإذا حلق شعرةً فعليه إطعام مسكين، وإذا حلق شعرتين فعليه إطعام مسكينين، وإذا حلق ثلاث شعرات فعليه دم، ومقصودهم بالدم هنا فدية الأذى، بمعنى أنه مخير بين أن يصوم ثلاثة أيام أو أن يطعم ستة مساكين، أو أن يذبح شاة، حتى الشاة يقصدون بها إما سبع بدنة، أو سبع بقرة، أو جذع ضأن، أو ثني معز، هذا ما ذهب إليه المؤلف، وهو مذهب الإمام أحمد والشافعية.

    والرأي الثاني رأي الإمام مالك رحمه الله: أنه لا تلزم الفدية حتى يحلق ما يحصل به إماطة الأذى، أما القليل من الشعر فالمالكية يقولون: يتصدق بحفنه، يعني: بملء الكف، وما ذهب إليه المالكية هو الصواب، يعني: قليل الشعر الذي لا تحصل به إماطة الأذى لا تجب به الفدية، فالفدية لا تجب إلا إذا أخذ من شعره ما يحصل به الترفه وإماطة الأذى، ولكن كما أسلفنا أننا نفرق بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي.

    وأما تقليم الأظفار ما ثبت فيه شيء من جهة الفدية، ولكن من جهة التحريم فنقول: بأنه محرم ولا يجوز.

    تغطية الرأس والوجه

    قال رحمه الله: (ومن غطى رأسه بملاصق فدى).

    هذا الثالث من محظورات الإحرام: تغطية الرأس، وتغطية الرأس دليله قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث ابن عمر : (ولا يلبس العمامة ولا البرنس)، وأيضاً حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذي وقصته راحلته، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه في ثوبين، ولا تخمروا رأسه)، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن تخمير الرأس.

    فإذا غطى رأسه هذا تحته أقسام:

    القسم الأول: أن يغطي رأسه بملاصق معتاد، مثل العمامة والطاقية ونحو ذلك، فهذا لا إشكال أنه من محظورات الإحرام، وإذا كان ملاصقاً معتاداً يلبس على العادة، فنقول: بأن هذا من محظورات الإحرام.

    القسم الثاني: أن يغطي رأسه بغير معتاد، كما لو أخذ قطعةً من الورق ونحو ذلك، أو مثلاً أخذ قطعةً من الحديد، فنقول: هذا داخل في محظورات الإحرام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن تخمير الرأس، قال: (ولا تخمروا رأسه)، والتخمير هو الستر والتغطية.

    القسم الثالث: أن يعصب رأسه بسير أو لفافة ونحو ذلك، فالمذهب أنه من محظورات الإحرام؛ لأنه داخل في النهي، فالشارع نهى عن تخمير الرأس وهذا يشمل القليل والكثير.

    وعند الشافعية: أن كونه يعصب رأسه بسير ونحو ذلك جائز ولا بأس به، يقولون: لأن هذا الستر لا يقصد.

    القسم الرابع: الاستظلال بشيء غير تابع، وهذا جائز بالاتفاق، كما لو استظل بالخيمة، فالخيمة ليست تابعة، أو استظل بشجرة ونحو ذلك، فهذا جائز ولا بأس به، ويدل لذلك حديث أم الحصين رضي الله تعالى عنها أنها رأت أسامة وبلالاً رضي الله تعالى عنهما أحدهما آخذ بخطام ناقة النبي صلى الله عليه وسلم، والآخر رافع ثوبه يستره من الحر.

    القسم الخامس: الاستظلال بشيء تابع، مثل سقف السيارة، أو الشمسية -المظلة- فهل هذا جائز أو ليس جائزاً؟ المشهور من المذهب ومذهب المالكية أنه ليس جائزاً؛ لأنه تابع.

    والرأي الثاني: أن هذا جائز، ولا بأس به كما هو مذهب أبي حنيفة والشافعي ، وهذا هو الصواب؛ لأن هذا ليس تخميراً، وإنما هو استظلال.

    القسم السادس: إذا حمل على رأسه شيئاً، فنقول: هذا فيه تفصيل، إن قصد تخمير الرأس فقد فعل محظوراً من محظورات الإحرام، وإن لم يقصد تخمير الرأس فهذا جائز ولا بأس به.

    القسم السابع: تغطية الوجه، فهل تغطية الوجه من محظورات الإحرام أو أنه ليس من محظورات الإحرام؟

    المشهور من المذهب وكذلك أيضاً مذهب الشافعي : أن تغطية الوجه ليس من محظورات الإحرام، وعلى هذا لا بأس أن يغطي المحرم وجهه، وعند أبي حنيفة ومالك : أن تغطية الوجه من محظورات الإحرام، ولكل منهم دليل، أما الذين قالوا: بأنه من محظورات الإحرام فاستدلوا بما جاء في صحيح مسلم في النهي من تخمير الوجه، قال: (ولا تخمروا رأسه ولا وجهه)، وهذه اللفظة ثابتة في صحيح مسلم.

    والذين قالوا: بإباحة تخمير الوجه حكموا على هذه اللفظة فقالوا: بأن هذه اللفظة شاذة، ولهذا البخاري رحمه الله تعالى خرج الحديث وأعرض عن هذه اللفظة ولم يخرجها.

    وقالوا أيضاً: بأن تخمير الوجه وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وارد عن عثمان ، وكذلك أيضاً زيد بن ثابت ، ومروان بن الحكم ، وارد عنهم أنهم كانوا يخمرون وجوههم وهم حرم، وكذلك أيضاً وارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال ابن عمر : إحرام المرأة في وجهها، وإحرام الرجل في رأسه، فيفهم من ذلك أن الرجل له أن يخمر وجهه.

    والذين قالوا: بالمنع، استدلوا كما تقدم بلفظة مسلم ، وقالوا: بأن هذه اللفظة أيضاً جاءت من طرق أخرى في النسائي وغير ذلك.

    والأقرب في ذلك أنه يجوز عند الحاجة، إذا احتاج المحرم ذلك، فقد يكون هناك غبار، أو دخان أو نحو ذلك، فنقول: إذا كان هناك حاجة كما يوجد الآن الكمامات ونحو ذلك، فإن هذا جائز ولا بأس به إن شاء الله.

    لبس المخيط

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن لبس ذكر مخيطاً فدى).

    هذا المحظور الرابع من محظورات الإحرام: لبس المخيط، ولبس المخيط دليله حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن رجلاً سأل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! ما يلبس المحرم من الثياب؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا يلبس القميص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف، إلا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب ثوباً مسه زعفران أو ورس ).

    وقول المؤلف رحمه الله: (مخيطاً).

    المراد بالمخيط هو: ما خيط على البدن كله أو على عضو من الأعضاء، هكذا فسر العلماء رحمهم الله تعالى المخيط، فالمخيط ليس المقصود منه -كما يفهم العامة- الذي فيه خياطة، لا، حتى لو أنه فصل على عضو من أعضاء البدن وزره بالشوك أو بالأزارير دون خياطة، فهذا مخيط، وهو داخل في محظورات الإحرام، حتى لو شبكته بمشابك أو بشوك أو نحو ذلك.

    وقول المؤلف رحمه الله: (وإن لبس ذكر). يخرج الأنثى كما سيأتينا إن شاء الله.

    بقيت معنا مسائل في لبس المخيط، من هذه المسائل: عقد الإزار وعقد الرداء، هل يجوز أن يعقد الإزار أو الرداء؟

    أما الإزار فجمهور العلماء على أنه يجوز أن تعقده؛ لأن الإنسان يحتاج إلى ذلك، لكونه يتعلق بستر العورة، فجمهور العلماء يقولون: يجوز لك أن تعقده، خلافاً للمالكية، فالمالكية يقولون: لا يجوز لك أن تعقده، والحنفية قالوا: الجواز مع الكراهة، والصحيح: أنه يجوز بلا كراهة؛ لأن الإنسان يحتاج إلى عقد الإزار.

    أما الرداء فالجمهور أنه لا يعقد، والرداء هو الذي يستر البدن الأعلى.

    والرأي الثاني: أنه يجوز مع الكراهة، وهذا رأي الحنفية، والصحيح أنه يجوز أن تعقده، لكن لا تعقده بحيث يكون كالمخيط؛ لأن بعض الناس يجعل فيه أزارير كثيرة بحيث يكون كالمخيط، وإن ترك عقد الرداء هذا أحسن؛ لأن الجمهور كما أسلفنا يرون أن عقد الرداء ممنوع، وأما بالنسبة للإزار فلا بأس أنك تعقد الإزار بما يربط الإزار ليمنعه من السقوط؛ لأن الإزار يتعلق به ستر العورة.

    وهل يجوز لبس الرداء الذي خيط بين طرفيه؟

    الذي يظهر أن هذا لا يجوز لبسه؛ لأنه أصبح مصنوعاً على جزء من البدن، فالذي يوصل طرفاه سواء بالخياطة أو بالأزارير أو باللزاج.. إلى آخره، أصبح الآن مصنوعاً على جزء من البدن، هذا من وجه.

    ومن وجه آخر: أن الإزار الذي خيط طرفاه عند العرب هو نوع من أنواع السراويل، والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لبس السراويل، وأيضاً يكفي في ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أحرم بإزار ورداء، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم أحرم برداء وإزار، وأن الإزار هذا ليس مخيطاً فنقول: نتبع ما جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم.