إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الزكاة [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يستحب للشخص أن يتصدق بما زاد عن حاجته وحاجة من يقوته، وأما التصدق بما زاد عن ذلك الحد فلا يجوز، إلا إذا علم من أهله ونفسه الصبر والاحتساب، وليعلم أنه لا يجوز أن تقضى ديون الأموات من الزكاة ولا أن يسقط الشخص عن نفسه الزكاة مقابل دين له يسقطه.

    1.   

    صدقة التطوع

    قال المؤلف رحمه الله: [وصدقة التطوع مستحبة، وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه، ويأثم بما ينقصها].

    تقدم لنا في الدرس السابق ما يتعلق بموانع الزكاة، وأنها لا تدفع إلى هاشمي، والمراد بهم سلالة هاشم، وكذلك أيضاً لا تدفع لمواليهم، وهل تدفع للمطلبيين أو لا؟

    ذكر المؤلف رحمه الله: أنها لا تدفع لهم، وذكرنا أن كلام المؤلف رحمه الله تعالى على خلاف المذهب، والمذهب أنها تدفع للمطلبيين، وتكلمنا على من يدخل في الهاشميين، وبقي بعض المسائل المتعلقة بالهاشميين، وكذلك تكلمنا على دفع الزكاة للأصول والفروع، ومتى تدفع لهم، ومتى لا تدفع لهم؟ وكذلك ما يتعلق بدفع الزكاة للزوج والزوجة؟ وما يتعلق بدفع الزكاة للأقارب، وهل تدفع لهم الزكاة؟

    والمؤلف رحمه الله ذكر أن الأقارب الذين تلزم نفقتهم لا تدفع لهم الزكاة؛ لأنهم مستغنون بالنفقة، وبالنسبة لبني هاشم تقدم أن الزكاة لا تدفع لهم؛ ولكن يستثنى من ذلك مسألتان:

    المسألة الأولى: إذا مُنع بنو هاشم خمس الخمس، فهل يجوز أن يعطوا من الزكاة، أو لا يجوز؟ للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: وبه قال أكثر أهل العلم أنهم لا يعطون من الزكاة لعموم الأدلة السابقة: ( إنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد ).

    والرأي الثاني: اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن بني هاشم إذا منعوا من خمس الخمس فإنهم يعطون من الزكاة؛ لأن هذا موضع ضرورة.

    المسألة الثانية: وهي أخذ بني هاشم الزكاة من بعضهم لبعض، أو إعطاء بني هاشم الزكاة بعضهم بعضاً، أيضاً للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: لا يجوز لهم أن يأخذوا الزكاة ولو كانت من الهاشميين، يعني: الهاشمي لا يجوز له أن يعطي الزكاة لهاشميٍ آخر، وهذا قول أكثر أهل العلم للعمومات كما سبق.

    والرأي الثاني: وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا جائز ولا بأس به.

    استحباب صدقة التطوع والأوقات التي تتأكد فيها

    قال رحمه الله تعالى: (وصدقة التطوع مستحبة).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله: عن صدقة وزكاة المال، شرع في صدقة التطوع، ومن رحمة الله أن شرع مثل هذه السنن؛ لأن هذه الأصول العظيمة يعروها كثير من الخلل والنقص والسهو، فشرعت لها هذه الجوانب فصدقة التطوع مع أن فضلها عظيم وأجرها كبير عن الله سبحانه تعالى، فهي أيضاً تجبر الفراغ.

    وقوله: (مستحبة) الأدلة على استحبابها أدلة كثيرة.

    ثم قال رحمه الله: (وفي رمضان وأوقات الحاجة أفضل).

    عندنا وقتان لصدقة التطوع:

    الوقت الأول: وقت مطلق، أي: أنها مستحبة دائماً في أي زمان، وفي أي مكان، والأدلة على ذلك كثيرة مثل: قول الله عز وجل: وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:280]، مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ [البقرة:245].

    الوقت الثاني: أوقات تتأكد فيها صدقة التطوع، وهي الأزمنة الفاضلة، في الأمكنة الفاضلة، في أوقات الحاجة، ومن الأزمنة الفاضلة -كما قال المؤلف رحمه الله- رمضان، ومثله العشر الأول من شهر ذي الحجة، ومثله الأمكنة الفاضلة الحرمين، ويدل لذلك: حديث ابن عباس قال: ( كان الرسول صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل فلرسول الله صلى الله عليه وسلم أجود بالخير من الريح المرسلة ).

    وأوقات الحاجة كالشتاء وشدة البرد، أو حصول المجاعة والمسغبة ونحو ذلك، يعني: إذا حصل جدب، والقحط، والمسغبة، والمجاعة فيتأكد؛ لكن إذا تعارض فضل الزمان وشرف الحاجة أيهما يقدم؟ هل نقدم الحال أو نقدم الزمان؟ وكذلك إذا تعارض الحال مع المكان، فهل تتصدق في الحرمين، مع أنه يوجد في بلاد أخرى أشد حاجة؟ تصدق مثلاً في الزمن الفاضل مع وجود الحاجة في أزمنة أخرى ليست فاضلة؛ لكنها أشد حاجة؟

    نقول: شرف الحاجة، والقاعدة في ذلك: أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمن العبادة أو مكان العبادة.

    مقدار صدقة التطوع

    ثم قال المؤلف رحمه الله في نهاية كتاب الزكاة: (وتسن بالفاضل عن كفايته ومن يمونه).

    يعني: تستحب صدقة الفطر بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه.

    صورة المسألة: رجل كفايته في الشهر ألف ريال، ويأخذ ألفاً ومائتي ريال، فيقول المؤلف رحمه الله: بأن الزائد على هذه الألف يستحب له أن يتصدق به.

    ودليل ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ).

    فيستحب أن يتصدق بالفاضل عن كفايته وكفاية من يمونه لعمومات الأدلة في الصدقة: ( إن الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار )، وأيضاً الصديق رضي الله تعالى عنه تصدق بجميع ماله، وإسناده حسن، وعمر تصدق بنصف ماله، وعثمان جهز جيش العسرة، وأبو طلحة رضي الله تعالى عنه تصدق بأحب أمواله إليه بيرحاء، والأدلة على هذا كثيرة.

    ثم قال رحمه الله: (ويأثم بما ينقصه).

    في الصورة السابقة كفايته وكفاية من يمونه في الشهر ألف ريال، فإذا تصدق بثلاثمائة ريال ومرتبه كما سلف ألف ومائتا ريال، يقول المؤلف رحمه الله: إنه يأثم؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ابدأ بمن تعول ) وهذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ابدأ بمن تعول )، وأيضاً قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت ) فلا يتصدق بما ينقص الكفاية؛ لكن ما زاد عن الكفاية له أن يتصدق به كما سلف؛ ولكن لو كان أهله يعرف منهم الصبر، وحسن التوكل على الله عز وجل، ويرضون بهذه الصدقة، فإن هذا جائز ولا بأس به، فنقول: إذا تصدق بما ينقصها فإنه يأثم إلا إذا عرف من حال أهله الصبر وحسن التوكل على الله عز وجل، ولا يمانعون من ذلك، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    وإذا لم يكن له عائلة، فله أن يتصدق بماله كله؛ لكن بشرط -كما سبق- أن يعلم من نفسه الصبر، وحسن التوكل على الله عز وجل.

    ومسألة أخرى: إذا كان يكفي عائلته بكسبه، وعنده مال فله أن يتصدق بجميع هذا المال، وعلى هذا تحمل قصة الصديق رضي الله تعالى عنه، فإذا كان عنده مال قدره -مثلاً- عشرة آلاف ريال، ويكفي أهله بمكسبه، وهو موظف يأخذ في الشهر ألف ريال، أو ألفي ريال، فله أن يتصدق بهذه العشرة؛ لأنه لن يضيع أهله، فإنه سيكفيهم بمكسبه.

    انتهى هذا الباب.

    1.   

    مسائل متفرقة حول الزكاة

    هنا عندنا مسائل تتعلق بكتاب الزكاة، من هذه المسائل:

    قضاء ديون الموتى من الزكاة

    مسألة: هل تقضى ديون الأموات من الزكاة؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله.

    والصواب في ذلك: أن ديون الأموات لا تقضى من الزكاة، وذلك لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها، أتلفه الله ) فهذا الميت إن كان أخذ أموال الناس يريد أن يؤديها، فإن الله سبحانه وتعالى سيؤدي عنه، وإن أخذها يريد أن يتلفها فلا يستحق أن تقضى ديونه من الزكاة؛ ولأن الأحياء أولى بالزكاة من الأموات، فالميت إن كان خلف تركة تؤخذ من تركته، وإلا لا يلزم أحداً أن يسدد دين هذا الميت.

    إسقاط الدين مقابل الزكاة

    هنا مسألة أخرى: وهي إسقاط الدين عن المدين مقابل الزكاة واحتساب ذلك زكاة، هل هذا يجوز، أو لا يجوز؟

    مثال ذلك: أنت تريد من زيد خمسة آلاف ريال، ووجب عليك زكاة قدرها ألف ريال، فتقول للمدين: أسقطت عنك ألف ريال وتحتسبه من الزكاة، هل هذا جائز، أو ليس جائزاً؟

    نقول: ليس جائزاً، ويدل لذلك: قول الله عز وجل: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267] فلا يجزئ في الزكاة أن نخرج الرديء عن الطيب؛ لأنه وجبت عليك زكاة طيبة، وزكاة الطيب هي العين، ففرق بين العين -الدراهم الحاضرة- وبين الدين، ولو خيرت رجلاً وقلت له: هذه ألف ريال حاضرة، أو ألف وخمسمائة دين، فإنه سيختار الحاضرة في الغالب، ومن باب أولى إذا قلت له: هذه ألف ريال حاضرة وهذه ألف ريال دين، فمن باب أولى أنه سيأخذ الألف الحاضرة، وأنت وجبت عليك زكاة حاضرة فيجب أن تعطيها الفقير، فأخرجت بدلاً من هذا المال الحاضر ديناً وقد قال عز وجل: وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ [البقرة:267] ، فأنت أخرجت الرديء عن الطيب.

    الصدقة الواجبة في المال غير الزكاة

    المسألة الأخيرة: هل في المال حق سوى الزكاة، أو أنه لا تجب في المال إلا الزكاة؟

    الرأي الأول في هذه المسألة هو قول جمهور العلماء رحمهم الله: أن المال ليس فيه حق إلا الزكاة.

    ويدل لذلك: حديث طلحة بن عبيد الله في قصة الرجل الذي جاء النبي صلى الله عليه وسلم وسأله عن شرائع الإسلام، وذكر له الزكاة، فقال الرجل: هل عليها غيرها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا، إلا أن تتطوع ) وحديث ابن عباس : ( فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ).

    والرأي الثاني: أن في المال حق سوى الزكاة, وهذا قال به عطاء ، والشعبي ، ومجاهد ، وابن حزم .

    واستدلوا على ذلك بحديث أبي سعيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من كان عنده فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له, ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له ) وذكر النبي صلى الله عليه وسلم أصناف المال، رواه مسلم في صحيحه، وأيضاً الله عز وجل يقول: وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ [الإسراء:26] .

    وكان شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: إن إطعام الجائع، وكسوة العاري من فروض الكفاية التي تجب على عموم المسلمين، وهذا القول هو الصواب.