إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الزكاة [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز للشخص أن يدفع زكاة ماله لصنف واحد من الأصناف الثمانية ولا يلزمه أن يشمل جميعهم، كما أنه يسن له أن يدفعها إلى أقاربه المستحقين ممن لا تلزمه نفقتهم، بينما يحرم عليه أن يدفعها إلى بني هاشم والزوجة والفروع والأصول، إلا في مسائل مستثناة من ذلك، ومن دفع زك

    1.   

    تابع مصارف الزكاة

    قال المؤلف رحمه الله: [السابع: في سبيل الله، وهم الغزاة المتطوعة الذين لا ديوان لهم.

    الثامن: ابن السبيل المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده، فيعطى قدر ما يوصله إلى بلده، ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم، ويجوز صرفها إلى صنف واحد، ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمه مؤنتهم.

    فصل: ولا تدفع إلى هاشمي ومطلبي ومواليهما، ولا إلى فقيرة تحت غني منفق، ولا إلى فرعه وأصله، ولا إلى عبد وزوج، وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئ، إلا غنياً ظنه فقيراً].

    تقدم لنا في الدرس السابق أهل الزكاة، وأن الله سبحانه وتعالى حصرهم في ثمانية أصناف:

    الصنف الأول: الفقراء وهم الذين لا يجدون شيئاً، أو يجدون أقل من نصف الكفاية.

    والصنف الثاني: المساكين وهم الذين يجدون أكثر كفايتهم، أو يجدون نصف الكفاية فأكثر؛ لكنهم لا يجدون تمام الكفاية، فهذان الصنفان يعطيان من الزكاة تمام الكفاية، أو الكفاية التامة، فإذا كان مرتبه في السنة عشرة آلاف ريال، وكفايته هو وأهله تساوي عشرين ألف ريال من النفقات والحوائج الأصلية فيبقى عليه عشرة آلاف، فهذا نعطيه من الزكاة عشرة آلاف، ثم بعد ذلك العاملون على الزكاة، وذكرنا أنهم الذين يبعثهم الإمام لجباية الزكاة والقيام عليها، فهؤلاء يعطون حتى ولو كانوا أغنياء؛ لأن أخذهم بسبب العمل لا بسبب الحاجة، فيعطون قدر أجرتهم، وذكرنا أيضاً أن العاملين لهم شروط، وذكرنا كذلك المؤلفة قلوبهم، وهل سهم المؤلفة لا يزال باقياً، أم أنه انقطع؟ وذكرنا أيضاً صور المؤلفة قلوبهم، وكذلك الرقاب، وذكرنا أن الرقاب يشمل المكاتبين، يعني: الرقيق الذي كاتبه سيده، فهذا نعطيه من الزكاة ما يسدد دين الكتابة، ويشمل أن نشتري بأموال الزكاة رقاب الأرقة، ثم نقوم بإعتاقهم، ويشمل كذلك أن نفك أسارى المسلمين الذين عند الكفار بأموال الزكاة.

    وكذلك ذكرنا الغارمين، ومن هم الغارمون؟ وذكرنا أن الغرم ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: غرم لإصلاح ذات البين.

    والقسم الثاني: غرم للنفس، بمعنى: أن يقترض الشخص أموالاً من أجل نفقاته الشخصية، أو حوائجه الأصلية ونحو ذلك، وذكرنا الصور الداخلة تحت صنف الغارمين.

    وكذلك أيضاً في سبيل الله، وما المراد في سبيل الله؟ وجمهور العلماء على أن المراد في سبيل الله هم الجند الغزاة الذين لا رواتب لهم الذين يخرجون للجهاد في سبيل الله.

    والرأي الثاني: رأي المالكية أن المراد بسبيل الله: هو كل ما يتعلق بالجهاد في سبيل الله من رواتب الجند، ومن شراء الأسلحة والذخائر، وآلات الجهاد، وما يحتاج إلى الجهاد في سبيل الله، وذكرنا أن هذا أشمل. ‏

    صرف الزكاة في طرق الخير

    بقينا في مسألة اختلف فيها العلماء رحمهم الله تعالى، وهي هل قول الله عز وجل: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] خاص بالجهاد في سبيل الله، أو أنه يشمل كل طرق الخير؟ وأن العلماء رحمهم الله اختلفوا في ذلك على أقوال؛ لكن أشهر هذه الأقوال ثلاثة:

    القول الأول: أن المراد في سبيل الله: هو الجهاد على حسب الخلاف السابق، هل هو خاص بالجند، أو أنه شامل لكل ما يحتاج إليه الجهاد، وهذا قول جماهير العلماء رحمهم الله تعالى.

    القول الثاني: أنه يشمل كل طرق الخير فيصح أن تطبع كتب من الزكاة، وكذلك أيضاً أن تعبد الطرق، وأن تبنى المصحات، وأن تحفر الآبار ونحو ذلك، فالمراد بسبيل الله كل أبواب الخير.

    القول الثالث: أن المراد به الجهادان: جهاد السيف والسنان، وجهاد العلم والبيان، فتعطى الزكاة في جهاد السيف والسنان، وكذلك تعطى في جهاد العلم والبيان، يعني: تصرف الزكاة على الدعاة الذين يعلمون الناس، وعلى المعلمين، وطلاب العلم، والعلماء، ونحو ذلك، ولكل منهم دليل.

    أما الذين قالوا بأن المراد بها الجهاد فقط: فاستدلوا بالحصر في الآية: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60]، فالله سبحانه وتعالى حصر مصرف هذه الزكاة بهذه الأصناف، ولو قلنا: بأنه شاملٌ لكل طرق الخير لم يكن لهذا الحصر فائدة، هذا من وجه، ومن وجه آخر لضاعت كثير من الحكم التي من أجلها شرعت الزكاة، فما يتعلق بمواساة الفقراء والمساكين والمحاويج، ورعايتهم ونحو ذلك، فهذا كله أو كثير منه يذهب؛ لأن كون الإنسان يصرف ماله في صدقة جارية أحب إليه من أن يصرفه في طعام يأكله الفقير، أو دراهم يعطيها له يشتري بها طعاماً، أو لباساً، ثم بعد ذلك ينتهي.

    والذين قالوا بأنه شاملٌ لكل طرق الخير استدلوا على ذلك بحديث أم معقل رضي الله تعالى عنها وفيه: ( فإن الحج في سبيل الله )، وهذا رواه أبو داود ، قالوا: هذا دليل على أنه يجوز صرف الزكاة في الحج، وذلك لأن لهذا الحديث قصة: أن أبا معقل كان له جمل، فجعل هذا الجمل في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم لـأم معقل: ( فهلا خرجت عليه؟ )، يعني: حججت عليه، فذكرت أن أبا معقل جعله في سبيل الله، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن الحج في سبيل الله ) فهذا يدل على أن لفظة وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ [التوبة:60] ليست محصورة في الجهاد، وأنها أعم من مسألة الجهاد في سبيل الله؛ ولكن حديث أم معقل أصله في صحيح مسلم ، وهذه اللفظة لم ترد في صحيح مسلم، ولهذا ضعفها كثير من العلماء، فلا ينتهض لكي يكون حجة في مقابل ظاهر القرآن.

    وأما الذين قالوا: بأنه شامل للجهادين: جهاد العلم والبيان، وجهاد والسيف والسنان، قالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم جاهد الجهادين، ففي المرحلة المكية كان النبي صلى الله عليه وسلم يجاهد بالعلم والبيان، وفي المرحلة المدنية جاهد بالعلم والبيان، والسيف والسنان، ويدل لذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من خرج في طلب العلم فهو في سبيل الله حتى يرجع ).

    والذي يظهر -والله أعلم- أن ما ذهب إليه جماهير العلماء رحمهم الله هو أقرب في هذه المسألة، ولو قلنا بأن طرق الخير تدخل لزاحمت حاجة هؤلاء الفقراء، والمساكين، والعاملين، والمؤلفة قلوبهم، والرقاب، والغارمين، وابن السبيل، والجهاد في سبيل الله، لزاحمت هؤلاء الأصناف؛ لما ذكرنا من التعليل، وأيضاً لأدت إلى تضييق مصارف التطوعات والإحسان والبر، فكون الإنسان يدفع الزكاة مثلاً: في تعبيد طريق، أو في بناء مستشفى أو مسجد، هذا يجعله لا يتصدق من ماله على هذا المصح، ولكن لو قيل له: ادفع الزكاة للفقراء والمساكين، وإذا أردت أن تبني مسجداً فلك طرق البر الأخرى، لدفع الزكاة، وبنى المسجد من خالص ماله، فهذا الذي يظهر والله أعلم، مع أن الحصر في الآية واضح، وليس هناك أدلة ظاهرة في صرف الزكاة في سائر طرق الخير، فيبقى على ما ذهب إليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى، فهذا هو الأصل؛ لكن ربما في بعض البلاد يحتاج إلى شيء من ذلك، وخصوصاً فيما يتعلق بأمر الدعوة وتعليم الناس، فنقول: إذا ظهرت الحاجة الظاهرة فيما يتعلق بأمر الدعوة، وأن الدعوة لا يمكن أن تسير إلا بمال، وقد لا نجد مالاً إلا من الزكاة ففي هذه الحالة عند الحاجة لا بأس، والضرورة تقدر بقدرها.

    المصرف الثامن: ابن السبيل

    قال رحمه الله: (الثامن ابن السبيل: المسافر المنقطع به).

    ابن السبيل دليله قول الله عز وجل: وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ [التوبة:60] ومن هو ابن السبيل؟

    قال المؤلف رحمه الله: (المسافر المنقطع به دون المنشئ للسفر من بلده فيعطى ما يوصله إلى بلده).

    ابن السبيل الذي يعطى من الزكاة: هو المسافر الذي انقطع به سفره، فإذا سافر مثلاً: إلى مكة، ثم بعد ذلك سرقت دراهمه، أو ضاعت نفقته فهذا نعطيه من الزكاة ما يوصله إلى حاجته، ويرجعه إلى بلده، وليس المراد أن نعطيه من الزكاة ما يرجعه إلى بلده، بل نعطيه من الزكاة ما يوصله إلى حاجته، فهو الآن يحتاج إلى أن يذهب إلى مكة لأجل العمرة، أو لأجل العلاج، فهذا نعطيه ما يوصله إلى الغرض الذي قصده، وما يرجعه إلى بلده، وهذا هو قول جمهور العلماء رحمهم الله تعالى.

    والرأي الثاني: المراد به المسافر الذي انقطع به سفره، وكذلك أيضاً الذي ينشئ السفر، وهذا قول الشافعية، فالمنشئ للسفر يرون أنه يدخل في صنف ابن السبيل، والصحيح: أن المنشئ للسفر ليس مسافراً، وإنما هو على نية السفر، ففرق بين المسافر الذي تلبس بالسفر، وبين الشخص الذي يريد سفراً، فهذا على نية السفر، فهذا نقول: إن كان محتاجاً لسفر فنعطيه على أنه من صنف الفقراء والمساكين، ولا نعطيه على أنه من صنف ابن السبيل، وإن لم يكن محتاجاً وكان سفره كمالياً، فهذا لا يأخذ، لا من هذا الصنف ولا من هذا الصنف.

    وكم يعطى ابن السبيل من الزكاة؟ نعطيه على قدر حاله، فإذا كان فقيراً نعطيه ما يركب الفقراء، وإن كان متوسطاً نعطيه ما يركب المتوسطون، وكما تقدم لنا أنه إذا انقطع به السفر فإننا نعطيه ما يوصله إلى غرضه ويرجعه إلى بلده مادام أنه محتاج إلى ذلك السفر، أما إذا كان غير محتاج إلى ذلك السفر الذي سافر إليه فإننا نعطيه ما يرجعه إلى بلده.

    ثم قال رحمه الله تعالى: (ومن كان ذا عيال أخذ ما يكفيهم).

    هذا تقدم الكلام عليه وبيننا ما يأخذه الفقير، وكذلك ما يأخذه المسكين، وأن كلاً منهم يأخذ الكفاية التامة، أو تمام الكفاية.

    صرف الزكاة إلى صنف واحد

    قال رحمه الله: (ويجوز صرفها إلى صنف واحد).

    يقول المؤلف رحمه الله: يجوز أن تصرف الزكاة إلى صنف، ولا يجب أن تجزأ ثمانية أجزاء. وذكر هذا القول مع ظهوره رداً لخلاف الشافعية، فإن الشافعية رحمهم الله يرون أن الزكاة تجزأ إلى ثمانية أصناف فيصرف صنفاً للفقراء، وصنفاً للمساكين، وصنفاً للعاملين كما جاء في الآية، وجمهور العلماء على ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى، ودليل ذلك: حديث ابن عباس لما بعث النبي صلى الله عليه وسلم معاذاً إلى اليمن وفيه: ( فإن هم أطاعوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم )، وكذلك أيضاً: حديث قبيصة في صحيح مسلم : ( أقم عندنا يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها ).

    وأما الشافعية رحمهم الله تعالى فيستدلون بقول الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ [التوبة:60]، فقالوا: بأن الله سبحانه وتعالى ذكر الأصناف الثمانية، فكون الله عز وجل أتى بلام التمليك هذا يدل على أن هؤلاء جميعاً يملكون، فلا بد أن تقسم عليهم، والجواب: كونه أتى بلام التمليك هذا لا يلزم منه أن تجزأ الزكاة لما تقدم من أدلة الجمهور.

    دفع الزكاة إلى الأقارب

    قال رحمه الله تعالى: (ويسن إلى أقاربه الذين لا تلزمهم نفقته).

    يقول المؤلف رحمه الله: يسن أن تدفع الزكاة إلى أقاربه الذين لا تلزمه نفقتهم كما في حديث زينب امرأة ابن مسعود كما ثبت في الصحيح، قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لها أجر الصدقة، وأجر القرابة )، ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله: أنه إذا كان القريب يجب عليك أن تنفق عليه فإنه لا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة؛ لأنه مستغنٍ بنفقتك عليه؛ ولأنك إذا أعطيته الزكاة مع أنه يجب عليك أن تنفق عليه تكون حميت مالك بالزكاة، فإذا كان هذا الفقير يجب عليك أن تنفق عليه، فإنه لا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة:

    أولا: لأنه مستغنٍ بالنفقة، ولاحظ في الزكاة لغني، ولا لقوي مكتسب.

    وثانياً: أنك تكون قد وقيت مالك بزكاتك؛ لأنك إذا أعطيته الزكاة فيستغني بالزكاة عن نفقتك فتكون وقيت مالك بزكاتك.

    ومن هم الفقراء الذين يجب على الشخص أن ينفق عليهم؟ هذا سنتكلم عليه إن شاء الله في باب النفقات.

    فالمهم أن نفهم هذه المسألة، وأنه إذا كان الشخص يجب عليك أن تنفق عليه، فإنه لا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة.

    1.   

    من تحرم عليهم الزكاة

    بنو هاشم وبنو المطلب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (فصل: ولا تدفع إلى هاشمي).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا تدفع الزكاة إلى هاشمي، يعني: الزكاة لا تدفع إلى بني هاشم ولا إلى مواليهم، فيدخل في ذلك آل العباس، وآل علي، وآل جعفر، وآل عقيل، وآل أبي لهب، وآل الحارث بن عبد المطلب، ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الصدقة لا تنبغي لمحمد ولا لآل محمد؛ إنما هي أوساخ الناس )، وأيضاً حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنا لا نأكل الصدقة )؛ ولكن استثنى العلماء رحمهم الله من ذلك: ما إذا كان مؤلفاً قلبه، فيعطى حتى ولو كان من بني هاشم، أو كان غارماً لإصلاح ذات البين، فيعطى حتى ولو كان من بني هاشم، أو كان غازياً فيعطى حتى ولو كان من بني هاشم، ففي هذه الصور الثلاث نعطيه من الزكاة.

    كذلك أيضاً لا تدفع لموالي بني هاشم لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن مولى القوم منهم ).

    ثم قال رحمه الله: (ولا مطلبي).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا تدفع الزكاة للمطلبيين كما أنها لا تدفع للهاشميين، وهذه المسألة خالف فيها المؤلف رحمه الله المشهور من المذهب، فالمشهور من المذهب: أن بني المطلب تدفع إليهم الزكاة، وهذا قول أكثر أهل العلم خلافاً للشافعية الذين يرون أن بني هاشم وبني المطلب لا تدفع لهم الزكاة، ودليلهم على ذلك: قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث جبير بن مطعم: ( بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد )، والجواب عن هذا: أن المقصود هو في النصرة والخمس فقط، ولهذا شركَ النبي صلى الله عليه وسلم بني المطلب وبني هاشم في الخمس؛ لأنهم ناصروا بني هاشم: وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ [الأنفال:41] فسهم ذوي القربى خمس الخمس هذا لبني هاشم، وشرك النبي صلى الله عليه وسلم معهم بني المطلب فقال: ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد )، وتشريكهم في استحقاق خمس الخمس من الغنيمة لا يلزم من ذلك أن يشاركوا بني هاشم في جميع الأحكام ومنها امتناع الزكاة.

    فالصواب في هذه المسألة: أن بني المطلب لا يشاركون بني هاشم في تحريم دفع الزكاة لهم.

    عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم له أربعة أولاد: هاشم ، والمطلب ، ونوفل ، وعبد شمس ، فبنو هاشم لا يجوز أن يعطوا من الزكاة، فهم يأخذون من خمس الخمس، والمطلبيون يأخذون من الزكاة ومن خمس الخمس على الصحيح، والنوفليون لا شيء لهم من خمس الخمس، ويأخذون من الزكاة، والعبشميون كالنوفليين ليس لهم شيء من خمس الخمس، ويأخذون من الزكاة.

    وقوله رحمه الله: (ومواليهما)؛ لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي رافع : ( إن مولى القوم منهم ) وهو في السنن وصححه الترمذي .

    المرأة الفقيرة وزوجها غني منفق

    قال رحمه الله: (ولا إلى فقيرة تحت غني منفق).

    لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى امرأة فقيرة تحت غني منفق، يعني: أن زوجها ينفق عليها؛ لأنها استغنت بإنفاق زوجها عليها، وحكي الإجماع على أن الزوج لا يدفع الزكاة لزوجته مادام أنه ينفق عليها، وسيأتي الكلام إن شاء الله على دفع زكاتها لزوجها.

    ولكن هذه المسألة إذا كانت هناك امرأة وهي تحت من ينفق عليها، فلا يجوز أن تدفع لها الزكاة؛ لأنها استغنت بإنفاق هذا المنفق.

    الفروع والأصول

    قال رحمه الله: (ولا إلى فرعه، وأصله).

    يقول المؤلف رحمه الله: لا يجوز أن تدفع الزكاة إلى فرعه، أي: أولاده، سواء كانوا ذكوراً أو إناثاً، وإن تناسلوا ونزلوا، وكذلك أيضاً إلى أصله، يعني: إلى أبيه وأمه، وإن علوا جده وجدته، فلا يجوز أن تدفع الزكاة لا إلى أصوله ولا إلى فروعه، وهذا حكي الإجماع عليه، والولدين، حكاه ابن المنذر رحمه الله، واستثنى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله مسائل:

    المسألة الأولى: إذا كان لا يستطيع أن ينفق على أصله، فإنه يجوز له أن يدفع الزكاة إليه إذا كان عنده زكاة، فمثلاً: عنده محل تجاري قيمته تساوي خمسين ألفاً، وزكاتها ألف ومائتان وخمسون ريالاً؛ لكنه لا يستطيع أن ينفق على والديه ويستطيع أن ينفق على أولاده، فنقول: لا بأس عليه ما دام عاجزاً عن الإنفاق عليهم وليس عنده إلا هذا الدخل اليسير. وكذلك مثلاً: دخله في الشهر ثلاثة آلاف ينفقها على أولاده، ولا يتمكن من أن ينفق على والديه، فلا بأس أن يعطيهم من الزكاة، فهم أحق بها من الأجانب.

    المسألة الثانية: إذا كانت الزكاة في قضاء الدين الذي ليس سببه النفقة فلا بأس أن تعطيهم من الزكاة، فمثلاً: هذا الأب حصلت عليه جائحة، ولنفرض أنه عمل زراعات أو مصانع، ثم بعد ذلك أصيبت بجوائح فلحقته الديون فأصبح من الغارمين، فلا بأس أن يعطيه الولد ما يسدد به الدين الذي لحقه؛ لكن إذا كان الغرم بسبب النفقة فيجب عليه أن ينفق على أبيه؛ كأن اشترى أبوك طعاماً ليأكله ولحقه غرم، فيجب عليك أن تشتري لأبيك الطعام، فالأصول يجب أن تنفق عليهم مطلقاً، حتى وإن علوا حتى ولو كانوا من ذوي الأرحام، فلا يجوز أن تعطيهم من الزكاة، يعني: جدك من قبل الأم العلماء -كما سيأتينا في باب النفقات- يقولون: يجب عليك أن تنفق على جدك من قبل الأم، كما يجب عليك أن تنفق على ابن بنتك إذا كان فقيراً وأبوه كان فقيراً لا يستطيع أن ينفق عليه؛ لأن الفروع بضعة منك وامتداد لك، والأصول أنت بضعة منهم، فإذا أنفقت على فرعك أو أصلك تكون قد أنفقت على نفسك، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( فاطمة بضعة مني يريبها ما يريبني )، فالإنسان لا يصرف صدقته على نفسه.

    تلخص لنا أن الفروع لا يجوز أن تصرف الزكاة إليها حتى وإن نزلت، حتى ولو كان من ذوي الأرحام كابن البنت وإن نزل، إلا في الصورتين اللتين ذكرنا، كذلك أيضاً الأصول لا يجوز أن تصرف إليهم الزكاة حتى وإن علوا، حتى وإن كانوا من ذوي الأرحام.

    بقي معنا الحواشي: الأعمام وبنوهم، والإخوة وبنوهم، وقد تقدم أن المؤلف رحمه الله: أشار إليه، فإذا كان يجب عليك أن تنفق عليهم كأن تكون وارثاً لهم؛ لأنه على المذهب يجب عليك أن تنفق على قريبك الذي تكون وارثاً له؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ [البقرة:233]، فإذا كنت وارثاً له فيجب عليك أن تنفق عليه، ولا يجوز أن تعطيه من الزكاة، وأما إذا كنت غير وارث له، كأن تكون محجوباً لا ترثه، مثل: أن يكون لك أخ وله ابن، فإنك لا ترثه لوجود الابن فالابن يحجبك؛ فهذا لا يجب عليك أن تنفق عليه؛ لأنك لا ترثه، وعلى هذا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة؛ لكن لو لم يكن له ابن فإنه يجب عليك أن تنفق عليه، ولا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة.

    وبعض العلماء يتساهل في مسألة الإخوة والأعمام، وبنيهم (الحواشي)؛ لأنهم ليسوا كالأصول والفروع، كما هو اختيار الشيخ: عبد العزيز بن باز رحمه الله؛ ولكن على المذهب -كما تقدم- إذا كنت ترثه فحينئذ يجب عليك أن تنفق عليه ولا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة، وإن كنت لا ترثه فلا يجب عليك أن تنفق عليه، ولك أن تعطيه من الزكاة.

    الرقيق

    ثم قال رحمه الله: (ولا إلى عبدٍ).

    الرقيق لا يجوز لك أن تعطيه من الزكاة؛ لأن الرقيق لا يملك، ولو ملك فإن ملكه ضعيف، ولو كان له مال فإن المال يعود إلى السيد، ( فمن باع عبداً وله مال فماله للذي باعه إلا أن يشترط المبتاع )، فلو أعطى الزكاة لهذا الرقيق، فإن الزكاة ستكون لسيده، وسيده ربما يكون غنياً، ويجوز أن تعطي السيد إن كان فقيراً يستحق، أما إذا لم يكن فقيراً فإنه لا يستحق.

    دفع الزوجة زكاة مالها لزوجها

    قال رحمه الله: (وزوجٍ).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: لا يجوز إعطاء الزكاة إلى الزوج، وذكرنا حكم إعطاء الزوج الزكاة للزوجة، وأنه حكي الإجماع على حرمة ذلك؛ لأنها مستغنية بإنفاقه ينفق عليها، ومادام أنها مستغنية بإنفاقه عليها فلا حاجة لأن يعطيها من الزكاة، وهذا وجه.

    والوجه الثاني: لأنه إذا أعطاها من الزكاة، فإنه يقي ماله بزكاته، فهي ستأكل من هذه الزكاة وتشتري اللباس من هذه الزكاة، وحينئذ لا تحتاج إلى مال زوجها فيحمي ماله بزكاته، وهذا لا يجوز، ويستثنى من ذلك: إعطاء الزكاة للزوجة إذا كانت هذه الزوجة ستأخذ هذه الزكاة وتصرفها على أولادها من غير هذا الزوج، فلا بأس، كما لو كانت لها أولاد، وقد طلقت، فلا بأس أن يعطيها الزكاة، وهذه الصورة الأولى.

    والصورة الثانية: إذا كانت هذه الزكاة في قضاء دين سببه غير النفقة، ففي هاتين الصورتين يجوز أن يدفع الزوج زكاته لزوجته.

    وأما دفع الزوجة الزكاة لزوجها فجمهور العلماء على أن هذا ليس بجائز، فلا يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها؛ لأن الزوجة إذا دفعت زكاتها لزوجها فإنها ستنتفع بهذه الزكاة، فالزوج سينفق هذه الزكاة عليها، وحينئذٍ تكون الزوجة انتفعت بهذه الزكاة؛ إما مباشرة، أو أن الزوج ينفق هذه الزكاة على أولاد الزوجة، وحينئذٍ تكون الزوجة وقت مالها بزكاتها؛ لأنها إذا لم تدفع الزكاة لزوجها فستضطر إلى أن تنفق على أولادها وجوباً؛ ولكن إذا دفعت هذا المال إلى زوجها، وأنفقه على أولادها في الطعام، والشراب، والملابس تكون قد حمت مالها واقتصرت بنفقتها، فقالوا: لا يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها، وهذا قول أهل العلم؛ لما ذكرنا من التعليلين.

    الرأي الثاني: رأي الإمام مالك وأحمد رحمهما الله تعالى: أنه يجوز للزوجة أن تدفع زكاتها لزوجها إذا كان سيصرف هذا المال على أولادها الفقراء من غيرها، لحديث زينب امرأة ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم ).

    وعلى هذا فالراجح في هذه المسألة: أنه لا يجوز للزوجة أن تعطي زوجها زكاتها إلا في ثلاث صور:

    الصورة الأولى: إذا كان سينفق هذا المال على أولاده من غيرها؛ لأنها لن تنتفع.

    الصورة الثانية: إذا كان بسبب غرم لحقه وليس سببه النفقة.

    الصورة الثالثة: إذا كان في حوائجه الخاصة؛ فالزوجة لا يجب أن تنفق على زوجها إذا كان سيأخذ المال ويشتري ثوباً له -مثلاً- أو يصلح سيارته، المهم أنه إذا كان في أشياء خاصة به، فإنه يجوز للزوجة أن تصرف زكاتها لزوجها، وعلى هذا يحمل حديث زينب امرأة ابن مسعود رضي الله تعالى عنها.

    فهذه المسائل ينبغي لطالب العلم أن يضبطها؛ لأن كثيراً من الناس يسألون عنها.

    الزكاة على من ظنه فقيراً فبان خلافه

    قال رحمه الله: (وإن أعطاها لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً، أو بالعكس لم يجزئ إلا لغني ظنه فقيراً).

    يقول المؤلف رحمه الله: إذا أعطى الزكاة لمن ظنه غير أهل فبان أهلاً أو بالعكس لم يجزئ، هاتان الصورتان أعطاها لمن ظنه غير أهله، يعني: يظنه غنياً وأعطاه الزكاة فنقول هنا: لا تجزئ كما ذكر المؤلف رحمه الله؛ لأنه متعد بإعطائه ما دام يظن أنه غني فلماذا تعطيه من الزكاة؟ فهو متعدٍ بإعطائه، حتى ولو تبين أنه فقير فالعبرة بالظن.

    أو بالعكس لمن ظنه أهلاً فبان غير أهل فلا تجزئ، كأن ظنه مسافراً منقطعاً به، ثم تبين أنه ليس مسافراً، أو ظنه مجاهداً، ثم تبين أنه ليس مجاهداً ونحو ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله: (لا يجزئ إلا لغني ظنه فقيراً)، ظنه فقيراً، ثم تبين أنه غني، يقول المؤلف رحمه الله: إنه يجزئ.

    فالخلاصة: إذا أعطاها لمن يظنه أهلاً، ثم تبين أنه غير أهل، يقول المؤلف رحمه الله: لا تجزئ إلا في مسألة واحدة وهي إذا أعطاها لغني يظنه فقيراً، ثم تبين أنه غني.

    والصواب في هذه المسألة: أن العبرة بالظن سواء ظنه فقيراً، ثم تبين أنه غني، فنقول: بأنه يجزئ، والمسلم في العبادات متعبد بالظن، فالصحيح: أنه إذا دفعها لمن يظنه أهلاً فبان غير أهل فإنها تجزئ مطلقاً، وهذا قول ابن عقيل رحمه الله تعالى من الحنابلة؛ ولما ذكرنا أن الظن معتبر في العبادات، وسبق أن ذكرنا أدلة كثيرة على ذلك، منها حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين: (قال رجل: لأتصدقن بصدقة) وفيه (فخرج بصدقته فوضعها في يد غني) إلى أن قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( أما صدقتك فقد تقبلت ).