إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الجنائز [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للإنسان مع المصائب أحوال، فإما أن يصبر على مصابه وهذا هو الواجب في حقه، وإما أن يتسخط وهذا أمر محرم عليه، وإما أن يرضى ويشكر وهما أمران مستحبان، والشكر أفضلهما، ثم إن التداوي عند المرض وقع فيه الخلاف، فمن أهل العلم من قال بعدم مشروعيته، ومنهم من أدناه من

    1.   

    تعريف الجنازة

    قال المؤلف رحمه الله: [كتاب الجنائز: تسن عيادة المريض وتذكيره التوبة والوصية].

    الجنائز جمع جنازة، يقال: جِنازة بالكسر، وجَنازة بالفتح، والجنازة في اللغة اسم للميت، أو للنعش عليه الميت، هذا القول الأول.

    والقول الثاني: التفريق؛ فبالكسر اسم للنعش، أو للسرير، يقال له: جِنازة، وبالفتح اسم للميت ليس على السرير.

    والعلماء يقولون: الكسر أفصح من الفتح، أي: كونك تقول: جِنازة هذا أفصح من قولك: جَنازة.

    ومناسبة ذكر كتاب الجنائز في كتاب الصلاة أن أهم ما يفعل بالميت هو الصلاة، ولذلك ذكروه في كتاب الصلاة، وإلا فإن كتاب الجنائز يشتمل على غير الصلاة؛ يشتمل على تغسيل الميت، وتكفين الميت، وعلى حمله، وعلى دفنه، وكذلك أيضاً على حكم التداوي، وحكم عيادة المريض، وأحكام تتعلق بالمحتضر والمريض.. وهذه الأمور لا علاقة لها بالصلاة، وإنما لما كان كتاب الجنائز يتضمن أحكام الصلاة ذكره العلماء -رحمهم الله- في كتاب الصلاة؛ لأن أهم شيء يفعل بالميت هو الصلاة، وإلا فإن مناسبة ذكر كتاب الجنائز بين كتاب الوصايا وبين كتاب الفرائض.

    1.   

    حكم عيادة المريض

    قال رحمه الله: (تسن عيادة المريض).

    المرض في اللغة: هو السقم.

    وأما في الاصطلاح: فهو اعتلال الصحة. وقد ذكر المؤلف رحمه الله أن عيادة المريض سنة، وهذا قول جمهور أهل العلم، والأدلة على شرعية عيادة المريض كثيرة جداً سواء من فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو قوله.

    أما قوله فكما في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق المسلم على المسلم خمس -وفي رواية ست- وذكر منها: وإذا مرض فعده).

    وحديث البراء بن عازب أنه قال: (أمرنا بسبع وذكر منها عيادة المريض)، وقول النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً: (عودوا المريض وفكوا العاني..).

    وفعل النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعود أصحابه، وعاد النبي عليه الصلاة والسلام الغلام اليهودي، وعاد عمه أبا طالب.

    وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله : بأن عيادة المريض فرض كفاية؛ بمعنى: أنه يجب على عموم المسلمين، أو على من علم بحاله من المسلمين أن يعودوه، فإذا عاده طائفة منهم صار في حق الباقين سنة، وهذا القول هو الأقرب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (حق المسلم)، فجعله النبي عليه الصلاة والسلام حقاً، ولا يكون حقاً إلا إذا كان واجباً، وعيادة المريض هي زيارته، وسميت زيارة المريض عيادة؛ لكي يعاودها الإنسان، ويكررها مرةً بعد أخرى؛ لأن المريض يحتاج إلى من يقف معه، فإنه قد يلحقه بسبب الألم شيء من الهم والغم والحزن فيحتاج إلى أن يقف إخوانه المسلمون معه، وأن يواسوه، وأن يدخلوا عليه السرور.

    يتكلم العلماء رحمهم الله عن إطالة المقام عند المريض هل يطيل أو لا يطيل؟ وأيضاً متى يزوره؟ وهل يستحب أن تكون الزيارة بكرةً أو عشية؟ وأيضاً ما يتعلق بتكرار الزيارة.

    بالنسبة للإطالة عند المريض، هل يطيل أو لا يطيل؟

    نقول: الأصل في ذلك كما ذكر صاحب الفروع: أنه يرجع إلى قرائن الأحوال، وما تقتضيه حالة المريض، فقد تقتضي حالة المريض أن الإنسان يطيل الجلوس عنده، وأنه يرغب في ذلك، وأنه كلما أطلت الجلوس عنده فإنه يفرح ويسر بذلك، فنقول: يشرع للإنسان أن يطيل الجلوس.

    وبالنسبة لوقت الزيارة هل يزوره عشية أو بكرةً؛ يعني: في أول النهار أو في آخر النهار؟

    نقول: أيضاً هذا يرجع إلى قرائن الأحوال، وما تقتضيه حالة المريض، فقد يكون هناك بعض الأوقات التي يستريح فيها المريض للعيادة، وقد تكون هناك أوقات لا يستريح فيها للعيادة.

    وأيضاً بالنسبة لما يتعلق بتكرار الزيارة.

    نقول: الصواب في هذا ما ذكره صاحب الفروع أنه يرجع إلى قرائن الأحوال، وما تقتضيه حالة الإنسان.

    1.   

    التداوي من المرض بين الجواز والمنع

    هنا بعض الأحكام المتعلقة بالمريض، فمن هذه الأحكام حكم التداوي، فهل التداوي مأمور به أو ليس مأموراً به؟ وهل هو ينافي التوكل أو لا ينافي التوكل؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن التداوي ليس مشروعاً؛ يقولون: يباح له أن يتداوى، وقالوا أيضاً: إن ترك التداوي أفضل.

    وعند أبي حنيفة رحمه الله: أن التداوي مؤكد حتى يداني الوجوب.

    وعند الإمام مالك رحمه الله: أنه يستوي فيه الفعل والترك.

    وعند الشافعي رحمه الله : أنه مستحب.

    والصواب في هذا أن يقال: بأن التداوي ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: أن يكون التداوي واجباً: وهو إذا علم الإنسان أو ظن بقول أهل الخبرة من أهل الطب: إنه نافع وتركه يؤدي إلى الهلاك؛ لأن الله عز وجل قال: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة:195] ، وقال سبحانه وتعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء:29]. فهناك الآن توجد بعض الأمراض إذا تركها الإنسان تؤدي إلى هلاكه، والتداوي الآن بسبب ترقي الطب ينفعها ويزيل هذا الداء، مثلاً: السرطان الموضعي إذا تركه الإنسان فإنه يأتي على جسمه كله، وهناك الآن أدوية تستطيع أن تداوي هذا الداء وتزيل هذا الداء بإذن الله عز وجل، فنقول: التداوي هنا واجب.

    القسم الثاني: أن يظن أو يعلم أن هذا الدواء نافع، لكن تركه لا يؤدي إلى الهلاك؛ مثلاً: الأخذ من هذه الحبوب أو هذا الشراب أو هذه الإبرة ونحو ذلك يساعد في راحة المريض، لكن لو لم يأخذ هذا لبقي على ألمه، ولا يؤدي ذلك إلى الهلاك فنقول هنا: يستحب التداوي ما دام أنه لا يؤدي إلى الهلاك، لكن كون الإنسان يأخذ ما يخفف عنه الألم هذا يكون أنشط له على أداء حقوق الله عز وجل وحقوق الخلق.

    القسم الثالث: أن يتساوى الأمران؛ يعني لا نعلم أن هذا الدواء ينفع، أو لا نظن نفعه ولا نظن عدم نفعه، فهنا نقول: بأن التداوي مباح.

    1.   

    حالات المسلم عند المصيبة

    مما يشرع للمريض عند مرضه أن يصبر، وسبق أن أشرنا في شرح صحيح مسلم إلى أن المصاب بشيء من أقدار الله المؤلمة فإن له أربع حالات:

    الحالة الأولى: الصبر وهذا واجب، وذكرنا تعريف الصبر؛ وهو حبس القلب عن كراهة قضاء الله وقدره، وحبس الجوارح عن فعل المحرم.

    الحالة الثانية: التسخط وهذا محرم؛ وهو أن يكره قضاء الله وقدره، أو أن يفعل بجوارحه ما يحرم.

    الحالة الثالثة: الرضا، والرضا هذا مستحب؛ يعني: أن يرضى بالمقضي والمقدور، أما الرضا بالقضاء والقدر فهذا واجب، والرضا بالمقضي والمقدور يعني: لا يكره المرض ويرضى به، ويرضى بالحادث ولا يكره الحادث، فهنا نقول: هذا مستحب.

    الحالة الرابعة: الشكر؛ أن يشكر الله عز وجل على ما أصابه، نقول: هذا أيضاً مستحب؛ لأن هذه المصيبة وإن كانت في ظاهرها مؤلمة وكانت في ظاهرها مصيبة، لكنها في باطنها خير؛ لما يترتب عليها من تكفير السيئات، وزيادة الحسنات، ورفعة الدرجات. والآثار في تكفير سيئات المريض كثيرة جداً.

    1.   

    تمني الموت

    مما يتعلق بالمريض أنه ينهى عن تمني الموت؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهاه عن ذلك، ففي حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا يتمنين أحدكم الموت لضر أصابه، فإن كان لا بد فاعلاً فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيراً لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي)، وهذا في الصحيحين، لكن استثنى العلماء رحمهم الله تمني الموت في موضعين:

    الموضع الأول: الشهادة، فيستحب للإنسان أن يتمنى الشهادة؛ لما في الحديث الذي في صحيح مسلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه منازل الشهداء وإن مات على فراشه).

    وقال عمر رضي الله تعالى عنه: اللهم ارزقني شهادةً في سبيلك وفي بلد رسولك. فحقق الله له دعوته.

    الموضع الثاني: الفتنة، فإذا خشي الإنسان على نفسه الفتنة فإنه لا بأس بتمني الموت، ولهذا قالت مريم عليها السلام: يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا [مريم:23].

    وأيضاً في الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وإذا أردت بعبادك فتنةً فاقبضني إليك غير مفتون).

    1.   

    آداب زيارة المريض

    تذكير المريض بالتوبة

    قال المؤلف رحمه الله: (وتذكيره التوبة).

    هنا آداب ينبغي للإنسان أن يأخذ بها إذا عاد المريض، ومن ذلك ما تقدم أن أشرنا إليه بالنسبة لوقت العيادة، وبالنسبة لتكرار العيادة، وبالنسبة لإطالة المقام عند العيادة. ومن الآداب ما ذكر المؤلف رحمه الله.

    بقوله: (تذكيره التوبة) فيستحب أن يذكره الإنسان، أو العائد بالتوبة والتوبة في اللغة: الرجوع. وفي الاصطلاح: الرجوع من معصية الله إلى طاعته.

    والتوبة واجبة في كل حال، لكنها تتأكد في بعض الأحوال كحال هذا المريض الذي يخشى عليه الهلاك، فإن التوبة في حاله متأكدة.

    تذكير المريض بالوصية

    قال رحمه الله: (والوصية).

    نعم أيضاً الوصية مشروعة، فمشروع للإنسان أن يوصي؛ لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما حق امرئ مسلم يبيت ليلةً أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عند رأسه).

    والوصية تنقسم إلى قسمين: إما أن تكون في حق من حقوق الله وحقوق المخلوق، فهذا الوصية واجبة، يعني: إذا كانت حقوقاً لله عز وجل أو حقوقاً للمخلوقين ولم تكن موثقة.. فنقول: الوصية هنا واجبة؛ يجب على الإنسان أن يوصي بها حفظاً لهذا الحق. وهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: التبرع؛ يتبرع الإنسان بشيء من ماله، فإنه ينبغي للإنسان أن يتبرع من الآن حتى وإن كان الإنسان صحيحاً، لكنه يتأكد أن يتبرع في حال مرضه وهذا القسم يكون سنة.

    والوصية تصرف أو مصلحة محضة؛ لأن الإنسان إذا أوصى الآن فإن مات فإنه ليس بحاجة إلا إلى الأجر والثواب، وإن لم يمت فله أن يرجع بهذه الوصية وأن يبطلها.

    إذاً: ينبغي للإنسان أن يوصي، وإذا كان في حال المرض فيتأكد في حقه ويشرع تذكيره؛ ولهذا لما عاد النبي صلى الله عليه وسلم سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه قال للنبي عليه الصلاة والسلام: (يا رسول الله! إنه أصابني أو نزل بي ما ترى وأنا ذو مال، أفأوصي بشطر مالي؟ فقال النبي عليه الصلاة والسلام: لا، قال: بثلثي مالي؟ قال: لا، قال: بالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير).

    وأيضاً قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إن الله تصدق عليكم عند وفاتكم بثلث أموالكم زيادةً لكم في أعمالكم).

    فنقول: يستحب للإنسان أن يتبرع.

    الدعاء للمريض

    ومن الآداب أيضاً: أن الإنسان إذا عاد المريض يدعو له بما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام؛ ومن ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا اشتكى يقرأ على نفسه بالمعوذات وينفث، فلما اشتد وجعه كنت أقرأ عليه وأمسح بيده رجاء بركتها)، وهذا في الصحيحين.

    ومما ورد أيضاً من حديث عائشة : (أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يعود بعض أهله، ويمسح بيده اليمنى ويقول: اللهم رب الناس! أذهب البأس، واشفه أنت الشافي، لا شفاء إلا شفاؤك، شفاءً لا يغادر سقماً)، وهذا أيضاً في الصحيحين.

    وكذلك أيضاً ما ورد في الصحيحين عنها: (باسم الله، تربة أرضنا، بريقة بعضنا، يشفى به مريضنا، بإذن ربنا). وهذا أيضاً في الصحيحين.

    وأيضاً أن جبريل عليه السلام -كما في حديث أبي سعيد- قال للنبي عليه الصلاة والسلام: (اشتكيت يا محمد؟ فقال: نعم، فقال: باسم الله أرقيك، من كل شيء يؤذيك، من شر كل نفس أو عين حاسد، باسم الله أرقيك).

    وكذلك حديث ابن عباس أيضاً إذا حضر المريض: (أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يشفيك سبع مرات)، وهذا أخرجه الإمام أحمد رحمه الله وأبو داود .