إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الصلاة [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من شروط الصلاة أداؤها في الوقت، وقد يلتبس الوقت فيجتهد المصلي، ويستحب المبادرة بالصلاة في أول الوقت، ومن الشروط المهمة ستر العورة وقد بين أهل العلم حدود العورة وكيفية سترها، واختلفوا في وجوب ستر العاتق.

    1.   

    تابع مواقيت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله:

    [فإن أحرم باجتهادٍ فبان قبله فنفلٌ وإلا ففرض، وإن أدرك مكلفٌ من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه أو حاضت، ثم كُلف وطهرت قضوها، ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته، وما يُجمع إليها قبلها، ويجب فوراً قضاء الفوائت مرتباً، ويسقط الترتيب بنسيانه، وبخشية خروج وقت اختيار الحاضرة.

    ومنها ستر العورة، فيجب بما لا يصف بشرتها، وعورة رجلٍ وأمةٍ وأم ولدٍ ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة، وكل الحرة عورةٌ إلا وجهها، وتستحب صلاته في ثوبين، ويكفي ستر عورته في النفل، ومع أحد عاتقيه في الفرض، وصلاتها في درعٍ وخمارٍ وملحفة، ويجزئ ستر عورتها، ومن انكشف بعض عورته وفحُش، أو صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه، أو نجسٍ أعاد، لا من حُبس في محلٍ نجس، ومن وجد كفاية عورته سترها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدبر، وإن أعير سترة لزمه قبولها، ويصلي العاري قاعداً بالإيماء استحباباً فيهما].

    تقدم لنا ما يتعلق ببقية مواقيت الصلاة، وذكرنا وقت صلاة المغرب، وأن وقت صلاة المغرب يبدأ بغروب الشمس بإجماع العلماء رحمهم الله، وهل وقتها موسع، أو مضيق؟ ذكرنا أن مذهب الإمام مالك رحمه الله والشافعية أنه مضيق، وعند أبي حنيفة ، والحنابلة أنه موسع، وأن الصواب: أن وقتها يخرج بمغيب الشفق، وأن المراد بالشفق هو الحمرة، وأن وقت العشاء يبدأ من بعد مغيب الشفق الأحمر إلى منتصف الليل، وهل لها وقت ضرورة أو ليس لها وقت ضرورة؟ ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله تعالى في هذه المسألة، وأيضاً ذكرنا وقت استحباب أداء صلاة المغرب، وذكرنا ما هو الوقت المستحب لأداء صلاة العشاء.

    وبينا أيضاً وقت صلاة الفجر، وأنه يبدأ بطلوع الفجر إلى طلوع الشمس، وأنه ليس لها إلا وقتٌ واحد، وأنه يستحب أن تُفعل في أول وقتها.

    الصلاة خارج الوقت باجتهاد فتبين خلافه

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن أحرم باجتهادٍ).

    يعني: كبر تكبيرة الإحرام، وقال: (باجتهاد) ولم يقل بيقين؛ لأنه إذا أحرم بيقين فلا يمكن أن يتبين أنه أحرم قبل الوقت، فلو أنه رأى الشمس غربت، ثم أحرم لصلاة المغرب، فهنا يتيقن أنه أحرم للصلاة في وقتها.

    قال المؤلف رحمه الله: (فبان قبله فنفلٌ، وإلا ففرض).

    إذا اجتهد فنظر في أدلة القبلة، واستدل بها على دخول الوقت، أو أنه كانت له حرفة، أو صنعة، ونحو ذلك، واستدل بها على دخول الوقت -المهم أنه لم يحرم بيقين، وإنما أحرم بظن- ثم تبين له بعد ذلك أنه أحرم قبل دخول وقت الصلاة، فيقول المؤلف رحمه لله: (فنفل)، أي: وقعت صلاته نافلة، وإن تبين أنه أحرم في الوقت، فصلاته وقعت فريضة.

    والخلاصة في هذه المسألة: أن لها أقسامًا:

    القسم الأول: أن يتبين أنه أحرم قبل دخول الوقت، وأنه كبر تكبيرة الإحرام قبل أن يدخل الوقت ولو بلحظة واحدة فصلاته نفل، وعلى هذا يُعيد الصلاة.

    القسم الثاني: أن يتبين أنه أحرم في الوقت فنقول: صلاته فريضة؛ لأنه أدى هذه الفريضة حسب ما أُمر.

    القسم الثالث: أن يتبين أنه أحرم بعد خروج الوقت، فأيضاً صلاته تكون فريضةً؛ لأنه أدى هذه الصلاة حسب ما أُمر، فهو مأمور أن يؤدي هذه الصلاة في وقتها، فإذا لم يتمكن من أدائها في وقتها، وفعلها بعد الوقت فإنها تكون قضاءً.

    القسم الرابع: ألا يتبين له شيء، لا يدري هل أدى هذه الصلاة في الوقت، أو أداها قبل الوقت، أو بعد الوقت، فنقول: تكون فرضاً؛ لأنه قد أُذن له في الصلاة بالاجتهاد، وما ترتب على المأذون غير مظنون، فتكون صلاته فرضًا ومجزئة في ثلاثة أقسام، ولا تكون مجزئةً في قسمٍ واحدٍ فقط، وهو ما إذا فعل هذه الصلاة، أو كبر للإحرام قبل دخول الوقت.

    حدوث المانع بعد إدراك جزء من وقت الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن أدرك مكلفٌ من وقتها قدر التحريمة، ثم زال تكليفه أو حاضت، ثم كُلف وطهرت قضوها).

    قوله: (وإن أدرك مكلف)، المكلف هو البالغ العاقل، و(قدر التحريمة)، يعنى: قدر تكبيرة الإحرام، بمعنى أنه دخل عليه وقت الصلاة وهو بالغٌ عاقل، ثم زال تكليفه بأن جُن، أو حاضت المرأة بعد أن أدركت من أول الوقت قدر تكبيرة الإحرام، ثم كُلف فرجع إليه عقله، وطهُرت المرأة فانقطع دم الحيض عنها، يقول المؤلف رحمه الله: (قضوها)، وعلى هذا إذا أدرك المكلف من أول الصلاة قدر تكبيرة الإحرام، ثم زال تكليفه، ثم رجع إليه تكليفه، أو وجد مانعٌ من موانع صحة الصلاة، كالحيض بعد أن أدركت المرأة من أول الوقت تكبيرة، ثم حاضت، ثم طهُرت، يقول المؤلف رحمه الله: يقضون هذه الصلاة، وعلى هذا فإن وقت الصلاة يُدرك بقدر تكبيرة الإحرام، ويعللون لذلك بأنه أدرك جزءًا من الصلاة فأشبه ما لو أدرك ركعة.

    الرأي الثاني: أن أول الوقت لا يُدرك إلا بإدراك ركعة، لحديث أبي هريرة في الصحيحين، أن النبي صلي الله عليه وسلم، قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، وعلى هذا فالمكلف إذا أدرك من أول الصلاة قدر ركعة، وكذلك أيضاً المرأة إذا أدركت من أول الصلاة قدر ركعة ثم حاضت فإنها تقضي، أما إذا أدركوا أقل من ركعة فإنهم لا يقضون هذه الصلاة.

    وسبق أن تكلمنا على هذه المسألة، وذكرنا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأنه ذكر أن الحائض إذا حاضت في أثناء الوقت، فإنه لا يجب عليها أن تقضي الصلاة؛ لأن النساء كن يحضن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم في أثناء الوقت، ومع ذلك لم يرد أنه عليه الصلاة والسلام كان يأمرهن بقضاء هذه الصلاة، اللهم إلا إذا أخرت الصلاة حتى تضايق وقتها ثم حاضت، فهذه تقضي.

    والأقرب في ذلك، وهو الأحوط: ما دل له حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة )، فنقول: إذا أدرك المكلف قدر ركعة، ثم زال تكليفه، ثم رجع إليه، أو المرأة أدركت قدر ركعة، ثم حاضت ثم طهرت، فنقول بأنها تقضي الصلاة، ومثل ذلك أيضاً النفساء.

    حصول شرط الوجوب وزوال المانع قبل خروج الوقت

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن صار أهلاً لوجوبها قبل خروج وقتها لزمته، وما يُجمع إليها قبلها).

    في المسألة السابقة تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن إدراك أول الوقت بم يكون، وفي هذه المسألة تكلم عن إدراك آخر الوقت بم يكون، وما يترتب عليه.

    فمن صار أهلاً لوجوب الصلاة، إما بوجود شرط الوجوب، أو بزوال المانع، فوجود شرط الوجوب، مثل: صبي بلغ وكافرٍ أسلم، ومجنونٍ عقل، فإذا وجد شرط الوجوب، قبل خروج الوقت بمقدار تكبيرة، فإن هذه الصلاة تجب عليهم، وأيضاً يجب عليهم ما يُجمع إليها، فإذا كان ذلك في صلاة العصر، وقد بقي على غروب الشمس قدر تكبيرة -يعني لحظات- فتجب عليهم صلاة العصر، وتجب عليهم معها صلاة الظهر.

    وإذا زال المانع، فطهرت الحائض أو النفساء قبل خروج الوقت بمقدار تكبيرة، فإنه يجب عليها أن تصلي العصر، وأيضاً يجب عليها أن تصلي الظهر، ومثل ذلك أيضاً لو وجد شرط الوجوب، أو زال المانع قبل طلوع الفجر، فيجب عليهما العشاء والمغرب.

    هذا هو المشهور من المذهب، وسبق أن بينا أن الأقرب: أن آخر الوقت لا يُدرك إلا بقدر ركعة، كما هو قول الإمام مالك رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلي الله عليه وسلم، قال: ( من أدرك ركعةً من الصلاة، فقد أدرك الصلاة ).

    وأما المسألة الثانية: وهي إذا أدرك هذه الصلاة إما بإدراك ركعة، أو بإدراك تكبيرة الإحرام على حسب الخلاف، فهل يجب على من أدرك ذلك هذه الصلاة فقط، أو يجب عليه أن يفعل هذه الصلاة وأيضاً الصلاة التي تُجمع إليها؟ كما لو أدرك العشاء، فهل يجب عليه أن يصلي المغرب، أو أدرك العصر فهل يجب عليه أن يصلي الظهر؟

    المؤلف رحمه الله يقول بأنه يجب عليه أن يصلي الصلاتين، وهذا مذهب الشافعية، ويستدلون على هذا بورود ذلك عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف : أن المرأة إذا طهرت قبل طلوع الفجر الثاني، فإنه يجب عليها أن تصلي المغرب والعشاء، وكذلك أيضاً يقولون بأن الصلاتين المجموعتين في حال العذر يكون وقتهما واحداً، فما دام أنها أدركت أو أنه أدرك وقت هذه الصلاة، فهو مدرك لوقت الأولى؛ لأن المجموعتين حال العذر يكون وقتهما وقتًا واحداً.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة رحمه الله تعالى: أنه إذا وجد شرط الوجوب، أو زال المانع فلا يجب عليه إلا الصلاة التي أدرك وقتها، وهذا القول هو الصواب، وهو الذي دل له حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: (كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة)، فصلاة المغرب مر وقتها وهي حائض، فكيف نقول: يجب أن تقضيها وهي لا تؤمر بقضائها؟! وصلاة الظهر مر وقتها وهي حائض، فكيف نقول: يجب أن تُقضى؟! فالصواب في ذلك أنه لا يجب أن تُقضى إلا الصلاة التي أدركت من وقتها قدر ركعة.

    وأما الآثار الواردة عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم: أثر عبد الرحمن بن عوف ، وابن عباس ، وأبي هريرة فغير ثابتة.

    المبادرة لقضاء الفوائت

    قال المؤلف رحمه الله: (ويجب فوراً قضاء الفوائت).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله تعالى عن وقت الأداء، ووقت الاستحباب، ووقت الضرورة، وكذلك أيضاً بم يكون إدراك الوقت، شرع في بيان وقت القضاء.

    والفائتة: هي التي خرج وقتها، فيجب على من فاتته أن يبادر بقضائها، وهذا ما عليه أكثر الأصوليين: أن الأمر المطلق المجرد عن القرائن يقتضي الفورية، والأدلة على هذا كثيرة، من ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في حجه الوداع: (أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر كل من لم يسق الهدي من الصحابة أن يُحل من إحرامه، وأن يجعل إحرامه بالحج عمرة، فتأخر الصحابة، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم)، ومثل ذلك أيضًا حديث أم سلمة في البخاري ، في صلح الحديبية لما تأخر الصحابة رضي الله تعالى عنهم عن حلق رءوسهم والإحلال، فغضب النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله: (مرتباً).

    يعنى يقضي الفوائت مرتبة؛ لأن القضاء يحكي الأداء؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما شغله الكفار عن صلاة العصر في الخندق حتى خرج وقتها بدأ صلى الله عليه وسلم بصلاة العصر، ثم أتبعها بصلاة المغرب، فالقضاء يحكي الأداء.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويسقط الترتيب بنسيانه).

    الأصل أن يُرتب المقضيات، فيبدأ بالفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، لكن هناك أحوال يسقط فيها الترتيب:

    الحال الأولى: النسيان، فإذا نسي الترتيب فإنه يسقط، فلو أنه نسي وبدأ بالعصر قبل الظهر، أو بدأ بالمغرب قبل العصر والظهر، فنقول: هذا جائز ولا شيء عليه؛ لقول الله سبحانه وتعالى: رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا [البقرة:286]، فإن قيل بأن الترتيب هذا من باب الأوامر، فكيف يسقط بالنسيان؟ والذي يسقط بالنسيان إنما هو ما كان من قبيل النواهي، أما من كان من قبيل الأوامر فلا يسقط بالنسيان.

    ويُجاب عن هذا بأن الترتيب هذا لم يثبت بأمر النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ثبت بفعله صلى الله عليه وسلم، ولهذا تسامح فيه العلماء رحمهم الله تعالى فقالوا: يسقط بالنسيان.

    قال المؤلف رحمه الله: (وبخشية خروج وقت الحاضرة).

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يسقط بالجهل، فلو كان جاهلاً لا يدرى أن الترتيب واجب، فبدأ بالعصر قبل الظهر، فظاهر كلامه أنه لا يسقط بالجهل، ويجب عليه أن يرتب حتى مع الجهل، وهذا هو المذهب.

    الرأي الثاني في المذهب: أنه يسقط بالجهل؛ لأن الجهل أخو النسيان، فكما أننا تسامحنا بالنسيان، فكذلك أيضاً نتسامح بالجهل، بل العفو بالجهل أقوى من العفو بالنسيان، ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن العفو بالجهل يكون حتى في باب الأوامر؛ لأن الله سبحانه وتعالى، قال: وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا [الإسراء:15]، وقال سبحانه: رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ [النساء:165]، فدل ذلك على أن الحجة لا تقوم إلا بالعلم.

    الحال الثالثة التي يسقط فيها الترتيب: إذا خشي خروج وقت الاختيار في الحاضرة، مثال ذلك: رجلٌ عليه صلاة الظهر، ونسي أن يصلي الظهر، وتذكر قبل خروج وقت العصر، يعني: قبل اصفرار الشمس بمقدار عشر دقائق، فنقول: يبدأ بالعصر؛ لأن الوقت الآن تعين للعصر، وأصبح مضيقاً، ثم بعد ذلك يقضي الظهر، ولو قلنا له: ابدأ بالظهر لأصبح عندنا مقضيتان، وإن قلنا: ابدأ بالعصر كان عندنا مقضية واحدة فقط؛ ولأن الوقت لما تضيق تعين للحاضرة، فإذا خشي خروج وقت اختيار الحاضرة فإنه يبدأ بها.

    ذكر المؤلف رحمه الله ثلاث حالات يسقط بها الترتيب، وقد ورد عن الإمام أحمد رحمه الله حالتان يسقط بهما الترتيب:

    الحال الرابعة: إذا خشي فوات الجمعة، فإنه يبادر ويصلي الجمعة، ثم بعد ذلك يقضي الفائتة، فمثلاً: رجلٌ جاء لصلاة الجمعة ثم تذكر أنه لم يصل العشاء، أو أنه صلى العشاء على غير طهارة، فلو قام الآن يقضي العشاء لترتب على ذلك فوات الجمعة، فنقول: يصلي الجمعة ثم بعد ذلك يقضى هذه الفائتة.

    الحال الخامسة: إذا خشي فوات الجماعة فإن الترتيب يسقط، مثلاً: جاء لصلاة المغرب وهو لم يصل العصر نسياناً، فلو شرع في صلاة العصر فاتته جماعة المغرب، فيصلي المغرب، ثم بعد ذلك يقضى العصر.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه يصلي الفوائت جميعاً ما لم يلحقه مشقة، فإذا كان عليه مثلاً عشر صلوات، أو عليه عشرون صلاة فإنه يبدأ ينوي اليوم الأول، مبتدئاً بالفجر، ثم الظهر، ثم العصر، ثم المغرب، ثم العشاء، ثم ينوى اليوم الثاني، وهكذا، إلى أن تلحقه مشقة، ثم يستريح، ثم بعد ذلك يعاود مرة أخرى، وهذا خلاف ما يفهمه بعض العامة من أن القضاء أنك تؤدي كل صلاة مع وقتها، فالفجر تؤديه مع الفجر، والظهر مع الظهر، والعصر مع العصر، والمغرب مع المغرب.. إلخ، هذا ليس له أصل لا في كتاب الله، ولا في سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكره أكثر أهل العلم، فالصواب أن الفوائت تُقضى جميعاً؛ لأن هذا من باب المبادرة بها، ولا تُجعل كل فائتة مع الصلاة الأخرى.

    1.   

    ستر العورة

    قال المؤلف رحمه الله: (ومنها: ستر العورة).

    يعني من شروط صحة الصلاة ستر العورة، والستر: هو التغطية، والعورة في اللغة: النقصان، والشيء المستقبح.

    وأما في الاصطلاح: فهي كل ما يسوء الشخص إخراجه، وفسرها بعض العلماء بأنها الفرجان وما يستحيا منه.

    حكم ستر العورة

    يجب ستر العورة، والأدلة على ستر العورة كثيرة، منها القرآن كقول الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31]، وأيضاً من السنة حديث أسماء، وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( لا يقبل الله صلاة حائضٍ إلا بخمار )، رواه الإمام أحمد ، والترمذي ، وأبو داود ، وابن ماجه ، وغيرهم.

    وقد أُعِل بالوقف؛ لكن الأدلة على هذا كثيرة، من ذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن كان ضيقاً فاستتر به، وإن كان واسعاً فالتحف به )، والإجماع قائم على هذا.

    شروط سترة العورة

    قال المؤلف رحمه الله: (فيجب بما لا يصف بشرتها).

    ذكر المؤلف رحمه الله أنه يشترط في الثوب الساتر على العورة شروط:

    الشرط لأول: ألا يصف البشرة، فإن كان يصف البشرة فيتبين لون الجلد بحيث إنك إذا رأيت الجلد تعرف أنه أبيض، أو أحمر .. إلخ، فنقول: هذا لا يصح؛ لأن هذا لا يعتبر ساتراً، فوجوده كعدمه، ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صنفان من أهل النار لم أرهما بعد -وذكر منهما- نساء كاسيات عاريات )، وقد ذكر العلماء أن الكاسية العارية، هي التي تلبس ثوباً تكتسي به لكنه عار في نفس الوقت؛ لكونه خفيفاً.

    الشرط الثاني: ألا يكون مضراً، فإن كان مضراً فإنه لا يجب، فلو كان هذا الثوب إذا لبسه الإنسان لكي يستر عورته في أثناء الصلاة لحقه ضرر في بدنه فإنه يسقط الاستتار به.

    الشرط الثالث: أن يكون مباحاً، وعلى هذا إذا كان محرماً كثوبٍ مغصوب، أو ثوب حرير بالنسبة للرجل، أو ثوب مسروق ونحو ذلك، فهذا لا يجوز الاستتار به، وسيأتينا أن الصلاة صحيحة لو استتر به.

    والشرط الأخير: أن يكون طاهراً، وعلى هذا إذا كان نجساً فإنه لا تصح الصلاة به، كما سيأتي إن شاء الله.

    أقسام العورة

    قال المؤلف رحمه الله: (وعورة رجل وأمة وأم ولد ومعتق بعضها من السرة إلى الركبة).

    المؤلف وبعض العلماء يقسمون العورة إلى ثلاثة أقسام:

    عورة مغلظة، وعورة مخففة، وعورة متوسطة، وسنذكر إن شاء الله تقسيماً خلاف هذا التقسيم على حسب ما دل عليه الدليل، والمراد بالعورة هنا: العورة في باب الصلاة، أما العورة في باب النظر فهذه يبحثونها في كتاب النكاح، عند الكلام على النظر إلى المخطوبة، يسترسلون ويبحثون ما يتعلق بالعورات والنظر إلى العورات، يعني: عورة المحرم، وعورة الزوجة، وعورة المرأة مع المرأة، وعورة المسلمة مع الكافرة، وعورة الحرة، وعورة الرقيقة، أما هنا فإنهم يبحثون العورة في باب الصلاة، فنقول: العورة في باب الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: عورة متوسطة:

    وهذه بدأ بها المؤلف رحمه الله تعالى، والعورة المتوسطة: هي ما بين السرة والركبة، ويدخل تحتها أنواع.

    قال المؤلف رحمه الله: (رجل).

    المقصود به هنا البالغ، وعورته من السرة إلى الركبة، والسرة والركبة ليستا داخلتين في العورة، وكذلك أيضاً الذكر الذي بلغ عشر سنين، فهذا عورته من السرة إلى الركبة، هذان نوعان.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأمة).

    هذا هو النوع الثالث: فالأمة عورتها في الصلاة ما بين السرة والركبة، وعلى هذا لو صلت وقد كشفت صدرها، أو كشفت ساقيها، فإن صلاتها صحيحة.

    قال المؤلف رحمه الله: (وأم ولد).

    هذا هو النوع الرابع: فأم الولد وهي التي أنجبت من سيدها ما تبين فيه خلق إنسان، فلو وضعت قطعة لحم تبين فيها خلق إنسان، تبين فيها تخطيط يد، وتخطيط رجل ونحو ذلك، فهي أم ولد، وحكم أم الولد أنها تعتق بموت سيدها، وعورتها ما بين السرة والركبة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ومعتق بعضها).

    هذا هو النوع الخامس: فالأمة التي بعضها حر وبعضها رقيق، عورتها ما بين السرة والركبة.

    وأيضاً المكاتبة، وهذا هو النوع السادس: فالأمة التي كاتبها سيدها، يعني الأمة التي اشترت نفسها من سيدها بمالٍ منجم، أيضاً عورتها ما بين السرة والركبة.

    السابعة: المدبرة، وهي الأمة التي علق سيدها عتقها بموته، قال: إذا أنا مت فأنتِ حرة، فهذه عورتها ما بين السرة والركبة، وكذلك أيضًا الحرة المميزة، وهي التي لها سبع سنوات، أو ثماني سنوات إلى البلوغ، فهذه عورتها ما بين السرة والركبة، فالعورة المتوسطة يدخل فيها عورة البالغ الذكر، وعورة الذكر الذي بلغ عشر سنوات، وعورة الأمة أم الولد، والمعتق بعضها، والمدبرة، والمكاتبة، والحرة المميزة إلى البلوغ، الكل عورته ما بين السرة والركبة كما قال المؤلف رحمه الله.

    قال المؤلف رحمه الله: (وكل الحرة عورةٌ إلا وجهها).

    هذا هو القسم الثاني: وهي العورة المغلظة في باب الصلاة، فالحرة البالغة كلها عورة إلا وجهها.

    والقسم الثالث: مَن عورته مخففة، وهي عورة الذكر من التمييز إلى عشر سنوات؛ لأنه بعد العاشرة عورته متوسطة وهي ما بين السرة والركبة، والعورة المخففة هي الفرجان، فيستر فقط القُبل والدُبر.

    هكذا قسم المؤلف رحمه الله، والصواب أن نقول بأن العورة في الصلاة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: عورة الأنثى البالغة سواءٌ كانت حرةً أو أمة، إذ لا فرق بين الحرة والأمة؛ لأنه كما تقدم لنا: الأحكام البدنية المحضة الأصل فيها تساوي الأحرار والأرقاء إلا بدليل، فعورة الأنثى البالغة سواءٌ كانت أمةً أو حرةً، هذه كلها عورة إلا وجهها، وشيخ الإسلام يستثني أيضًا اليدين والقدمين، فالوجه على المذهب، وأيضًا يستثني اليدين والقدمين.

    القسم الثاني: عورة الأنثى التي لم تبلغ سواءٌ كانت حرة أو كانت أمة، وهذه كلها عورة إلا الوجه والرأس، واليدين، والقدمين، نضيف على القسم السابق الرأس، فلها أن تكشف رأسها مادام أنها لم تبلغ، لحديث عائشة السابق، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( لا يقبل الله صلاة حائض، -يعني بالغ- إلا بخمار )، فدل على أن غير البالغ لها أن تصلي بغير خمار، فالتي لها عشر سنوات، أو لها إحدى عشرة سنة ولم تبلغ، فهذه تصلي في ثوبها ولها أن تكشف وجهها، ورأسها، ويديها، وقدميها.

    القسم الثالث: عورة الذكر من التمييز إلى ما بعد البلوغ، وهذا عورته ما بين السرة والركبة، بهذا جاء الدليل، والإجماع قائم على أن الفرجين عورة، والفخذ عورة، كما في حديث ابن عباس ، وجرهد ، ومحمد بن مسلمة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( الفخذ عورة )، وفي حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: ( فإن ما تحت السرة إلى تحت الركبة من العورة )، أما السرة والركبة فليستا من العورة؛ لأن حمزة نظر إلى ركبة النبي صلى الله عليه وسلم، ونظر أيضاً إلى سرته.

    الصلاة في ثوبين

    قال المؤلف رحمه الله: (وتستحب صلاته في ثوبين).

    يستحب للإنسان أن يصلي في ثوبين، كالقميص والرداء، أو الإزار، ووضع الناس اليوم أنهم يصلون في ثوبين، فيصلي في الثوب، ويصلي بالسراويل، المهم أن الإنسان يأخذ زينته عند كل مسجد كما أمر الله عز وجل: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31].

    فالمسلم مطلوبٌ منه أن يأخذ زينته عند كل مسجد، وهل يغطي رأسه، أو لا يغطي رأسه؟ هذا يختلف باختلاف الأعراف، فقول المؤلف رحمه الله: يستحب صلاته في ثوبين، المقصود بذلك: هو أن يأخذ زينته عند كل مسجد، وهذا يختلف باختلاف الزمان والمكان، ويدل لذلك أن الله سبحانه وتعالى قال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31].

    وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الله سبحانه وتعالى أمر بأمرٍ زائدٍ على ستر العورة، وهو أخذ الزينة، فتغطية الرأس كما ورد عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما يختلف، ففي بعض البلاد يكون من الزينة، وفي بعض البلاد لا يكون من الزينة.

    ستر العاتق في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (ويكفي ستر عورته في النفل ومع أحد عاتقيه في الفرض).

    الرجل إذا صلى نفلاً فيكفي أن يستر عورته ما بين السرة والركبة، لكن في الفرض يجب عليه أن يستر أحد عاتقيه، ولو بما يصف البشرة، وهذا من مفردات المذهب.

    الرأي الثاني: رأي جمهور العلماء رحمهم الله، أنه لا يجب عليه أن يستر أحد عاتقيه، والحنابلة يستدلون على هذا بما ثبت في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا يصل الرجل في الثوب الواحد ليس على عاتقة منه شيء )، والجمهور يستدلون على ذلك بحديث جابر : ( إذا كان ضيقاً فاتزر به، وإن كان واسعاً فالتحف به )، فقوله: (إذا كان ضيقاً فاتزر به)، يدل على أنه لا يستر العاتق.

    والصواب: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله أنه لا يجب عليه أن يستر أحد عاتقيه.

    لباس المرأة في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (وصلاتها في درعٍ، وخمارٍ، وملحفة).

    يستحب أن تصلي المرأة في درع، أي: قميص مثل ثيابنا هذه، وخمار: وهو ما تغطي به رأسها، وتديره تحت حلقها، وملحفة: يعنى الثوب الواسع الذي تتجلل به، يكون هناك ثوب واسع تتجلل به، لورود هذا عن الصحابة ابن عمر وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم، هذا هو السنة، ولو أن المرأة صلت في ثوبها -على كلام المؤلف- وسترت رأسها، وسترت قدميها بالجوارب، وعليها جوارب في اليدين كفى ذلك، لكن يقول المؤلف: المستحب أن يكون هناك ملحفة، يعنى ثوب واسع تتجلل به؛ لأن هذا يستر تقاطيع اللحم، ولأن هذا وارد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويجزئ ستر عورتها).

    تقدم بيان عورة الأنثى، وأن البالغة كلها عورة إلا وجهها، وشيخ الإسلام يضيف اليدين والقدمين، المهم إذا سترت عورتها بأي طريق كفى ذلك، لكن يقول: الأفضل أن يكون هناك ملحفة تتجلل بها.

    انكشاف العورة في الصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن انكشف بعض عورته وفحُش).

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: من انكشف بعض عورته وفحُش، فنقول بأن هذا ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: أن يكون ذلك عمداً،كما لو رفع ثوبه متعمداً حتى انكشف شيءٌ من عورته، فصلاته تبطل عليه، كثر المنكشف أو قل، طال الزمن أو قصُر.

    القسم الثاني: أن يكون عن غير عمد لكن يكون المنكشف فاحشاً، والزمن طويلاً، كأن يكون مثلاً كثيرًا، فهذا على كلام المؤلف رحمه الله يعيد الصلاة؛ لأنه إذا فحش المنكشف وطال الزمن، فيظهر أنه مفرط.

    القسم الثالث: أن يكون عن غير عمد، والزمن قصير، والمنكشف فاحش، كما لو كان كثيرًا، فهذا الصواب أنه لا تجب عليه الإعادة.

    القسم الرابع: أن يكون عن غير عمد، والزمن طويل، والمنكشف غير فاحش، فهذا أيضاً يظهر -والله أعلم- أنه لا يجب عليه الإعادة، فلا يجب عليه أن يعيد إلا في الحالتين الأوليين.

    والحالة الثانية: أن يكون المنكشف فاحشاً، ويطول الزمن؛ لأنه إذا فحُش المنكشف، وطال الزمن يظهر أنه مفرط، أما إن كان عن غير عمد وقصر الزمن، أو عن غير عمد وقل المنكشف ولم يفحش، فيظهر في هاتين الحالتين أنه لا تجب عليه الإعادة.

    الصلاة في الثوب المحرم والنجس

    قال المؤلف رحمه الله: (أو صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه).

    يعني إذا صلى في ثوبٍ محرمٍ عليه عالمًاً، عامداً، ذاكراً، كما لو صلى في ثوبٍ مغصوب، أو في ثوبٍ مسروق، أو في ثوب حرير، ونحو ذلك، فيقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يعيد؛ لأن القاعدة على المذهب أن النهي إذا عاد إلى شرط العبادة، اقتضى الفساد، وهذه القاعدة سبق أن تكلمنا عليها، والصحيح أنه لا يقتضي الفساد إلا إذا عاد إلى شرط العبادة على وجهٍ يختص.

    وعلى هذا نقول: إذا صلى في ثوبٍ مغصوب، أو ثوبٍ مسروق، أو ثوب حرير، ونحو ذلك، فالنهي عن الغصب في الصلاة وفي غيرها، والنهى عن ثوب الحرير في الصلاة وفي غيرها للذكر، والنهي عن السرقة في الصلاة وفي غيرها، النهي في كل ذلك غير مختص، فالصواب أن الصلاة صحيحة؛ لكنه يأثم.

    قال المؤلف رحمه الله: (أو نجس أعاد).

    هذا صحيح فالنهي هنا يعود إلى شرط العبادة على وجه يختص، فإذا صلى في ثوبٍ نجس، وهو عالم، ذاكر، فنقول بأن النهي هنا يقتضي الفساد، لكن إذا كان جاهلاً، أو ناسياً، فإنه لا شيء عليه؛ لأن هذا من باب التروك والنواهي.

    قال المؤلف رحمه الله: (لا من حُبس في محلٍ نجس).

    إذا حُبس الإنسان في محلٍ نجس، فيقول لك المؤلف رحمه الله تعالى: لا يعيد لكونه معذوراً في هذه الحال؛ لأنه لا يتمكن من الخروج فلا شيء عليه، وإذا حُبس مثلاً في غرفة قد رُشت كلها بماءٍ نجس، فكيف يصلي؟

    نقول بأنه لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن تكون النجاسة يابسة، فهذا لا إشكال في أنه يقف ويركع، لكن هل يسجد على هذه النجاسة اليابسة، أو لا يسجد؟ المذهب يرون أنه يسجد على النجاسة اليابسة.

    الرأي الثاني: رواية عن الإمام أحمد رحمه الله: أنه لا يسجد، بل يجلس ويومئ بالسجود، وهذا القول هو الصواب، وأنه لا يلزمه أن يسجد بل يومئ بالسجود.

    القسم الثاني: أن تكون النجاسة رطبة، فهنا يقوم ويركع، وأما السجود فإنه يجلس على قدميه ويومئ بالسجود.

    عدم وجدان ما يكفي لستر العورة

    قال المؤلف رحمه الله: (ومن وجد كفاية عورته سترها، وإلا فالفرجين، فإن لم يكفهما فالدُبر).

    إذا وجد شيئًا من السترة، فإذا كان يستر ما بين السرة والركبة فليستر ما بين السرة والركبة، فإذا كانت السترة لا تستر ما بين السرة والركبة، فليستر الفرجين، فإذا كان لا يكفي الفرجين جميعاً، فأيهما يقدم، هل يقدم القُبل أو يُقدم الدُبر؟ هو بالخيار، إن شاء قدم الدبر، وإن شاء قدم القُبل، لكن يقولون: الدُبر أولى؛ لأنه ينفرج في الركوع والسجود.

    فعلى هذا نقول الحالة الأولى: يستر عورته، فإذا لم يتمكن إلا من ستر أحد الفرجين، فهو بالخيار، لكن الأولى أن يستر الدبر؛ لأن الدبر ينفرج عند الركوع والسجود.

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن أُعير سترةً لزمه قبولها).

    إذا أُعير سترة يجب عليه أن يقبلها؛ لأنه قادرٌ على ستر عورته بما لا ضرر فيه، ولأنه لا تلحقه بذلك منة، ولا يلحقه ضرر، بخلاف الهبة، فلو وهب سترة يقولون: لا يجب عليه قبولها للمنة، لكن إذا أُعير سترة فيجب.