إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [16]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • انعقد الإجماع على أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة، وأما وطؤها في الفرج فمحرم، ويستمتع بها فيما سوى ذلك، ولا يباح إذا انقطع دمها ولم تغتسل غير الصيام والطلاق، والصواب في المبتدأة ما عليه أكثر أهل العلم من أنها كغيرها خلافاً للمذهب الحنبلي.

    1.   

    قضاء الحائض للصوم والصلاة

    قال المؤلف رحمه الله: [وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة ولا يصحان منها بل يحرمان ويحرم وطؤها في الفرج فإن فعل فعليه دينار أو نصفه كفارة... وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح].

    تقدم لنا شيء من أحكام الحيض، فذكرنا من ذلك هل الحيض مقيد بالسنين، أو أنه ليس مقيداً؟ هل هو محدد بالأيام أو أنه ليس محدداً؟ وذكرنا أن الأظهر من أقوال أهل العلم أنه لا يتقيد بالسنين، فمتى رأت المرأة الدم المعروف عند النساء ولو بعد خمسين سنة، أو رأت الجارية الدم ولو قبل تسع سنوات فهو حيض شرعاً؛ تترتب عليه أحكام الحيض، وكذلك أيضاً بالنسبة لأقله وأكثره، بالنسبة للأيام، وأن الصواب: أنه لا يحد، وكذلك الحامل هل تحيض أو لا تحيض؟ ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة.

    وذكرنا ما يتعلق بالطهر بين الحيضتين هل هو محدد بأيام أو ليس محدداً؟ وأن المؤلف رحمه الله تعالى يرى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً، بمعنى: أن المرأة لو رأت الدم بعد طهرها بعشرة أيام فإن هذا الدم لا يكون حيضاً؛ لأنه لا بد أن يكون بين الحيضتين ثلاثة عشر يوماً.

    وتكلم المؤلف رحمه الله عن أكثر الطهر بين الحيضتين وقال بأن هذا لا حد له، وهذا هو الصواب؛ لأن من النساء من لا تحيض مطلقاً، وأما ما يتعلق بغالب الحيض فقد ذكر المؤلف رحمه الله أن غالبه ستة أيام أو سبعة، وهذا صواب؛ لأن غالب النساء تحيض ستة أيام، ومنهن من تحيض سبعة أيام، وقد تزيد إلى ثمانية أيام أو تسعة وقد تنقص إلى خمسة.

    قضاء الحائض للصوم

    قال المؤلف رحمه الله: (وتقضي الحائض الصوم لا الصلاة).

    وهذا بالإجماع، فالإجماع قائم على أن الحائض تقضي الصوم، فإذا حاضت في رمضان فإنها تفطر ولا يصح منها صومها أثناء دم الحيض، ويجب عليها أن تقضيه، أما كونها تفطر فلقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم )، فيجب عليها أن تفطر.

    وأما كونها تقضي فلحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كنا نؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة )، والإجماع قائم على ذلك.

    فإذا حاضت فإن صيامها غير صحيح، ولا يصح منها بالإجماع، ويجب عليها أن تفطر، وذكرنا دليل ذلك، ويجب عليها أن تقضي بالإجماع، وذكرنا دليل ذلك، هذا بالنسبة للصيام.

    قضاء الحائض للصلاة

    أما بالنسبة للصلاة فالأصل أنها لا تقضي الصلاة، لكن تقضي في حالتين:

    الحالة الأولى: إذا طهرت قبل خروج الوقت بمقدار ركعة، ومن العلماء من يحده بمقدار تكبيرة كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، فإذا بقي على خروج الوقت مقدار ركعة -بقي مثلاً ثلاث دقائق فأكثر- ثم بعد ذلك طهرت فنقول: يجب عليها أن تقضي هذه الصلاة؛ لأنها أدركت وقتها، وفي حديث أبي هريرة في الصحيحين يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، ويقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من أدرك ركعةً من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر ).

    الموضع الثاني: إذا دخل عليها الوقت وهي طاهر ثم حاضت؛ فهذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله: هل يجب عليها أن تقضي الصلاة أو لا يجب؟ فقال بعض العلماء: إذا كانت طاهراً بمقدار ركعة ثم حاضت، ولنفرض أن وقت الظهر يدخل في الساعة الثانية عشرة فبعد أن مضى قدر ركعة حاضت، يعني بعد أن مضى دقيقتان أو ثلاث دقائق حاضت هذه المرأة، فيجب عليها أن تقضي هذه الصلاة؛ لأنها أدركت وقتها، والنبي صلى الله عليه وسلم كما سلف في حديث أبي هريرة يقول: ( من أدرك ركعةً من الصلاة فقد أدرك الصلاة )، والمشهور من المذهب: أنها إذا حاضت بعد مضي قدر تكبيرة، يعني: بعد مضي لحضات من دخول الوقت، ثم جاءها دم الحيض فيجب عليها أن تقضي هذه الصلاة.

    الرأي الثاني: أنه لا يجب عليها أن تقضي؛ لأن النساء في عهد النبي صلى الله عليه وسلم كن يحضن في الوقت ومع ذلك لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهن بقضاء الصلاة، وهذا اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، والأحوط في هذه المسألة: أنها إن أدركت ركعة من الصلاة فإنها تقضي هذه الصلاة.

    1.   

    حكم صلاة الحائض وصيامها

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يصحان منها).

    يعني: الصوم والصلاة.

    قال المؤلف رحمه الله: (بل يحرمان).

    يعني: يحرم عليها أن تصلي وهي حائض، ويحرم عليها أن تصوم وهي حائض؛ لوجود المنافي ووجود المانع، ولهذا في حديث عبد الله بن زيد : ( في الرجل يحدث في الصلاة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً )، فدل ذلك على أنه إذا سمع الصوت أو وجد الريح فإنه ينصرف من صلاته، ولا يستمر فيها.

    ومثل ذلك أيضاً: بقية العبادات التي لا تصح من الحائض فإنها تحرم عليه، فمثلاً الطواف لا يصح من الحائض، فيحرم عليها أن تطوف وهي حائض، ومثله أيضاً مس المصحف يحرم على الحائض، فيحرم عليها أن تمس المصحف وهي حائض.

    1.   

    وطء الحائض

    قال المؤلف رحمه الله: (ويحرم وطؤها في الفرج).

    هذه الجملة وما بعدها فيما يتعلق بالاستمتاع من الحائض: ما يباح للرجل من زوجته أو من أمته الحائض، وما يباح منها ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: الوطء في الفرج: وهذا محرم ولا يجوز؛ لقول الله عز وجل: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ [البقرة:222] .

    وحديث أنس في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ).

    واستثنى العلماء رحمهم الله من ذلك من به شبق، والشبق: هو شدة الشهوة، يقولون: من به شبق يجوز له أن يطأ زوجته الحائض بشروط:

    الشرط الأول: ألا تندفع شهوته إلا بالوطء، فلا بد له من الوطء، ولا تندفع شهوته إلا بالوطء في الفرج.

    الشرط الثاني: ألا يجد مباحةً، يعني: ألا يجد امرأةً مباحة غير الحائض، فليس عنده أمة ليست حائضاً، وليس عنده زوجة ليست حائضاً.

    الشرط الثالث: أن يخشى من تشقق أنثياه إن لم يطأ.

    الشرط الرابع: ألا يقدر على مهر حرة، ولا ثمن أمة.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن فعل).

    يعني: وطئ الزوجة أو الأمة في الفرج.

    قال المؤلف رحمه الله: (فعليه دينار أو نصفه كفارة).

    يعني: يجب عليه أن يخرج ديناراً أو نصف دينار كفارة، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الذي يطأ زوجته الحائض قال: (يتصدق بدينار أو نصفه)، رواه الإمام أحمد والترمذي وأبو داود ، لكنه لا يصح مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والصواب أنه موقوف على ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فإذا كان عالماً ذاكراً مختاراً ووطئ فعليه دينار أو نصف دينار كفارة.

    وهل هذا على سبيل التخيير أو أنه ليس على سبيل التخيير؟

    للعلماء في ذلك آراء: فذهب بعض العلماء إلى أنه على سبيل التخيير، وقال بعض العلماء: إذا وطئ في إقبال الحيض فعليه دينار، وإن وطئ في إدباره فعليه نصف دينار، وقال بعض العلماء: إذا وطئ في الدم فعليه دينار، وإن وطئ في الكدرة أو الصفرة فعليه نصف دينار، لكن الصواب في هذه المسألة: أنه على سبيل التخيير فنقول له: أنت مخير بين أن تخرج ديناراً أو نصف دينار، والدينار وزنه مثقال، والمثقال أربعة غرامات وربع من الذهب، والآن الغرام الذهب إذا قلنا بأنه بمائة فيجب على من جامع زوجته أن يخرج أربعمائة وخمسةً وعشرين أو نصف ذلك، ويعطيه للفقراء والمساكين.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويستمتع منها بما دونه).

    القسم الثاني: الاستمتاع من الزوجة والأمة الحائض بما فوق السرة وتحت الركبة، وهذا جائز بالإجماع، ويدل لذلك حديث أنس رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح ).

    القسم الثالث: الاستمتاع فيما بين السرة والركبة، وحديث أنس أيضاً يدل على أنه جائز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( اصنعوا كل شيء إلا النكاح )، فحتى لو استمتع بما بين السرة والركبة فإن هذا جائز، لكن السنة أن يستر مكان الحيض؛ لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يأمرني فأتزر، فيباشرني وأنا حائض ).

    1.   

    ما يباح لمن طهرت من الحيض قبل الغسل

    قال المؤلف رحمه الله: (وإذا انقطع الدم ولم تغتسل لم يبح غير الصيام والطلاق).

    يعني: المرأة إذا انقطع عنها دم الحيض، أو طهرت من دم النفاس، ولم تغتسل؛ فلا يباح من الأشياء التي تحرم عليها إلا شيئان:

    الشيء الأول: الصيام.

    والشيء الثاني: الطلاق.

    فلا يجوز لزوجها أن يجامعها، ولا تصلي ولا تعتكف ولا تمس المصحف، ولا يباح إلا الشيئان المذكوران.

    الشيء الأول: الصيام، فتصوم حتى وإن لم تغتسل إلا بعد طلوع الفجر، فإذا طهرت من الحيض قبل طلوع الفجر فيصح أن تصوم؛ تنوي الصيام ثم بعد ذلك تغتسل.

    الشيء الثاني: الطلاق، فيجوز لزوجها أن يطلقها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم من حديث ابن عمر : ( فليطلقها طاهراً أو حاملاً )، وهي الآن طاهر، فيجوز لزوجها أن يطلقها في هذه الحالة.

    1.   

    المبتدأة وحكمها

    قال رحمه الله: (والمبتدأة).

    شرع المؤلف رحمه الله تعالى في بيان أحكام المبتدأة، والمبتدأة: هي الصغيرة التي جاءها دم الحيض أول مرة، والمشهور من المذهب أن المبتدأة لها حكم خاص، وهذا الحكم خالف به الحنابلة بقية المذاهب، فما هو الحكم بالنسبة للمبتدأة؟

    قال المؤلف رحمه الله: (تجلس أقله، ثم تغتسل وتصلي).

    لنفرض أن عندنا جارية لها تسع سنوات أو لها عشر سنوات ثم جاءها دم الحيض، فالمذهب أنها تجلس أقل الحيض وهو يوم وليلة، وتأخذ أحكام الحائضات في هذا اليوم والليلة؛ فلا تصلي ولا تصوم، ولا يقربها زوجها إن كانت متزوجة، ولا تطوف، ثم تغتسل وتصوم وتصلي؛ احتياطاً للعبادة؛ لأنهم لا يرون أن العادة تثبت إلا بالتكرار، والحيض إنما سمي عادة لأنه يعاود المرأة، فلا يثبت إلا بالتكرار، فلا بد أن يعاودها ثلاثة أشهر حتى نعرف أنه حيض.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن انقطع لأكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه).

    المبتدأة إذا جاءها الدم قلنا لها: اجلسي يوماً وليلة وخذي أحكام الحائضات، ثم تغتسل وتصوم وتصلي ولو معها دم الحيض، احتياطاً للعبادة؛ لأن هذا الدم مشكوك فيه ما نحكم بأنه دم حيض؛ لأنهم يقولون: لا نحكم بأنه دم حيض حتى يعاود ثلاثة أشهر؛ لأن العادة مأخوذة من المعاودة، وبعد أن مضى ستة أيام انقطع الدم فنقول لها: اغتسلي مرة ثانية؛ واقضي ما وجب فيه، وأكثر دم الحيض خمسة عشر يوماً لا يتجاوزها، فإذا تجاوز خمسة عشر يوماً فإنها تأخذ أحكام الاستحاضة.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن تكرر ثلاثاً فحيض، وتقضي ما وجب فيه).

    يعني: من الصيام، وكذلك أيضاً الاعتكاف الواجب، والطواف الواجب؛ لأنه تبين لنا أنه حيض، فتفعل هذا في الشهر الأول، في أول مرة يأتيها الدم نقول: تجلس يوماً وليلة تأخذ أحكام الحائضات، ثم تغتسل، وبعد الاغتسال تصوم وتصلي فقط، ولا يطؤها زوجها، فإذا انقطع الدم لخمسة عشر يوماً فأقل فنقول لها: اغتسلي.

    وتفعل ذلك في الشهر الثاني، وأيضاً تفعله في الشهر الثالث، فإذا تكرر عليها ثلاث مرات عرفنا أنه دم حيض، فما بين الاغتسال الأول والاغتسال الثاني تبين أنه دم حيض؛ فترجع وتقضي العبادات التي فعلتها بين الاغتسالين، والتي لا يصح فعلها أثناء الحيض، لكن لا تقضي الصلاة؛ لأن الحائض لا تقضي الصلاة، وقد تبين أنها كانت حائضاً.

    وأما الصيام فيقضى، فإذا صامت ما بين الاغتسال الأول والاغتسال الثاني فنقول: قد تبين أن هذا الدم الذي صمت فيه دم حيض فلا يصح صيامك، ويجب عليك أن تقضيه، وكذلك لو طافت ما بين الاغتسالين، فإذا كان الطواف واجباً فإنه يجب عليها أن تقضيه.

    وكذلك أيضاً لو اعتكفت اعتكافاً واجباً كاعتكاف النذر بين الاغتسالين فقد تبين أن الاعتكاف هذا غير صحيح؛ لأن الاعتكاف لا يصح من الحائض؛ لأن الحائض ممنوعة من المكث في المسجد، هذا تقرير المذهب.

    والصواب في هذه المسألة ما عليه أكثر أهل العلم: أن المبتدأة كغيرها إذا رأت الدم، فإن كان الدم الذي يصيب النساء فنقول بأنه حيض، فإذا رأت الدم فتأخذ أحكام الحائضات، وإذا طهرت من دمها فتأخذ أحكام الطاهرات، وأما ضرب مدة لأقل الحيض حتى تأخذ أحكام الحائضات ثم تغتسل، ثم بقية المدة لا تأخذ أحكام الحائضات، فهذا كله فيه نظر، كيف نوجب عليها العبادة مرتين؟! والصواب في ذلك: أن المبتدأة الجارية أول ما يصيبها الدم نقول: إذا رأت الدم المعروف عند النساء فإنها تأخذ أحكام الحائضات، وتجلس وينقطع حتى تطهر منه، فإذا طهرت منه فإنها تأخذ أحكام الطاهرات وتغتسل، هذا الصواب في هذه المسألة؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى [البقرة:222]، فعلق الله عز وجل الحكم بوجود الأذى، والحكم يدور مع علته وجوداً وعدماً.

    1.   

    أحوال المستحاضة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن عبر أكثره فمستحاضة).

    لما تكلم المؤلف رحمه الله عن أحكام المبتدأة شرع الآن في بيان أحكام المستحاضة، ودم المستحاضة دم حدث يخالف الدم الطبيعي، وقول المؤلف رحمه الله: (وإن عبر) يعني: تجاوز أكثره، وأكثر دم الحيض خمسة عشر يوماً كما سلف لنا، فهذه المرأة تجاوز عندها دم الحيض خمسة عشر يوماً فنقول بأن هذا استحاضة، وعلى هذا نعرف أن الاستحاضة أو المستحاضة هي التي تجاوز دمها خمسة عشر يوماً، وهذا ما عليه أكثر أهل العلم وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وكذلك أيضاً مذهب المالكية والشافعية.

    والرأي الثاني: أن المستحاضة هي التي ترى دماً لا يصلح أن يكون حيضاً، ولا يصلح أن يكون نفاساً، وهذا القول هو الأقرب في هذه المسألة.

    ودم الحيض يخالف دم الاستحاضة من عدة أوجه:

    الوجه الأول: باللون؛ فدم الحيض يميل إلى الاسوداد، وأما دم الاستحاضة فإنه أحمر يميل إلى الصفرة، وأيضاً دم الحيض ثخين، وأما دم الاستحاضة فرقيق، وأيضاً دم الحيض منتن، وأما دم الاستحاضة فإنه لا رائحة له، وكذلك أيضاً دم الحيض لا يتجمد، وأما دم الاستحاضة فإنه يتجمد.

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن كان بعض دمها أحمر وبعضه أسود ولم يعبر أكثره، ولم ينقص عن أقله فهو حيضها، تجلسه في الشهر الثاني، والأحمر استحاضة).

    أراد المؤلف رحمه الله أن يبين أحوال المستحاضة، وكيف تتعبد، ومتى نحكم بأن هذا حيض، وبأن هذا الدم الذي معها ليس حيضاً؟ فنقول: بأن المستحاضة تنقسم إلى أقسام:

    المستحاضة المميزة تمييزاً صالحاً وليس لها عادة

    القسم الأول وبينه هنا: المستحاضة التي لها تمييز صالح وليس لها عادة، يعني أول مرة أطبق عليها الدم، ليس لها عادة فهي مبتدأة، ولها تمييز: ترى صفة دم الحيض في بعض الوقت، واشترط المؤلف أن تكون هذه الصفة لا تجاوز أكثر الحيض ولا تنقص عن أقله، هذا هو التمييز الصالح، تقول: أنا أرى الدم متميزاً أسود، من واحد إلى خمسة فهذا تمييز صالح، لكن لو قالت: أنا أرى الدم متميزاً لمدة عشرين يوماً فهذا ليس صالحاً.

    فإذا كانت المرأة لها تمييز صالح وليس لها عادة فإننا نقول لها: ارجعي إلى التمييز الصالح واجلسي، اعتبريه أنه هو الحيض والباقي استحاضة، اجعليه هو الحيض، وتأخذين أحكام الحيض؛ فلا تصلين، ولا تصومين، ولا تطوفين، ولا تمسين القرآن، ولا يقربك زوجك، وبعد التمييز هذا تغتسل وتأخذ أحكام المستحاضات؛ فتصوم، وتصلي، ويطؤها زوجها كما سيأتينا إن شاء الله.

    المستحاضة التي ليس لها تمييز ولا عادة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن لم يكن دمها متميزاً جلست غالب الحيض من كل شهر).

    هذا القسم الثاني من أقسام المستحاضة: امرأة ليس لها تمييز، وليس لها عادة، يعني أول مرة يأتيها الدم، هذه الجارية أطبق عليها الدم واستمر معها عشرين يوماً أو خمسة وعشرين يوماً، فهذه التي أطبق عليها الدم، وليس لها عادة فهي مبتدأة أول مرة ترى الدم، قيل لها: هل لك تمييز؟ هل الدم متميز؟ قالت: لا، أنا لا أرى دماً متميزاً، الدم على وتيرة واحدة أحمر، الدم على وتيرة واحدة رقيق، الدم على وتيرة واحدة لا رائحة له، أو قالت: لي تمييز لكن التمييز هذا لمدة عشرين يوماً، فأنا أرى الدم متميزاً من واحد إلى عشرين أسود، أو أرى الدم متميزاً لمدة عشرين ساعة، فإذا كان ليس لها تمييز، أو لها تمييز غير صالح بحيث أن هذا المتميز تجاوز أكثر الحيض أو نقص عن أقله فهنا تقعد غالب الحيض من كل شهر؛ وهو ستة أيام أو سبعة، نقول لها: اجلسي ستة أيام أو سبعة أيام من أول ما جاءك الدم، ترجع إلى من يشابهها من نسائها في الخلقة، فإذا قالت: والله أني ما أدري متى جاء الدم! فنقول: اجلسي من أول الشهر ستة أيام أو سبعة، فإذا كانت تعرف متى جاءها الدم فنقول: اجلسي من حينه ستة أيام أو سبعة، فإذا قالت: والله نسيته فنقول: اجلسي من أول الشهر، ثم بعد هذه الستة تغتسل ثم تأخذ أحكام المستحاضة.

    المستحاضة المميزة والمعتادة

    قال المؤلف رحمه الله: (والمستحاضة المعتادة ولو مميزة تجلس عادتها).

    هذا القسم الثالث، وهو: أن تكون معتادة ومميزة، ليست مبتدأة، فهذه المرأة تقول: العادة عندي من عشرة إلى خمسة عشر، وأرى الدم متميزاً من خمسة عشر إلى عشرين، فهل تعتبر العادة أو تعتبر التمييز؟ المؤلف رحمه الله يقول: بأنها ترجع إلى عادتها؛ وتترك التمييز.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي رحمه الله تعالى أنها ترجع إلى التمييز وتترك العادة، والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه الحنابلة رحمهم الله تعالى أنها ترجع إلى العادة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أرجع المستحاضة إلى العادة، فقال صلى الله عليه وسلم: ( دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها، ثم اغتسلي وصلي )؛ ولأن التمييز قد يضطرب على المرأة، قد يكون اليوم متميزاً في هذا الوقت وغير متميز في الوقت الثاني، وقد ينعكس الوضع فالعادة أضبط.

    المستحاضة التي لها تمييز وعادة لكنها نسيت العادة

    قال المؤلف رحمه الله: (وإن نسيتها عملت بالتمييز الصالح).

    هذا القسم الرابع: مستحاضة لها تمييز ولها عادة، لكنها نسيت العادة، يعني العادة عندها الأصل أنها من عشرة إلى خمسة عشر، والتمييز متميز من خمسة عشر إلى عشرين، لكنها نست العادة وعندها تمييز، فنقول لها: ارجعي إلى التمييز، واعتبري أن التمييز هو دم الحيض، ثم اغتسلي وصلي.

    المستحاضة المتحيرة

    قال المؤلف رحمه الله: (فإن لم يكن لها تمييز فغالب الحيض كالعالمة بموضعه الناسية لعدده، وإن علمت عدده ونسيت موضعه من الشهر ولو في نصفه جلستها من أوله).

    هذا القسم الخامس والأخير من أقسام المستحاضة: وهذه تسمى عند العلماء بالمتحيرة، وأُلف فيها مؤلفات مستقلة، بعض الشافعية أفردها بالتأليف، وصورتها: أن تنسى العادة وليس لها تمييز أو لها تمييز غير صالح، يعني: هذه امرأة لها عادة أن عادتها من عشرة إلى خمسة عشر، وليس لها تمييز أو لها تمييز غير صالح، تمييز يعبر أكثر الحيض، أو ينقص عن أقله، هذه المرأة لها سنوات تحيض، متى وقت الحيض؟ قالت: لا أدري نسيت وقت الحيض! هل لك تمييز؟ قالت: ما لي تمييز، أو لي تمييز غير صالح، أنا أرى الدم متميزاً أقل من يوم وليلة، أو أكثر من خمسة عشر يوماً، فهذه تسمى بالمتحيرة، وتحتها ثلاثة أقسام كما ذكر المؤلف رحمه الله.