إسلام ويب

شرح زاد المستقنع - كتاب الطهارة [10]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • للوضوء نواقض يجب منها التوضؤ مرة أخرى، منها: الخارج من السبيلين ولو كان غير معتاد على الراجح، والخارج من سائر البدن كالدم والقيء، وزوال العقل بنوم أو إغماء أو غيره، ومس فرج نفسه على الصحيح، ولمس المرأة بالشهوة، وتغسيل الميت، وأكل لحم الإبل؛ وهما من مفردات

    1.   

    نواقض الوضوء

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب نواقض الوضوء: ينقض ما خرج من سبيل وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً، أو كثيراً نجساً غيرهما، وزوال العقل، إلا يسير نوم من قاعد وقائم، ومس ذكر متصلٍ أو قبل بظهر كفه أو بطنه، ولمسهما من خنثى مشكل، ولمس ذكر ذكره، أو أنثى قبله لشهوة فيهما، ومسه امرأةً بشهوة، أو تمسه بها ومس حلقة دبر، لا مس شعر وظفر وأمرد، ولا مع حائل ولا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة، وينقض غسل ميت وأكل اللحم خاصة من الجزور، وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت، ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما].

    تقدم معنا بقية أحكام المسح على الخفين، وذكرنا من ذلك بقية شروط صحة المسح على الخفين، ومن هذه الشروط: أن يكون الملموس مباحاً، وأن يكون طاهراً، وأن يكون ساتراً، وأن يكون صفيقاً، وأن يكون خفاً، وذكرنا ما يتعلق بالمسح على العمامة، وما يتعلق بالمسح على الجبيرة، وذكرنا جملةً من الفروق بين المسح على الخف والمسح على الجبيرة، وما الحكم إذا خلع الخف أو تمت مدة الطهارة.

    قال رحمه الله تعالى: (باب نواقض الوضوء).

    مناسبة هذا الباب لما قبله: أن المؤلف رحمه الله تعالى لما ذكر الوضوء وأحكامه وذكر المسح على الخفين -والمسح على الخفين حكم يتعلق بأحد أعضائه- ذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بمفسدات هذا الوضوء، وهكذا العلماء رحمهم الله يذكرون الشروط والأركان والآداب والكيفيات, ثم المفسدات والمبطلات في الصلاة أو الوضوء أو الصيام، أو الحج.

    والنواقض: جمع ناقض، والنقض في اللغة: حل المبرم، والوضوء تقدم لنا تعريفه.

    ونواقض الوضوء في الاصطلاح هي: العلل التي تخرج الوضوء عما هو المطلوب منه شرعاً؛ فعلى هذا نواقض الوضوء هي مفسدات الوضوء.

    الخارج من السبيلين

    قال رحمه الله تعالى: (ينقض ما خرج من سبيل).

    هذا الناقض الأول من نواقض الوضوء، وهو: ما خرج من سبيل، والسبيل هو: الطريق، والمراد بذلك هو مخرج البول ومخرج الغائط، وهو: القبل والدبر، وسمي مخرج البول ومخرج الغائط سبيلاً لأنهما طريق لما يخرج منهما، فما خرج من السبيل فهو ناقض للوضوء.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى: أن كل ما خرج من السبيل ناقض للوضوء؛ لأنه قال: (ينقض ما خرج)، و(ما) هذه من صيغ العموم، فكل ما خرج من السبيل فإنه ناقض للوضوء، سواء كان ذلك معتاداً كالبول والغائط والمني والمذي والريح، أو كان ذلك غير معتاد مثل: سلس البول، والاستحاضة، والريح التي تخرج من قبل النساء، ورطوبة فرج المرأة.

    وسواء كان ظاهراً أو غير ظاهر، وسواء كان قليلاً أو كثيراً؛ لأن قوله: (ما خرج من سبيل) عام، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني في هذه المسألة، وبه قال الإمام مالك رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الذي ينقض الطهارة هو الخارج المعتاد، أما الخارج غير المعتاد فإنه لا ينقض الطهارة، وهذا القول هو الأقرب.

    والدليل على أن الخارج المعتاد ينقض الطهارة: القرآن والسنة والإجماع، أما القرآن فقول الله عز وجل: أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ [النساء:43]، والغائط: الخارج المعتاد، يعني: المراد بالغائط هنا الخارج المستقذر، ومن السنة: حديث عبد الله بن زيد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه أحدث ولم يحدث، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ) ، فالصوت والريح هذه من الخارج المعتاد، والإجماع قائم على أن البول ناقض، وأن المذي ناقض أيضاً، وقد دل لذلك حديث المقداد .

    والدليل على أن الخارج غير المعتاد لا ينقض الوضوء أن الأصل بقاء الطهارة، فلا بد من دليل ناهض على إبطال هذه الطهارة، وكذلك: المستحاضة لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تتوضأ لوقت كل صلاة، وما ورد في ذلك فإنه مدرج غير ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا القول هو الأقرب.

    وعلى هذا نقول: الخارج المعتاد هو الذي ينقض الطهارة، مثل: البول والغائط والمذي والمني والريح، فهذه نواقض معتادة تبطل الطهارة، أما إن كان الناقض غير معتاد، مثل: الريح التي تخرج من قبل النساء، ورطوبة فرج المرأة، وكذا لو أن المرأة ولدت ولادة عارية عن دم فخروج هذا الولد لا ينقض الطهارة، ومثل: سلس البول، ودم الاستحاضة، وسلس الغائط، وسلس الريح، فهذه الأشياء لا تبطل الطهارة، فإذا توضأ فإن طهارته باقية حتى يأتي خارج معتاد؛ لأننا قررنا أن الذي ينقض الطهارة هو الخارج المعتاد.

    الخارج من سائر البدن

    قال رحمه الله تعالى: (وخارج من بقية البدن إن كان بولاً أو غائطاً، أو كثيراً نجساً غيرهما).

    هذا الناقض الثاني من نواقض الطهارة: الخارج من بقية البدن، وقسم المؤلف رحمه الله تعالى الخارج من بقية البدن إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون بولاً أو غائطاً، فإذا كان بولاً أو غائطاً فإنه ناقض للوضوء، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله تعالى أن البول والغائط الخارج من بقية البدن ينقض مطلقاً، سواء خرج من فتحة فوق المعدة أو من فتحة تحت المعدة؛ لأن المؤلف رحمه الله تعالى قال: (وخارج من بقية البدن) ولم يحدد.

    والرأي الثاني: رأي ابن عقيل من الحنابلة رحمهم الله يقول: إن كانت الفتحة تحت المعدة فإنه ينقض، وإلا فإنه لا ينقض، ومثل هذه الفتحات اليوم توجد؛ بسبب تقدم الطب، فبعض الناس -نسأل الله السلامة والعافية لنا ولإخواننا المسلمين- يبتلون بسرطان القولون، فيعسر عليه في بعض الأحيان أن يخرج الخارج من المخرج المعتاد، فيعمد الطبيب ويفتح له فتحة في جدار البطن، ومثل ذلك أيضاً: الذين يصابون بالفشل الكلوي وقد سبق أن تكلمنا عن الغسيل الكلوي في النوازل فيما يتعلق بالطهارة، وقلنا: إن الغسيل الكلوي إما أن يكون غسيلاً بروتينياً أو غسيلاً دموياً، وقلنا: في الغسيل البروتيني يقوم الطبيب بفتح فتحة في جدار البطن تخرج الفضلات التي توجد في البول من الأملاح ونحو ذلك، أو يكون الإنسان عنده تشوه خلقي في المخرج وحينئذ يفتح له فرج في البطن، فإذا خرج هذا البول أو الغائط هل ينقض أو لا ينقض؟ المؤلف يقول: ينقض مطلقاً، والرأي الثاني: التفصيل في هذه المسألة.

    فهذا هو القسم الأول من الخارج من بقية البدن: أن يكون الخارج بولاً أو غائطاً.

    القسم الثاني: أن يكون الخارج غير بول أو غائط، مثل: القيء والصديد، والدم، ونحو ذلك، فهل هذه تنقض الوضوء أو لا تنقض الوضوء؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن هذه ناقضة للوضوء، وعلى هذا؛ لو أن الإنسان احتجم أو تقيأ فإنه ينتقض وضوءه، وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة ، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من أصابه قيء أو رعاف أو قلس أو مذي فلينصرف فليتوضأ ) ، رواه ابن ماجه رحمه الله في سننه، وهو حديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الرأي الثاني: رأي مالك والشافعي أن خروج مثل هذه الأشياء لا تنقض الوضوء، فلو تقيأ الإنسان، أو خرج منه رعاف، أو خرج منه دم بسبب حجامة أو جرح أو غيره فإن هذا لا ينقض الوضوء، ويدل لذلك حديث جابر رضي الله تعالى عنه في قصة عباد بن بشر لما جعله النبي صلى الله عليه وسلم يحرس فضرب بسهم فاستمر في صلاته. ومثل ذلك عندما طعن عمر رضي الله تعالى عنه وهو في صلاته فاستمر، وكان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يخرجون في المغازي، ومع ذلك لم يرد عنهم الوضوء؛ ولأن الأصل بقاء الطهارة، فالصواب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي أن هذا الخارج من الدم أو القيء لا ينقض الوضوء.

    قال رحمه الله: (أو كثيراً نجساً).

    يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله أنه ليس كل خارج من بقية البدن ينقض الوضوء، بل لا بد أن يكون كثيراً، لكن ما ضابط الكثرة؟ هل ضابط الكثرة ترجع إلى أوساط الناس، أو بحسب كل أحد بنفسه؟ للعلماء رحمهم الله تعالى في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: المذهب وهو بحسب كل أحد بنفسه، فإذا كان عند هذا الشخص أنه كثير فهو ناقض، وإذا كان عنده أنه قليل فإنه ليس ناقضاً.

    والرأي الثاني: رأي ابن عقيل رحمه الله من الحنابلة أنه لا ينظر إلى كل أحد بنفسه، بل يرجع إلى أوساط الناس؛ لأن من الناس من يكون عنده وسوسة، فالنقطة الواحدة تؤثر عليه، ومن الناس من عنده تساهل، قد يخرج شيء كثير ولا يرى ذلك ناقضاً، هذا إذا قلنا بأنه ناقض، لكن قد تقدم أن الأقرب أن هذه الأشياء ليست ناقضة.

    زوال العقل

    قال رحمه الله: (وزوال العقل إلا يسير نوم من قاعد وقائم).

    هذا الناقض الثالث: زوال العقل، وعندنا زوال العقل وتغطية العقل، فزوال العقل يكون بالجنون، فإذا جن الإنسان فإن طهارته تنتقض بالإجماع، وهذا القسم الأول.

    القسم الثاني: أن يغطى على عقل الإنسان بالسكر، أو بالإغماء، أو بالتداوي، وهذا أيضاً تنتقض طهارته بالإجماع.

    القسم الثالث: أن يغطى عليه بالنوم، فهل النوم ناقض للوضوء، أو نقول: بأنه ليس ناقضاً للوضوء؟ قال المؤلف رحمه الله: (زوال العقل إلا يسير نوم من قاعدٍ وقائم) أي: أن النائم ينتقض وضوءه، ويستثنى من ذلك يسير النوم الذي يتوفر فيه شروط وهي:

    الشرط الأول: أن يكون يسيراً.

    والشرط الثاني: أن يكون من قائم أو قاعد.

    والشرط الثالث: أن يكون غير محتبئ ولا متكئ ولا مفترش.

    إذاً: أهل المذهب يقولون: النوم ناقض للوضوء، لكن نستثني من ذلك يسير النوم، وأن يكون من قائم أو قاعد، وأن يكون غير محتبئ ولا متكئ ولا مفترش، والدليل على أن النوم ناقض حديث صفوان بن عسال وقد تقدم، وحديث جابر : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأمرهم إذا كانوا سفراً أن يمسحوا على الخفاف ثلاثة أيام بلياليها إلا من جنابة، لكن من بول وغائط ونوم ).

    والدليل على أن يسير النوم ليس ناقضاً: حديث أنس كما في سنن أبي داود : ( أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا ينتظرون العشاء مع النبي صلى الله عليه وسلم حتى تخفق رءوسهم ثم يصلون ولا يتوضؤون )، وفي حديث ابن عباس قال: ( فجعلت إذا أغفيت أخذ النبي صلى الله عليه وسلم بشحمة أذني )، فهذا يدل على أن الإغفاء ليس ناقضاً للوضوء، وهذا هو المشهور من المذهب.

    الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى، بأن يسير النوم لا ينقض، لكن كثير النوم ينقض.

    وأما أبو حنيفة فيقول: النوم ناقض، إلا إذا كان على هيئة من هيئات المصلي، يعني: كالراكع والساجد والقائم، فإنه ليس ناقضاً.

    وأما الشافعية رحمهم الله فيقولون: النوم ناقض إلا إذا كان قاعداً وقد مكن مقعدته من الأرض، يعني: إذا نام وهو قاعد وقد مكن مقعدته من الأرض فإنه لا ينتقض وضوءه.

    وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: النوم ينقض إلا إذا كان مستغرقاً فإنه لا ينقض الوضوء.

    والخلاصة في هذه المسألة:

    أن النوم ليس ناقضاً بنفسه، لكنه مظنة النقض؛ لأن الإنسان إذا نام استطلق الوكاء، وربما يخرج منه شيء، وعلى هذا نقول: النوم ينقض؛ لأنه مظنة خروج الريح؛ ولما جاء في حديث صفوان رضي الله تعالى عنه، لكن نستثني من ذلك مسألتين:

    المسألة الأولى: أن يكون يسيراً فهذا لا يضر كما قال الإمام مالك رحمه الله تعالى، كما لو نام الإنسان دقيقة أو دقيقتين، فهذا يظهر أنه لا ينقض الوضوء؛ لأن الصحابة -كما تقدم- كانوا ينتظرون العشاء حتى تخفق رءوسهم، ولحديث ابن عباس قال: ( جعلت إذا أغفيت أخذ بشحمة أذني )، وفي لفظ: ( أن الصحابة كانوا يضعون جنوبهم )، والنبي صلى الله عليه وسلم سمع له غطيط ثم خرج إلى الصلاة، فنقول: إذا كان يسيراً هذا لا يضر، دقيقة دقيقتين ونحو ذلك نقول: هذا لا يضر.

    المسألة الثانية: إذا كان كثيراً غير مستغرق، فنقول كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: إن كان مستغرقاً بحيث لا يحس بمن حوله فهذا ينتقض وضوءه، وإن كان غير مستغرق بحيث يحس بمن حوله، ولو طال نومه فهذا لا ينتقض وضوءه.

    مس الفرج

    قال رحمه الله تعالى: (ومس ذكر متصل، أو قُبل بظهر كفه أو بطنه).

    هذا الناقض الرابع من نواقض الوضوء: مس الذكر، وفيه مسائل:

    المسألة الأولى: المشهور من المذهب وهو قول مالك والشافعي رحمهم الله: أن مس الذكر ناقض للوضوء.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة : أن مس الذكر ليس ناقضاً للوضوء.

    والمسألة فيها دليلان:

    الدليل الأول: حديث بسرة رضي الله تعالى عنها: ( من مس ذكره فليتوضأ ) ، وهو في السنن.

    والدليل الثاني: حديث طلق بن علي عن أبيه: ( الرجل -يا رسول الله- يمس ذكره في الصلاة أعليه وضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو بضعة منك ) .

    فالذين قالوا: يجب عليه أن يتوضأ -كما هو المشهور من المذهب- استدلوا بحديث بسرة، وقد صححه الإمام أحمد رحمه الله، وابن معين والترمذي ، وابن حبان ، وابن خزيمة ، وغيرهم.

    وأما حديث طلق بن علي عن أبيه: ( إنما هو بضعة منك ) ، فهذا أيضاً صححه ابن المديني رحمه الله تعالى شيخ البخاري ، وكذلك صححه ابن حبان والطبراني وابن حزم والطحاوي وغيرهم، قالوا: إسناده حسن ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    وللعلماء رحمهم الله في النظر إلى هذين الحديثين مسلكان:

    المسلك الأول: مسلك الترجيح، فرجحوا حديث بسرة على حديث طلق بن علي عن أبيه، وقالوا: حديث بسرة يرجح على حديث طلق بن علي لكثرة طرقه؛ ولأن بسرة حدثت به، والصحابة رضي الله تعالى عنهم متواترون، فذهبوا إلى النقل.

    المسلك الثاني: مسلك الجمع بين الحديثين، فقالوا: حديث بسرة : ( من مس ذكره فليتوضأ ) ، يدل على استحباب أن يتوضأ، وأما حديث طلق بن علي : ( أعليه الوضوء؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا، إنما هو بضعة منك ) فهو يدل على عدم الوجوب.

    وأما من ذهب إلى النسخ فالنسخ لا يصح؛ لأن النسخ لا بد فيه من معرفة المتقدم من المتأخر، والنبي صلى الله عليه وسلم علل بعلة لا يمكن أن تنسخ؛ لأن كلام النبي صلى الله عليه وسلم لا يتناقض، فقال: ( إنما هو بضعة منك ) فلا يمكن أن يكون الذكر اليوم بضعة منك وغداً ليس بضعة منك، فالقول بالنسخ ضعيف لما ذكرت، لكن يبقى عندنا هذان المسلكان، فمن العلماء من سلك مسلك الترجيح ورجح حديث بسرة على حديث طلق ، ومن العلماء من سلك مسلك الجمع، ولا شك أن الجمع أقوى؛ لأن الجمع فيه إعمال لكلا الدليلين، وأما الترجيح فهو إبطال لأحد الدليلين، وعلى هذا؛ ما دام أن حديث طلق ثابت فيصار إلى مسلك الجمع بين الحديثين، ويحمل ذلك على الاستحباب.

    وأما على القول بأن مس الذكر ناقض فيشترط لذلك شروط ستأتي.

    وقول المؤلف رحمه الله: (مس ذكر) يؤخذ منه أنه سواء مس ذكره أو مس ذكر غيره، فإنه ينتقض وضوءه؛ لأنه قال: مس ذكر، وهذا يشمل مس ذكره ومس ذكر غيره، لكن الحديث يقول: ( من مس ذكره ) ، وعلى هذا نتقيد بلفظ الحديث؛ لأن الأصل بقاء الطهارة، وعلى هذا نقول: المرأة إذا مست ذكر طفلها لا ينتقض الوضوء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من مس ذكره ).

    وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( من مس ذكره )، والحديث لا يشعر بالقصد، فلو أن الإنسان لم يقصد مس ذكره، وإنما مرت يده على ذكره، ومسه بلا قصد فيظهر أنه لا ينتقض وضوءه.

    قال رحمه الله: (متصل أو قبل).

    هذا هو الشرط الأول: أن يكون متصلاً؛ وعلى هذا فلو كان الذكر منقطعاً فإن مسه لا ينقض الوضوء.

    ويدل قول المؤلف رحمه الله على أنه إذا مس الفرج من المرأة فإنه ناقض للوضوء؛ لإلحاق فرج المرأة -وهو قبل- بذكر الرجل.

    قال رحمه الله: (بظهر كفه أو بطنه).

    هذا الشرط الثاني: أن يكون المس بالكف فقط، يعني: لو مس الذكر بفخذه، أو مس الذكر بقدمه، أو مس الذكر بذراعه فإن هذا لا يضر، بل لا بد أن يكون المس بظهر الكف أو بطن الكف، يعني: من أطراف الأصابع إلى الرسغ.

    الشرط الثالث: أن يكون بلا حائل، فإن كان بحائل فإنه لا ينقض الوضوء، فلو مسه من وراء الثوب فإنه لا يضر.

    قال رحمه الله تعالى: (ولمسهما من خنثى مشكل).

    الخنثى هو: من له آلة ذكر وآلة أنثى، والمشكل هو: الذي يبلغ ولم يتبين أمره هل هو ذكر أو أنثى، وهذا كان في الزمن السابق، أما الآن فإن الخنثى الذي له آلة ذكر وآلة أنثى يعالج من الصغر، وعلى كل حال؛ هذا الخنثى المشكل الذي بلغ ولم يتضح أمره هل هو ذكر أو أنثى، يقول المؤلف رحمه الله: إذا لمستهما من خنثى مشكل فإنه ينتقض الوضوء؛ لأن أحدهما أصلي، فإذا مسست آلتي الخنثى المشكل انتقض الوضوء.

    قال رحمه الله: (ولمس ذكر ذكره، أو أنثى قبله لشهوة فيهما).

    إذا لمس الذكر ذكر الخنثى لشهوة فإنه ينتقض وضوءه؛ لأنه إن كان ذكراً فقد مس ذكره، وإن كان أنثى فقد لمسها لشهوة، والمذهب أن مس الأنثى لشهوة ينقض الوضوء.

    والأنثى إذا مست قبل الخنثى لشهوة، فإن كان ذكراً فقد مسته لشهوة، وإن كان امرأةً فقد مست فرجها، ومس القبل ينقض الوضوء.

    لمس المرأة بشهوة

    قال رحمه الله: (ومسه امرأةً بشهوة).

    هذا الناقض الخامس من نواقض الوضوء: مس المرأة بشهوة، وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله، ومذهب مالك، أما الشافعية فهم أوسع الناس في هذه المسألة، فهم يعممون ذلك حتى للمحارم، وسواء كان لشهوة أو لغير شهوة، أما الحنابلة والمالكية فهم يقولون: إن كان لشهوة نقض، وإن كان لغير شهوة فإنه لا ينقض، وعند أبي حنيفة أن مس المرأة لا ينقض الوضوء.

    فالذين قالوا: مس المرأة ينقض الوضوء استدلوا بقول الله عز وجل: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] ، لكن كما قلنا: إن المالكية والحنابلة يقيدون ذلك بأن يكون لشهوة، قالوا: لأن النبي صلى الله عليه وسلم لمسته عائشة وهو يصلي، فدل ذلك على أنه لا بد من الشهوة.

    أما الشافعية فاستدلوا بالآية: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43].

    والحنفية القائلين: مس المرأة لشهوة لا ينقض الوضوء ومن باب أولى إذا كان لغير شهوة قالوا: لأن الأصل بقاء الطهارة، وأيضاً حديث عائشة في مسلم : ( وقعت يدها على رجليه وهو ساجد ).

    وأما قول الله عز وجل: أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ [النساء:43] فهذا كما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن المراد بالمس والمسيس والمباشرة الواردة في القرآن هو الجماع، ولكن الله عز وجل يكني.

    وقول المؤلف رحمه الله: (مسه امرأةً بشهوة) يعني: في جميع أجزاء بدنها، وفي جميع أجزاء بدنه، فلو مست رجله رجل زوجته لشهوة انتقض الوضوء، هذا كلام المؤلف، بخلاف مس الذكر، فإن مس الذكر مقيد بالكف، أما مس المرأة فيكون بالتقاء البشرتين سواءً في الكف أو غير الكف.

    قال رحمه الله: (أو تمسه بها).

    يعني: لو أن المرأة مست الرجل بشهوة انتقض وضوءها.

    مس حلقة الدبر

    قال رحمه الله: (ومس حلقة دبر).

    أي: مس حلقة الدبر؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في بعض ألفاظ حديث بسرة : ( من مس فرجه ) والفرج يشمل حلقة الدبر دون الإلية، أما مس الإلية فلا ينقض الوضوء، لكن المقصود مس حلقة الدبر، قالوا: وحديث أبي هريرة : ( من مس فرجه فليتوضأ ) والفرج يشمل حلقة الدبر، فحلقة الدبر تسمى فرجاً.

    قال رحمه الله: (لا مس شعر وظفر).

    يعني: لو أن الإنسان مس شعر المرأة بشهوة أو ظفر المرأة بشهوة فإنه لا يضر؛ لأنهم يذكرون قاعدة ذكرها ابن رجب رحمه الله في كتابه القواعد أن الشعر والظفر في حكم المنفصل، وليس في حكم المتصل؛ وعلى هذا لو طلق شعر امرأته أو طلق ظفرها لا يقع الطلاق.

    قال رحمه الله: (وأمرد).

    يعني: لو مس أمرداً، والأمرد هو: الذي لم ينبت له الشعر في وجهه، فإذا مسه لشهوة فإن هذا لا ينقض الوضوء.

    قال رحمه الله: (ولا مع حائل).

    يعني: لو مس المرأة من وراء حائل لشهوة فإنه لا ينقض الوضوء.

    قال رحمه الله: (لا ملموس بدنه ولو وجد منه شهوة).

    يعني: لو أن رجلاً مس زوجته لشهوة، فلا ينتقض وضوءها، بل الذي ينتقض وضوءه هو الرجل، حتى ولو تحركت شهوة المرأة فإن وضوءها لا ينتقض، وهذا مما يؤيد قول الحنفية رحمهم الله: أن مس المرأة لا ينقض الوضوء مطلقاً سواءً كان لشهوة أو كان لغير شهوة.

    غسل الميت

    قال رحمه الله: (وينقض غسل ميت).

    هذا الناقض السادس من نواقض الوضوء: تغسيل الميت ينقض الوضوء، وهذا من مفردات الحنابلة، واستدلوا على ذلك بأنه ورد عن ابن عمر وابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنهما كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء.

    والرأي الثاني رأي الجمهور: أنه لا ينقض الوضوء؛ لأن هذا السبب وجد في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يرشد النبي صلى الله عليه وسلم إلى أنه ناقض ولم يبين، ففي حديث أم عطية في اللاتي غسلن ابنته قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكثر من ذلك ) ولم يأمرهن بالوضوء، وفي حديث ابن عباس في الذي وقصته راحلته قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( اغسلوه بماء وسدر ) ، ولم يأمر الذين غسلوه بالوضوء، ولحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فحسبكم أن تغسلوا أيديكم ) أخرجه الحاكم والبيهقي .

    والصواب في هذه المسألة: أن تغسيل الميت لا ينقض الوضوء، لكن يستحب لمن غسل ميتاً أن يغتسل، ويستحب لمن حمله أن يتوضأ.

    أكل لحم الإبل

    قال رحمه الله: (وأكل اللحم خاصةً من الجزور).

    هذا الناقض السابع من نواقض الوضوء: أكل اللحم خاصةً من الجزور، يعني: لحم الإبل، وهذا من مفردات الحنابلة أيضاً، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء، يقول الإمام أحمد: فيه حديثان صحيحان عن النبي صلى الله عليه وسلم: حديث البراء بن عازب وهو في السنن، وحديث جابر بن سمرة في صحيح مسلم.

    والرأي الثاني: رأي جمهور أهل العلم: أن أكل لحم الجزور لا ينقض الوضوء، واستدلوا على ذلك بما في السنن: ( كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم: ترك الوضوء مما مست النار )، ويدخل في ذلك لحم الجزور؛ لأن لحم الجزور مما مست النار.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله وهو أن أكل لحم الجزور ناقض للوضوء؛ لأن فيه حديثين صحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم كما قال الإمام أحمد رحمه الله.

    وأما حديث جابر : ( كان آخر الأمرين من النبي صلى الله عليه وسلم: ترك الوضوء مما مست النار )، فالجمهور يقولون بأنه ناسخ لأحاديث الأمر بالوضوء من لحم الإبل، لكن هذا الحديث لا يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فنقول: بأن هذا الحديث ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل الذي ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح: ( أنه كان يجتز من كتف شاة ثم حضرت الصلاة فقام فصلى ).

    فالصواب في هذه المسألة: أن أكل لحم الإبل ناقض للوضوء.

    وهنا مسألة أخرى وهي: بقية أجزاء الإبل هل تلحق باللحم، مثل: الكبد والمصران والشحم والقلب والكلية ولحم الرأس هل تلحق أو لا تلحق؟ المشهور من المذهب أنها لا تلحق؛ ولهذا قال المؤلف: (أكل اللحم خاصة)، يعني: الأمر متعلق باللحم؛ لأن النص إنما جاء في اللحم وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أن هذه الأجزاء، يعني: القلب والكبد ونحو ذلك ناقضة للوضوء؛ ويدل لذلك الاستقراء فلم يرد في الشريعة أن حيواناً تتبعض أجزاؤه حلاً وحرمةً وطهارةً ونجاسةً.

    وأما ألبان الإبل فالمذهب أيضاً أنها ليست ناقضة؛ لأنهم خصوا الأمر باللحم، لكن قد جاء في مسند الإمام أحمد رحمه الله تعالى: ( توضؤوا من ألبان الإبل )، فإن ثبت هذا الحديث فإنه محمول على الاستحباب؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر العرنيين أن يخرجوا إلى إبل الصدقة، وأن يشربوا من أبوالها وألبانها، ولم يأمرهم بالوضوء، فنقول: لبن الإبل يستحب الوضوء منه.

    أما بالنسبة لمرق الإبل فالمذهب أنه ليس ناقضاً.

    والمرق لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يكون خالصاً.

    والحالة الثانية: أن يكون قد طبخ معه شيء آخر، كما لو طبخ معه بر أو رز أو نحو ذلك، فإن كان خالصاً فالقول بالنقض له قوة، كما لو شرب من المرق الخاص مباشرةً، ويدل لذلك حديث جابر في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذبحت الهدي، أهدى مائة بدنة، أكل من بعض اللحم، وشرب من المرق ) ، فكأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل المرق بمنزلة اللحم؛ لأنه يصعب أن يأكل من كل البدن، بل أكل من بعض البدن، وأما البعض الآخر فاكتفى بالمرق، فكأنه جعل المرق بمنزلة اللحم، فنقول: إذا شرب المرق فالأحوط له أن يتوضأ.

    وأما إن كان مطبوخاً مع غيره، كالرز والبر أو نحو ذلك، فهذا إن لم يظهر الطعم ليس ناقضاً، وإن ظهر طعم اللحم فموضع خلاف، والأحوط أن يتوضأ.

    كل ما يوجب الغسل

    قال رحمه الله تعالى: (وكل ما أوجب غسلاً أوجب وضوءاً إلا الموت).

    هذا ضابط، لكنه غير مضبوط؛ لأن الصواب أن الوضوء لا يجب إلا إذا وجد شيء من نواقض الوضوء؛ وعلى هذا لو أن الإنسان لم يوجد منه ناقض من نواقض الوضوء، فلا يجب عليه أن يتوضأ، فمثلاً: حصل منه جماع ولم يوجد منه ناقض من نواقض الوضوء فنقول: يجب عليك أن تغتسل فقط، وأما الوضوء فإنه لا يجب عليك، والغسل تعميم البدن بالماء مع المضمضة والاستنشاق، ويدل لذلك: حديث عمران في قصة الذي أصابه جنابة: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حضر الماء قال: خذ هذا فأفرغه عليك ) ، مما يدل على أن الوضوء ليس واجباً.

    1.   

    الشك في الطهارة والحدث

    قال رحمه الله: (من تيقن الطهارة وشك في الحدث أو بالعكس بنى على اليقين).

    أي: تيقن أنه متطهر ثم شك هل أحدث أو لم يحدث؟ نقول: هو على طهارته، والعكس بالعكس فلو كان محدثاً ثم شك هل تطهر أو لم يتطهر؟ فنقول: الأصل بقاء الحدث، ودليل ذلك ما تقدم من حديث عبد الله بن زيد رضي الله تعالى عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم شكي إليه الرجل يخيل إليه في الصلاة أنه أحدث ولم يحدث؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لا ينصرف حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً) .

    قال رحمه الله: (فإن تيقنهما وجهل السابق فهو بضد حاله قبلهما).

    يعني: إذا تيقن الحدث والطهارة، فلو قال: أنا حصل مني حدث وحصل مني طهر، لكن ما أدري أيهما السابق، فلو كان السابق الحدث فهو متطهر، ولو كان السابق الطهارة فهو محدث، فيقول المؤلف: (فهو بضد حاله قبلهما)، أي: أنت خلال هذه الدقائق حصل منك حدث ووضوء، فماذا كان حالك قبل هذه الحالة؟ فلو قلت: أنا متطهر، فنقول: أنت محدث، ولو قلت: أنا محدث، فنقول: أنت متطهر، والعلة في ذلك أنه تيقن زوال تلك الحالة إلى ضدها، وشك في بقاء ضدها وهو الأصل.