إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب النكاح [4]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • أكرم الله الإنسان وهذب أخلاقه ورفعه عن الحياة البهيمية، ومن ذلك أن نظم علاقته مع المرأة، وبين ما يحل له من النساء وما يحرم، وقد حرم الله على الإنسان أنواعاً من النساء تحريماً مؤبداً من جهة النسب ومن جهة الرضاع ومن جهة المصاهرة.

    1.   

    المحرمات في النكاح

    أيها الأحبة تقدم لنا شيء من شروط صحة النكاح، فتكلمنا عن الولاية, ومراتب الأولياء, وتكلمنا أيضاً عن الشهادة وكلام أهل العلم رحمهم الله في اشتراط الشهادة, ثم بعد ذلك تكلمنا عن رضا الزوجين ومن الذي يعتبر رضاه، ومن الذي لا يعتبر رضاه.. إلخ, ثم بعد ذلك تكلمنا عن الكفاءة بين الزوجين, وهل الكفاءة شرط لصحة عقد النكاح أو أنها شرط للزوم, ثم بعد ذلك ذكرنا شيئاً من أحكام الإماء على سيدهن وأيضاً شيئاً من أحكام الرقيق مع سيدهم.

    قال المؤلف رحمه الله: [باب المحرمات في النكاح].

    المحرمات في النكاح, المراد بهذا الباب الممنوع تزوجهن، والأصل في النكاح هو الحل؛ لأن الله عز وجل لما ذكر، عدد المحرمات: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23]، ثم قال الله عز وجل بعد ذلك: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، وفي قراءة سبعية: وَأَحَلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24] بفتح الألف والحاء، فأفاد هذا بأن الأصل هو الحل إلا ما جاء الشرع بتحريمه سواء كان ذلك في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

    1.   

    المحرمات تأبيداً

    المحرمات ينقسمن إلى قسمين:

    القسم الأول: محرمات على التأبيد, بمعنى: أنها لا تحل للإنسان إلى يوم القيامة.

    والقسم الثاني: محرمات على التأقيت.

    المحرمات على التأبيد ينقسمن إلى خمس أقسام:

    القسم الأول: محرمات بالنسب.

    والقسم الثاني: محرمات بالمصاهرة.

    والقسم الثالث: محرمات باللعان.

    والقسم الرابع: محرمات بالرضاع.

    والقسم الخامس: محرمات بالاحترام.

    المحرمات من النسب

    فالمحرمات على التأبيد ينقسمن إلى هذه الأقسام الخمسة.

    شرع المؤلف رحمه الله في بيان القسم الأول من هذه الأقسام الخمسة وهن المحرمات بالنسب فقال رحمه الله: [وهن الأمهات والبنات والأخوات وبنات الإخوة، وبنات الأخوات والعمات والخالات].

    هذا القسم الأول من المحرمات على التأبيد وهن المحرمات بالنسب, فتحرم الأم وأمها وإن علت يعني: تحرم الأم وكل جدة سواء كانت من قبل الأم أو من قبل الأب وإن علت, وتحرم البنت وبنتها وإن نزلت، وبنت الابن وإن نزلت, وتحرم الأخت من أي جهة سواء كانت شقيقة أو كانت لأب أو كانت لأم، وتحرم أيضاً بنت الأخ, أو قبل ذلك العمة سواء كانت هذه العمة شقيقة أو لأب أو لأم، وأيضاً تحرم هذه العمة وإن علت, يعني: عمة أبيك وعمة جدك وعمة أمك..إلخ, هؤلاء كلهن محرمات عليك, أيضاً الخالة تحرم مطلقاً سواء كانت هذه الخالة لأب أو لأم أو شقيقة, وسواء كانت خالة لك أو لأبيك أو لأمك وإن علت, كذلك أيضاً بنت الأخ تحرم مطلقاً سواء كان هذا الأخ شقيقاً أو لأب أو لأم أيضاً حتى وإن نزلت, فتحرم بنت الأخ وبنتها وبنت ابنها وإن نزلن, كذلك أيضاً بنت الأخت تحرم مطلقاً سواء كانت هذه الأخت شقيقة أو لأم أو لأب, وتحرم مطلقاً حتى وإن نزلت، فتحرم بنت الأخت وبنتها وبنت بنتها وبنت ابنها وإن نزلن, هؤلاء محرمات عليك إلى يوم القيامة, هذا هو القسم الأول من المحرمات بالنسب, وهذا دل له الإجماع وقول الله عز وجل كما سلف: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23]، هذا القسم الأول المحرمات بالنسب.

    المحرمات بالمصاهرة

    قال المؤلف رحمه الله: [وأمهات النساء وحلائل الآباء والأبناء والربائب المدخول بأمهاتهن].

    هذا القسم الثاني من المحرمات على التأبيد: وهن المحرمات بالمصاهرة, والمحرمات بالمصاهرة أربع:

    الأولى: زوجة الأب وزوجة كل جد وإن علا, فهذه تحرم بمجرد العقد، زوجة أبيك وزوجة جدك سواء كان هذا الجد من قبل الأب أو من قبل الأم فإنه بمجرد أن يعقد أبوك أو جدك وإن علا على هذه المرأة فإنها تحرم عليك إلى يوم القيامة، وتكون أنت محرماً لهذه المرأة حتى ولو طلقها أبوك أو مات عنها فأنت تكون لها محرماً إلى يوم القيامة.

    فالأولى من المحرمات بالمصاهرة: زوجة الأب وزوجة كل جد مطلقاً وإن علا, فإنها تكون محرمة بمجرد العقد إلى يوم القيامة, ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ [النساء:22].

    قال المؤلف رحمه الله: [وأمهات النساء].

    الثانية من المحرمات بالمصاهرة: أم كل زوجة وإن علت, فهذه تحرم عليك بمجرد العقد, فأم الزوجة وأمها وأم أمها, يعني: جدات الزوجة سواء كانت هذه الجدة من قبل الأب أو كانت من قبل الأم فإنها محرمة عليك إلى يوم القيامة بمجرد العقد, حتى ولو طلقت زوجتك فأنت تبقى محرماً لأمها وأيضاً محرماً لجدتها وإن علت هذه الجدة، وسواء كانت هذه الجدة من قبل الأم أو كانت من قبل الأب.

    فنقول: الثاني ممن يحرم بالمصاهرة: أم الزوجة وأمهاتها وجداتها سواء كانت هذه الجدات من قبل الأم أو من قبل الأب, فإنه بمجرد أن تعقد على هذه المرأة حرمت عليك أمها وجدتها مطلقاً سواء كانت هذه الجدة من قبل الأم أو من قبل الأب حتى ولو طلقت هذه المرأة فإنها تبقى محرمة عليك وتبقى محرماً لها, ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ [النساء:23].

    قال المؤلف رحمه الله: [وحلائل الأبناء].

    الثالثة ممن يحرمن بالمصاهرة: زوجة الابن مطلقاً, زوجة الابن بمجرد أن يعقد ابنك على هذه المرأة فإنها تكون محرمة عليك إلى يوم القيامة, فابنك وابن ابنك وابن بنتك بمجرد أن يعقد على هذه المرأة فإنها تكون محرمة عليك إلى يوم القيامة, حتى ولو طلقها أو مات عنها وتكون محرماً لها.

    فنقول الثالثة: زوجة كل ابن وإن نزل وسواء كان هذا الابن نزل بمحض الذكور أو نزل بمحض الإناث فإن زوجته تكون محرمة عليك إلى يوم القيامة بمجرد العقد, ودليل ذلك: وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ [النساء:23].

    قال المؤلف رحمه الله: [والربائب المدخول بأمهاتهن].

    الرابعة ممن تحرم بالمصاهرة: الربيبة: بنت الزوجة، بنت الزوجة هذه تحرم عليك بمجرد أن تدخل بأمها، لكن لو عقدت على أمها ثم طلقتها قبل أن تدخل بأمها فإنها لا تحرم عليك.

    والربائب يحرمن عليك مطلقاً, يعني: بنت الزوجة وبنتها وإن نزلت, يعني: بنت الزوجة وبنتها وبنت بنتها وبنت ابن ابنها. وإن نزلن.

    فالربائب محرمات عليك مطلقاً بمجرد أن تدخل بأمها, أما لو حصل عقد على هذه الأم ثم حصل طلاق قبل الدخول فإن الربيبة لا تحرم, ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، فالله عز وجل اشترط شرطين لتحريم الربيبة:

    الشرط الأول: أن تكون في حجر الزوج, يعني: تربت في بيته.

    والشرط الثاني: أن يكون دخل بأمها.

    وقد اختلف أهل العلم رحمهم الله هل لا بد من توافر هذين الشرطين لكي تحرم الربيبة أو أنه يكتفى بشرط واحد؟ على رأيين:

    الرأي الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم: أنه يكتفى بشرط واحد فقط, وهو الدخول بالأم, فإن كان الزوج دخل بالزوجة حرمت عليه بناتها, وبنات بناتها، وبنات أبنائها, وإن لم يكن الزوج دخل بالزوجة, وأما مجرد العقد عليها فإنه لا تحرم عليه الربائب حتى يدخل بها, وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    الرأي الثاني: أنه لا بد من توافر هذين الشرطين, أن يدخل الزوج بالزوجة، وأن تكون هذه البنت قد تربت في حجر الزوج، فإن دخل الزوج بزوجته ولها بنت لكن هذه البنت لم تترب في حجره فإنها لا تحرم عليه, وهذا ذهب إليه طائفة من السلف، وهو مروي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

    والصواب في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله وأنه يشترط شرط واحد فقط وهو الدخول بالأم, فإذا دخل بأمها حرمت عليه وإن لم تتربَّ في حجره؛ لأن الله عز وجل فصل في هذا الشرط وترك التفصيل في الشرط الآخر، فهذا دليل على أن شرط الحجر غير معتبر؛ لأن الله عز وجل تركه ولم يفصل فيه, وإنما فصل في شرط الدخول فقال الله عز وجل: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، ففصل في شرط الحجر, وهذا القول: هو الصواب.

    وأيضاً لا تحرم الزوجة الربيبة إلا بالدخول بالأم أي بالجماع، فلو أن الزوج عقد على هذه الزوجة وخلا بها واستمتع بها فهل تحرم عليه بنتها أو لا تحرم عليه بنتها؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم, والصواب في ذلك أنها لا تحرم عليه؛ لأن الله عز وجل قال: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ [النساء:23]، فقال الله عز وجل: بِهِنَّ ولم يقل سبحانه: عليهن, فدل ذلك على أنه لا بد من الوطء ولا بد من الجماع لكي تحرم عليه الربيبة.

    فأصبح عندنا المحرمات بالمصاهرة أربع: ثلاث يحرمن بمجرد العقد، وواحدة لا تحرم إلا بالدخول.

    اللاتي يحرمن بمجرد العقد:

    الأولى: زوجة الأب، وزوجة كل جد وإن علت, سواء كان هذا الجد من قبل الأب أو كان من قبل الأم.

    الثانية: زوجة كل ابن وإن نزل هذا الابن سواء كان هذا الابن نزل بمحض الذكورة أو نزل بمحض الإناث, فهذه تحرم بمجرد العقد.

    الثالثة: أم كل زوجة وجدة مطلقاً وإن علت, فنقول: أم الزوجة وجداتها مطلقاً سواء كن هؤلاء الجدات من قبل الأب أو من قبل الأم فإنهن يحرمن بمجرد العقد.

    الرابعة: الربيبة بنت الزوجة مطلقاً سواء كانت بنتاً لها أو نزلت بنت ابنها أو بنت بنتها وإن نزلن فإنهن لا يحرمن إلا بالدخول بالزوجة.

    المحرمات بالرضاع

    قال: [ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب].

    هذا القسم الثالث من المحرمات على التأبيد: التحريم بالرضاع, وهذا التحريم بالرضاع سيعقد له المؤلف رحمه الله كتاباً مستقلاً وهو: كتاب الرضاع.

    قال: (ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب), وهذا دليله قول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ).

    قال المؤلف رحمه الله: [وبنات المحرمات محرمات إلا بنات العمات والخالات].

    بنات المحرمات محرمات إلا بنات العمات والخالات, يعني: بنت عمتك لا تحرم عليك مع أن عمتك محرمة عليك، وبنت خالتك لا تحرم عليك مع أن خالتك محرمة عليك.

    كذلك أيضاً ربيبة أبيك ليست محرمة عليك, مع أنها محرمة على أبيك, أبوك إذا دخل بزوجته, فإن ربيبته تحرم عليه, لكن هذه الربيبة مباحة للابن, فيباح للابن أن يتزوج ربية أبيه، ويباح للابن أيضاً أن يتزوج أم زوجة أبيه, فلو أن أباك أو جدك عقد على امرأة وهذه المرأة لها أم فهذه الأم محرمة على أبيك, لكنها بالنسبة للابن حلال له, فالابن يجوز له أن يتزوج أم زوجة أبيه وجدة زوجة أبيه وإن علت, كذلك أيضاً الابن يجوز له أن يتزوج ربيبة أبيه، فلو أن أباك تزوج امرأة وهذه المرأة لها بنت, ودخل أبوك بزوجته حرمت عليه الربيبة إلى يوم القيامة، فيجوز للابن وإن نزل أن يتزوج ربيبة أبيه, كذلك أيضاً يجوز للأب أن يتزوج أم زوجة ابنه، ويجوز له أيضاً أن يتزوج ربيبة ابنه, فلو أن ابنك تزوج امرأة وهذه المرأة لها أم يجوز لك أن تتزوج أم زوجة ابنك, كذلك أيضاً لو أن ابنك تزوج امرأة وهذه المرأة لها بنت، ودخل ابنك بزوجته حرمت عليه ربيبته، لكن هذه الربيبة مباحة للأب.

    فنقول: أمهات الأزواج وربائب الأزواج محرمات على الآباء والأبناء, نقول: أم زوجة ابنك محرمة على ابنك، ربيبة ابنك محرمة على ابنك لكنها مباحة للأب، والعكس كذلك أم زوجة أبيك وربيبة أبيك هذه محرمة على أبيك, لكنها بالنسبة للابن حلال له.

    هل الحرام يحرم الحلال؟

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن وطء امرأة حلالاً أو حراماً حرمت على أبيه وابنه وحرمت عليه أمهاتها وبنتها].

    هذه مسألة هل الحرام يلحق بالحلال في التحريم أو لا يلحق به؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم:

    المشهور من المذهب أن الحرام يلحق بالحلال في التحريم.

    صورة المسألة: أنت عقدت على هذه المرأة، أم هذه المرأة هل تحرم عليك أو لا تحرم عليك؟

    نقول: تحرم عليك، أم الزوجة وجداتها كما سلف لنا محرمات عليك إلى يوم القيامة بمجرد العقد, هذا بالنسبة للحلال, بقينا في الحرام, زنى رجل بامرأة هل تحرم عليه أمها؟ وهل يحرم عليه أيضاً بنتها، بنت هذه المزني بها؟

    يقول المؤلف رحمه الله: الحرام كالحلال تماماً, فإذا زنى رجل بامرأة حرمت عليه أمها كما أنه إذا تزوج هذه المرأة حرمت عليه أمها وجداتها, فكذلك أيضاً إذا زنى بهذه المرأة فإن أمها وجداتها يحرمن عليه إلى يوم القيامة, كما أنه أيضاً إذا تزوج امرأة ودخل بهذه المرأة ولها ربيبة حرمت عليه ربيبته، كذلك أيضاً إذا زنى بامرأة وهذه المرأة لها بنت فإن هذه البنت تحرم عليه, فألحق السفاح بالنكاح, ولهذا قال المؤلف: ومن وطء امرأة حلالاً أو حراماً, حلالاً بعقد النكاح، أو حراماً بالزنا، حرمت على أبيه وابنه، وحرمت عليه أمهاتها وبناتها, فأنت إذا زنيت بامرأة حرمت عليك أمها, كما أنك إذا عقدت عليها تحرم عليك أمها, أيضاً تحرم عليك بنتها كما أنك أيضاً إذا عقدت عليها ودخلت بها حرمت عليك الربيبة كذلك أيضاً إذا زنيت بها حرمت عليك بنتها.

    كذلك أيضاً قال المؤلف رحمه الله: حرمت على أبيه وابنه, كما أن الشخص إذا عقد على امرأة فإنها تحرم على أبيه؛ لأنه تقدم لنا من المحرمات بالمصاهرة: زوجة كل ابن وإن نزل, فلو أن رجلاً زنى بامرأة حرمت على أبيه, كما أنه في الحلال لو أن هذا الرجل تزوج هذه المرأة حرمت على أبيه؛ لأن من المحرمات بالمصاهرة زوجة كل ابن وإن نزل, كذلك أيضاً تحرم على ابنه, لو أن رجلاً زنى بامرأة حرمت هذه المرأة على أبنائه كما أنه لو عقد عليها حرمت هذه المرأة على أبنائه, فألحقوا السفاح بالنكاح, هذا هو المشهور من المذهب.

    واستدلوا بالعمومات قالوا: إن الله عز وجل يقول: وَلا تَنكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ [النساء:22]، وكذلك أيضاً قالوا: بأن الله عز وجل يقول: وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ [النساء:23], وقالوا بأن هذا يشمل الحلال والحرام, وأيضاً استدلوا بقول ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: لا ينظر الله إلى رجل نظر إلى فرج امرأة وابنتها, وكذلك أيضاً قالوا: بأنه موجود في التوراة أنه ملعون من نظر إلى فرج امرأة وبنتها.

    والرأي الثاني: أن الأصل في ذلك الحل لقول الله عز وجل: وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ [النساء:24]، وأن الرجل إذا زنى بامرأة فإن هذه المرأة لا تحرم على أبيه ولا تحرم على ابنه كما ذكر المؤلف رحمه الله, كذلك إذا زنى بامرأة فإن أم المزني بها لا تحرم على الزاني، وكذلك أيضاً بنت المزني بها لا تحرم على الزاني, ولا نلحق السفاح بالنكاح, وهذا القول: هو الصواب؛ لأن الأصل في ذلك الحل، والمحرم شرعاً كالمعدوم حساً.

    والمشهور من المذهب أنهم ذهبوا إلى أبعد من ذلك فقالوا: لو أن رجلاً لاط برجل يعني: لو أن رجلاً عمل اللواط برجل, فقالوا: أيضاًهذا الائط الذي لاط بهذا الرجل يحرم عليه أن يتزوج بنته ويحرم عليه أيضاً أن يتزوج أمه, كما أنه إذا عقد على امرأة يحرم عليه أن يتزوج أم زوجته، ويحرم عليه أيضاً أن يتزوج بنت زوجته، فكذلك أيضاً إذا لاط بشخص فإنه يحرم عليه أن يتزوج أمه، وكذلك أيضاً يحرم عليه أن يتزوج ابنته.

    والصواب في ذلك أن السفاح لا يلحق بالنكاح, وأن المحرم شرعاً كالمعدوم حساً, وإذا كان الشخص له أن يتزوج المزني بها إذا تابت, يعني: لو زنى بامرأة ثم بعد ذلك تابت هذه المرأة وتاب الزاني له أن يتزوجها, فمن باب أولى له أن يتزوج أمها, ومن باب أولى له أن يتزوج بنتها.

    التحريم باللعان

    الرابع: التحريم بسبب اللعان, إذا حصل لعان بين الزوجين بعد أن يقذف الزوج زوجته بالزنا فإنه يقال له: البينة أو حد في ظهرك أو تلاعن, الأصل أن من قذف غيره بالزنا أنه يطلب منه أمران, إما البينة يأتي بأربعة شهود على ما ذكر من القذف بالزنا أو حد في ظهره, خرجنا عن هذا الأصل في الزوجين, فبالنسبة للزوجين نقول: البينة أربعة شهود إذا قذف الزوج زوجته أو حد في ظهره أو يلاعن, وإنما خرج في حق الزوجين؛ لأن الزوج لا يقدم على قذف زوجته إلا وهو متيقن ما يقول؛ لأنه في لعانه يدنس فراشه ويلوث عرضه, فجعل الله له مخرجاً وهو اللعان, فنقول له: البينة أو حد في ظهره أو يخرج عن هذا باللعان, وإنما خرج عن هذا الأصل (البينة أو حد في ظهره)؛ لأنه كما تقدم لنا أن الزوج لا يقدم على قذف زوجته إلا وهو متيقن, فجعل الله له مخرجاً, بخلاف غير الزوج فقد يقدم على القذف وهو كاذب, أما الزوج الغالب أنه لا يقدم على ذلك إلا وهو متيقن, كوننا نطالبه بالبينة قد يتعذر ذلك، وكوننا نجلده حداً في ظهره قد نظلمه في ذلك, فجعل الله له مخرجاً وهو اللعان، فيتلاعن الزوجان بحضرة القاضي, وإذا تم اللعان ترتبت عليه أحكم من هذه الأحكام الفرقة الأبدية إلى يوم القيامة, فإنه لا يجوز له أن يتزوج هذه المرأة إلى يوم القيامة.

    المحرمات بالاحترام

    الخامس: المحرمات بالاحترام وهن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.

    فأصبح عندنا القسم الأول: المحرمات على التأبيد وهن خمسة أقسام:

    الأول: المحرمات بالنسب, وهذه ذكرنا أنهن سبع.

    الثاني: المحرمات بالمصاهرة وهن أربع.

    الثالث: المحرمات بالرضاع وسيأتي إن شاء الله بيان ذلك.

    الرابع: المحرمات باللعان.

    الخامس: المحرمات بالاحترام.

    هذه أقسام التحريم على التأبيد.

    1.   

    المحرمات مؤقتاً

    بعد ذلك شرع المؤلف رحمه الله في بيان القسم الثاني: وهن المحرمات على التأقيت, والمحرمات على التأقيت ينقسمن إلى قسمين:

    القسم الأول: محرمات بسبب الجمع.

    والقسم الثاني: محرمات بسبب عارض ثم يزول.

    محرمات بسبب الجمع ومحرمات بسبب عارض ثم يزول.

    المحرمات بسبب الجمع

    المحرمات بسبب الجمع ذكر بعض العلماء رحمهم الله لهن ضابطاً. قال: إذا كان أحدهما ذكراً والآخر أنثى فإنه لا يتزوج أحدهما من الآخر.. إلى آخر ما ذكر من الضابط كما ذكره ابن رجب رحمه الله, لكن الصواب في ذلك أن نقول: المحرمات بسبب الجمع بينها النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بين المرأة وخالتها )، وأيضاً لا يجمع بين الأختين, لقول الله عز وجل: وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ [النساء:23].

    فهذا هو القسم الأول المحرمات على التأقيت بسبب الجمع, فإذا زال الجمع طلق الزوج العمة فإنه يجوز له أن يتزوج ابنة أخيها, طلق الزوج الخالة فإنه يجوز له أن يتزوج ابنة أختها, طلق الزوج الأخت وخرجت من العدة فإنه يجوز له أن يتزوج الأخت الثانية.

    هذا هو الأمر الأول المحرمات بسبب الجمع من القسم الثاني وهن المحرمات على سبيل التأقيت.

    قال المؤلف رحمه الله: [فصل: ويحرم الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها لقوله صلى الله عليه وسلم: ( لا يجمع بين المرأة وعمتها، ولا بينها وبين خالتها )].

    المحرمات بسبب عارض

    بالنسبة للأمر الثاني وهن المحرمات على سبيل التأقيت بسبب عارض ثم يزول, يشر إليه المؤلف رحمه الله كما سيأتي إن شاء الله.

    الجمع بين أكثر من أربع نسوة

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يجوز للحر أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة].

    هذا ظاهر وقد حكى بعض العلماء رحمهم الله الإجماع على ذلك، وأن الحر لا يجوز له أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة, وهذا أيضاً يذكره أهل السنة والجماعة في معتقداتهم رداً على الرافضة؛ لأن الرافضة يخالفون في هذه المسألة، ويدل لذلك ( حديث غيلان بن سلمة رضي الله تعالى عنه أنه أسلم وتحته عشر نسوة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعاً منهن ), وهذا أخرجه ابن ماجة والحاكم والبيهقي وإسناده صحيح، وكذلك أيضاً قيس بن الحارث رضي الله تعالى عنه ( أسلم وتحته ثمان نسوة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعا منهن ).

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا للعبد أن يجمع إلى اثنتين].

    جمهور العلماء رحمهم الله أن الرقيق ليس له أن يتزوج إلا اثنتين, على النصف من الحر, والرأي الثاني رأي الإمام مالك رحمه الله ورأي داود الظاهري أنه لا فرق بين الحر وبين الرقيق فكل منهم له أن يتزوج أربع نسوة للعمومات.

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن جمع بين ما لا يجوز الجمع بينه في عقد واحد فسد العقد].

    يعني: لو أنه تزوج أختين في عقد واحد قال له الولي: زوجتك فلانة وفلانة فقال: قبلت، يقول المؤلف رحمه الله: العقد فاسد؛ لأنه لا يجوز له أن يجمع بين من لا يجوز الجمع بينهما في عقد واحد.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان في عقدين لم يصح الثاني منهما]؛ لأن الثاني هو الذي حصل به الجمع, وهذا الجمع محرم ولا يجوز فيفسد, فلو أنه قال له: زوجتك فلانة فقال: قبلت, ثم بعد ذلك عقد له عقداً آخر فقال: زوجتك فلانة أختها, قال: قبلت, فنقول: بأن العقد الأول صحيح إذ لا مانع وأما العقد الثاني فباطل؛ لأنه هو الذي حصل به الجمع وهذا الجمع محرم ولا يجوز, والتحريم يعود إلى ذات المنهي عنه فيقتضي الفساد.

    من أسلم وتحته أختان

    قال المؤلف رحمه الله: [ولو أسلم كافر وتحته أختان اختار منهما واحدة].

    وهذا دليله ما ورد أن فيروز الديلمي رضي الله تعالى عنه ( أسلم وتحته أختان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار واحدة منهما) .

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كانتا أماً وبنتاً ولم يدخل بالأم فسد نكاحها وحدها].

    يعني: إذا أسلم وتحته زوجتان هاتان الزوجتان أم وبنت, ولم يدخل بالأم فسد نكاحها وحدها, يعني: فسد نكاح الأم وحدها؛ لأن الأم يفسد نكاحها؛ لأنها أم زوجة، وأم الزوجة كما تقدم لنا تحرم بمجرد العقد, وأما البنت لا يفسد نكاحها؛ لأن البنت ربيبة هذا الزوج، الآن عنده زوجتان أم وبنت, أسلم الآن, يقول المؤلف: ما دام أنه لم يدخل بالأم حرمت عليه الأم؛ لأن الأم تحرم بمجرد العقد, أما الزوجة تحرم بمجرد العقد, الربيبة لا تحرم إلا بالدخول بالأم ولم يدخل بالأم, فنقول: الربيبة حتى الآن ليست محرمة عليه؛ لأنه لم يدخل بأمها، وأما الأم فهي محرمة عليه؛ لأنها أم زوجة وأم الزوجة تحرم بمجرد العقد, فإذا أسلم وتحته هذه الأم والبنت فنقول: فسد نكاح الأم؛ لأن الأم تحرم على الزوج بمجرد العقد على البنت, وهو الآن عقد على البنت, فنقول: هذه نكاحها فاسد, وأما الربيبة فهذه لا تحرم على الزوج إلا بالدخول بالأم ولم يدخل بالأم, فالربيبة لا مانع في نكاحها فيبقى النكاح ويثبت، وأما الأم فإنه يفسد نكاحها ؛ لأنه سبق لنا أن مجرد العقد على الزوجة يحرم الأم.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان دخل بها فسد نكاحهما وحرمتا على التأبيد].

    فسد نكاحهما؛ لأن الأم أم زوجه تحرم بمجرد العقد، وبنت الزوجة وقد دخل بأمها أيضاً فتحرم عليه على التأبيد, فالأم تحرم عليه على التأبيد؛ لأنها أم زوجة وأم الزوجة تحرم بمجرد العقد, والربيبة تحرم على التأبيد أيضاً لكونه دخل بأمها.

    من أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن أسلم وتحته أكثر من أربع نسوة أمسك منهن أربعاً وفارق سائرهن].

    وهذا كما تقدم لنا دليله حديث قيس بن الحارث رضي الله تعالى عنه, ( لما أسلم وتحته ثمان نسوة فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يختار أربعاً وأن يفارق سائرهن ), وأيضاً غيلان بن مسلمة رضي الله تعالى عنه لما ( أسلم وتحته عشر نسوة أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يختار أربعاً وأن يفارق سائرهن ).

    قال المؤلف رحمه الله: [وفارق سائرهن سواء كان أمسك منهن أول من عقد عليها أو آخرهن].

    وهذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله هو الصواب, يعني: لا فرق بين الزوجة المتقدمة أو المتأخرة,فله أن يختار حتى لو اختار الزوجات الأول, أو اختار الزوجات المتأخرات, فإن الأمر راجع له, ولا فرق كما فرق بعض أهل العلم وأشار إليه المؤلف رحمه الله, فالصواب ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    قال المؤلف رحمه الله: [وكذلك العبد إذا أسلم وتحته أكثر من اثنتين].

    هذا مبني على قول جمهور أهل العلم, وأن العبد لا يجوز له أن يجمع بين أكثر من اثنتين, لكن إذا قلنا بما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله وما ذهب إليه داود الظاهري أن الرقيق له أن يجمع بين أكثر من اثنتين فإنه إذا أسلم وعنده ثلاث أو أربع يبقى على نكاحهن ولا يفارق شيئاً منهن.

    المحرمة بسبب العدة

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن طلق امرأة ونكح أختها أو خالتها أو خامسة في عدتها لم يصح سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً].

    شرع المؤلف رحمه الله في الأمر الثاني وهن المحرمات على التأقيت بسبب عارض ثم يزول, تقدم لنا أن القسم الثاني من المحرمات محرمات على التأقيت, والمحرمات على التأقيت ينقسمن إلى قسمين:

    القسم الأول: محرمات بسبب الجمع, والمحرمات بسبب الجمع لا يجمع بين المرأة وعمتها ولا بين المرأة وخالتها, ولا يجمع بين الأختين.

    القسم الثاني: محرمات بسبب عارض ثم يزول, والمحرمات بسبب عارض ثم يزول ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: المحرمة بسبب العدة, فلا يجوز أن يعقد على المرأة في عدتها, يعني: العدة إذا لم تكن للزوج فإنه لا يجوز أن يعقد على المرأة في عدتها, لقول الله عز وجل: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة:235]، فالمعتدة محرمة بسبب عارض وهو العدة حتى يزول هذا العارض إلا إذا كانت العدة للزوج, فإذا كانت العدة للزوج فإنه يجوز له أن يعقد عليها, فلو أن رجلاً خالع زوجته فيجوز له, وإذا خالع الزوج زوجته فإنه لا يملك أن يراجعها, لكن إذا أراد أن يعقد عليها ورضيت المرأة فلا بأس في العدة, كذلك أيضاً لو أن الزوج فسخ زوجته لفوات شرط أو لوجود عيب ثم بعد ذلك أراد الزوج أن يعقد على زوجته فإن هذا لا بأس به, إذا أراد أن يعقد عليها في عدتها فلا بأس, أما إذا كانت العدة ليست للزوج فإنه لا يجوز له أن يعقد عليها, إذا كانت مطلقة أو مخلوعة أو مفسوخة أو متوفى عنها لا يجوز، وتقدم لنا أيضاً أن التصريح في الخطبة لا يجوز وإنما يجوز التعريض؛ لأن التصريح وسيلة على المحرم وهو العقد عليها في عدتها, ودليله كما تقدم من قول الله عز وجل: وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ [البقرة:235].

    كذلك أيضاً إذا طلق امرأة فإنه ما يجوز له أن يعقد على أختها في العدة, حتى تنتهي أختها من عدتها, يعني: لو أنه طلق زوجته هنداً فإنه لا يجوز له أن يعقد على أختها مادامت هند في العدة, ولا فرق بين الطلاق الرجعي والطلاق البائن, فإذا كان الطلاق رجعياً فالأمر ظاهر؛ لأن هذه المطلقة الرجعية زوجة كما قال الله عز وجل: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ [البقرة:228]، فيكون جمع بين زوجتين أو بين أختين, يعني: إذا طلق هنداً وهند لا تزال في عدتها وهي رجعية فإنه لا يجوز له أن يتزوج أختها؛ لأن الرجعية زوجة، وهذه أصبحت أيضاً زوجة، ففيه جمع بين زوجتين, كذلك أيضاً لو طلق العمة فإنه لا يجوز له أن يتزوج بنت أخيها, لو طلق الخالة لا يجوز له أن يتزوج بنت أختها ما دامت العمة والخالة في عدتها, إن كانت رجعية فالأمر ظاهر؛ لأنها زوجة فيكون جمع بين المرأة وعمتها وبين المرأة وخالتها وبين الأختين.

    وكذلك أيضاً يقول المؤلف رحمه الله: (حتى ولو كانت بائناً), يعني: حتى ولو طلقها آخر الطلقات الثلاث, يعني: طلق زوجته آخر الطلقات الثلاث, فهل له أن يتزوج أختها وزوجته الأولى في عدتها, يقول المؤلف رحمه الله: لا يجوز له أن يتزوج أختها, وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله، وهذا هو الأقرب والأحوط؛ لأن آثار الزواج لا تزال باقية ما دامت الزوجة الأولى في العدة، آثار الزواج لا تزال باقية فإنه لا يجوز له في هذا الحال أن ينكح الأخت حتى ولو كان طلاق الأخت الأولى بائناً, ما دامت في العدة نقول: انتظر حتى تنتهي العدة، كذلك أيضاً ابنة الأخ لا يجوز له أن يتزوجها ما دامت العمة في عدتها، أو بنت الأخت لا يجوز له أن يتزوجها ما دامت الخالة في عدتها, حتى ولو كان الطلاق بائناً آخر الطلقات الثلاث لا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره, فنقول: لا يجوز له، وهذا قول جمهور أهل العلم؛ لأن آثار النكاح لا تزال باقية, ولهذا قال المؤلف رحمه الله: سواء كان الطلاق رجعياً أو بائناً.

    المحرمة بنسك

    الأمر الثاني: المحرمة, هذه محرمة تأقيتاً إلى أن تحل من إحرامها سواء كان الإحرام بالحج أو العمرة, واعلم أنه عندنا ثلاثة: الولي والزوج والزوجة, إذا كان أحدهما محرماً فالعقد غير صحيح, إذا كان الولي محرماً والزوجة حلالاً والزوج حلالاً فإنه لا يصح العقد, أيضاً إذا كانت الزوجة محرمة والزوج والولي حلالين لا يصح عقد, أيضاً إذا كان الزوج محرماً والزوجة والولي حلالين لا يصح العقد, عندنا الزوجة أو الزوج أو الولي إذا كان أحدهما محرماً فإن العقد لا يصح حتى يحل من إحرامه لحديث عثمان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا ينكح المحرم ولا ينكح ).

    المطلقة ثلاثاً

    الأمر الثالث: المطلقة ثلاثاً, المطلقة ثلاثاً هذه محرمة على التأقيت حتى تنكح زوجاً غير زوجها الأول، لا بد أن يكون النكاح صحيحاً ليس نكاح تحليل، وأيضاً لا بد من الوطء في القبل, ولا بد أن يكون هذا الوطء في نكاح, ولا بد أيضاً من انتشار الذكر، وهل يشترط الإنزال أو لا يشترط الإنزال؟ الصحيح في ذلك أنه لا يشترط الإنزال لقول الله عز وجل: فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ [البقرة:230].

    الزانية

    الأمر الرابع ممن تحرم على التأقيت لعارض ثم يزول: الزانية, الزانية لا يجوز زواجها حتى تتوب من زناها, فإذا تابت من زناها صح العقد عليها حتى من الزاني, لو أن الزاني تاب وتابت الزانية فإنه يصح الزواج لكل واحد منهما بالآخر لقول الله عز وجل: وَالزَّانِيَةُ لا يَنكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ [النور:3]، فالزانية لا تحل حتى تتوب من زناها, كذلك أيضاً الصواب أنه لا فرق بين الزاني والزانية كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله حيث يفرقون بين الزاني والزانية, الصواب أيضاً أن الزاني لا يصح نكاحه حتى يتوب من زناه كالزانية تماماً.

    نكاح الأمة

    الأمر الخامس: الأمة, الأمة بالنسبة للحر لا يجوز له أن يتزوجها إلا بشروط ؛ لأنه كما قال الإمام أحمد رحمه الله: إن الحر إذا تزوج أمة رق نصفه؛ لأن أولاده يكونون أرقاء, فالأمة التي تباع وتشترى لا يجوز للحر أن يتزوجها إلا بثلاثة شروط:

    الشرط الأول: أن يعجز عن طول الحرة, يعني: ما يستطيع مهر الحرة, ودليل ذلك قول الله عز وجل: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ [النساء:25].

    الشرط الثاني: أن يخاف عنت العزوبة, يعني: مشقة العزوبة إما لحاجة المتعة أو لحاجة الخدمة, يعني: يحتاج إلى هذه الزوجة حتى ولو كانت أمة إما لتخدمه أو للمتعة, لقول الله عز وجل: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25].

    الشرط الثالث: أن لا يكون عنده ثمن أمة يشتري به, قد لا يستطيع طول الحرة لكن عنده دراهم يستطيع بها أن يشتري بها أمة, فإذا كان عنده دراهم يستطيع أن يشتري بها أمة فلا يجوز له أن يتزوج الأمة , وإنما يتسراها بملك اليمين.

    فإذا توافرت هذه الشروط الثلاثة حل نكاح الأمة، أما إذا لم تتوافر هذه الشروط الثلاثة فإنه لا يحل نكاح الأمة, وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: يحل نكاح الأمة مطلقاً, بشرط أن يشترط الزوج, إذا اشترط الزوج أن أولاده أحرار وليسوا أرقاء جاز له أن يتزوج الأمة, لكن الصواب ما ذهب إليه أكثر أهل العلم, وأنه لا يجوز أن يتزوج الأمة إلا بهذه الشروط؛ لأن الله عز وجل نص عليها في القرآن: وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ [النساء:25] إلى أن قال: ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ [النساء:25]، فالله عز وجل اشترط هذين الشرطين وألحق العلماء رحمهم الله شرطاً ثالثاً وهو أن يعجز عن ثمن الأمة.

    الكافرة

    الأمر السادس والأخير فيما يتعلق بالمحرمات على التأقيت لعارض ثم يزول: الكافرة, فالكافرة لا يجوز نكاحها حتى تسلم لقول الله عز وجل: وَلا تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ [البقرة:221]، وقال الله عز وجل: لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ [الممتحنة:10]، لكن يستثنى من ذلك الكتابية: اليهودية أو النصرانية, فإنه يجوز للمسلم أن يتزوجها, وقد اشترط العلماء رحمه الله شروطاً لزواج الكافرة أو النصرانية:

    الشرط الأول: أن يكون أبواها كتابيين، وهذا ذهب إليه الشافعية والحنابلة, وعند الحنفية أن هذا ليس شرطاً، وهذا القول هو الصواب, يعني: لا يشترط أن يكون أبواها كتابيين, المهم أن تكون هي كتابية, يعني: حتى ولو كان أبوها وثنيا أو كان أبوها مجوسياً أو دهرياً..إلخ, فالصواب أنه لا يشترط أن يكون أبواها كابيين.

    الشرط الثاني اشترطه بعض أهل العلم: أن تدين بدين اليهود الخالص إن كانت يهودية , أو تدين بدين النصارى الخالص إن كانت نصرانية, وهذا أيضاً الصواب أنه لا يشترط؛ لأن الله عز وجل ذكر عنهم أنهم يشركون بالله: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]، ومع ذلك قال الله عز وجل: الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ [المائدة:5]، فأباح الله عز وجل ذبائحهم وأباح نساءهم مع أنه ذكر عنهم أنهم يشركون بالله عز وجل: وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [التوبة:30]، فالصحيح أنه لا يشترط أن تدين بدين اليهود الخالص أو تدين بدين النصارى الخالص, المهم يشترط أن تعتقد أنها نصرانية أو تعتقد أنها يهودية, فإذا كانت تعتقد أنها على دين النصارى أو تعتقد على دين اليهود حتى وإن كانت معرضة عن دينها أو معرضة عن أكثر دينها, المهم لا تعتقد أنها مرتدة، فإذا كانت لا تدين بدين فإنها لا تحل، أما إذا كانت تعتقد أنها تدين بدين اليهود أو بدين النصارى وإن كانت لا تتمسك بالتعاليم كما جاء به موسى أو التعاليم كما جاء به عيسى عليه السلام.

    فالشرط الأول: أن يكون أبواها كتابيين، وهذا قلنا: فيه نظر, الشرط الثاني: أن تدين بالدين الخالص, وهذا أيضاً فيه نظر، فالصواب في ذلك أنها تحل مادامت أنها تعتقد أنها نصرانية أو أنها يهودية, ومع ذلك ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه منع الزواج من النصرانيات أو اليهوديات من باب السياسة, وأنكر على حذيفة رضي الله تعالى عنه, وأورد عليه حذيفة أن يورد له دليل على التحريم, فقال عمر رضي الله تعالى عنه: أخشى أن تتزوجوا المومسات منهن.

    الشرط الثالث: أن تكون حرة, يعني لا بد أن تكون حرة، فإن كانت أمة يهودية أو نصرانية فإنها لا تحل؛ لأن أمة المسلمة لا تحل للمسلم إلا بشروط فكيف بالأمة الكتابية؟

    الشرط الأخير: أن تكون عفيفة من الزنا.

    1.   

    الأسئلة

    تصرف الفضولي

    السؤال: ما هو تصرف الفضولي؟

    الجواب: التصرف الفضولي أن الإنسان يتصرف تصرفاً في الأصل أنه لا يملكه, وهذا يكون في عقود المعاوضات والتبرعات والأنكحة, يعني: مثلاً: يبيع سيارة صديقة أو سيارة أبيه..إلخ, الأصل أنه لا يملك هذا التصرف, هذا التصرف فضولي, يعني: تصرف تصرفاً في الأصل أنه لا يملكه, فهل ينفذ هذا البيع؟ أو مثلاً: يزوج بنت زيد من الناس وهو لا يملك، ليس من أوليائها فهل ينفذ ذلك أو لا ينفذ؟ ينفذ بالإجازة.

    نكاح الحر للأمة بشروط

    السؤال: لمَ جاز للعبد أن ينكح الحرة ولم يجز للحر أن ينكح أمة إلا بشروط؟

    الجواب: هكذا جاء في القرآن الكريم يعني: الحر ليس له أن يتزوج أمة إلا بشروط, والإمام أحمد رحمه الله قال: إن الحر إذا تزوج أمة رق نصفه يعني: لو أن الإنسان تزوج أمة تباع وتشترى, وعقد عليها عقد نكاح فإن أولاده، كلهم يكونون أرقاء للسيد, ولهذا منع الشارع الحر أن يتزوج أمة إلا بهذه الشروط.

    المهر مصحفاً

    السؤال: هل يشترط في المهر مال؛ لأنني طلبت مهري مصحفا؟

    الجواب: هذا المصحف مال، كل ما كان ثمناً أو أجرة أو منفعة يصح أن يكون صداقاً, وهذا يشمل الشيء اليسير، حتى ابن حزم رحمه الله يقول: لو أصدقها ولو حبة شعير, فإن العقد يكون صحيحاً، المهم لا بد من المهر حتى لو كان شيئاً يسيراً, والمصحف يصح أن يكون من المهر؛ لأنه يباع ويشترى.

    زواج الزاني التائب

    السؤال: إذا فعل الرجل فاحشة الزنا ثم تاب وتطهر بعد ذلك فهل إذا أراد أن يتزوج بعد ذلك عليه عدم الزواج من امرأة طاهرة أي: هل يجب عليه أن يتزوج من زانية مثله؟

    الجواب: لا يجب عليه هذا، إذا تاب الإنسان من الزنا فإنه يتزوج من أي امرأة، لكن لا يتزوج من المحرمات التي تقدم الكلام عليهن.

    زواج المرأة بناقص الدين

    السؤال: إذا لم يأت كفء صالح للمرأة هل لها أن تتزوج من غير كفء ناقص دينه؟

    الجواب: ليس بشرط أن يأتي المرأة رجل ملتزم تماماً يطبق كل شعائر الإسلام, مادام أن الإنسان لا يعرف عنه الأمور التي سبق أن ذكرنا من ترك الصلاة أو عدم التوبة من الفاحشة..الخ, فإن هذا لا بأس للمرأة أن تتزوجه,كونها تتزوج بإنسان يأتي بشعائر الإسلام هذا أحسن وهذا هو الأولى لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )، لكن كون المرأة لابد أن تتزوج ملتزماً هذا قد يكون فيه مشقة وصعوبة, إن أرادت المرأة أن تنتظر فلها ذلك، ومثلاً: لو كان عليه بعض الملاحظات مثلاً: يسمع الغناء أو غير ذلك فإنه لا بأس أن المرأة تقدم على أن تتزوج به، وإذا كانت تطمع أن يأتيها أحسن منه فهذا أحسن كونها تنتظر, لكن قد ما تطمع أن يأتيها أحسن من هذا الشخص فنقول: تتزوج.

    زوجة العم

    السؤال: هل تكون محرماً لزوجة عمك؟

    الجواب: زوجة العم لست محرماً لها، ولهذا لو مات عمك لك أن تتزوجها.

    الزواج بربيبة الأب

    السؤال: إذا تزوج الرجل بامرأة وللمرأة بنت فهل يجوز للأب أن يتزوجها؟

    الجواب: ربائب الأبناء وأمهات أزواج الأبناء للأب أن يتزوجهن يعني: لك أن تتزوج أم زوجة ابنك ولك أن تتزوج بنت زوجة ابنك, وكذلك أيضاً العكس, أنت لك أن تتزوج ربيبة أبيك بنت زوجة أبيك, ولك أن تتزوج أم زوجة أبيك.

    الزواج بأخت الزوجة

    السؤال: متى يجوز للرجل أن يتزوج أخت زوجته؟

    الجواب: يجوز له أن يتزوجها إذا طلقها وانتهت عدتها.

    الخلوة بجمع من النساء

    السؤال: ما حكم الخلوة بامرأتين مثل: صاحب أجرة السيارة؟

    الجواب: لابد أن نفرق بين مسألة المحرم ومسألة الخلوة, المحرم لا نشترطه إلا في السفر، أما في الحضر فلا نشترط المحرم, في الحضر نشترط عدم الخلوة, فإذا كان هناك رجل أجنبي ومعه امرأتان فإنه لا بأس ما دام أنه ليس هناك محظور شرعي ويعني: الخلوة الآن منتفية ما نشترط أن يكون هناك محرم, فالمحرم إنما اشترطه الشارع في السفر، أما في الحضر فإن المحرم ليس شرطاً، وإنما يشترط في الحضر عدم الخلوة, والخلوة تنتفي بوجود امرأة أو بوجود رجل حتى ولو كان عندنا امرأة ورجل أجنبي فهنا لا خلوة، لكن بشرط أنه ليس هناك محذور شرعي.

    نوع تحريم الربيبة

    السؤال: هل الربيبة محرمة أبدية؟

    الجواب: الربيبة محرمة أبدية، أيضاً انتبه للمسألة الأخرى التي تشكل على بعض الناس, الربيبة محرمة عليك إلى يوم القيامة, حتى لو طلقت زوجك وبعد ما طلقت زوجك تزوجت هذه المرأة وأنجبت بنات, هؤلاء البنات محرمات عليك إلى يوم القيامة, وأنت محرم لهن, مع أن هؤلاء البنات لم يأتين إلا بعد أن طلقت زوجتك وتزوجت وأنجبت بنات، فإنهن محرمات عليك إلى يوم القيامة، وأنت محرم لهن, لك أن تنظر إليهن ولك أن تخلو بهن، والله أعلم.