إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب النكاح [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • النكاح ميثاق غليظ، فيشترط فيه أن يكون بولي وشهود، والولي له شروط لابد أن تتوافر فيه، وقد بين الفقهاء الأولى بالولاية. ولا تنكح الثيب حتى ستتأمر، ولا البكر حتى تستأذن.

    1.   

    تابع ولاية النكاح

    تقد لنا شيء من شروط صحة النكاح في الدرس السابق، فتقدم لنا شرط الولاية، وأن أهل العلم اختلفوا في اشتراط الولاية، هل الولاية شرط من شروط صحة النكاح أو ليست شرطاً؟ على رأيين، وذكرنا أن رأي جمهور العلم رحمهم الله: أن ولاية النكاح شرط من شروط صحته, وعند أبي حنيفة أن المرأة إذا كانت بالغة حرة عاقلة لها أن تزوج نفسها, وذكرنا أن الأقرب في هذه المسألة ما ذهب إليه الجمهور لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها فنكاحها باطل فنكاحها باطل ).

    وأيضاً تقدم لنا الشرط الثاني شرط الشهادة, وهل الشهادة شرط من شروط صحة النكاح؟ ذكرنا في ذلك ثلاثة آراء، وأن جمهور أهل العلم أن الشهادة شرط من شروط صحة النكاح، والرأي الثاني أنه ليس شرطاً كسائر العقود تصح بلا شهادة, والرأي الثالث: التفصيل أنها ليست شرطاً عند العقد لكن لا بد منها عند الدخول.

    أيضاً تكلمنا عن مراتب الولاية في باب النكاح, من الأولى بتزويج المرأة فذكرنا أنهم يرتبون, يبدأ بالأصول الأب ثم الجد وإن علا ثم بعد ذلك الفروع الابن ثم ابن الابن وإن نزل، ثم بعد ذلك الحواشي الإخوة وبنوهم والأعمام وبنوهم, ثم بعد ذلك العصبة بالسبب, المعتق وفروعه ثم أصوله, المعتق أولاً إن كان موجوداً ثم بعد ذلك فروعه ثم بعد ذلك أصوله ثم بعد ذلك حواشيه.

    تابع مسقطات ولاية النكاح

    تكلمنا أيضاً عن مسقطات الولاية، وذكرنا شيئاً من هذه المسقطات.

    قال المؤلف رحمه الله: (إلا أن يكون صبياً).

    المسقط الأول: أن يكون الأقرب غير أهل للولاية لكونه صغيراً أو لكونه فاقد العقل أو لكونه ناقص العقل ونحو ذلك, فإذا كان ليس أهلاً للولاية فإن الولاية تنتقل إلى من بعده.

    المسقط الثاني من مسقطات الولاية: المخالفة في الدين, فإذا كان مخالفاً لدين المرأة فإنه لا ولاية له عليها, وتقدم الكلام على هذه المسألة.

    المسقط الثالث: العضل، الولي إذا عضل المرأة, وبينا متى يكون عاضلاً وذلك إذا منع كفئاً رضيته, إذا منع الولي كفئاً رضيته المرأة فإنه في هذا الحالة يكون عاضلاً لها, فتسقط ولايته وتنتقل إلى من بعده.

    قال المؤلف رحمه الله: [أو غاب غيبة بعيدة].

    هذا هو المسقط الرابع, إذا غاب الولي الأقرب غيبة بعيدة فإن الولي الأبعد يزوج, وقال المؤلف رحمه الله: (إذا غاب غيبة بعيدة), ولم يقدر هذا البعد, يعني: لم يذكر مقدار هذا البعد, وقد حده بعض العلماء بقوله: إذا كانت لا تقطع إلا بكلفة ومشقة, قالوا: إذا غاب الولي غيبة بعيدة لا تقطع إلا بكلفة ومشقة فإن ولايته تسقط وتنتقل إلى من بعده, وكونها لا تقطع إلا بكلفة ومشقة هذا يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة, فمثلاً: في وقتنا الحاضر يختلف عن الأزمنة فيما مضى لوجود الآن ما يتعلق بوسائل الاتصال، فيمكن أن يكون الشيء البعيد في الزمن السابق هو قريب بتقدم وسائل الاتصال في زمننا هذا.

    المهم الرأي الثاني: قالوا: بأن الولي إذا غاب غيبة لا تقطع إلا بمشقة وكلفة فإنه تسقط ولايته وتنتقل إلى من بعده, قالوا: إذا غاب غيبة يفوت فيها الخاطب الكفء, فإن ولايته تسقط وتنتقل إلى من بعده فلو مثلاً: أخو المرأة غاب غيبة بحيث لا يمكن أن يقدم إلا بعد أن يفوت الخاطب, الخاطب إذا لم يعط ولم يزوج فإنه ينتقل إلى غير هذه المرأة، فلمن بعده في الولاية كابنه أن يزوج, وهذا القول: هو الأقرب, نقول في تحديده: إذا كان الخاطب الكفء يفوت بسبب غيبة الولي فإن ولايته تسقط وتنتقل إلى من بعده, وتقدم لنا أن أشرنا أن الولاية في عقد النكاح إنما شرعت لمصلحة المرأة, وإلا فإن المرأة تقدر على أن تزوج نفسها, كما أنها تقدر على أن تبيع وأن تشتري وأن تعقد العقود المالية.. إلخ.

    وعلى هذا فإذا كان الولي غائباً فإنه ليس من مصلحة المرأة أن ننتظر هذا الولي, بل تنتقل الولاية إلى من بعده، فالصواب في ذلك نقول: إذا غاب الولي غيبة يفوت فيها الخاطب الكفء فإن ولايته تسقط وتنتقل إلى من بعده, فإذا كان هذا الخاطب قال: أنا لا أنتظر إلا يومين, ونعرف أن الولي الأقرب لا يقدم إلا بعد ثلاثة أيام أو لا يقدم إلى بعد عشرة أو بعد شهر..إلخ وقال هذا الخاطب: أنا لا أنتظر إلا يومين أو ثلاثة..إلخ فنقول: بأن ولاية الأقرب تسقط وتنتقل إلى من بعده.

    أثر المخالفة في الدين في ولاية النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا ولاية لأحد على مخالف لدينه إلا المسلم إذا كان سلطاناً أو سيد أمة].

    يقول المؤلف رحمه الله: لا ولاية لأحد على مخالف لدينه, هذه المسألة تحتها أمران:

    الأمر الأول: ولاية الكافر على المسلمة, فنقول: بأن الكافر ليس له ولاية على المسلمة مطلقاً, هذا هو الصواب, لقول الله عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( الإسلام يعلو ولا يعلى عليه )، فلو كان عندنا نصرانية أسلمت وأبوها ليس مسلماً لم يزل نصرانياً فإنه لا ولاية له عليها في تزويج النكاح, وحينئذ يتولى تزويجها المسلمون، إن كان هناك أحد من أوليائها مسلم فإنه يتولى تزويجها، فإن لم يكن أحد من أوليائها مسلم فإنه يتولى تزويجها سلطان المسلمين أو رئيس المسلمين أو المسئول عنهم في تلك الديار.

    الأمر الثاني: إذا كان العكس, إذا كان الولي مسلماً والزوجة كافرة فهل يتولى المسلم تزويجها أو لا؟ عكس المسألة السابقة, إذا كان الأب مسلماً أو الأخ مسلماً أو العم مسلماً, وموليته نصرانية تريد أن تتزوج فهل له أن يتولى عقد النكاح لها أو ليس له أن يتولى عقد النكاح لها؟

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يتولى عقد النكاح لها, ولهذا قال: ولا ولاية لأحد على مخالف لدينه, ولم يستثن من ذلك إلا مسألتين، والصواب في هذه أن المسلم يتولى على الكافرة, لما تقدم من قول الله عز وجل: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء:141]، وقد جعل الله عز وجل للمؤمنين على الكافرين سبيلاً، وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الإسلام يعلو ولا يعلى عليه )، فإذا كان الإسلام يعلو فإن المسلم يتولى تزويج الكافرة.

    فالصواب في هذه المسألة أن المسلم إذا كان ولياً وكانت موليته كافرة فإن المسلم يتولى تزوجها؛ ولأنه مؤتمن عليها.

    استثنى المؤلف رحمه الله السلطان فقال: (إلا المسلم إذا كان سلطاناً أو سيد أمة), يعني: يقول: المسلم إذا كان سلطاناً فإنه يزوج الكافرة، والصواب في ذلك كما سبق لنا أن المسلم يزوج الكافرة سواء كان سلطاناً أو غير سلطان.

    قال: (أو سيد أمة), سيد الأمة أيضاً يقوم بتزويجها حتى ولو كان كافراً، والصواب في ذلك أن سيد الأمة إذا كان كافراً لا يملك تزويجها؛ لما تقدم أن الكافر لا يكون ولياً على مسلمة, وإذا كان سيد الأمة مسلماً والأمة كافرة فإنه يتولى تزويجها.

    الخلاصة في ذلك: ولاية المسلم على الكافرة صحيحة, وولاية الكافر على المسلمة غير صحيحة.

    1.   

    رضا الزوجين بعقد النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [فصل: وللأب تزويج أولاده الصغار ذكورهم وإناثهم وبناته الأبكار بغير إذنهم].

    هذا هو الشرط الثالث من شروط صحة النكاح: رضا الزوجين, تقدم الشرط الأول وهو الولاية، والشرط الثاني وهو الشهادة، والشرط الثالث الآن شرع فيه المؤلف رحمه الله وهو رضا الزوجين, فهل الرضا معتبر في عقد النكاح أو ليس معتبراً في عقد النكاح؟

    أفاد المؤلف رحمه الله أن رضا الزوجين ليس معتبراً دائماً في عقد النكاح, يعني: يشترط الرضا لكنه ليس معتبراً دائماً, فهناك من الأزواج من لا يعتبر رضاهم كما سيأتي بيانه إن شاء الله, فنقول:

    الشرط الثالث من شروط صحة النكاح: رضا الزوجين, ودليل ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت ). أخرجه البخاري ومسلم , فقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ), الأيم: التي لا زوج لها, ويراد بها في هذا الحديث الثيب.

    والأدلة في ذلك كثيرة من ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنه ( أن جارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم, فذكرت له أن أباها زوجها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته، فرد النبي عليه الصلاة والسلام النكاح إليهم ), يعني: جعل الأمر موكولاً إليها. وأيضاً ثبت في صحيح البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام خير الخنساء لما زوجها أبوها بغير رضاها.

    إذاً: الشرط الثالث من شروط صحة النكاح رضا الزوجين في الجملة, لكن ذكر المؤلف رحمه الله أن هناك من الأزواج من لا يعتبر رضاهم.

    من لا يعتبر رضاهم في النكاح

    الذين لا يعتبر رضاهم كما أشار إليهم المؤلف رحمه الله ينقسمون إلى أقسام:

    قال المؤلف رحمه الله: (وللأب تزويج أولاده الصغار ذكورهم وإناثهم وبناته الأبكار بغير إذنهم).

    ذكر المؤلف رحمه الله أقساماً من الأزواج لا يعتبر إذنهم ولا رضاهم:

    القسم الأول: الابن الصغير، هل لأبيه أن يزوجه أو ليس له أن يزوجه؟ يعني: هل للأب أن يعقد لابنه الصغير على امرأة أو ليس له أن يعقد له على امرأة؟ هل له أن يزوجه أو ليس له أن يزوجه؟

    الصغير الذي لم يبلغ لا يستأذن؛ لأنه لا يعرف مصالح النكاح, لا إذن له معتبر أصلاً حتى ولو استأذنه أبوه مثلاً: له خمس سنوات أو ست سنوات حتى ولو استأذنه أبوه فإن إذنه غير معتبر, هذا الإذن لا فائدة منه، لكن هل له أن يعقد له النكاح أو ليس له أن يعقد له النكاح؟

    المشهور من المذهب أن له أن يعقد له النكاح, لورود ذلك عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فإن ابن عمر زوج ابنه وهو صغير، فاختصموا إلى زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه فأجاز زيد ذلك, وهذا أخرجه البيهقي .

    الرأي الثاني: ليس للأب أن يزوج ابنه الصغير؛ لأن تزويج الأب لابنه الصغير يلزم الابن ببعض التكاليف المادية, كنفقة الزوجة وما يتعلق بذلك من الكسوة والطعام والشراب وغير ذلك.

    الرأي الثالث: أن الأب له أن يزوج ابنه الصغير إذا كان هناك مصلحة, إذا ترتب على ذلك مصلحة فإن له أن يزوجه، فإن لم يكن له مصلحة فإنه لا يملك أن يعقد له عقد النكاح.

    وهذا القول: هو الأقرب, ومنشؤه كما تقدم لنا أن الولاية في عقد النكاح تدور على المصلحة, فإذا كان هذا الابن يحتاج إلى من يقوم عليه من زوجة ترعى شؤونه لكون أمه مثلاً: غير موجودة فإنه لا بأس لأبيه أن يعقد له عقد النكاح, فهذا هو القسم الأول: الصبي الصغير, ذكرنا أن إذنه غير معتبر لكن هل لأبيه أن يعقد له عقد النكاح؟ الراجح في ذلك أنه يدور على المصلحة.

    القسم الثاني: البنت الصغيرة, أيضاً هذه إذنها غير معتبر، فهل لأبيها أن يعقد لها عقد النكاح أو ليس له أن يعقد لها عقد النكاح؟

    المشهور من المذهب أنه لا بأس, يعني: حتى لو كان لها شهر أو كان لها يوم واحد فلأبيها أن يعقد لها عقد النكاح, هذا هو المشهور من المذهب، وهذا أيضاً مذهب الشافعية وقول أكثر أهل العلم, أن البنت الصغيرة لأبيها أن يعقد لها عقد النكاح, واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة رضي الله تعالى عنها ولها ست سنوات، ودخل بها ولها تسع سنوات.

    وذهب طائفة من السلف إلى أن الأب لا يملك أن يعقد على ابنته الصغيرة؛ لأنه يشترط رضاها, والصغيرة لا إذن لها معتبر, حتى لو قالت له: رضيت، قولها هذا لا عبرة به؛ لأنها لا تعرف, فقالوا: الصغيرة يشترط رضاها, لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن )، وإذا كانت صغيرة لا يمكن أن تستأذن، فننتظر حتى تبلغ مبلغاً تعرف فيه مصالح النكاح ثم بعد ذلك نستأذنها في تزويجها.

    فعندنا العقد على البنت الصغيرة هل هو جائز أو ليس جائزاً؟

    المشهور من المذهب وهو قول أكثر أهل العلم أنه جائز.

    والرأي الثاني أنه ليس جائزاً؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن )، وهذه البنت الصغيرة لا يمكن أن تستأذن, فلا يصح أن نعقد لها عقد النكاح حتى تبلغ مبلغاً تعرف فيه مصالح النكاح, فإذا عرفت مصالح النكاح فإننا نستأذنها في تزويجها.

    والأقرب في ذلك أن نجمع بين القولين فنقول: يصح العقد على الصغيرة كما عقد النبي صلى الله عليه وسلم على عائشة رضي الله تعالى عنها, لكن نثبت لهذه الصغيرة الخيار إذا بلغت مبلغاً تعرف فيه مصالح النكاح، فيكون تصرف الولي هنا من باب التصرف الفضولي, فإن أجازت النكاح نفذ، وإن لم تجز النكاح لا ينفذ, فنقول: يصح ولا يدخل عليها الزوج حتى تبلغ مبلغاً يصح أن تختار وأن تستأذن وأن ينظر في رأيها، ويدل لذلك كما سبق حديث ابن عباس ( أن جارية أتت النبي صلى الله عليه وسلم وذكرت له أن أباها قد زوجها من ابن أخيه لكي يرفع بها خسيسته فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها ).

    قال المؤلف رحمه الله: (وبناته الأبكار).

    يعني: البكر البالغة العاقلة لأبيها أن يزوجها بمن لا ترضى ولا يعتبر إذنها, قالوا: يستحب أن يستأذنها, وهذا قول أكثر أهل العلم أن البكر البالغة لأبيها أن يزوجها بغير إذنها، واستدلوا على ذلك بما أورده المؤلف رحمه الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( الأيم أحق بنفسها من وليها، والبكر تستأذن في نفسها )، الأيم الثيب أحق بنفسها من وليها, فدل ذلك على أن البكر وليها أحق بها, فالثيب لا بد من إذنها, لا بد من رضاها, هي أحق بنفسها من وليها، فيفهم من ذلك أن غير الثيب وليها أحق بها, هذا هو المشهور من مذهب الحنابلة وهو قول أكثر أهل العلم.

    والرأي الثاني رأي أبي حنيفة وهو قول الأوزاعي أن البكر البالغة لا بد من إذنها، لما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن، قالوا: يا رسول الله وكيف إذنها؟ قال: أن تسكت ) أخرجاه في الصحيحين.

    والصواب في هذه المسألة أن يقال كما تقدم: إن العقد على البكر بغير إذنها صحيح، لكن يجعل الأمر إليها, كما جعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إلى الجارية, فإذا عقد أبوها عقد النكاح لشخص من الأشخاص ننظر إلى رأي هذه الفتاة، فإن أجازت العقد صح ذلك، ويكون تصرف الولي من باب تصرف الفضولي، وإن ردت العقد فإنه لا ينفذ, كما تقدم في حديث ابن عباس في قصة الجارية التي زوجها أبوها من ابن أخيه ليرفع بها خسيسته وهي لم ترضَ، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الأمر إليها, فنقول: إذا زوج الأب ابنته البالغة العاقلة ولم يأخذ رأيها ولم يأخذ إذنها أو زوجها بغير رضاها, نقول: الأمر موكول إلى المرأة، فإن أجازت العقد نفذ، وإن لم تجزه فإنه لا ينفذ.

    الاستئذان المرأة في النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب استئذان البالغة].

    هذا مبني على أن رضا البالغة ليس شرطاً ولا واجباً، لكن إذا قلنا: بأنه واجب، وأنه لا بد منه كما هو مذهب أبي حنيفة رحمه الله فنقول: يجب استئذان البالغة ولا بد من رضاها.

    قال المؤلف رحمه الله: [وليس له تزويج البالغ من بنيه وبناته الثيب إلا بإذنهم].

    تقدم أن الأب على المذهب له أن يعقد على ابنه الصغير، وتقدم كلام أهل العلم في هذه المسألة, لكن بالنسبة لابنه الكبير البالغ العاقل فليس له أن يعقد له إلا بإذنه, ولو عقد له على امرأة بلا إذنه فإنه ينظر إلى رأي الزوج فإن أجاز النكاح نفذ وإن رده فإنه لا ينفذ.

    كذلك أيضاً الثيب ليس للأب أن يزوج ابنته الثيب التي وطئت في نكاح صحيح أو بزنا مع رضا ليس له أن يزوج هذه الثيب إلا بإذنها، ودليل ذلك كما تقدم قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الأيم أحق بنفسها من وليها )، فالثيب بخلاف البكر، وتقدم كلامهم في البكر.

    قال المؤلف رحمه الله: [وليس لسائر الأولياء تزويج صغير ولا صغيرة ولا تزويج كبيرة إلا بإذنها].

    تزويج الابن الصغير هذا من خصوصيات الأب, لكن لو أن الأب متوفى فأراد الجد أن يزوج ابن ابنه الصغير الذي له سنتان أو ثلاث سنوات لا يملك ذلك, يعني: ملك تزويج الابن الصغير من خصائص الأب فقط, وتقدم الكلام على هذه المسألة, حتى الأب هناك من أهل العلم من يعارض في تزويجه.

    كذلك أيضاً تزويج البنت الصغيرة هذا من خصائص الأب, أما غيره لو كان الأب متوفى والجد أراد أن يزوج بنت ابنه الصغيرة فإنه لا يملك ذلك أو الأخ أراد أن يزوج أخته الصغيرة فإنه لا يملك ذلك حتى تبلغ مبلغاً تعرف فيه مصالح النكاح وتستأمر وتشاور ويؤخذ إذنها, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اليتيمة تستأمر في نفسها ).

    قال: (ولا تزويج كبيرة إلا بإذنها).

    أيضاً البكر البالغة لا يعتبر رضاها بالنسبة للأب فقط, أما بالنسبة لباقي الأولياء فإنه لا بد من رضاها, وتقدم لنا أن الصحيح أنه لا فرق بين الأب وغيره, وأن الأب إذا زوج ابنته البالغة العاقلة بلا إذنها فإن هذا موكول إلى المرأة، فإن أجازت النكاح نفذ, وإن لم تجز النكاح فإنه لا ينفذ.

    المهم أن سائر الأولياء ليس كالأب, الجد لا يملك أن يزوج ابنة ابنه البالغة العاقلة إلا برضاها, وأيضاً الأخ لا يملك أن يزوج أخته إلا برضاها، والعم لا يملك أن يزوج أبنة أخيه إلا برضاها؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( اليتيمة تستأمر في نفسها ).

    ما يكون به الإذن

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذن الثيب الكلام، وإذن البكر الصمات..الخ].

    هنا الآن شرع المؤلف رحمه الله في بيان ما يكون به الإذن، فالثيب لا بد أن تتكلم فتستأمر، ويدل لذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر ) يعني: تشاور من الاستئمار, يؤخذ أمرها في هذه المسألة هل تزوج أو لا تزوج, وأما بالنسبة للبكر فإذنها أن تسكت؛ لأن البكر لم تجرب الرجال فيغلب عليها الحياء, فإذا سكتت فإن ذلك علامة على الرضا في الغالب, وقد يكون السكوت ليس علامة على الرضا، ويرجع في ذلك إلى قرائن الأحوال, وإن تكلمت البكر وقالت: رضيت به، فهذا من باب أولى, خلافاً للظاهرية قالوا: بأنها لو تكلمت فهذا لا يعتبر إذناً, بل لابد أن تسكت جموداً على ظاهر النص.

    1.   

    الكفاءة بين الزوجين

    قال المؤلف رحمه الله: [وليس لولي امرأة تزوجها بغير كفئها].

    هنا الآن أشار المؤلف رحمه الله إلى شرط من شروط لزوم النكاح, الكفاءة بين الزوجين، هل الكفاءة بين الزوجين من شروط صحة النكاح أو من شروط لزوم النكاح؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله, والصواب أن الكفاءة بين الزوجين كما سيأتينا إن شاء الله تختلف, المهم شرط الكفاءة.

    الكفاءة في اللغة: المساواة, وأما في الاصطلاح: فهي المساواة بين الزوجين في أمور مخصوصة, وهذه الأمور سنبينها إن شاء الله.

    قال المؤلف رحمه الله: [والعرب بعضهم لبعض أكفاء].

    هذا الأمر الأول مما تكون الكفاءة، وهو النسب, فالأعجمي ليس كفئاً لعربية، فلو كان عندنا امرأة عربية, يعني: لها أصل في قبائل العرب, وعندنا رجل ليس له أصل في قبائل العرب, هنا قالوا: لا كفاءة بين الزوجين, فلو أن الأب زوج ابنته العربية التي لها أصل في قبائل العرب من هذا الرجل الذي ليس له أصل في قبائل العرب فإن العقد صحيح, المذهب يقولون: الكفاءة ليست من شروط صحة النكاح, ما نقول: بأن العقد باطل, وإنما العقد صحيح، لكن يقف ذلك على إجازة المرأة وإجازة أوليائها, هذا هو المشهور من المذهب.

    قال المؤلف رحمه الله: [وليس العبد كفئاً لحرة].

    الأمر الثاني: الحرية والرق, فلو أن الأب زوج ابنته الحرة رجلاً رقيقاً, يعني: مملوكاً يباع ويشترى، فإن المرأة إذا لم ترض أو لم يرض بعض أولياء المرأة فله أن يفسخ العقد, والعقد صحيح لكنه ليس بلازم, فإن رضيت المرأة ورضي أولياؤها نفذ, لكن إذا لم يرضوا فلمن لم يرض من المرأة والأولياء الفسخ مثل: النسب, إذا كانت المرأة نسيبة والزوج غير نسيب فلمن لم يرض من المرأة والأولياء الفسخ, هذان أمران.

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا الفاجر كفئاً للعفيفة].

    الأمر الثالث, ما يتعلق بالدين, فالفاجر ليس كفئاً لعفيفة, فإذا كان عندنا رجل فاسق والمرأة عدل في دينها, فهذا ليس كفئاً لهذه المرأة، فلمن لم يرض من المرأة وأوليائها الفسخ, هذه ثلاثة أشياء.

    الرابع: الصناعة, فإذا كان الزوج صناعته مزرية به مثل: الكساح الذي يقوم بتنظيف بيوت الخلاء أو الحجام أو الحلاق..ونحو ذلك, فقالوا: هذا صناعته مزرية, فليس كفئاً للمرأة، فإذا لم ترضَ المرأة ولم يرضَ أحد من أوليائها, فلمن لمن يرض من المرأة والأولياء أن يفسخ.

    الخامس مما تكون به الكفاءة: الميسرة, فإذا كان الزوج فقيراً معسراً والمرأة من بيت غنى فلمن لم يرض من المرأة والأولياء الفسخ, فإذا كان الزوج فقيراً والمرأة من ذوات الغنى أو من بيت غنى، فلمن لم يرضَ من المرأة والأولياء الفسخ, قالوا: هذه الأشياء شرط للزوم وليست شرطاً للصحة, فالعقد صحيح، فأصبحت الكفاءة تكون في الصناعة، وتكون في الميسرة، وتكون في الحرية، وتكون في الدين، وكذلك أيضاً تكون في النسب, هذه خمسة أمور, وأغلب هذه الأمور موضع اتفاق بين جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    والصواب في ذلك ما ذكره الإمام مالك رحمه الله أن الكفاءة هي الدين فقط, لقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي حاتم المزني : ( إذا أتاكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه )، فلو أن الأب زوج ابنته العربية أو التي لها أصل في قبائل العرب بشخص ليس له أصل في قبائل العرب، وهو ذو خلق ودين فإن العقد لازم، ولا يملك أحد -ما دام أن المرأة راضية- فسخ النكاح, كذلك أيضاً لو أنه زوجها رجلاً فقيراً, أو زوجها رجلاً رقيقاً يباع ويشترى, ورضيت المرأة بذلك؛ لأنه يشترط رضا المرأة كما تقدم من شروط صحة النكاح, فإذا رضيت نقول: بأن العقد صحيح, كذلك أيضاً لو كانت صناعته مزرية ورضيت المرأة بذلك حتى ولو كانت صناعته مزرية كحلاق أو حجام أو منظف وغير ذلك ورضيت المرأة فإن العقد صحيح، فالصحيح في ذلك أن الديانة هي التي تعتبر، هذا هو المعتبر, ويمنع من تزويج ثلاثة:

    الأول: من لا يصلي؛ لأنه ليس ذا دين، من لا يصلي فإنه يمنع من تزوج المرأة وليس كفئاً, وللمرأة أن تفسخ, في هذه الحالة نقول: المرأة لها أن تفسخ زواج الذي لا يصلي لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( العهد الذي بيننا وبينهم، الصلاة فمن تركها فقد كفر ).

    الثاني: الزاني, الزاني الذي لم يتب من زناه فإنه لا يصح العقد له, لقول الله تعالى: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3].

    الثالث: من تتضرر به المرأة, كإنسان عنده فسق, يعني: عنده شر وعند فسق كمن يستعمل أموراً يعود ضررها على المرأة كمخدرات..ونحو ذلك, فإنه في هذه الحالة يمنع من ذلك.

    فالذي يمنع من تزويجهم هؤلاء الثلاثة, إنسان لا يصلي, أو إنسان فسقه يعود بالضرر على المرأة, أو إنسان يستعمل الفواحش ولم يتب منها, لقول الله عز وجل: الزَّانِي لا يَنكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً [النور:3].

    ولنعلم أن هذه الأمور الخمسة التي ذكرها العلماء رحمهم الله إنما هي معتبرة في جانب الزوج, يعني: لابد أن يكون الزوج نسيباً كما أن الزوجة نسيبة, لابد أن يكون الزوج حراً كما أن الزوجة حرة.. إلخ, أما العكس فهذا غير معتبر, يعني: لو كانت المرأة غير نسيبة والزوج نسيباً, فالعقد صحيح, لو أن هذا العربي تزوج امرأة ليس لها أصل في قبائل العرب فالعقد صحيح, ولا اعتراض عليه، كذلك أيضاً لو أن الحر تزوج رقيقة، والحر له أن يتزوج الرقيقة بشروط فإن العقد صحيح، لو أن هذا الرجل من بيت شريف وتزوج امرأة أبوها له صناعة مزرية أو هي لها صناعة مزرية, فإن العقد صحيح, لكن بالنسبة للدين لا يصح أن يتزوج امرأة لا تصلي، أو امرأة تزني, أو فسقها يعود بالضرر على الزوج.

    1.   

    تولي طرفي عقد النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن أراد أن ينكح امرأة هو وليها فله أن يتزوجها من نفسه بإذنها].

    مثلاً: شخص ولي على ابنة عمه, وأراد أن يتزوج هذه المرأة فاستأذنها فأذنت له في ذلك, فيقول فقط: تزوجتك, هو الآن الزوج وهو الولي, فيقول: تزوجتك أو يقول: تزوجت ابنة عمي فلانة.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن زوج أمته عبده الصغير جاز أن يتولى طرفي العقد].

    يعني: إذا أراد أن يزوج عبده الصغير, وقوله: عبده الصغير يخرج العبد الكبير, فالعبد الكبير هو الذي يقبل لنفسه النكاح, أما بالنسبة لعبده الصغير فالسيد هو الذي يقوم بتزويجه، فإذا أراد أن يزوج عبده الصغير من أمته فإنه يقول: زوجت عبدي فلاناً من أمتي فلانة، فقط ويتم عقد النكاح.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن قال لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك، بحضرة شاهدين ثبت العتق والنكاح؛ لأن رسول صلى الله عليه وسلم أعتق صفية وجعل عتقها صداقها].

    إذا قال لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك صح ذلك كما فعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    تزويج السيد إماءه وعبيده الصغار

    قال المؤلف رحمه الله: [فصل: وللسيد تزويج إمائه كلهن وعبيده الصغار بغير إذنهم].

    أيضاً هذا من الأقسام الذين لا يعتبر إذنهم, الأمة لوليها أن يزوجها بلا إذنها, والصواب في ذلك أن الأمة كالحرة، وتقدم لنا أن الحرة البالغة العاقلة الصحيح أنه يشترط رضاها، فكذلك أيضاً بالنسبة للأمة إذا كان السيد عنده إماء فالصواب في ذلك أنه يعتبر رضاها وإذنها في الزوج لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن ).

    فالصواب في ذلك أن يعتبر إذنها, وكذلك أيضاً عبده الصغير له أن يزوجه؛ لأنه كما تقدم له أن يزوج ابنه الصغير فكذلك عبده الصغير له أن يزوجه من باب أولى, وتقدم الخلاف في الابن الصغير لكن بالنسبة للعبد الصغير له أن يزوجه سيده؛ لأنه وإن لحقه تكاليف مادية فإن هذه التكاليف المادية تكون في ذمة السيد.

    تزويج السيد أمة أمته التي أعتقها

    قال المؤلف رحمه الله: [وله تزوج أمة موليته بإذن سيدتها].

    له تزوج أمة موليته؛ لأن المرأة لا تكون والية على عقد النكاح، وصورة هذه المسألة: أن زيداً من الناس له أمة فأعتقها، هذه الأمة لما أعتقت الآن أصبحت حرة ملكت أمة، هذه الأمة التي ملكتها أمته السابقة يقول المؤلف رحمه الله: للسيد سيد الأمة الذي أعتقها أن يزوج أمة أمته التي أعتقها, قال: (وله تزويج أمة موليته بإذن سيدتها) يعني: هذا زيد أعتق هذه الأمة، وهذه الأمة ملكت أمة بعد أن أعتقت، فسيد هذه الأمة التي أعتقها له أن يزوج أمة أمته التي أعتقها بإذن سيدتها.

    إجبار السيد عبده الكبير على النكاح

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يملك إجبار عبده الكبير على النكاح].

    يعني: لا يملك إجبار عبده الكبير على النكاح بلا رضاه؛ لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( لا تنكح الأيم حتى تستأمر، ولا البكر حتى تستأذن )، فجعل النبي عليه الصلاة والسلام للمرأة الإذن فكذلك أيضاً الزوج له الإذن.

    زواج العبد بغير إذن سيده

    قال المؤلف رحمه الله: [وأيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر].

    يعني: إذا تزوج الرقيق بغير إذن مواليه بغير إذن سيده فهو عاهر, أي: زان, وهذا يدل على أن عقد النكاح باطل, ويدل لذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر ) أي: زان. فنقول: السيد لا يملك أن يجبر عبده الكبير على الزواج, لا بد من إذنه, لكن لو أراد العبد الكبير البالغ الزواج لا بد أن يستأذن سيده في هذا الزواج؛ لأن زواج هذا الرقيق يلحق السيد تكاليف مالية, يلحقه المهر ويلحقه النفقات ونفقة أولاده..إلخ؛ لأن هذا الرقيق نفقته ومهره على سيده، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر ).

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن دخل بها فمهرها في رقبته كجنايته إلا أن يفديه السيد بأقل من قيمته أو المهر].

    إذا تزوج الرقيق بغير إذن سيده فالعقد باطل كما تقدم لقول النبي عليه الصلاة والسلام:( أيما عبد تزوج بغير إذن مواليه فهو عاهر )، فالعقد باطل, فإن دخل بهذه المرأة, يعني: دخل عليها وحصل وطء لهذه المرأة فإنه يجب المهر ويستقر بالدخول, يقول المؤلف رحمه الله: الآن المرأة لها المهر, لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ولها المهر بما استحل من فرجها ), يقول المؤلف رحمه الله: يتعلق هذا المهر برقبة هذا الرقيق المتزوج, كيف يتعلق برقبته؟

    نقول للسيد: أنت بالخيار إما أن تدفع قيمة المهر للمرأة أو أننا نأخذ هذا الرقيق ونقوم ببيعه, ويوفى المهر من ثمن هذا الرقيق, إن فضل شيء يرد عليك وإن لم يفضل شيء لا تطالب به, فنبيع هذا الرقيق, مثلاً: إذا فرضنا أن المهر ألف ريال وبعنا هذا الرقيق, الرقيق قيمته ألف ومائة ريال، نعطي المرأة ألف ريال ونرد مائة على السيد, إذا كان بالعكس القيمة ألف ريال والمهر ألف ومائة فإننا نعطي هذه الألف للمرأة ولا يطالب السيد بشيء, فنقول: أنت بالخيار إما أن تفديه تدفع المهر ولا يباع الرقيق, وإما أن نبيعه ونسدد من ثمنه المهر, فإن فضل شيء رد عليك وإن نقص شيء فإنك لا تطالب به, نجعل الخيار للسيد، هذا معنى قول المؤلف رحمه الله: (فمهرها في رقبته كجنايته إلا أن يفديه السيد بأقل من قيمته أو المهر) فنقول للسيد: أنت بالخيار إما أن تفديه بالأقل يعني: ينظر الأقل من المهر أو القيمة, ينظر إذا كانت مثلاً: قيمته ألف ومهرها ألف ومائة تدفع الألف أو أننا نقوم ببيعه ونوفي المرأة المهر، فإن فضل شيء رد عليك وإن لم يفضل شيء فإنك لا تطالب به هذا معنى قوله: (فمهرها في رقبته كجنايته).

    1.   

    حكم من نكح أمة على أنها حرة

    قال المؤلف رحمه الله: [ومن نكح أمة على أنها حرة ثم علم فله فسخ النكاح ولا مهر عليه إن فسخ قبل الدخول، وإن أصابها فلها مهرها، وإن أولدها فولده حر يفديه بقيمته ويرجع بما غرم على من غره، ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء].

    يأتينا إن شاء الله ما يتعلق بدرس المحرمات في النكاح أن الحر ليس له أن يتزوج الأمة, يعني: الأمة التي تباع وتشترى الحر لا يجوز له أن يعقد عليها عقد نكاح إلا بشروط ثلاثة كما سيأتي إن شاء الله, هنا لو أن حراً تزوج أمة يظن أنها حرة, تزوج هذه المرأة على أنها حرة ثم بعد ذلك تبين أنها أمة, يقول المؤلف رحمه الله: (فله فسخ النكاح ولا مهر عليه إن فسخ قبل الدخول).

    إذا تزوج الحر امرأة يظن أنها حرة ثم بعد ذلك تبين أنها أمة فإن كان هذا الشخص ممن لا يجوز له أن يتزوج الإماء؛ لأنه لم تتوافر فيه الشروط الثلاثة التي سنذكرها لاحقاً بإذن الله فهذا يجب عليه أن يفسخ عقد النكاح؛ لأن عقد النكاح هذا غير صحيح, فإن كان هذا الرجل له أن يتزوج الإماء نقول: أنت بالخيار إما أن تستمر على العقد وإما أن تفسخ.

    فعندنا بالنسبة لما يتعلق بفسخ العقد إن كان ممن لا يجوز له أن يتزوج الإماء العقد غير صحيح, وإن كان ممن يجوز له أن يتزوج الإماء نقول: أنت بالخيار، إما أن تفسخ وإما أن تستمر فيكون من باب تصرف الفضولي, هذا بالنسبة لعقد النكاح.

    بقينا في الأمر الثاني وهو بالنسبة للمهر، إن كان الفسخ قبل الدخول فلا مهر عليه, وإن فسخ بعد الدخول يعني: بعد أن دخل بالمرأة ووطئها فإن المرأة يجب لها المهر, لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( ولها المهر بما استحل من فرجها )، والزوج يرجع على من غره وغشه, فإذا كان الولي غره يرجع ويغرمه المهر الذي أخذته منه المرأة؛ لأن الولي هو الذي باشر عقد النكاح, إذا كان الزوج جاهلاً بالوضع فإنه يرجع على المرأة, يعني: يعطي المرأة المهر بما استحل من فرجها ثم بعد ذلك يرجع على من غره من الولي أو من المرأة.

    بقي مسألة ثالثة ذكرها المؤلف رحمه الله: وهي ما إذا أتى بولد, ولد الأمة يكون رقيقاً؛ لأن الولد يتبع أمه, ولهذا قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان ممن يجوز له ذلك فرضي فما ولدت بعد الرضا فهو رقيق].

    بالنسبة لولد هذا الشخص يكون حراً؛ لأنه مغشوش وقد غر في ذلك, لكن يقول المؤلف رحمه الله: يفديه بقيمته ويرجع بما غرم على من غره, يقول: هذا الولد الذي جاء بعد وطء هذه المرأة وتبين أنها أمة نقول: بأنه حر ولا نحكم بأنه رقيق لسيد الأمة, وعلى أبيه أن يفديه يعني: يدفع قيمته لسيد الأمة، ويرجع على من غره من الولي لهذه المرأة أو من المرأة, فبالنسبة للمهر يعطيه المرأة ويرجع على من غره إما الولي أو المرأة, أيضاً الولد إن ولدت يكون حراً ويفديه بقيمته ويرجع على من غره من الولي أو المرأة, إن رضي بنكاح هذه المرأة وهو ممن له نكاح الإماء فما ولدت بعد ذلك فهو رقيق كما سيأتينا إن شاء الله.

    1.   

    الأسئلة

    تعليق الولي موافقته على الخطبة على شرط مباح

    السؤال: إذا خطب رجل صالح امرأة صالحة وشرط عليه أهل المرأة إن لم تخرج الموافقة من المحكمة خلال ثلاثة شهور سوف يقبلون من يأتي بعدك لخطبة هذه المرأة إن كان صالحاً، وذلك خوفاً من أن تربط المرأة لهذا الرجل مدة طويلة؟

    الجواب: هذا شرط صحيح يعني: لو أنه قيل له لما خطب: إن لم يتم الأمر خلال يومين أو خلال أسبوع أو في خلال شهر فإنه لا خطبة لك, فإن هذا شرط صحيح؛ لأن المسلمين على شروطهم.

    النظر إلى المخطوبة بلا وجود محرم عندها

    السؤال: هناك من يرى أن حضور المحرم ليس ضرورياً بالنسبة للنظر إلى المخطوبة؟

    الجواب: المحرم يشترط في السفر، وفي الحضر يشترط عدم الخلوة، فلو أن الرجل نظر إلى المخطوبة وليس هناك خلوة يعني: يكون هناك أحد من أقاربها أو من قريباتها أو من قريباته هو وليس هناك محذور شرعي, فإنه لا بأس بذلك, يعني: ليس بشرط أن يكون المحرم موجوداً؛ لأن المحرم نشترطه في السفر، وفي الحضر نشترط عدم الخلوة, ولذلك نحن ذكرنا في شروط لم نشترط المحرم وإنما اشترطنا عدم الخلوة.

    عدة المختلعة

    السؤال: امرأة خالعت زوجها فما عدتها؟

    الجواب: المختلعة هي التي طلقت على عوض, والخلع: هو فراق المرأة على عوض، والصواب أن عدتها حيضة واحدة فقط, ويدل لذلك أن امرأة ثابت بن قيس رضي الله تعالى عنه اعتدت بحيضة واحدة، وكذلك أيضاً الربيع رضي الله تعالى عنها لما اختلعت في زمن عثمان أمرها عثمان رضي الله تعالى عنه أن تعتد بحيضة واحدة, والثلاث الحيض هذه عدة لمن لزوجها أن يراجعها لكي تطول زمن الرجعة, وما الفائدة أن نجعل عدة المرأة ثلاث حيض وزوجها لا يتمكن من مراجعتها مثل: المختلعة والمفسوخة؟ هذه لا يمكن لزوجها أن يرجع إليها إلا بعقد, فإذا كان كذلك فما الفائدة من التطويل ونجعل ذلك ثلاث حيض؟

    فالصواب أن المختلعة عدتها حيضة واحده كما ثبت في قصة امرأة ثابت بن قيس وأيضاً ورد عن عثمان رضي الله تعالى عنه.

    الحكمة من عدم كون ذوي الأرحام أولياء في النكاح

    السؤال: ما الحكمة من أن ذوي الأرحام لا يتولون عقد المرأة وتزويجها مع أنهم قد يكونون أحرص على المرأة من معتقها عصباته ومن السلطان؟

    الجواب: ذوي الأرحام ليس لهم ولاية, فمثلاً: أخ لأم ليس له ولاية على المرأة, بل نقول: العصبات الأصول، الفروع، الحواشي، لم يوجد شيء من ذلك ننتقل بعد العصبة بالنسب إلى العصبة بالسبب، لم نجد شيئاً من ذلك نرجع إلى السلطان، والسلطان يولي من يشاء، إما الخال والجد من قبل الأم وابن العمة وأيضاً ابن الأخت, وأيضاً الأخ لأم..إلخ, فسائر ذوي الأرحام ليس لهم دخل في ولاية النكاح، والعلة في ذلك أن الشارع لم يجعل لهم شيئاً من ذلك.

    دخول العريس قاعة النساء والتأخر في الزفاف والتبذير في الطعام

    السؤال: قال: ما حكم دخول العريس في قاعة النساء؟ وما حكم إطالة الزواج إلى فترة متأخرة مثل: الساعة الرابعة؟ وما رأيك في الطعام الزائد؟

    الجواب: هذه كلها من المحذورات والأخطاء والمنكرات التي توجد في عقود الزواج، وإذا نظرنا إلى الشريعة الإسلامية نجد أن الشريعة الإسلامية سهلة، وأنها خففت أمر النكاح, اليوم الناس يشددون على أنفسهم فيما يتعلق بالتكاليف، وفيما يتعلق بالتجهيزات وغير ذلك, فيجعلون كثيراً من العقبات أمام هذا العقد العظيم الذي ينبغي أن نكثر منه، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( أعظم النساء بركة أيسرهن مؤنة )، وانظر إلى حديث سهل في الصحيحين في قصة المرأة التي جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله وهبت نفسي لك، فلم يرَ النبي عليه الصلاة والسلام فيها حاجة فقال رجل من أصحابه: زوجنيها يا رسول الله، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( ما تصدقها؟ قال: أصدقها إزاري -ما معه إلا إزاره وما عليه رداء- فقال النبي عليه الصلاة والسلام: إن أعطيتها إزارك جلست ولا إزار لك، اذهب فالتمس ولو خاتما من حديد، فذهب ولم يجد شيئاً, فجاء للنبي صلى الله عليه وسلم وأخبره أنه لم يجد شيئاً، ثم جلس فطال به المقام فقام، فلما انصرف دعاه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: هل تحفظ شيئاً من القرآن؟ قال: نعم أحفظ سورة كذا وكذا فقال: زوجتكها بما معك من القرآن ), فانتهى العقد بأمور يسيرة جداً؛ لأن الشارع يريد أن يكثر من عقد النكاح, لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، من القيام على المرأة وكفالتها وغض الأبصار، وحفظ الفروج, والاستقرار والسكينة والطمأنينة.. إلخ, أما أن نجعل هذه العقبات الكثيرة وهذه الأمور أتى من قبل أعداء الإسلام من قبل اليهود والنصارى, مع أنك إذا تأملت العقود التي توجد عند غير أهل السنة والجماعة تجد أن عقودهم يسيرة سهلة، فمثلاً: الرافضة العقود عندهم سهلة جداً، مهر النكاح عندهم سهل جداً, حتى النصارى المهر عندهم خمسون دولاراً ما يقرب من مائة وعشرين ريالاً، أما عندنا يكلف الزوج بمبالغ باهضة ويستدين..إلخ, فعلينا أيها الأحبة أن نحاب مثل: هذه الأمور.

    اشتراط المرأة أن يكون مهرها مصحفاً

    السؤال: قال: ما الحكم إذا اشترطت المرأة أن يكون مهرها مصحف؟

    الجواب: هذا شرط صحيح، والعلماء رحمهم الله يقولون في ضابط الصداق: كل ما صح أن يكون أجرة أو ثمناً من الأعيان والمنافع صح أن يكون مهراً, يعني: حتى ولو ريال واحد يصح أن يكون ثمناً ويصح أن يكون أجرة, حتى المنفعة لو أنك أصدقتها منفعة أن تعلمها كتاب الطهارة صح، أو تعلمها سورة من القرآن أو تعلمها عشر صفحات من كتاب التوحيد..إلخ صح، كل ما صح أن يكون ثمناً أو أجرة من المنافع والأعيان صح أن يكون مهراً.

    المهر المؤخر

    السؤال: هل ورد في الشرع وجود المهر المؤخر للمرأة؟

    الجواب: هذا لا يوجد في الشرع، والأحسن أن لا يكون هناك شيء اسمه مؤخر، وإنما يكون مهر يسير يقدمه الزوج, وأما اشتراط مهر مؤخر فهذا الشرط صحيح لكنه ليس موجوداً في الشرع, ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام قال: ( زوجتكها بما معك من القرآن )، ولم يقل: زوجتكها بدينار أو بدرهم يكون مؤخراً عليك.