إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [13]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من غربت عليه الشمس وهو لا يزال بمنى فله أن يرمي اليوم التالي، والعمرة بعد الانتهاء من الحج تكون للمفرد الذي ليس من أهل مكة، وعمل القارن والمفرد سواء إلا في الهدي، وطواف الوداع يكون إذا انتهى من مناسك الحج وأراد الرجوع إلى بلده.

    1.   

    تابع التعجل في الخروج من منى

    تقدم معنا أنه يستحب الشرب من ماء زمزم وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا بعض الآداب المتعلقة بالشرب من ماء زمزم، ثم تعرضنا للمبيت بمنى ليالي أيام التشريق وما حكمه، وأن جمهور أهل العلم على أنه واجب وذكرنا دليل ذلك، وذكرنا رأي الحنفية.

    ثم بعد ذلك تعرضنا للرمي أيام التشريق -أي: رمي الجمرات الثلاث: الجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وما يتعلق بذلك من أحكام- ثم تطرقنا لمن تعجل في يومين، ومتى يكون خروج المتعجل؟ ومتى يتعجل ومتى لا يتعجل؟ وذكرنا شيئاً من الأحكام المتعلقة بذلك، فذكرنا من الأحكام: أنه يتعجل قبل غروب الشمس، وحكم ما إذا تعجل وهو في مسيره من منى أن له ذلك، وأيضاً إذا غربت عليه الشمس وهو يشد رحله أن له أن يتعجل، وكذلك أيضاً عن حكم ما إذا غربت عليه الشمس وهو يرمي الجمرة.

    ثم بعد قال المؤلف رحمه الله: [فإن غربت الشمس وهو بمنى لزمه المبيت بمنى والرمي من غدٍ].

    وإذا غربت عليه الشمس وهو بمنى لم يرم، فإنه يجب عليه أن يبيت بمنى ليلة الثالث عشر وأن يرمي من الغد، ودليل ذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة:203] وهذا الرجل لم يتعجل في يومين، وأيضاً ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.

    وهذا الأثر عن عمر أخرجه الإمام مالك رحمه الله في الموطأ والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده صحيح ثابت، وعمر رضي الله تعالى عنه له سنة متبعة.

    1.   

    عمرة المفرد بعد الانتهاء من الحج

    ثم قال المؤلف: [فإن كان متمتعاً أو قارناً فقد انقضى حجه وعمرته].

    يعني: إذا لم يتعجل، ورمى في اليوم الثالث عشر فقد انقضى حجه، ولكن بقي عليه ما يتعلق بطواف الوداع -وهذا سيأتي إن شاء الله بيانه- وقول المؤلف رحمه الله: (فإن كان متمتعاً أو قارناً فقد انقضى حجه وعمرته) وكذلك أيضاً المفرد إذا رمى آخر أيام التشريق فقد انقضى حجه، ولكن المفرد بقي عليه العمرة إذا لم يكن اعتمر قبل الحج فإنه بقي عليه العمرة؛ لأن العمرة واجبة على الصواب من أقوال أهل العلم.

    ولهذا قال المؤلف: [وإن كان مفرداً خرج إلى التنعيم فأحرم بعمرة منه].

    كون المفرد يأتي بعمرة بعد انتهاء حجه، هذا ليس شرطاً في الحج؛ فإن الحج قد انتهى، وإنما يذكر العلماء رحمهم الله هذا؛ لأن الناس في الزمن السابق كانوا يأتون من أماكن بعيدة إلى مكة، وقد لا يتيسر للإنسان أن يرجع إلى مكة مرةً أخرى، فقال المؤلف رحمه الله: المفرد بعد أن ينتهي من حجه يخرج إلى التنعيم، ويحرم منه لكي يأتي بالعمرة الواجبة؛ لأنه إذا خرج إلى بلده قبل أن يأتي بالعمرة الواجبة فقد يتعذر عليه أن يأتي مرةً أخرى، فيترك هذا الواجب.

    إذاً: مسألة عمرة المفرد ليست قيداً وشرطاً في الحج، بل إن حجه قد انتهى وبرئت ذمته، وإنما يذكر العلماء رحمهم الله أن الناس في الزمن السابق كانوا يأتون من أماكن بعيدة، وقد يتعذر عليهم أن يرجعوا مرةً أخرى، فذكر العلماء رحمهم الله أنه يأخذ عمرته قبل أن ينصرف إلى بلده لكي يؤدي هذين الواجبين.

    وقول المؤلف رحمه الله: يخرج إلى التنعيم، أيضاً هذا ليس شرطاً، وإنما المعتمر يحرم من الحل، وعلى هذا نقول: يخرج إلى الأيسر له، فقد يكون قريباً من عرفات فيخرج إلى عرفات ويحرم من عرفات، وقد يكون قريباً من الجعرانة فيخرج إلى الجعرانة ويحرم من الجعرانة، وقد يكون قريباً من التنعيم فيحرم من التنعيم، المهم أن قوله: (إلى التنعيم)، هذا ليس شرطاً، وإنما المراد أنه يحرم من الحل، سواء كان من التنعيم أو من عرفات أو من الجعرانة أو غير ذلك، وعلى هذا يفعل ما هو الأسهل له.

    قال رحمه الله: [ثم يأتي مكة فيطوف ويسعى ويحلق أو يقصر].

    أي: يعمل أعمال العمرة كما سيأتي إن شاء الله.

    قال رحمه الله: [فإن لم يكن له شعر استحب أن يمر الموسى على رأسه وقد تم حجه وعمرته].

    إن لم يكن له شعر إما لكونه أصلعاً، وإما لكونه قد حلق قريباً في الحج ولم يخرج شعر رأسه، فيقول المؤلف رحمه الله: يستحب له أن يمر الموسى على رأسه وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أن هذا لا يستحب، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وعلى هذا إذا كان الإنسان أصلعاً ليس عليه شيء من الشعر، فإنه إذا اعتمر أو حج فلا يستحب أن يمر الموسى على رأسه، ويكون الحلق أو التقصير قد سقط عنه، وهذا القول هو الصواب.

    ونظير ذلك: لو أن الإنسان قطعت يده، فإنه يسقط عنه غسل اليد، وكوننا نأمره بأن يمر الموسى على رأسه وهو أصلع، فهذا قريب من العبث، وعلى هذا فنقول: الصحيح في ذلك أنه يسقط عنه ولا يلزمه أن يمر الموسى على رأسه.

    1.   

    الفرق بين حج القارن وحج المفرد

    قال المؤلف رحمه الله: [وليس في عمل القارن زيادة على عمل المفرد].

    أي: أن عمل القارن كعمل المفرد تماماً، إلا أن الفرق بينهما: أن القارن أحرم بعمرةٍ وحج، والمفرد أحرم بحج فقط، والقارن عليه هدي عند جمهور أهل العلم، والمفرد ليس عليه هدي، فهذا الفرق بينهما.

    وقال المؤلف رحمه الله: [لكن عليه وعلى المتمتع دم؛ لقوله تعالى: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ [البقرة:196] ].

    المتمتع يجب عليه دم، وهذا بنص القرآن، لقول الله عز وجل: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] وأيضاً النبي صلى الله عليه وسلم أمر الصحابة أن يتمتعوا بالهدي، فمن لم يجد هدياً فإنه يصوم عشرة أيام: ثلاثة أيام في الحج، وسبعةً إذا رجع إلى أهله، هذا بالنسبة للمتمتع فهو موضع اتفاق بين أهل العلم رحمهم الله.

    وأما بالنسبة للقارن فهل يجب عليه هدي أو لا يجب عليه هدي؟

    جمهور أهل العلم: أنه يجب عليه هدي، واستدلوا على ذلك، بأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً وقد أهدى، وأيضاً: زوجات النبي كن قارنات وقد ذبح النبي صلى الله عليه وسلم عن أزواجه البقر، وأيضاً الدليل الثالث: أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم يجعلون القارن متمتعاً؛ لأنه تمتع بأن أدى نسكين في سفرةٍ واحدة. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: قال به الظاهرية: أن القارن لا يجب عليه دم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ [البقرة:196] ولم يذكر القارن، والوجوب إنما ورد في المتمتع.

    والجواب عن هذا سهل، فنقول: بأنه ورد في القارن الدم، وكما قلنا: إنه داخل في قول الله عز وجل: (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ)؛ لأن القارن تمتع بأن أدى نسكين في سفرة واحدة، وأيضاً الصحابة رضي الله تعالى عنهم فهموا ذلك، وأيضاً ما ذكرناه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ذبح عن نسائه البقر ) وغيرها من الأدلة على ذلك.

    1.   

    طواف الوداع

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [وإذا أراد القفول لم يخرج حتى يودع البيت، بطوف عند فراغه من جميع أموره، حتى يكون آخر عهده بالبيت].

    إذا انتهى من أعمال الحج بقي عليه طواف الوداع، وطواف الوداع تحته مسائل:

    حكم طواف الوداع

    المسألة الأولى: حكم طواف الوداع. المشهور من المذهب وأيضاً مذهب الشافعية أن طواف الوداع واجب، ودليل ذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض ) وهذا الحديث في الصحيحين. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: مذهب الحنفية والمالكية، قالوا: طواف الوداع سنة وليس واجباً، واستدلوا على ذلك بأنه خفف عن الحائض، ولو كان واجباً لم يخفف عن الحائض، وهذا فيه نظر.

    نقول: بأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به لحديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلا أنه خفف عن الحائض ) فكونه أمر الناس، فهذا يدل على الوجوب، وكونه يخفف عن الحائض فإنه يدل على عدم وجوبه على الحائض فلا تلازم.

    يعني: كونه غير واجب على الحائض لا يلزم من ذلك أن يكون غير واجبٍ على غير الحائض، نظير ذلك الصلاة: الصلاة لا تجب على الحائض، ولا يجب عليها أن تقضيها، ومع ذلك لا نقول بأن غير الحائض لا تجب عليها الصلاة، هذا لم يقل به أحد من أهل العلم، فالصواب في ذلك: أن طواف الوداع واجب على الحاج، كما هو مذهب أحمد والشافعي رحمهما الله.

    وقت طواف الوداع

    والمسالة الثانية: قال المؤلف رحمه الله: (عند فراغه من جميع أموره).

    هنا بين المؤلف رحمه الله أن طواف الوداع يكون عند الخروج من مكة، وعلى هذا لو أنه أقام بمكة بعد انتهاء الحج فإنه لا يوادع حتى يكون عند خروجه، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله: أنه عند الخروج من مكة، وعلى هذا لو وادع ثم أقام فإن وداعه غير صحيح.

    واستدلوا على ذلك بما تقدم من حديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ) فالإنسان مأمور أن يكون آخر عهده بالبيت وهذا يكون عند الخروج.

    وأيضاً حديث عائشة في حجة النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإن النبي صلى الله عليه وسلم آذن أصحابه بالرحيل، فمر بالبيت فطاف به قبل صلاة الصبح، ثم أدركته صلاة الصبح فصلى، ثم خرج إلى المدينة ) وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والحاكم وصححه الحاكم . وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية، يقولون: بأن طواف الوداع يدخل وقته بعد طواف الإفاضة، وعلى هذا لو أن الإنسان طاف للوداع بعد طواف الإفاضة ثم مكث في مكة يوماً أو يومين أو خمسة أيام فقد وادع، وهذا فيه نظر، فالصحيح في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأن طواف الوداع إنما يكون عند الخروج من مكة، وأما قول الحنفية رحمهم الله: فهذا فيه نظر؛ لأنهم يستدلون بحديث ابن عباس : ( أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت ) يقولون: آخر عهدهم بالبيت نسكاً وليس إقامةً، والصحيح أن يكون آخر عهدهم بالبيت إقامة، كما دل عليه هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام وادع ثم خرج إلى المدينة مباشرة.

    من يجب عليهم طواف الوداع

    المسألة الثالثة: على من يجب طواف الوداع؟

    نقول: طواف الوداع يجب على غير أهل مكة وأهل الحرم، فأهل مكة وأهل الحرم هؤلاء لا يجب عليهم طواف الوداع؛ لأنهم مقيمون عند البيت، وهم أهل البيت فلا وداع عليهم، لكن غير أهل مكة وغير أهل الحرم يجب عليهم طواف الوداع، وعلى هذا لو أن البنيان كما هو الآن موجود في مكة امتد حتى صار في الحل بنيان مكة، فهل يجب على من في الحل طواف الوداع أو لا يجب عليهم؟ نقول: لا يجب عليهم؛ لأنهم من أهل مكة، كذلك أيضاً أهل الحرم لا يجب عليهم؛ لأنهم من أهل الحرم، فهم أهل البيت.

    اشتغال الحاج بعد طواف الوداع

    المسألة الرابعة: قال المؤلف رحمه الله: [فإن اشتغل بعده بتجارة أعاده].

    يعني: إذا اشتغل بعده بتجارة بيع وشراء أعاد طواف الوداع؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت، وكذلك أيضاً لو أقام يعيد؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت، فلو أقام لزيارة أو عيادة مريض أو نام ونحو ذلك، فهذا كله يجب عليه أن يعيد الطواف؛ لأنه لم يكن آخر عهده بالبيت، والنبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- لما وادع خرج مباشرة إلى المدينة.

    واستثنى العلماء رحمهم الله ثلاث مسائل، لو أطال فيها الإقامة فإنه معفو عنه:

    المسألة الأولى: إذا كان في انتظار رفقة، فهذا إذا وادع وجلس ينتظر الرفقة فلا شيء عليه، فلو جلس ينتظر الرفقة ساعة أو ساعتين أو نصف يوم أو يوماً أو يومين أو ثلاثة أيام، فقد يكون له رفيق ضاع أو تاه أو مرض أو نحو ذلك وهو ينتظر متى ينتهي فهذا لا شيء عليه، ولا يبطل وداعه حتى لو طالت إقامته، والدليل على ذلك: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر عائشة أن تخرج إلى التنعيم وأن تحرم بعمرة بعد أن انتهى من الحج )، وانتظرها النبي صلى الله عليه وسلم، فقالوا: هذا دليل على أنه في الانتظار يعفى عن ذلك.

    المسألة الثانية: إذا كان متعلقاً بإصلاح الرحل وشده، فهذا أيضاً لا يضر، ومثل ذلك أيضاً: لو أنه وادع ثم تعطلت السيارة، وجلس يصلح السيارة يوماً أو يومين، أو جرى عليها ما يمنعها من السير، أو أصابها حادث أو غير ذلك، فالمهم: أنه يتعلق بالرحل، فنقول: هذا لا شيء عليه، ودليله ما تقدم.

    المسألة الثالثة: استثنى العلماء رحمهم الله: ما يتعلق بالأمور اليسيرة، لو أنه اشترى حاجة في طريقه وهو خارج، أو أنه تناول عشاءً أو غداءً، يعني: هذه الأمور اليسيرة في طريقه فإنه لا شيء عليه في ذلك.

    طواف الوداع ودخوله في مناسك الحج

    المسألة الخامسة: اختلف أهل العلم رحمهم الله في طواف الوداع، هل هو من مناسك الحج أو ليس من مناسك الحج؟ على رأيين:

    الرأي الأول: رأي الشافعي، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن طواف الوداع ليس من مناسك الحج، وإنما يودع الإنسان عند خروجه، يعني: يطوف عند خروجه، بدليل أن الإنسان لو مكث شهراً في مكة بعد انتهاء الحج، فإنه لا يجب عليه أن يطوف حتى يكون عند خروجه من مكة، فقالوا بأن طواف الوداع ليس من مناسك الحج.

    وأيضاً استدلوا على ذلك بقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً ) فقال: (بعد قضاء نسكه) يعني: الذي هاجر من مكة إلى المدينة لا يجلس بعد انتهاء الحج، ويجب عليه أنه يرجع إلى المدينة، لماذا؟ لأن هذا شيء أخرجه لله عز وجل، وكل شيءٍ يخرجه الإنسان لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيه: ( العائد في صدقته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه ) .

    فالذي هاجر وترك وطنه إلى المدينة رخص له النبي صلى الله عليه وسلم بعد قضاء النسك أن يقيم ثلاثة أيام فقط، ثم يرجع إلى المدينة التي ترك مكة من أجلها.

    وقوله: ( يقيم المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثاً ) المهاجر سيطوف للوداع عند خروجه إلى المدينة ورخص له، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقيم بعد قضاء نسكه، فدل على أن النسك انتهى، وأنه ما بقي عليه إلا طواف الوداع، فهذا يطوفه عند الخروج، فبهذا استدلوا على أن طواف الوداع ليس من المناسك.

    والرأي الثاني: المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن طواف الوداع من أعمال الحج، ومناسك الحج؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام طاف وقال: ( خذوا عني مناسككم ).

    طواف الوداع للحائض والنفساء

    المسألة السادسة: المتعلقة بطواف الوداع: يخفف طواف الوداع عن الحائض والنفساء، ودليل ذلك ما تقدم من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، إلا أنه إذا طهرت الحائض قبل مفارقة بنيان مكة، فإنه يجب عليها أن تغتسل وأن تطوف للوداع.

    ومثلها أيضاً: النفساء إذا طهرت قبل مفارقة بنيان مكة فإنه يجب عليها أن تغتسل وأن تطوف للوداع.

    المبيت خارج مكة بعد طواف الوداع

    المسألة السابعة: لو أن الإنسان طاف للوداع، ثم خرج خارج بنيان مكة جاز له أن يبيت، أما داخل بينان مكة فإنه إذا بات -كما تقدم لنا- فإنه يبطل عليه طوافه.

    إجزاء طواف الإفاضة عن طواف الوداع

    المسألة الثامنة المتعلقة بطواف الوداع: يجزئ طواف الإفاضة عن طواف الوداع، فلو أنه أخر طواف الإفاضة ولم يطفه إلا عند خروجه، فنقول: بأن هذا مجزئ، وعلى هذا، فهذه المسألة لها ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن ينوي طواف الإفاضة فقط، فنقول: بأنه يجزئه عن طواف الوداع.

    الحالة الثانية: أن ينوي طواف الإفاضة والوداع جميعاً، فهذا الصحيح من قولي العلماء أنه يجزئه.

    الحالة الثالثة: أن ينوي طواف الوداع فقط، فهذا لا يجزئه عن طواف الإفاضة ولا عن طواف الوداع؛ لأن طواف الإفاضة ركن وهو لم ينو، ولا يجزئه عن طواف الوداع؛ لأنه حتى الآن طواف الوداع لا يكون إلا بعد الفراغ من أعمال الحج عند الخروج.

    خروج الحاج قبل طواف الوداع

    وهي المسألة التاسعة: إذا خرج قبل طواف الوداع، فالمشهور من المذهب أن هذا لا يخل من أمرين:

    الأمر الأول: أن يبلغ مسافة القصر، فقالوا: بأنه يجب عليه الدم.

    والأمر الثاني: ألا يبلغ مسافة قصر، فقالوا: بأنه يجب عليه أن يرجع ولا يجب عليه دم، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى. وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه لا يقيد ذلك بمسافة القصر، وإنما يقيد ذلك بالحرم، فقالوا: إذا تجاوز حدود الحرم فهذا بعيد، ويجب عليه الدم، وإذا كان في الحرم فإنه لا يجب عليه دم، وهذا قال به الثوري .

    والأقرب في ذلك أن يقال: أن هذه المسألة ترجع إلى العرف، فنقول: إن تباعد عرفاً عن مكة سقط عنه طواف الوداع ووجب عليه دم، وإن لم يتباعد عرفاً فإنه يجب عليه أن يرجع ويأتي به، فإن لم يأت به فعليه دم.

    الوقوف في الملتزم

    ثم قال المؤلف رحمه الله: [ويستحب له إذا طاف أن يقف في الملتزم].

    (الملتزم) قال العلماء: قدره أربعة أذرع بين الحجر الأسود والباب، فيأتي الملتزم ويلصق صدره ووجهه وذراعيه وكفيه مبسوطتين، ويقول هذا الذكر الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى.

    وهذا الالتزام لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما ورد عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أن هذا الالتزام يكون بعد طواف الوداع؛ لأنه قال: (ويستحب له إذا طاف) فظاهر كلامه: أنه يكون بعد طواف الوداع، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: له أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع، فإن هذا لا فرق فيه بين الوداع وغيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك قبل دخول مكة، فله أن يفعل ذلك عند طواف الوداع وبعده وقبله، فالصحابة لم يرد عنهم وقت محدد.

    وذكر المؤلف رحمه الله الدعاء، فقال: [اللهم هذا بيتك وأنا عبدك وابن عبدك وابن أمتك، حملتني على ما سخرت لي من خلقك، وسيرتني في بلادك حتى بلغتني بنعمتك إلى بيتك..] إلى آخر ما ذكره المؤلف رحمه الله، وهذا الذكر لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، والعبادات توقيفية، وعلى هذا نقول: بأن الإنسان يلتزم قبل الوداع وبعد الوداع ويدعو بما أحب، وليس هناك ذكر وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    ثم بعد ذلك قال: [ويدعو بما أحب، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم].

    وقوله: [فمن خرج قبل الوداع رجع إليه إن كان قريباً، وإن بعد بعث بدم]، فهذه تكلمنا عليها، وقلنا: بأن المذهب يقول: إذا بلغ مسافة القصر فإنه يجب عليه الدم، وإن كان قبل مسافة القصر فيجب عليه أن يرجع، فإن لم يرجع فعليه دم، وهذا الرأي الأول.

    والرأي الثاني: أنه يحدد بالحرم: فإذا لم يتجاوز الحرم وجب أن يرجع، وأما إن كان في الحرم فإنه لا يجب عليه أن يرجع، والرأي الثالث: أنه يرجع في ذلك إلى العرف.

    طواف الوداع للحائض والنفساء

    قال المؤلف رحمه الله: [إلا الحائض والنفساء فلا وداع عليهما، ويستحب لهما الوقوف عند باب المسجد والدعاء].

    يقول المؤلف رحمه الله بأن الحائض والنفساء ليس عليهما طواف وداع، ويسقط عنهما طواف الوداع -كما تقدم في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- لكن ذكر المؤلف رحمه الله أنه يستحب لهما أن يقفا بباب المسجد وأن يدعوا، وهذا فيه نظر؛ لأن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، بل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عائشة لما ذكر له أن صفية قد حاضت، قال: ( أحابستنا هي؟ قالوا: يا رسول الله! إنها قد أفاضت )، يعني: طافت طواف الإفاضة، ماذا قال النبي عليه الصلاة والسلام بعد ذلك؟ قال: ( فلتنفر ) .

    يعني: ما دام أنها طافت طواف الإفاضة فما بقي عليها إلا طواف الوداع، ويسقط عنها طواف الوداع، فتنفر ولم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تقف بباب المسجد وأن تدعو، فنقول: هذا لم يحصل، بل السنة على أنها لا تقف، وهذا هو الصواب.

    1.   

    أركان الحج

    قال رحمه الله: [باب أركان الحج والعمرة].

    الأركان: جمع ركن، وهو جانب الشيء الأقوى، وأما في الاصطلاح: فهو جزء الشيء وماهيته.

    قال رحمه الله: [أركان الحج: الوقوف بعرفة].

    هذا الركن الأول، ودليل ذلك حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي -وتقدم لنا كثيراً- وفيه قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( الحج عرفة ).

    وأيضاً الإجماع منعقد على أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج، وأنه لا بد منه، وتقدم ما يتعلق بأحكام الوقوف بعرفة.

    قال: [وطواف الزيارة].

    هذا الركن الثاني من أركان الحج: طواف الزيارة، ودليله قول الله عز وجل: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] وأيضاً السنة، فقد أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالطواف بالبيت، فإن النبي عليه الصلاة والسلام أمر أبا موسى فقال: ( طف بالبيت وبالصفا والمروة ) هذا في الصحيحين، والإجماع قائم على ذلك.

    هنا ذكر المؤلف رحمه الله ركنين وبقي ركنان لم يذكرهما المؤلف:

    الركن الثالث: الإحرام، والمراد بالإحرام هنا: نية الدخول في النسك، فهذا لا بد منه؛ لأن كل إنسان يتجرد ويلبس الإزار والرداء، لكن لا بد من نية الدخول في النسك، وهذا دليله قول الله عز وجل: الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ [البقرة:197] وهذا إنما يكون في الإحرام، فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ [البقرة:197] فسمى الله عز وجل الدخول في النسك فرضاً، دل ذلك على أنه لا بد منه، وأيضاً حديث عمر رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات ).

    الركن الرابع: السعي، والمؤلف رحمه الله جعل السعي مع واجبات الحج، وهذا مذهب أبي حنيفة رحمه الله -كما سنشير إلى ذلك إن شاء الله- وهذا خلاف المشهور من المذهب، والمشهور من مذهب الحنابلة: أن السعي ركن من أركان الحج، كما سيأتي إن شاء الله.

    1.   

    واجبات الحج

    قال رحمه الله: [وواجباته: الإحرام من الميقات].

    هذا الواجب الأول من واجبات الحج: الإحرام من الميقات، ويدل لذلك حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ) فقوله: (يهل)، هذا خبر بمعنى الأمر، يعني: ليهل، وفي حديث ابن عمر في البخاري : ( فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المدينة ذا الحليفة ) فقوله: (فرض)، هذا يدل على أنه واجب وأنه لا بد منه.

    قال رحمه الله: [والوقوف بعرفة إلى الليل].

    هذا الواجب الثاني: يجب أن يقف بعرفة إلى الليل، ويدل لهذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام وقف إلى الليل وغابت الصفرة واستحكم غروبها، وقال: ( خذوا عني مناسككم ) والدليل الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يرخص لأحدٍ من الضعفة في النفر قبل غروب الشمس، فدل ذلك على الوجوب، وأيضاً الدليل الثالث: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً )، ولو كان الدفع قبل غروب الشمس جائزاً لاختاره النبي عليه الصلاة والسلام.

    قال رحمه الله: [والمبيت بمزدلفة إلى نصف الليل].

    هذا الواجب الثالث: المبيت بمزدلفة، وتقدم حديث عروة بن مضرس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من شهد صلاتنا هذه، ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) فعلق تمام الحج على شهود الصلاة والوقوف حتى يدفع النبي صلى الله عليه وسلم بالمزدلفة، وقوله: (إلى نصف الليل) فقد تقدم أن تكلمنا على ذلك.

    قال رحمه الله: [والسعي].

    وهذا غريب من المؤلف رحمه الله؛ لأن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن السعي ركن من أركان الحج، وليس واجباً من واجبات الحج، والعلماء رحمهم الله اختلفوا في السعي على ثلاثة آراء:

    الرأي الأول: أنه ركن، وأنه لا بد أن يأتي به الحاج، وهذا قول جمهور أهل العلم، واستدلوا على ذلك بأدلة، من هذه الأدلة ما يروى عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث حبيبة بنت أبي تجراة العبدرية : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: اسعوا، فإن الله كتب عليكم السعي ) وهذا أخرجه الإمام أحمد والشافعي وابن سعد في الطبقات وغيرهم، والحديث ضعيف.

    وأيضاً الدليل الثاني: فعل النبي عليه الصلاة والسلام، فإن النبي عليه الصلاة والسلام طاف وسعى وقال: ( خذوا عني مناسككم ) .

    وأيضاً الدليل الثالث: قول عائشة رضي الله تعالى عنها: ( فلعمري! ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة ) رواه مسلم .

    وأيضاً الدليل الرابع: حديث أبي موسى رضي الله تعالى عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فقال: ( طف بالبيت وبالصفا والمروة ) فهذا يدل على الوجوب.

    وأيضاً حديث عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك ) فهذا يدل على الوجوب.

    وهذه الأدلة وما يعضدها كلها تتظافر. ولقد قرن السعي بالطواف، والشارع عندما يقرن بين السعي والطواف، فإن هذا يدل على أنهما بمنزلة واحدة من حيث الحكم، وهذا أقرب.

    والرأي الثاني: رأي أبي حنيفة رحمه الله: أنه واجب من واجبات الحج، وعلى هذا يقولون: إن ترك أربعة أشواط فأكثر عليه دم، وإن ترك أقل من أربعة أشواط عليه نصف صاع لكل شوط.

    والرأي الثالث: أنه سنة، وهذا ورد عن ابن عباس وابن مسعود وابن الزبير وابن سيرين ، قالوا: بأنه سنة، واستدلوا على ذلك بأن الله عز وجل قال: إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا [البقرة:158] (فلا جناح عليه أن يطوف بهما) قالوا: أنه سنة.