إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [12]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يتحلل الحاج التحلل الثاني بعد طواف الإفاضة والسعي فيحل له كل شيء حتى النساء، ويستحب له الشرب والتضلع من ماء زمزم، ثم يرجع إلى منى ويبيت فيها أيام التشريق ويرمي الجمرات مرتبات يبتدئ بالأولى، ويجوز جمع الرمي إلى اليوم الأخير لأصحاب الأعذار، وله أن يتعجل في

    1.   

    كم يلزم الناسك من سعي

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [ ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو ممن لم يسع مع طواف القدوم].

    تقدم لنا فيما سبق قول المؤلف رحمه الله تعالى: (ثم قد حل له كل شيءٍ إلا النساء) وذكرنا بم يحصل به التحلل، وأن ظاهر السنة أن التحلل الأول يكون باثنين معينين هما: الرمي والحلق، ثم بعد ذلك يحصل التحلل الثاني بما بقي من الطواف مع السعي، وتكلمنا أيضاً فيما تقدم عن طواف الإفاضة، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أنه هو الطواف الواجب الذي به تمام الحج، وأن الإجماع منعقد على ذلك، وأن طواف الإفاضة ركن بإجماع العلماء رحمهم الله تعالى.

    وتكلمنا أيضاً عن المتمتع، هل يلزمه سعي واحد أو يلزمه سعيان؟ وأن جمهور أهل العلم رحمهم الله يرون أن المتمتع يلزمه سعيان: سعي لعمرته وسعي لحجه، وأن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أن المتمتع يلزمه سعي واحد، وذكرنا دليل كل قول.

    وأما بالنسبة للقارن فهل يجب عليه سعي واحد أو سعيان؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور العلماء: أن القارن يلزمه سعي واحد، والرأي الثاني رأي الحنفية: أن القارن يلزمه سعيان، ولكل دليل.

    أما الذين قالوا بأن القارن لا يلزمه إلا سعي واحد استدلوا على ذلك بحديث جابر رضي الله تعالى عنه، وفيه قال: ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ). وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه، وهو صريح في أن القارن لا يجب عليه إلا سعي واحد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان قارناً.

    وأما بالنسبة للحنفية فقالوا: بأن القارن يلزمه سعيان، واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه ( جمع بين حجٍ وعمرة فطاف لهما طوافين وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صنع كما صنعت )، وهذا الحديث رواه الدارقطني وإسناده ضعيف، ففي إسناده الحسن بن عمارة وهو ضعيف.

    وعلى هذا نقول: الراجح بالنسبة للقارن ألا يلزمه إلا سعي واحد.

    أما بالنسبة للمفرد فلا يلزمه إلا سعي واحد؛ لأنه أفرد الحج وهذا بالاتفاق، فأصبح عندنا الناسك ينقسم إلى ثلاثة أقسام:

    القسم الأول: المفرد يلزمه سعي واحد.

    القسم الثاني: القارن يلزمه أيضاً سعي واحد على الصحيح، فجمهور أهل العلم يرون أنه يلزمه سعي واحد، وعند الحنفية قالوا: يلزمه سعيان.

    القسم الثالث: المتمتع، فالجمهور يقولون: يجب عليه سعيان: سعي لعمرته وسعي لحجه، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله سعي واحد، بل عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن المفرد والقارن والمتمتع كلهم لا يلزمهم إلا سعي واحد، وأما الجمهور: فالمفرد والقارن لا يلزمهما إلا سعي واحد، وأما المتمتع فيلزمه سعيان، والحنفية: القارن والمتمتع كل منهما يلزمه سعيان، وأما المفرد فسعي واحد.

    قال رحمه الله: (ثم يسعى بين الصفا والمروة إن كان متمتعاً أو ممن لم يسع مع طواف القدوم).

    يعني: المتمتع إذا سعى بعد طواف القدوم فإن هذا يكفيه، وكذلك أيضاً القارن إذا سعى بعد طواف القدوم فإن هذا يكفيه، ويدل لذلك ما تقدم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه قال: ( لم يطف النبي صلى الله عليه وسلم ولا أصحابه بين الصفا والمروة إلا طوافاً واحداً ). فالنبي عليه الصلاة والسلام طاف القدوم ثم سعى، ولم يسع مرةً أخرى.

    وبالنسبة للمتمتع فالأقرب هو رأي جمهور أهل العلم، فإن هذا أقرب وأحوط، ويؤيد ذلك أن هناك فرقاً بين القارن والمتمتع، فعند المتمتع حصل حل بين العمرة وبين الحج، فكل منهما نسك مستقل، هذا له أركانه وهذا له أركانه، بخلاف القارن فإن أعمال العمرة دخلت في أعمال الحج فيلزمه فقط سعي واحد؛ ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة ) وعلى هذا نقول: الأقرب في هذا ما ذهب إليه جمهور أهل العلم وهو الأحوط أن المتمتع يلزمه سعيان.

    1.   

    التحلل الثاني

    قال رحمه الله: [ثم قد حل من كل شيء].

    يعني: إذا طاف وسعى حل من كل شيء حتى من النساء، إذ بالتحلل الأول يتحلل من كل شيء إلا النساء، يعني: إذا رمى جمرة العقبة وحلق أو قصر حل له كل شيء إلا ما يتعلق بالنساء جماعاً ومباشرةً وعقداً، فإذا طاف وسعى حل له كل شيء حتى النساء.

    1.   

    الشرب من ماء زمزم

    قال رحمه الله: [ويستحب أن يشرب من ماء زمزم لما أحب ويتضلع منه].

    ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يشرب من ماء زمزم بعد طواف الإفاضة، يعني: إذا طاف طواف الإفاضة وسعى فإنه يشرب من ماء زمزم ويستحب له ذلك؛ لفعل النبي عليه الصلاة والسلام: ( فإن النبي عليه الصلاة والسلام أتى بني عبد المطلب وهم يسقون فناولوه فشرب )، وهذا رواه مسلم في صحيحه.

    وماء زمزم هذه ماء مباركة، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لـأبي ذر : ( إنها طعام طعم ) وفي غير مسلم : ( وشفاء سقمٍ ).

    فيتلخص لنا أن الإنسان إذا طاف طواف الإفاضة وسعى فإنه يستحب له أن يأتي زمزم ويشرب منها؛ لما ذكرنا من فعل النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث جابر ، كذلك أيضاً في العمرة إذا طاف وسعى فإنه يستحب له أن يأتي زمزم ويشرب منه.

    ثم بعد ذلك ذكر المؤلف شيئاً من آداب ماء زمزم فقال: (لما أحب) يعني: يشرب ماء زمزم لما أحب، ويدل لهذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ماء زمزم لما شرب له )، أي: إن شربته لتستشفي به شفاك الله، وإن شربته لشبعك أشبعك الله، وإن شربته لقطع ضمئك قطعه الله، وإن شربته مستعيذاً أعاذك الله، وهذا الحديث أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه الحاكم في مستدركه.

    كذلك أيضاً من آداب ماء زمزم أنه يستحب للإنسان أن يتضلع منه، يعني: أن يملأ ضلوعه من ماء زمزم، ويدل لهذا حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن آية ما بيننا وبين المنافقين، أنهم لا يتضلعون من ماء زمزم ). وهذا رواه ابن ماجه والدارقطني والحاكم وصححه جمع من أهل العلم.

    أيضاً من الآداب العامة أن يسمي الله عز وجل في بدء الشرب، وأن يشرب جالساً، وأن يحمد الله عز وجل إذا انتهى من الشرب، وأن يشرب ثلاثاً، وألا يتنفس في الإناء.

    أيضاً من الآداب قال رحمه الله: [ثم يقول: اللهم اجعله لنا علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، ورياً وشبعاً، وشفاءً من كل داء، واغسل به قلبي، واملأه من خشيتك وحكمتك].

    هذا الدعاء لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أنه كان إذا شرب من زمزم قال: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً واسعاً، وشفاءً من كل داء، وهذا أخرجه الدارقطني والحاكم وصححه.

    فإذا أتى الإنسان بهذا الذكر الوارد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما فإن هذا لا بأس به.

    أيضاً ذكر بعض العلماء من الآداب: أنه يستقبل القبلة عند شرب ماء زمزم، وأنه يرش على بدنه وثوبه، ولكن مثل هذه الأشياء لم ترد عن النبي صلى الله عليه وسلم، فالوارد عن النبي عليه الصلاة والسلام -كما تقدم- أنه يشرب، والنبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنها ( طعام طعم وشفاء سقمٍ ).

    1.   

    الرجوع إلى منى والمبيت بها

    مكان صلاة الظهر يوم النحر

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [باب ما يفعله بعد الحل: ثم يرجع إلى منى ولا يبيت إلا بها].

    بعد أن يطوف للإفاضة يوم النحر ويسعى، يرجع إلى منى ليبيت بها ليلة الحادي عشر والثاني عشر إن تعجل، وليلة الثالث عشر إن لم يتعجل، والنبي عليه الصلاة والسلام طاف بالبيت ضحى يوم النحر، وبعد الطواف وبعد أن شرب من ماء زمزم اختلف الصحابة رضي الله تعالى عنهم أين صلى الظهر ذلك اليوم؟ هل صلى بمكة أو صلى بمنى؟

    فالرواية الأولى: أنه صلى بمكة، والرواية الثانية: أنه صلى بمنى، وابن عمر رضي الله تعالى عنهما كما في الصحيحين ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى بمنى، وجابر رضي الله تعالى عنه كما في صحيح مسلم ذكر أنه صلى بمكة، وكذلك أيضاً عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت أنه صلى بمكة.

    فاختلف العلماء رحمهم الله في الجمع بين روايتي ابن عمر وجابر مع عائشة على أقوال:

    فقال بعض العلماء: يرجح قول عائشة وجابر ، قالوا: بأن قول عائشة وجابر أرجح؛ لأن ابن عمر واحد، وجابر وعائشة اثنان، فيكون النبي صلى الله عليه وسلم صلى ظهر يوم النحر بمكة وهو القول الأول.

    والقول الثاني: أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى صلاتين؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام صلى بمكة الظهر، ثم خرج إلى منى فوجد أصحابه لم يصلوا فصلى بهم مرةً أخرى، وهذا القول هو الصواب، وقد رجحه الشنقيطي رحمه الله تعالى.

    حكم المبيت بمنى ليالي أيام التشريق

    وقوله: (ثم يرجع إلى منى ولا يبيت إلا بها).

    البيتوتة بمنى ليلة الحادي عشر والثاني عشر من أيام التشريق للمتعجل، والثالث عشر أيضاً لغير المتعجل، وهذه البيتوتة اختلف العلماء رحمهم الله في حكمها على قولين:

    القول الأول: وهو رأي جمهور أهل العلم أن البيتوتة بمنى واجبة.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية رحمهم الله قالوا: بأنها مستحبة.

    أما الذين قالوا بالوجوب -وهم الجمهور- فاستدلوا بأدلة، ومن هذه الأدلة: ما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للعباس في ترك البيتوتة بمنى من أجل السقاية )، والرخصة يقابلها عزيمة، فدل على أن غير العباس البيتوتة في حقه عزيمة، يعني: هذا شيء واجب؛ ولأن النبي صلى الله عليه وسلم أيضاً بات بها وقال: ( خذوا عني مناسككم ). وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام رخص للرعاة في ترك البيتوتة، فالرخصة يقابلها عزيمة.

    وأيضاً ورود ذلك عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: لا يبيتن أحد من الحجاج ليالي منى من وراء العقبة؛ لأن ما بعد العقبة خارج منى، فحد منى من جهة مكة هي جمرة العقبة، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يبعث رجالاً يدخلون كل من كان وراء العقبة إلى منى، فدل ذلك على أن البيتوتة بمنى واجبة.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية قالوا: بأن البيتوتة بمنى ليست واجبة؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم بات بها من أجل تسهيل الرمي، يعني يقولون: بأن هذا ليس مقصوداً لذات البيتوتة، وإنما بات النبي عليه الصلاة والسلام لكي يسهل الرمي؛ لأنه سيرمي من الغد بعد الزوال، وهذا فيه نظر، والأصل في ذلك أن العبادات مقصودة لذاتها، وعلى هذا نقول: الأقرب في ذلك هو ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    قدر المبيت الواجب بمنى

    وما قدر البيتوتة الواجبة؟ قال العلماء رحمهم الله: قدر البيتوتة الواجبة معظم الليل، وتقدم أن ذكرنا قدر البيتوتة الواجبة في مزدلفة، لكن بالنسبة للبيتوتة الواجبة بمنى فإن قدرها هو معظم الليل، وعلى هذا يمكث بمنى معظم الليل، سواء من آخره أو من وسطه أو من أوله، المهم أن يمكث النصف فأكثر، فإذا مكث النصف فأكثر ولو بلحظة واحدة بمنى فقد أدى الواجب، وعلى هذا لو أنه جاء من غروب الشمس إلى ما بعد نصف الليل بلحظة فقد أدى الواجب، أو جاء قبل نصف الليل إلى طلوع الفجر فنقول: بأنه قد أدى الواجب.

    من يسقط عنهم المبيت بمنى لعذر

    أيضاً من الأحكام المتعلقة بالبيتوتة: أن البيتوتة بمنى تسقط عند المصلحة كما رخص النبي عليه الصلاة والسلام للعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنه في ترك البيتوتة من أجل السقاية، ورخص للرعاة أيضاً في ترك البيتوتة من أجل الرعاية، فالذين يشتغلون بمصالح الحجاج هؤلاء تسقط عنهم البيتوتة إذا تعذر عليهم ذلك، يعني: لا يتمكنون من الجمع بين البيتوتة وبين مصالحهم، فنقول: البيتوتة تسقط عنهم، مثل الأطباء الذين يشتغلون في المستشفيات، وقد يشتغلون في المستشفيات خارج منى، نقول: بأن البيتوتة تسقط عنهم، ومثل: رجال الأمن الذين يشتغلون في تنظيم السيارات أو تنظيم الحجاج... إلى آخره، فهؤلاء إذا لم يتمكنوا من البيتوتة بمنى أو من التواجد في منى فنقول: بأن البيتوتة تسقط عنهم.

    وعلى هذا فقس، يعني: كل من كان يشتغل بأمور الحجاج وبمصالح الحجاج فإن البيتوتة تسقط عنهم، ومثل ذلك أيضاً: الموظفين؛ فإذا كان هناك موظفون يعنون بشؤون الحجاج، فنقول: بأن البيتوتة تسقط عنهم إذا كان هناك مصلحة عامة.

    وأما ما يتعلق بأصحاب الأعذار الخاصة، فهل تسقط البيتوتة عنهم أو لا تسقط البيتوتة؟ ذكر ابن القيم رحمه الله أن مثل هؤلاء أيضاً تسقط البيتوتة عنهم، فلو كان الإنسان له مريض واحتاج إلى الذهاب لهذا المريض إلى خارج منى؛ لكي يعالجه، أو له ضال واحتاج أن يبحث عن هذا الضال، فيرى أن مثل هذه الأشياء تسقط عنه البيتوتة.

    وقت رمي الجمرات أيام التشريق

    قال رحمه الله: [فيرمي بها الجمرات بعد الزوال من أيامها، كل جمرة بسبع حصيات].

    الرمي تقدم لنا شروط صحته، وذكرنا ما يقرب من عشرة شروط: العدد، وحجم الحصى الذي يرمي به... إلى آخره، فهذا تقدم ولا حاجة إلى أن نعيده، لكن ذكر المؤلف رحمه الله أن الرمي يبدأ من بعد زوال الشمس، فالرمي في أيام التشريق له مبدأ وله نهاية، فمتى يبدأ الرمي أيام التشريق؟

    نقول: الرمي أيام التشريق يبدأ من بعد الزوال كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى وهذا قول جمهور أهل العلم؛ والدليل على ذلك:

    حديث جابر في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمى يوم النحر ضحى، وأما بعد ذلك فإذا زالت الشمس ).

    وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: ( كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا ) رواه البخاري .

    وأيضاً أخرج البيهقي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه قال: لا ترم الجمرة حتى تميل الشمس. فهذه أدلة ظاهرة للجمهور أن الرمي إنما يكون بعد الزوال.

    وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام ما خير بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن إثماً، ولا شك أن الأيسر أن يرمي في أول النهار؛ لأن كونه ينتظر حتى تزول الشمس فهذا وقت شدة الحر فيرمي في ذلك الوقت، ولا شك أن كونه يرمي قبل ذلك أن هذا أيسر من كونه يرمي بعد الزوال مباشرةً، وهذا الرأي الأول وهو رأي الجمهور.

    والرأي الثاني: رأي الحنفية؛ فالحنفية يفصلون ويقولون: اليوم الأول من بعد الزوال، واليوم الثالث قبل الزوال وبعد الزوال، واليوم الثاني هذا فيه تفصيل: إن أراد الإنسان أن يتعجل فلا بأس أن يرمي قبل الزوال، وإن لم يرد أن يتعجل فإنه يرمي بعد الزوال، ويستدلون على هذا بما ورد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ( إذا انتفخ النهار من يوم النفر، فقد حل الرمي والصدر ). وهذا الحديث أخرجه البيهقي وإسناده ضعيف، فيه طلحة بن عمرو المكي وهو ضعيف.

    وأيضاً يقولون: بأنه ورد عن ابن الزبير رضي الله تعالى عنه أنه رمى قبل الزوال، لكن هذا أيضاً لا يثبت وإن كان يصححه بعض أهل العلم.

    واليوم الثالث يجوز قبل الزوال وبعد الزوال؛ لأن اليوم الثالث يجوز للإنسان أن يتعجل وأن يتركه، فيجوز قبل الزوال وبعد الزوال.

    الرأي الثالث في المسألة: ذهب إليه بعض السلف كـعطاء وطاوس أنه يجوز الرمي قبل الزوال في سائر الأيام، يعني: في اليوم الأول والثاني والثالث، واستدلوا على ذلك بقول الله عز وجل: وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ [البقرة:203] ومن ذكر الله عز وجل في هذه الأيام المعدودات ذكره عند رمي الجمار، لكن الذكر هذا مقيد بالسنة وهو أن يكون بعد الزوال، وعلى هذا نقول: الأقرب في هذه المسألة أن يحتاط المسلم وألا يرمي إلا بعد الزوال.

    هذا بالنسبة لبدء الرمي. لكن متى ينتهي وقت الرمي؟

    نقول: بأن وقت الرمي الصحيح أنه يستمر إلى طلوع الفجر، فرمي اليوم الحادي عشر يستمر إلى طلوع فجر اليوم الثاني عشر، ورمي اليوم الثاني عشر يستمر إلى طلوع فجر اليوم الثالث عشر، ورمي الثالث عشر يستمر إلى غروب الشمس؛ لأنه إذا غربت الشمس فقد انتهت أيام التشريق.

    وتقدم لنا أن ذكرنا مذاهب أهل العلم رحمهم الله في حكم الرمي ليلاً، وذكرنا الأدلة على ذلك، أنه وارد عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كـابن عمر وغيره، وحديث ابن عباس أنه قال: ( رميت بعدما أمسيت، قال: افعل ولا حرج ).

    أيضاً مما يتعلق بوقت الرمي: أن الإنسان إذا ترك الرمي لعذر فإنه لا بأس أن يرميه قبل الزوال؛ لأنه لا يكون أداءً في هذه الحال وإنما يكون قضاءً، فمثلاً: إنسان لم يرم في اليوم الحادي عشر حتى طلع عليه فجر اليوم الثاني عشر، فنقول: لا بأس بأنك ترمي يوم الحادي عشر قبل الزوال من اليوم الثاني عشر؛ لأن هذا أصبح قضاءً، وهذا نص عليه الشافعية، أي: أن الشافعية والمالكية يقولون: إذا لم يرم -مثلاً- اليوم الحادي عشر لعذر، فله أن يرمي رمي اليوم الحادي عشر في اليوم الثاني عشر قبل الزوال.

    جمع الرمي إلى اليوم الأخير من أيام التشريق

    أيضاً من المسائل المتعلقة بالرمي: جمع الرمي، هل يجوز أن يجمع الرمي في اليوم الأخير أو لا يجوز؟

    المشهور من المذهب ومذهب الشافعية أنه يجوز أن يجمع الرمي، يعني: لو أن الإنسان لم يرم يوم النحر، ولم يرم اليوم الحادي عشر، ولم يرم اليوم الثاني عشر، فيجوز له على المذهب أن يجمع الرمي كله في آخر يوم، أي: في اليوم الثالث عشر، فيبدأ رمي يوم النحر فيرمي جمرة العقبة، ثم بعد ذلك يعود وينوي اليوم الحادي عشر ويبدأ بالجمرة الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود مرة ثالثة وينوي عن اليوم الثاني عشر ويرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، ثم يعود وينوي اليوم الأخير -اليوم الثالث عشر- فيرمي الصغرى ثم الوسطى ثم العقبة، وهذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي.

    واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رخص للرعاة أن يرموا يوم النحر، ثم يجمعوا رمي يومين فيرموه في أحدهما، ثم يرموا يوم النفر، فرخص النبي عليه الصلاة والسلام للرعاة أن يأتوا يوم النحر ويرموا؛ لأن الناس بحاجة إلى رواحلهم؛ لأنهم يأتون يوم النحر برواحلهم من مزدلفة إلى منى، فهم بحاجة إلى الرواحل، فرخص لهم النبي عليه الصلاة والسلام أن يرموا يوم النفر، ثم يجمعوا رمي يومين اليوم الحادي عشر والثاني عشر يرمونه في الثاني عشر، ثم يأتوا يوم النفر ويرموا مع الناس؛ لأن الناس بحاجة إلى الرواحل ليذهبوا، فاستدلوا بهذا على أنه لا بأس أن الإنسان يجمع. وهذا الرأي الأول.

    الرأي الثاني: رأي مالك وأبي حنيفة أنه لا يجوز الجمع، يعني: يجب أن ترمي كل يومٍ بيومه، واستدلوا على ذلك بأن النبي صلى الله عليه وسلم رمى كل يومٍ بيومه وقال: ( لتأخذوا عني مناسككم )؛ ولأن كل يوم عبادة مستقلة، والصحيح في هذا أن يقال: في حال العذر والمصلحة هذا جائز ولا بأس به، كما قلنا في البيتوتة بمنى: إذا كانت هناك مصلحة، يعني: إنسان يشتغل بمصالح الحجاج ويصعب عليه أنه يأتي كل يوم ليرمي -مثل الأطباء ومثل رجال الأمن وغيرهم والموظفين الذين يشتغلون بمصالح الحجاج- فنقول: هنا لا بأس أن يجمعوا.

    كذلك أيضاً لو كان الإنسان معذوراً كإنسان مريض أو كبير في السن أو امرأة حامل ونحو ذلك، ويشق عليه أن يأتي كل يوم إلى المرمى ويرمي، فنقول: هنا لا بأس أن يجمع الرمي.

    فتلخص لنا أنه إذا كان هناك مصلحة أو كان هناك عذر فإنه لا بأس أن يجمع، وأما مع عدم ذلك فالأصل أن الإنسان يرمي كل يومٍ بيومه، وبهذا تجتمع الأدلة.

    الترتيب بين الجمرات وكيفية الرمي

    قال رحمه الله: [يبتدئ بالجمرة الأولى].

    جمهور أهل العلم رحمهم الله يرون أن الترتيب بين الجمرات شرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رتب، وعلى هذا يبدأ بالجمرة الأولى ثم الوسطى ثم جمرة العقبة، فلو أخل بالترتيب لم يصح.

    وعند الحنفية أن الترتيب سنة، فلو بدأ بالعقبة أو بدأ بالوسطى أو بدأ الصغرى قالوا: بأن هذا جائز ولا بأس به، والأحوط في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم، إلا إذا أخل الإنسان بالترتيب ولا يمكنه أن يتدارك لأن زمن الرمي قد مضى.

    ثم قال رحمه الله: [فيستقبل القبلة ويرميها].

    يعني: في المذهب: يستقبل القبلة فيجعل الجمرة الأولى عن يساره، ولا يجعل الجمرة بين يديه، وهذا فيه نظر، فالصحيح في هذا أن الإنسان يجعل الجمرة بين يديه، وأما تقصد استقبال القبلة فهذا لم يرد، بل نقول: الصحيح في ذلك أن الإنسان يجعل الجمرة بين يديه كما هو عمل الناس اليوم، وأما كون الإنسان يتقصد أن يرمي الجمرة الأولى ويكون مستقبلاً القبلة والجمرة عن يساره فنقول: هذا ليس عليه دليل.

    ثم يقول المؤلف: [بسبع حصيات كما رمى جمرة العقبة، ثم يتقدم فيقف فيدعو الله].

    هذا هو السنة، فإذا انتهى الإنسان من الجمرة الأولى فإنه يتقدم ويرفع يديه ويستقبل القبلة ويدعو دعاءً طويلاً، وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وابن القيم أنه بقدر سورة البقرة، وقد دل على الدعاء حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة، ثم يتقدم فيقوم مستقبلاً القبلة طويلاً ويدعو ويرفع يديه، ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ). أخرجه البخاري في صحيحه.

    قال رحمه الله: [ثم يأتي الوسطى فيرميها كذلك].

    الوسطى يقولون بأنه يجعلها عن يمينه ويستقبل القبلة، لكن هذا -كما تقدم- فيه نظر، والصحيح في ذلك أنه يجعل الجمرة بين يديه، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم استقبل القبلة.

    وبعد أن ينتهي من رمي الجمرة الوسطى يستقبل القبلة ويرفع يديه يدعو دعاءً طويلاً كما ورد ذلك في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    قال رحمه الله: [ثم يرمي جمرة العقبة].

    أي: بعد أن ينتهي من رمي الجمرة الوسطى فإنه يرمي جمرة العقبة ويجعلها عن يمينه -كما تقدم- ويستقبل القبلة، وهذا فيه نظر، والصواب في ذلك: أنه كما ورد في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه يجعل مكة عن يساره ومنى عن يمينه، وتكون الجمرة بين يديه.. هذا هو الصواب، وتقدم ذلك.

    قال رحمه الله: [ولا يقف عندها].

    يعني: يقف للدعاء عند الجمرة الأولى، ويقف للدعاء أيضاً عند الجمرة الوسطى، وأما بالنسبة لجمرة العقبة فإنه لا يقف عندها؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقف؛ ولهذا في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( ثم يرمي جمرة العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف. ويقول: هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعله ).

    وذكرنا فيما تقدم الحكمة من عدم الوقوف عند جمرة العقبة، فقال بعض العلماء: لا يقف عند جمرة العقبة لضيق المكان، وقال بعض العلماء: لا يقف عند جمرة العقبة؛ لأن العبادة قد انتهت، والدعاء إنما يكون في جوف العبادة، وهذا هو الأقرب في هذه المسألة أنه لا يقف لأن العبادة قد انتهت، وسبقت الإشارة إلى هذا.

    قال رحمه الله: [ثم يرمي في اليوم الثاني كذلك].

    يعني: يرمي في اليوم الثاني من أيام التشريق بعد الزوال الجمرة الأولى ثم الجمرة الوسطى ثم بعد ذلك جمرة العقبة.

    1.   

    التعجل في الخروج من منى

    قال: [فإن أحب أن يتعجل في يومين خرج قبل الغروب].

    التعجل هذا تحته مسائل:

    حكم التعجل

    المسألة الأولى: حكم التعجل، نقول: التعجل هذا جائز، وقد دل على ذلك القرآن والسنة وإجماع العلماء رحمهم الله:

    أما القرآن فقول الله عز وجل: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى [البقرة:203].

    وأما السنة فحديث عبد الرحمن الديلي أنه قال: ( شهدت النبي صلى الله عليه وسلم أيام منى يتلوا: (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) ثم أردف رجلاً وجعل ينادي بها في الناس ). وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وابن خزيمة وابن حبان وصححه ابن خزيمة وكذلك أيضاً ابن حبان .

    لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله: أن الإمام الذي يقيم النسك للناس ليس له أن يتعجل، فالحنابلة يستثنون الإمام، والإمام مالك رحمه الله يقول: المكي ليس له أن يتعجل.

    والصواب في ذلك أن التعجل عام، للمكي ولغير المكي وكذلك للإمام ولغير الإمام.

    وقت التعجل

    المسألة الثانية: قال المؤلف رحمه الله: (خرج قبل الغروب).

    يعني: وقت التعجل إلى غروب الشمس، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، أما عند الحنفية فيقولون: بأن وقت التعجل يمتد إلى ما بعد الغروب، فالحنفية يتوسعون في ذلك، فيمتد إلى قبيل طلوع الفجر الثاني، يعني: إذا غربت عليك الشمس وأنت لم تتعجل فلا بأس، فبعد غروب الشمس تعجل إلى قبيل طلوع الفجر الثاني، فإذا طلع الفجر الثاني من اليوم الثالث عشر ليس لك أن تتعجل، فيقولون: لا بأس أن الإنسان يتعجل إلى قبيل طلوع الفجر الثاني من اليوم الثالث عشر، فإذا طلع الفجر الثاني ليس له أن يتعجل.

    والصحيح في ذلك ما ذهب إليه جمهور أهل العلم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ [البقرة:203] قال: (فِي يَوْمَيْنِ) و(فِي) هذه للظرفية، يعني: في ظرف هذين اليومين، وهذا إنما يكون قبل غروب الشمس، وعلى هذا أيضاً فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فقد ورد عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس، وهذا أخرجه الإمام مالك في الموطأ والبيهقي في السنن الكبرى وإسناده صحيح.

    فالصواب في ذلك: أن التعجل يمتد إلى غروب الشمس، أما بعد غروب الشمس فليس له أن يتعجل.

    المسألة الثالثة: إذا أدركه غروب الشمس في حال المسير من منى أو وهو يشد رحله، فهل له أن يتعجل أو ليس له أن يتعجل؟ نقول: نعم، له أن يتعجل، كذلك أيضاً لو أدركه غروب الشمس وقد رمى وهو في طريقه إلى التعجل لكي يأخذ رحله، نقول: أيضاً له أن يتعجل.

    بل إن بعض أهل العلم رخص فقال: إذا شرع في الرمي ثم أدركه غروب الشمس فله أن يتعجل.