إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب المناسك [8]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • السنة أن يبدأ المعتمر أو الحاج بالحجر الأسود، ولو حاذاه ببعض بدنه صح، ويستلم الحجر الأسود في كل موضع بحسبه، ويقبله ويقول: الله أكبر، ويشرع في طواف القدوم سنتان: الاضطباع، والرمل، وليس هناك أدعية مخصوصة لكل شرط فيشرع التقيد بما ورد عنه النبي صلى الله عليه

    1.   

    ما يشرع فعله عند الحجر الأسود قبل الشروع في الطواف

    تقدم لنا شيء من الآداب التي تشرع عند دخول مكة، وذكرنا من ذلك الدخول من أعلاها من ثنية كداء، والخروج من أسفلها، وذكرنا من ذلك: أنه يدخل نهاراً، وأنه إذا دخل مكة فإن السنة أن يبدأ أول ما يبدأ بالبيت، وإذا أراد أن يدخل البيت فإنه يبدأ من باب بني شيبة، وتكلمنا على هذه المسألة، وهل يشرع ذكر خاص لدخول المسجد الحرام، أو لا يشرع ذكر خاص؟ وتقدم أن دخول المسجد الحرام كدخول سائر المساجد، وأنه لا يشرع ذكر خاص، وأيضاً: إذا دخل المسجد الحرام فإن تحية البيت هو الطواف، وذكرنا أيضاً ما يتعلق بطواف القدوم، وما يشرع فيه وما يسن.

    وتكلم المؤلف رحمه الله على الاضطباع وسيتكلم أيضاً على الرمل.

    وسبق أن أشرنا إلى أن السنة للإنسان إذا قدم مكة أن يبدأ بالبيت، وألا يعرج على شيءٍ حتى يأتي البيت، هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولهذا ذكرت عائشة كما في الصحيحين، ( أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما قدم أن توضأ ثم بدأ بالبيت فطاف )، هذا هو السنة.

    وإذا دخل المسجد فلا يخلو من أمرين:

    الأمر الأول: أن يريد الطواف، فتحية البيت الطواف.

    الأمر الثاني: ألا يريد الطواف، وإنما يريد حضور مجلس علم، أو يريد الصلاة أو يريد القراءة أو غير ذلك، فإن تحية المسجد هي الصلاة كسائر المساجد، فإذا أراد الطواف فالتحية هي الطواف، وإن أراد غير الطواف من قراءةٍ أو صلاةٍ أو حضور درسٍ ونحو ذلك، فإن تحية المسجد هي الصلاة كسائر المساجد.

    من أراد الحج والعمرة فإنه يشرع له أن يبدأ بالطواف؛ لأن هذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم كما أسلفنا عن عائشة رضي الله تعالى عنها.

    وهذا الطواف يسمى: طواف القدوم، وهو بالنسبة للمعتمر والمتمتع أحد أركان العمرة، وبالنسبة للمفرد والقارن عند جمهور أهل العلم أنه سنة، وعند الإمام مالك رحمه الله: يرى أن طواف القدوم واجب، والصحيح في ذلك أن طواف القدوم سنة وليس واجباً، وهذا هو قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    ويدل لذلك حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه، فإن عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه قدم حاجاً، ومع ذلك لم يطف طواف القدوم، وإنما أول ما أتى هو عرفات، ولم يأت منى في اليوم الثامن، ولم يبت بمنى ليلة التاسع، ومع ذلك قال له النبي صلى الله عليه وسلم: ( من شهد صلاتنا هذه -يعني: صلاة الفجر في مزدلفة- ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف بعرفة ليلاً أو نهاراً فقد تم حجه وقضى تفثه ) وعلى هذا نقول: الصحيح بالنسبة للمفرد والقارن أن طواف القدوم في حقهما سنة وليس واجباً؛ لما ذكرنا من حديث عروة بن مضرس رضي الله تعالى عنه.

    وإذا جاء إلى البيت وشرع في الطواف، فإن طواف القدوم يشرع فيه سنتان:

    السنة الأولى: الاضطباع، وتقدم الكلام عليها.

    والسنة الثانية: الرمل، وسيأتي إن شاء الله بيانها، وأن المؤلف رحمه الله ذكر أنه يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر.

    الابتداء بالحجر الأسود واستلامه وتقبيله

    قال رحمه الله: [ويبدأ بالحجر الأسود].

    وهذا هو هدي النبي صلى الله عليه وسلم، وعلى هذا لا يشرع أن يبدأ قبل الحجر الأسود، بل هذا بدعة وخلاف هدي النبي صلى الله عليه وسلم، لهذا نعرف أن بعض الناس الذين يقولون: نحتاط ونبدأ قبل الحجر الأسود فإن هذا بدعة، والصحيح أن الإنسان يبدأ بالحجر الأسود، وسيأتي كلام شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وفيه سعة.

    محاذاة الحجر الأسود

    هل يشترط إذا أراد أن يبدأ بالحجر الأسود أن يحاذيه بكل بدنه، أو أن هذا ليس شرطاً؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فالرأي الأول -وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله-: أنه لا بد أن يحاذي الحجر الأسود بكل بدنه، وعلى هذا، لو خرج شيء من بدنه عن محاذاة الحجر الأسود لا يجزئ، فعلى المذهب لو أن بعض البدن حاذى الحجر والبعض الثاني خرج عن محاذاة الحجر، يقولون: إنه لا يجزئ، بل لا بد أن يكون جميع بدنك محاذياً للحجر الأسود.

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن هذا ليس شرطاً، فسواء حاذى الحجر بكل بدنه أو حاذاه ببعض بدنه، وعلى هذا، لو أنه حاذى الحجر الأسود ببعض بدنه فإن هذا لا بأس به.

    كما قلنا: الحنابلة يقولون: لا بد أن يحاذي الحجر بكل بدنه، كيف ذلك؟ يقولون: إنه يكون بين ضلعي البيت، بحيث إنه يرى هذا الضلع وهذا الضلع، فحينئذٍ يكون محاذياً للحجر بكل بدنه، وقلنا: الصحيح في ذلك أن هذا ليس شرطاً، وأنه لو حاذى ببعض بدنه يعني: لو رأى أحد أضلاع البيت، كالضلع الأيمن على جهته اليمنى، ولم ير الذي على جهته اليسرى فإن هذا مجزئ عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وبهذا نعرف أن الأمر في ذلك واسع ولله الحمد.

    استلام الحجر الأسود وتقبيله

    قوله: [فيستلمه] أي: الحجر الأسود، ويشرع له سنن.

    السنة الأولى: أن يستلمه، وكيفية الاستلام في كل موضعٍ بحسبه، فاستلام الحجر الأسود هو مسحه، ومعنى أن يستلمه، يعني: أن يمسحه بيده اليمنى وهذا هو استلامه، ودليل ذلك هو فعل النبي عليه الصلاة والسلام من حديث جابر : ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما قدم مكة أتى الحجر فاستلمه ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.

    قال رحمه الله: [ويقبله].

    يعني: بعد أن يستلمه يقبله، أي: بعد أن يمسحه بيده اليمنى يقبله، ودليل ذلك: ( أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قبل الحجر، وقال: أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك )، وقال العلماء في صفة التقبيل: هو أن يضع شفتيه عليه دون صوت ثم يرفعهما، وهذا خلاف ما عليه كثير من الناس اليوم، تجد أنه يقبل بصوت، أو أنه يقبل عدة مرات، وهذا لم يفعله النبي عليه الصلاة والسلام.

    والتقبيل هو قول جمهور أهل العلم، وعند الإمام مالك رحمه الله أنه لا يقبله، لكن ما ذهب إليه الإمام مالك رحمه الله هذا فيه نظر؛ لأن هذا مخالف لهدي النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم من حديث عمر رضي الله تعالى عنه في الصحيحين.

    وظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه لا يسجد عليه، وهذا خلاف ما عليه الأصحاب رحمهم الله، فالحنابلة رحمهم الله يرون أنه يسجد على الحجر الأسود بعد أن يقبله، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، وقد ورد ذلك عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وكيفية السجود عليه: أن يضع جبهته وأنفه عليه.

    هذه هي المرتبة الأولى في استلام الحجر: أن يستلمه ويقبله ويسجد عليه.

    المرتبة الثانية: إذا لم يتمكن من أن يستلمه ويقبله فإنه يستلمه بيده ويقبل يده، فإذا لم يتمكن من المرتبة الأولى فإنه يصير إلى المرتبة الثانية، ودليله حديث ابن عباس في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم استلم الحجر بيده وقبل يده ) .

    المرتبة الثالثة: إذا لم يتمكن من أن يستلمه بيده ويقبل يده، فإنه يستلمه بشيء ويقبل هذا الشيء.

    ويدل لذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي الطفيل قال: ( رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يطوف بالبيت ويستلم الحجر بمحجن معه ويقبل المحجن ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه.

    المرتبة الرابعة: إذا لم يتمكن من أن يستلمه بشيء ويقبل هذا الشيء فإنه يشير إليه ولا يقبل يده إذا أشار بيده.

    ودليل ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( طاف النبي صلى الله عليه وسلم على بعير، فلما أتى الحجر أشار إليه بشيءٍ في يده وكبر )، وما هي كيفية الإشارة؟ كيفية الإشارة أن يشير إليه مرة واحدة فقط؛ لأن الإشارة نائبة مناب الاستلام، والاستلام يكون باليد اليمنى، وعلى هذا يشير باليد اليمنى إشارة واحدة، وأما كون بعض الناس يشير عدة إشارات، أو يشير بيديه جميعاً كأنه يكبر للصلاة، فهذا كله غير صحيح.

    أيضاً ذكر العلماء رحمهم الله أنه يشير إليه وهو مستقبل الحجر؛ لأن الإشارة تقوم مقام الاستلام، والاستلام يكون وهو مستقبل الحجر، فكذلك أيضاً قال بعض أهل العلم: بأنه يستقبل الحجر ويشير إليه، وقال بعضهم: بأنه يشير وهو ماشي، والأمر في هذا واسع.

    ما يشرع من ذكر عند استلام الحجر الأسود

    قال رحمه الله: [ويقول: بسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعاً لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وسلم].

    ما هو الذكر المشروع؟ نقول: أما التكبير فهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم، كما تقدم لنا في حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في البخاري .

    بقينا في قوله: (باسم الله)، هل ثبت ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم؟ وقول: (اللهم إيماناً بك)؟ فالمؤلف ذكر ثلاثة أذكار عند استلام الحجر: (باسم الله، والله أكبر، اللهم إيماناً بك).

    أما التكبير فهذا ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم كما سلف.

    وأما قول: (باسم الله)، فهذا ثابت عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    وأما قول: (اللهم إيماناً بك وتصديقاً بكتابك)، فهذا لم يثبت مرفوعاً، يعني: ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد ذلك عن علي بن أبي طالب وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.

    فأصبح عندنا أن الذي ثبت في السنة قول: الله أكبر، أما التسمية، وقول: اللهم إيماناً بك، فهذا ليس ثابتاً عن النبي صلى الله عليه وسلم، وإنما ورد ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    1.   

    شروط الطواف

    محاذاة الحجر الأسود وجعل البيت عن يساره

    قال رحمه الله: [ثم يأخذ عن يمينه، ويجعل البيت عن يساره].

    الطواف يشترط له شروط:

    الشرط الأول كما تقدم عند الحنابلة رحمهم الله: أنه يشترط أن يحاذي الحجر بكل بدنه، وذكرنا أن هذا ليس شرطاً عند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    الشرط الثاني: ما ذكره المؤلف رحمه الله هنا، فقال: (ثم يأخذ عن يمينه ويجعل البيت عن يساره).

    هذا هو الشرط الثاني: أن يجعل البيت عن يساره، وعلى هذا لو طاف منكساً وجعل البيت عن يمينه فإن هذا غير مجزئ، وقد ذكر العلماء رحمهم الله بأن جعل البيت عن يسار الطائف، كجعل البيت في وجه المصلي، فيجعلون كلاً منهما شرطاً، كما أن المصلي يجب عليه أن يجعل البيت قبل وجهه، فكذلك أيضاً الطائف يجب عليه أن يجعله عن يساره، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله تعالى.

    وعلى هذا فلو طاف منكساً فإن طوافه لا يصح، لكن لو أن الإنسان في أثناء الزحام تقدم بعض الخطوات وظهره إلى البيت، أو وجهه إلى البيت، فمثل هذه الأشياء اليسيرة يعفى عنها.

    إتمام سبعة أشواط

    قال رحمه الله: [فيطوف سبعاً].

    أي: يطوف سبعة أشواط، وهذا الشرط الثالث، وعلى هذا فلو نقص خطوة واحدة من هذه السبعة فإن طوافه لا يصح ولا يكتمل إلا بأن يطوف سبعةً كاملةً من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم رحمهم الله تعالى، خلافاً للحنفية، فالحنفية يقولون: أنه إذا أتى بالأكثر فإنه يكفي، فإذا أتى بأربعة أشواط كفى ذلك، فإن كان في مكة فإنه يعيد، وإن خرج عن مكة فإنه يلزمه دم، ويقولون: بأن الأكثر له حكم الكل، والصحيح في ذلك: ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله، وأنه لا بد أن يطوف سبعة أشواط، والله عز وجل قال: وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج:29] وهذا أمر.

    وكيفية هذا الطواف: بينه النبي صلى الله عليه وسلم وفسره بفعله، وأيضاً: أمر النبي عليه الصلاة والسلام بالطواف بالبيت.

    نية الطواف

    الشرط الرابع: النية؛ لأن الإنسان قد يدور بالبيت وهو يريد الطواف، وقد يدور بالبيت وهو لا يريد الطواف، وإنما يريد ملاحقة غريم أو رفقة مريض أو صاحب أو امرأة ونحو ذلك، فلا بد من النية.

    لكن هل يشترط نية خاصة للطواف أو لا يشترط؟ يعني: هل يشترط أن يعين الطواف، أو نقول: هذا ليس شرطاً؟ هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، والصحيح في ذلك أنه لا يشترط أن يعين.

    وإذا أراد أن يطوف هل يشترط أن ينوي أنه طواف الإفاضة أو يكفي نية الطواف؟ بحيث إنه إذا أطلق ولم ينو شيئاً آخر، أي: نوى الطواف فقط، ولم ينو أنه طواف الإفاضة أو طواف الحج أو طواف الركن، وإنما أطلق لم يعين، فهل هذا كاف أو ليس كافياً؟

    هذا موضع خلاف، والصحيح في ذلك أنه كافٍ؛ لأن الطواف هذا جزء من أجزاء هذه العبادة، أي: عبادة الحج، وكما أن الإنسان في الصلاة لا يجعل للركوع نية خاصة وللسجود نية خاصة، فكذلك أيضاً قالوا: الطواف لا يشترط أن ينويه نيةً خاصة.

    الطهارة من الحدث

    الشرط الخامس: الطهارة من الحدث، وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، هل يشترط لصحة الطواف الطهارة، أو أن هذا ليس شرطاً؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله تعالى، فجمهور أهل العلم أن الطهارة شرط لصحة الطواف، والرأي الثاني: رأي الحنفية، قالوا: بأنه ليس شرطاً، وإنما إن كان في مكة فإنه يعيد، وإن خرج من مكة فإن طاف محدثاً حدثاً أصغر فعليه شاة، وإن كان محدثاً حدثاً أكبر -يعني: جنب- فعليه بدنة.

    واعلم أن الحنفية هم أوسع المذاهب فيما يتعلق بالطواف، يعني: هم يخففون في الطواف كثيراً، بخلاف الجمهور فإنهم يشددون في الطواف؛ لأنهم يلحقون الطواف بالصلاة، بخلاف الحنفية لا يلحقونه بالصلاة، فيخففون فيه كثيراً، وكما تقدم أنهم لا يشترطون عدد الأشواط، ولا يشترطون رفع الحدث، ولا يشترطون بالنسبة لإزالة الخبث -كما سيأتي إن شاء الله- المهم أنهم يقولون: إن طاف وهو محدث، فإن كان في مكة يعيد، وإن خرج من مكة فإن كان حدثه أصغر فعليه شاة، وإن كان حدثه أكبر فعليه بدنة.

    وفي رواية عن الإمام أحمد رحمه الله، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الطهارة ليست شرطاً وإنما هي سنة في الطواف، ولكلٍ منهم دليل، وهذا المسألة أطال فيها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في المجلد الحادي والعشرين من مجموع الفتاوى.

    ومن أدلة الجمهور حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أنها قالت: ( أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أن توضأ ثم طاف ).

    وأيضاً حديث عائشة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( افعلي ما يفعل الحاج، غير ألا تطوفي بالبيت حتى تطهري ) وفي لفظٍ عند مسلم : ( حتى تغتسلي ) وهذا تمسك به جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    والرأي الثاني: الذين قالوا بأنه سنة، قالوا: بأنه لم يرد أن النبي عليه الصلاة والسلام لما أراد الطواف قال: لا طواف إلا بوضوء، كما قال ذلك في الصلاة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم حج معه الجمع الغفير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم، ولو كان هذا شرطاً لتوافرت الهمم على نقله؛ لأن هذا مما تعم به البلوى.

    وأجاب شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله عن حديث عائشة : ( أول ما بدأ به النبي صلى الله عليه وسلم لما قدم أن توضأ ثم طاف )، قال: إن هدي النبي عليه الصلاة والسلام أنه يستحب أن يتوضأ عند الذكر، ولهذا تيمم النبي عليه الصلاة والسلام لرد السلام، وقال: ( كرهت أن أذكر الله إلا على طهر ) فالنبي عليه الصلاة والسلام يتوضأ لكل صلاة، وأن النبي عليه الصلاة والسلام تيمم لرد السلام.

    وأما حديث منع عائشة رضي الله تعالى عنها من الطواف، فقال: بأن عائشة منعت من الطواف بالبيت، ليس لأجل الحدث، وإنما لأجل أن الحائض ممنوعة من دخول البيت، فقال: ( حتى تطهري ) يعني: ينقطع الدم، فقوله: ( حتى تغتسلي ) أيضاً تتطهري من دم الحيض، فقال: بأن الحائض ممنوعة من دخول المسجد وليس لأجل الحدث، وإنما لكونها حائضاً فمنعت من ذلك.

    الطهارة من الخبث

    الشرط السادس: الطهارة من الخبث، هل هذا شرط أو ليس شرطاً؟

    هذا عند جمهور أهل العلم رحمهم الله أنه شرط، وعند الحنفية أنه ليس شرطاً، وهذا هو الصواب: أن الطهارة من الخبث ليست شرطاً، وعلى هذا لو أن الإنسان طاف وعلى ثيابه نجاسة أو في سرواله نجاسة ونحو ذلك فإن طوافه صحيح؛ لأننا إذا قلنا بأن الحدث رفعه ليس شرطاً فالخبث من بابٍ أولى؛ لأن الخبث من باب التروك، فيعفى فيها ما لا يعفى في الحدث الذي هو من باب الأوامر.

    ستر العورة

    الشرط السابع: ستر العورة، أيضاً هل هو شرط أو ليس بشرط؟

    الجمهور على أنه شرط، وعند الحنفية ليس شرطاً، ودليل الجمهور: أن الله عز وجل قال: يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ [الأعراف:31] ومن ذلك: ستر العورة.

    وأيضاً قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ) وهذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في الصحيحين، فهذا مما يدل على ستر العورة.

    وما هو ستر العورة الواجب؟ هم يقولون: ستر العورة كالعورة في الصلاة، فالمرأة كما تستتر في الصلاة تستتر في الطواف، والرجل كما يستتر في الصلاة يستتر في الطواف، والصحيح أن يقال: ينظر إلى العورة التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة : ( ألا لا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان ) ما المراد بقوله: عريان؟ نقول: المراد بقوله: عريان هو ما كان عليه المشركون، أنهم يطوفون عراة تماماً، وأنهم يقولون: ثياب عصينا الله بها فلا نتقرب إليه بها، فيطوفون عراة إلا من أعطاه أحد من قريش ثوباً يستتر به.

    وعلى هذا العري الذي نهى عنه النبي صلى الله عليه وسلم هو العري الكامل، أما ما عدا ذلك فالأصل في ذلك أنه لا يخل بالطواف، وعلى هذا لو طاف الإنسان وفي ثوبه شق، أو في إزاره شق، أو نزل إزاره وبدا شيء من عورته، فنقول: طوافه صحيح ولا بأس به.

    الطواف بجميع البيت

    الشرط الثامن: أن يطوف بجميع البيت، وعلى هذا لو طاف على الشاذروان، أو على جدار الحجر، أو دخل من الحجر فإن هذا لا يصح، وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنه إذا طاف على الشاذروان فإنه لا بأس به، وأن الشاذروان هذا ليس من البيت، وإنما هو جعل عماداً على البيت.

    والحنابلة يقولون: الشاذروان هو الجدار الصغير الفاضل تحت جدار الكعبة، هذا كان في الزمن السابق مربعاً وليس مسنناً، بحيث إن الإنسان يستطيع أنه يمشي عليه، أما الآن فهو مسنن قد يصعب على الإنسان أن يمشي عليه.

    فهذا إذا مشى عليه، أو أنه فرض أنه مشى عليه أو اتكأ على شخص ومشى عليه، فهل طوافه صحيح؟ الحنابلة يقولون: ليس بصحيح؛ لأنه من البيت، وشيخ الإسلام يقول: ليس من البيت فالطواف عليه صحيح.

    كذلك أيضاً لو دخل من الحجر وخرج، فإنه لا يصح طوافه؛ لأن الحجر هذا من البيت، وحد الحجر الذي من البيت كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله فقال: ما دام أن الحجر مستقيم إلى أن يبدأ الانحناء، فإذا بدأ الانحناء فهذا ليس من البيت، لكن ما دام أن جدار الحجر مستقيم فهذا من البيت إلى أن يبدأ الانحناء.

    المهم أنه إذا طاف على جدار الحجر، نقول: الحجر هذا من البيت، إن كان قبل الانحناء فهذا لا يصح؛ لأن الحجر -كما تقدم- من البيت، أما ما بعد الانحناء فهذا ليس من البيت، فلو طاف عليه فإن طوافه صحيح.

    الطواف داخل المسجد

    الشرط التاسع: أن يكون الطواف داخل المسجد، وعلى هذا فلو طاف خارج المسجد فإنه طوافه غير صحيح؛ لأن هذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    الموالاة بين أشواط الطواف

    الشرط العاشر: أن يوالي بين أشواط الطواف، وعلى هذا لو طاف شوطاً في الساعة العاشرة، وشوطاً في الحادية عشرة، وشوطاً بعد الظهر، نقول: بأن طوافه غير صحيح.

    وعندنا قاعدة: وهي أن العبادة المركبة من أجزاء، فإنه لا بد فيها من أمرين: الأمر الأول: الترتيب بين أجزائها، والأمر الثاني: التوالي، وإلا لم تكن على وفق هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

    الطواف مشياً

    الشرط الحادي عشر: أن يمشي ولا يركب، وعلى هذا فالمذهب أنه لا يصح الطواف راكباً إلا لعذر، وعند الشافعية أن المشي سنة وليس واجباً، وعلى هذا لو ركب فطوافه هذا لا بأس به، وعند الحنفية يقولون: لو أنه ركب فطوافه صحيح، لكن يعيده ما دام في مكة، فإن ذهب إلى أهله فعليه دم، والأحوط في ذلك أن يمشي؛ لأن هذا هدي النبي عليه الصلاة والسلام، والنبي عليه الصلاة والسلام لم يركب إلا لعذر، وهو لما غشاه الناس، وأصبحوا ينظرون إليه ويقتدوا بفعله ركب النبي عليه الصلاة والسلام.

    1.   

    الرمل في الثلاثة أشواط الأولى من الطواف والمشي فيما عداها

    قال رحمه الله: [يرمل في الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر].

    هذه السنة الثانية، تقدم أن ذكرنا أن طواف القدوم فيه سنتان: السنة الأولى: الاضطباع، والسنة الثانية: الرمل.

    والرمل: هو الإسراع في المشي مع مقاربة الخطا، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: ( رمل رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحجر إلى الحجر ثلاثاً، ومشى أربعاً ) وهذا أخرجه مسلم في صحيحه، وكذلك أيضاً له شاهد من حديث جابر رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم .

    وقوله: (من الحجر إلى الحجر) هذه هي السنة التي فعلها النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع، وإلا ففي عمرة القضية، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمرهم أن يرملوا ثلاثة أشواط، وأن يمشوا ما بين الركنين؛ لأنهم إذا مشوا بين الركنين لا يراهم المشركون، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم إبقاءً على الصحابة أن يمشوا بين الركنين، وهذا نسخ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع كما في حديث ابن عمر وحديث جابر وغيرهما: رمل من الحجر الأسود إلى الحجر الأسود، وعلى هذا نقول: السنة أن يرمل من الحجر إلى الحجر، وأما المشي بين الركنين فكان في عمرة القضية ونسخ ذلك.

    والحكمة من الرمل هو: إغاظة المشركين، فإن المشركين قالوا: يقدم عليكم قوم وهنتهم حمى يثرب -يعني: أضعفتهم حمى يثرب- فأمر النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة أن يرملوا، أي: أن يسرعوا في الخطا وأن يقاربوا بينها، وأن يمشوا بين الركنين؛ لأنهم إذا كانوا بين الركنين فإنهم يستترون عن كفار قريش فلا يرونهم، ثم بعد ذلك نسخ ذلك، ورمل النبي عليه الصلاة والسلام من الحجر إلى الحجر، يعني: في جميع الشوط.

    وكما قلنا: سبب الرمل هو قول المشركين، وهذا ثابت من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين.

    قال رحمه الله: [ويمشي في الأربعة].

    أي: الأخرى، وهذا دل له ما تقدم من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم رمل في الأشواط الثلاثة الأول من الحجر إلى الحجر، ومشى في الأشواط الأربعة ) وعلى هذا نقول: السنة أن يرمل في موضع الرمل، ويمشي في موضع المشي، فلو أن الإنسان نسي أن يرمل في الأشواط الثلاثة الأول، فنقول: لا يرمل في الأشواط الأربعة الباقية؛ لأن السنة في الأشواط الأربعة الباقية المشي، ولو أنه نسي ولم يرمل إلا في شوط واحد فقط، فنقول: لا يقضي هذا في الأشواط الأربعة الباقية، يعني: لا يقول: أرمل في شوطين؛ لأن السنة في الأشواط الأربعة الباقية هو أن يمشي.

    ولو أن الإنسان لم يتمكن من الرمل؛ لكثرة الناس، لكن إذا ابتعد عن البيت خف الزحام وتمكن من الرمل، فهل نقول: يقرب من البيت ويترك الرمل، أو نقول: بأنه يبتعد ويرمل؟ نقول: بأنه يبتعد ويرمل، وذكر العلماء رحمهم الله لذلك ضابطاً، والضابط هو: أن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمان العبادة أو مكانها.

    مثال زمان العبادة: السنة أن يصلي الإنسان الصلاة في أول وقتها فهذا هو الأفضل، لكن إذا كان حاقناً وتخفف، فإن هذا يؤدي به إلى الخشوع وسيفوت فضيلة أول الوقت وسيكتسب الخشوع في الصلاة، فالخشوع فضل متعلق بذات العبادة، والصلاة في أول وقتها فضل متعلق بزمان العبادة، نقول: الفضل المتعلق بذات العبادة أولى بالمراعاة من الفضل المتعلق بزمانها.

    مثال المكان: كما مثلنا هنا، مثال آخر: إنسان إذا صلى في الصف الأول لا يخشع في صلاته، مثلاً يكون عنده شخص قد أكل ثوماً أو بصلاً، أو أحد يشوش عليه، لكن إذا تأخر في الصف الثاني، فإنه يكون أحرى أن يخشع، فنقول: هنا يتأخر؛ لأن الفضل المتعلق بذات العبادة أولى من مراعاة الفضل المتعلق بمكانها.

    1.   

    ما يشرع عند محاذاة الحجر الأسود والركن اليماني

    قال رحمه الله: [وكلما حاذى الركن اليماني والحجر استلمهما وكبر].

    أما الحجر الأسود فالسنة أنه كلما حاذاه فإنه يستلمه، ويدل لذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يدع أن يستلم الركن اليماني والحجر في طوافه )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود وإسناده حسن.

    وأيضاً حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في صحيح مسلم أنه قال: ( ما تركت استلام هذين الركنين منذ رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستلمهما ) .

    فنقول: بالنسبة للحجر الأسود هذا يستلمه، وهل يقبله، أو نقول فقط: يكتفي باستلامه للحجر الأسود؟ الأقرب في ذلك أنه يفعل المراتب الأربعة السابقة، إن تمكن أنه يستلم ويقبل ويسجد فعل ذلك، فإن لم يتمكن فإنه يستلم بيده ويقبل يده، فإن لم يتمكن فإنه يستلم بشيء ويقبل هذا الشيء، فإن لم يتمكن فإنه يشير إليه، هذا بالنسبة للحجر الأسود.

    وهل يسم أو لا يسم؟ وهل يقول: اللهم إيماناً بك أو لا يقول؟ لا يفعل ذلك، ونقول: يقتصر على التكبير فقط، فيقول: الله أكبر.

    أما بالنسبة للركن اليماني، نقول: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم يستلمه، لكن قال المؤلف رحمه الله: [وكبر وهلل] الذي ورد هو التكبير فقط، أما التهليل فهذا لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    كذلك أيضاً بالنسبة للركن اليماني لم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم كبر عند استلامه، وعلى هذا نقول: بأنه يستلمه فقط دون أن يكبر، وهل يقبله أو لا يقبله؟ نقول: لا يقبله، وهل إذا تعذر عليه أن يستلمه هل يشير إليه؟ نقول: هذا لم يرد.

    وعلى هذا نقول: الركن اليماني السنة فيه فقط الاستلام، يعني: أن يمسحه بيده اليمنى، أما التقبيل والإشارة والتكبير فهذا كله لم يرد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وقلنا: بالنسبة للحجر الأسود ذكرنا: هل يستلمه فقط أو يستلمه ويقبله ويسجد؟ فهذا موضع خلاف بين أهل العلم، بعض أهل العلم يقولون: هذه المراتب إنما تكون في أول شيء، لكن الصحيح في ذلك أنه يفعل المراتب الأربعة كما تقدم لنا: أنه يستلم ويقبل ويسجد، فإذا لم يتمكن فليستلمه بيده اليمنى ويقبل يده اليمنى، فإذا لم يتمكن فليستلمه بشيءٍ ويقبل هذا الشيء، فإذا لم يتمكن فليشر إليه كما سلف.

    1.   

    ما يشرع قوله بين الحجر الأسود والركن اليماني

    قال رحمه الله: [ويقول بين الركنين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]].

    يقول بين الركنين هذا الذكر، ويفهم من كلام المؤلف رحمه الله أنه ليس هناك ذكر وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم ما عدا ما ذكر؛ لأنه ذكر ما يقال عند استلام الحجر الأسود، وذكر أيضاً: ما يقال بين الركنين، ولم يذكر شيئاً آخر، وبهذا نعرف أنه في بقية الطواف ليس هناك ذكر وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    بل الإنسان يذكر ويهلل ويسبح ويحمد ويقرأ القرآن، وأما بالنسبة لكونه يأتي بذكر مخصوص، فهذا لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، وبهذا نعرف أن ما يوضع من دعاء للشوط الأول أو دعاء للشوط الثاني، أن هذا بدعة؛ لأنها تخصيص لهذا الدعاء في هذا المكان، وهو لم يرد عن النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا بدعة؛ لأن العبادات مبناها على التوقيف.

    وقوله: (ويقول بين الركنين: رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ [البقرة:201]) هذا دليله حديث عبد الله بن السائب أنه قال: ( سمعت رسول الله يقول بين الركن والحجر: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) ) وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والحاكم وصححه الحاكم.

    قول المؤلف رحمه الله: يستلم الحجر والركن، يفهم من كلامه أنه لا يستلم الركنين الباقيين، يعني: الركنين الشاميين، وهذا هو الصواب؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستلمهما، ولهذا معاوية رضي الله تعالى عنه لما أتى وطاف واستلم الأركان كلها أنكر عليه، بأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يستلم إلا هذين الركنين.

    والحكمة في استلام الحجر الأسود والركن اليماني: أنهما على قواعد إبراهيم، أما بالنسبة للركنين الشاميين فهما ليسا على قواعد إبراهيم وإنما هما داخل البيت.