إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصيام [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • صوم رمضان ركن من أركان الإسلام، وتاركه جحداً بوجوبه كافر، ويجب على كل مسلم بالغ عاقل قادر على الصوم، ويجب بإكمال شعبان، وبرؤية الهلال، وبشهادة عدل.

    1.   

    الصيام

    قال رحمه الله: [كتاب الصيام].

    يقول المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الصيام).

    لما أتم الكلام عن أحكام الزكاة شرع في أحكام الصيام، إذ إن الصيام هو الركن الرابع من أركان الإسلام, كما في حديث ابن عباس وحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (بُني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان).

    فالصيام يأتي في المرتبة الرابعة بعد الزكاة، والصيام كان مشروعاً على الأمم السابقة، كما قال الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة:183].

    مراحل تشريع الصوم

    وقد شُرِع في هذه الأمة على مراحل:

    المرحلة الأولى: صيام يوم عاشوراء، فإن صيام يوم عاشوراء كان واجباً في أول الأمر، (وقد بعث النبي صلى الله عليه وسلم من ينادي: من أصبح صائماً فليتم صومه، ومن أصبح مفطراً فليصم بقية يومه، فإن اليوم يوم عاشوراء).

    المرحلة الثانية: نُسخ وجوب صيام يوم عاشوراء، وشُرِع صيام رمضان على التخيير, بمعنى: أن من كان أهلاً للصيام فإنه مخير بين أن يصوم رمضان، وبين أن يُفطر ويُطعم عن كل يوم مسكيناً، كما في قوله سبحانه وتعالى: وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ [البقرة:184].

    ثم بعد ذلك المرحلة الثالثة -وعليها استقر تشريع الصيام- أن من كان أهلاً للوجوب فإنه يجب عليه أن يصوم رمضان على التعيين وليس على التأخير؛ لقوله سبحانه وتعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185].

    تعريف الصوم وحكمه

    والصيام في اللغة: الإمساك والكف.

    وأما في الاصطلاح: فهو التعبد لله عز وجل بالإمساك عن المفطرات من طلوع الفجر الثاني إلى غروب الشمس. والأدلة على فرضيته: القرآن والسنة والإجماع، والقرآن كما تقدم في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة:183]، والسنة كما تقدم في حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، والإجماع قائم على ذلك.

    ومن ترك الصيام فإنه لا يخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن يتركه جحداً لوجوبه، فهذا كفر مخرج من الملة؛ لأنه مكذب لله ولرسوله ولإجماع المسلمين.

    الحالة الثانية: أن يتركه تهاوناً وكسلاً، فجمهور أهل العلم أنه لا يكفر؛ لحديث أبي هريرة في مانع الزكاة، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ثم يري سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، وهذا في مانع الزكاة وهي أشد تأكداً من الصيام، فقال: (ثم يري سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار)، فلو كان كافراً لم يكن له سبيل إلى الجنة.

    1.   

    من يجب عليه الصيام

    يقول المؤلف رحمه الله: [ويجب صيام رمضان على كل مسلم، بالغ، عاقل، قادر على الصوم].

    هنا ذكر المؤلف رحمه الله تعالى شروط من يجب عليه الصيام.

    الصيام كما سلف فرض، لكنه ليس فرضاً على كل أحد, فالشرط الأول لمن يجب عليه الصيام: الإسلام أن يكون مسلماً، الإسلام وعلى هذا فالكافر لا يجب عليه أن يصوم، بمعنى: أنه لا يجب عليه وجوب أداء؛ لأن عندنا وجوبين: وجوب الأداء, ووجوب التكليف، ووجوب الأداء ليس واجباً على الكافر، بمعنى: أنه لو أفطر ثم بعد ذلك أسلم فإننا لا نطالبه بالقضاء؛ لأنه لا يجب عليه أن يؤدي، ويدل لهذا قول الله عز وجل: وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ [التوبة:54]، فالنفقات مع أن نفعها متعد لم تُقبل من الكافر لكونه كفر بالله ورسوله، فالصيام من باب أولى إذا هو عبادة بدنية محضة.

    وأما وجوب التكليف فالكافر مكلف, بمعنى: أنه يُعذب على ترك الصيام، ويدل لهذا قول الله عز وجل: مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ * قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ * وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ * وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ [المدثر:42-45], فترك الصلاة وترك الإطعام والخوض، هذه من أسباب دخول النار.

    قال المؤلف رحمه الله: (بالغ).

    هذا هو الشرط الثاني من شروط الوجوب، أن يكون بالغاً, وعلى هذا إذا كان غير بالغ فإن الصيام لا يجب عليه، ويدل لهذا حديث علي وعائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رُفع القلم عن ثلاثة، وذكر منهم عن الصبي حتى يبلغ)، وهذا الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود وغيرهما وإسناده حسن.

    قال المؤلف رحمه الله: (عاقل)، هذا الشرط الثالث, وعلى هذا فالمجنون، لا يجب عليه الصيام؛ لأن القلم مرفوع عنه كما في حديث علي وعائشة : (رُفع القلم عن ثلاثة، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم منهم المجنون حتى يُفيق).

    قال المؤلف رحمه الله: (قادر على الصوم).

    هذا الشرط الرابع: أن يكون قادراً على الصوم، وعلى هذا إذا كان عاجزاً عن الصيام فإن الوجوب يسقط عنه، والعجز إما أن يكون لمرض لا يُرجى برؤه أو لكبر، فإن كان عاجزاً لكبر أو مرض لا يُرجى زواله وذهابه فإنه لا يجب عليه أن يصوم ويسقط عنه الصيام ويُطعم عن كل يوم مسكيناً كما سيأتينا إن شاء الله.

    هذه أربعة شروط ذكرها المؤلف: أن يكون مسلماً، بالغاً، عاقلاً، قادر على الصوم.

    وبقي شرط خامس: أن يكون مقيماً, وعلى هذا إذا كان مسافراً فإن وجوب الأداء يسقط عنه, بمعنى: أنه لا يجب عليه أن يصوم، لكن يجب عليه القضاء، ويدل لذلك قول الله عز وجل: فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [البقرة:184], يعني: أفطر فيجب عليه عدة من أيام أخر.

    كذلك أيضاً: لابد من انتفاء المانع من حيض ونفاس، فالمرأة الحائض أو النفساء لا يجب عليهما الصيام؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم)، لكن يجب عليهما القضاء بالإجماع.

    قال المؤلف رحمه الله: [ويؤمر به الصبي إذا أطاقه].

    يعني: مستحب لولي الصبي إذا أطاق الصيام أن يأمره به، وقد قال العلماء رحمهم الله تعالى: الصيام كالصلاة يؤمر بها الصبي لسبعٍ ويُضرب عليها لعشر, يعني: يؤمر به بالصيام لسبع سنوات ويُضرب على ذلك لعشر إذا كان يطيق الصيام، فإذا كان يُطيق الصيام وهو له سبع فأكثر فإنه يؤمر به، وإذا كان يطيقه وله عشر سنوات فأكثر فإنه يُضرب عليه كالصلاة، كما في حديث عبد الله بن عمرو ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبعٍ واضربوهم على ذلك وهم أبناء عشر), وفي الحديث: (كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم يصومون صبيانهم يوم عاشوراء لما أمر النبي صلى الله عليه وسلم بصيامه، وإذا بكى الصبي منهم أعطوه اللعبة من العِهن يتلهى بها). رواه البخاري.

    1.   

    ثبوت شهر رمضان

    قال المؤلف رحمه الله: [ويجب صوم رمضان بأحد ثلاثة أشياء: كمال شعبان].

    هنا بين المؤلف رحمه الله تعالى متى يجب الشروع في الصيام: الأمر الأول: كمال شعبان، فإذا لم يُرى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان فإننا نصبح مُفطرين، ويكون الصيام من الغد، ويدل لذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته؛ فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، وهذا في الصحيحين.

    قال المؤلف رحمه الله: [ورؤية هلال رمضان].

    هذا الأمر الثاني مما يجب به الصيام: رؤية هلال رمضان، ويدل له قول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185]، وأيضاً ما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبِّيَ عليكم فأكملوا شعبان ثلاثين).

    قال المؤلف رحمه الله: [ووجود غيم أو قتر ليلة الثلاثين يحول دونه].

    ليلة الثلاثين من شعبان لا تخلو من حالتين:

    الحالة الأولى: أن تكون السماء صحواً ليس هناك غيم ولا قتر، فهنا نصبح مفطرين كما تقدم في حديث أبي هريرة : (أكملوا عدة شعبان ثلاثين), ويكون الصيام من الغد.

    الحالة الثانية: أن تكون ليلة الثلاثين من شعبان غيماً أو فيها قتر، فالمشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه إذا كان في ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر في السماء فإنه يجب الصيام من الغد احتياطاً للعبادة.

    وهذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وألفوا في هذا مؤلفات مستقلة، كما ألف أبو يعلى القاضي وهو من الحنابلة في ذلك رسالة مستقلة اسمها:

    إيجاب الصيام ليلة الغمام، ومثله أيضاً ابن المبرد ألف في ذلك رسالة مستقلة.. إلى آخره.

    واستدلوا على ذلك بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُم عليكم فاقدروا له)، قالوا: بأن المراد بقوله عليه الصلاة والسلام: (فإن غُم عليكم فاقدروا له)، يعني ضيقوا عليه، أي: ضيقوا شعبان، مأخوذ من قول الله عز وجل: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ [الطلاق:7]، يعني: ضُيق عليه رزقه, وذلك بأن نجعل شعبان تسعة وعشرين يوماً، فإذا كان ليلة الثلاثين من شعبان غيم أو قتر، إذا كانت هذه الليلة فيها غيم أو قتر فإننا نصبح يوم الثلاثين من شعبان صياماً.

    ودليل ذلك كما أسلفنا حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: (فإن غُم عليكم فاقدروا له)، يعني: ضيقوا عليه، ومنه قول الله عز وجل: وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ [الطلاق:7].

    الرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجب الصيام, إذا كان هناك غيم أو قتر ليلة الثلاثين من شعبان، وهذا ما عليه جماهير أهل العلم رحمهم الله، ودليل ذلك حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غُبي عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين) حديث صريح.

    وفي صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن غُم عليكم فأكملوا عدة شعبان ثلاثين)، وهذا القول هو الصواب.

    و الخطيب البغدادي رحمه الله له رسالة في هذه المسألة في عدم وجوب الصيام ليلة الغمام رد بها على رسالة أبي يعلى القاضي ، والنووي رحمه الله في كتابه المجموع شرح المهذب جمع الرسالتين رسالة أبي يعلى في إيجاب الصيام ورسالة الخطيب في عدم وجوب الصيام، والراجح في هذه المسألة ما ذهب إليه جمهور أهل العلم رحمهم الله.

    صوم من رأى الهلال وحده

    قال المؤلف رحمه الله: [وإذا رأى الهلال وحده صام].

    إذا رأى الهلال وحده فإنه يصوم؛ لقول الله عز وجل: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185], ولما تقدم من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته), وهذا رآه, فإذا رآه وحده يجب أن يصوم.

    ولو أن رجلاً رأى الهلال ليلة الثلاثين من شعبان ورُدت شهادته ولم يقبلها القاضي، فما العمل؟ يقول المؤلف رحمه الله: يجب عليه أن يصوم؛ لأن الله عز وجل قال: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة:185], وأيضا كما سلف في حديث أبي هريرة وابن عمر : (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته).

    والرأي الثاني في هذه المسألة: أنه لا يجب عليه أن يصوم، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله, ودليل ذلك حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يفطر الناس)، وهذا الحديث رواه الترمذي والبغوي ، وحسنه جمع من أهل العلم، وله شاهد من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله له رسالة اسمها (رسالة الهلال)، وذكر رحمه الله بأن الهلال ليس ما يظهر في السماء، وأن الهلال ما يستهل به الناس، فإذا رأى هذا الرجل الهلال ورُدت شهادته فإن الناس لم يستهلوا حتى الآن, فالهلال يقول لك: بأن الهلال ما يستهل به الناس.

    ودليل ذلك ما سلف من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يُفطر الناس)، وعلى هذا من رأى الهلال ثم رُدت شهادته، فإنه لا يجب عليه أن يصوم وإنما يجب عليه أن يصوم مع سائر الناس، لكن إذا كان منفرداً ليس هناك أحد, يعني: ليس عنده أحد كما لو كان في صحراء أو نحو ذلك، كان مقيماً في صحراء ونحو ذلك, ثم رأى الهلال فهو الآن لا يخالف الناس، فالذي يظهر والله أعلم أنه يصوم كما ذكر المؤلف رحمه الله.

    شروط من يصوم برؤيته الهلال

    قال المؤلف رحمه الله: [فإن كان عدلاً صام الناس بقوله].

    في هذه العبارة بيان شرط من يُصام الناس برؤيته. أي: من هو الذي يُصام الناس برؤيته؟

    فيؤخذ من قول المؤلف رحمه الله تعالى: (عدلاً) أن من يؤخذ برؤيته يُشترط أن يكون عدلاً، وعلى هذا إذا كان فاسقاً كأن يكون مرتكباً لكبيرة ولم يتب، أو كان مصراً على صغيرة ولم يتب، فإن شهادته لا تُقبل، ورؤيته لا تُعتبر؛ لأنه قال لك: (عدلاً) فلابد أن يكون عدلاً في دينه.

    والصواب في ذلك أن العدالة ليست شرطاً؛ لأن هذا من قبيل الخبر الديني، والذي نشترطه في الأخبار: أن يكون ثقة في خبره بحيث لا يجرب عليه الكذب والتساهل, فإذا كان ثقة في خبره حتى وإن كان فاسقاً بحيث لا يُعرف بالكذب أو يعرف بالتساهل أو احتمال الغلط، كما لو كان ضعيف البصر أو نحو ذلك، فإذا كان كذلك فإننا نقبل رؤيته، والمهم أن يكون ثقة في خبره, فإن كان غير ثقة إما لمعرفته بالكذب أو بالتساهل أو باحتمال الخطأ، لكونه ضعيف البصر ونحو ذلك، فهنا لا نقبل رؤيته، وإذا لم يكن شيئاً من ذلك، وكان ثقة، فإننا نقبل خبره.

    إذاً: الشرط الأول: أن يكون عدلاً.

    الشرط الثاني: العدد.

    يؤخذ من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يُشترط العدد، وأننا نكتفي برؤية واحد؛ لقوله: (فإن كان عدلاً). يؤخذ من ذلك أنه يُكتفى برؤية واحد فقط. وهذا مذهب الإمام أحمد رحمه الله ومذهب الشافعي ، ودليل ذلك حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (تراءى الناس الهلال، فرأيته وأخبرت رسول الله صلى الله عليه وسلم أني رأيته فصام وأمر الناس بصيامه), وهذا الحديث رواه أبو داود والحاكم وابن حبان وغيرهم، وإسناده حسن، وله شاهد من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والحنفية يقولون: يُقبل خبر الواحد أو تُقبل رؤية الواحد إن كان في السماء عِلة, فإن كانت السماء صحواً ليس فيها علة فإننا لا نقبل رؤيته، ولابد من التعدد. والصواب في ذلك أننا نقبل رؤية الواحد كما دل لذلك حديث ابن عمر وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.

    الشرط الثالث: قوله: (عدلاً) يُفهم منه أنه لا فرق بين الحر والرقيق، فنقبل شهادة الحر ونقبل أيضاً شهادة الرقيق، فلا فرق بين الحر والرقيق، وهذا ما عليه جمهور أهل العلم؛ لعموم الأدلة السالفة: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)، وهذا يشمل رؤية الرقيق كما أنه يشمل رؤية الحر، وهذا خلافاً لما ذهب إليه الشافعية رحمهم الله تعالى، كما أنه لا فرق أيضا بين رؤية الذكر ورؤية الأنثى؛ لأن الأصل تساوي الذكور والإناث في الأحكام الشرعية إلا بدليل.

    الشرط الرابع: أن يكون بالغاً, وهذا ما عليه جماهير أهل العلم، خلافاً لما ذهب إليه بعض الحنابلة إلى أن إلى أنه إذا كان صبياً مميزاً فإننا نقبل رؤيته، الصواب أنه يشترط أن يكون بالغاً.

    اشترط شهادة عدلين لخروج رمضان

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يُفطرون إلا بشهادة عدلين].

    يعني: دخول رمضان يُكتفى فيه برؤية واحد، وأما خروج رمضان، وكذلك أيضاً بقية الأشهر لابد من رؤية اثنين.

    وقول المؤلف: (ولا يُفطرون إلا بشهادة عدلين).

    هذا حُكي الإجماع عليه، حُكي الإجماع على أن شهر شوال لا يثبت إلا برؤية شاهدين، ودليل ذلك حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا)، فقال: (وأفطروا)، وهذا يدل على اعتبار الشاهدين.

    وكما ذكرنا أنه حُكي الإجماع على ذلك، وإن كان ابن حزم رحمه الله يرى أنه يُكتفى برؤية واحد في خروج رمضان ودخول شوال.

    حكم إفطار من رأى هلال شوال وحده

    قال المؤلف رحمه الله: [ولا يُفطر إذا رآه وحده].

    يعني: لو أنه رأى هلال شوال وحده فإنه لا يُفطر، ودليل ذلك ما تقدم من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (الصوم يوم يصوم الناس، والفِطر يوم يفطر الناس)، وكذلك أيضا أن الحجة الشرعية التي يثبت بها خروج رمضان ودخول شوال لم تثبت, يعني لابد من رؤية شاهدين فإذا رأى هلال شوال وحده فإنه لا يُفطر لحديث عائشة أولاً، وثانياً: أن الحُجة شرعية التي يثبت بها خروج رمضان ودخول شوال لم تثبت, ولا تثبت إلا برؤية شاهدين, وقد ورد عن عمر رضي الله عنه أنه قال: (فليُفطر إذا أفطر الناس), وهذا رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن عمر رضي الله عنه.

    إفطار المسلمين إذا صاموا رمضان ثلاثين يوماً بشهادة عدلين

    قال: [وإن صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا].

    إذا صاموا بشهادة اثنين ثلاثين يوماً أفطروا؛ لأن رمضان يخرج بإكمال عدته.

    وقد تقدم أيضاً حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا) وعلى هذا إذا صمنا برؤية شاهدين ثلاثين يوماً فإننا نُفطر أولاً لأننا أكملنا كما سلف, وثانياً لما ذكرنا من حديث عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب.

    قال المؤلف رحمه الله: [وإن كان بغيم أو قول واحد لم يفطروا إلا أن يروه أو يكملوا العدة].

    ويقول المؤلف رحمه الله أنه إذا دخل رمضان برؤية شاهدين ثم صمنا، ولم نر الهلال وأكملنا ثلاثين يوماً نفطر لأننا أتممنا العدة.

    الصورة الثانية: إذا صمنا برؤية واحد ثلاثين يوماً, يعني هل نُفطر بعد أن صمنا ثلاثين يوماً أو لا نُفطر؟ يقول لك المؤلف: لا نفطر.

    فيقول لك المؤلف رحمه الله: إذا ثبت دخول رمضان برؤية واحد، ثم بعد ذلك صمنا ثلاثين يوماً لا نفطر. لماذا لا نفطر؟ قال لك: لأن الشهر -شهر شوال- لا يثبت دخوله إلا برؤية شاهدين، وإذا أفطرنا يلزم من ذلك أن نكون أدخلنا شوال برؤية واحد. يعني: الآن الصورة: دخل رمضان. برؤية واحد، وما رأينا الهلال، وصمنا ثلاثين يوماً هل نُفطر بعد الثلاثين أو لا نُفطر؟ يقول لك المؤلف رحمه الله: لا نُفطر. لماذا لا نُفطر؟ قال: لو قلنا: بأننا نُفطر لزم من ذلك أننا نُفطر برؤية واحد، والإفطار إنما يكون برؤية اثنين. هذا ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله تعالى.

    الرأي الثاني وهو رأي الشافعية: أننا نُفطر؛ لأننا أفطرنا ليس برؤية واحد، وإنما أفطرنا لكوننا أكملنا العدة، فنحن الآن صمنا ثلاثين يوماً، أتممنا العِدة, وإتمام العِدة مبني على أمر مأذون فيه وهو الصيام برؤية واحد، وما ترتب على المأذون فإنه ليس مضموناً، فنحن لم نعتمد على رؤية الواحد، وإنما اعتمدنا على إكمال العِدة وهي أننا صمنا ثلاثين يوماً.

    وكذلك أيضا عندنا قاعدة أخرى وهي: أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً، فإذا قلنا: بأننا اعتمدنا على رؤية واحد، نقول: الاعتماد هنا جاء على وجه التبع وليس على وجه الاستقلال، والقاعدة أنه يثبت تبعاً ما لا يثبت استقلالاً.