إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الزكاة [9]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يجوز دفع الزكاة للأقارب غير الأصول والفروع على الراجح، ولا يجوز دفع الزكاة للكافر، أما صدقة التطوع فبابها واسع، ولهذا يجوز دفعها لمن لا يجوز دفع الزكاة إليه، والأولى بالغني أن يفرق زكاته بنفسه فإن وكّل غيره جاز.

    1.   

    تابع من لا يجوز صرف الزكاة إليه

    تقدم لنا في الدرس السابق بقية أهل الزكاة، وذكرنا من أهل الزكاة الغارمين، وأن الغرم ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: غارم لنفسه.

    والقسم الثاني: غارم لإصلاح ذات البين.

    وذكرنا ما يدخل تحت كل قسم من هذه الأقسام من صور وما يستدل لكل قسم.

    ثم بعد ذلك تطرقنا إلى قول المؤلف رحمه الله، (السابع: في سبيل الله)، وما المراد في سبيل الله، وأن أهل العلم اختلفوا في ذلك، وذكرنا أن المراد به كل ما يتعلق بأمر الجهاد من رزق الجند الذين لا ديوان لهم، ومما يتعلق بآلات الجهاد، وكل ما يعين عليه.

    وكذلك أيضاً: ابن السبيل، وأن المراد به: المسافر الذي انقطع به سفره، وهل المنشئ الذي يريد سفراً يعطى من الزكاة أو لا يعطى؟ ذكرنا كلام أهل العلم رحمهم الله في هذه المسألة، ثم بعد ذلك شرعنا في باب من لا يجوز دفع الزكاة له، وذكرنا أن الصدقة لا تحل لغني، ولا لقوي مكتسب.

    بعد ذلك تكلمنا على قول المؤلف رحمه الله: [ولا تحل لآل محمد صلى الله عليه وسلم، وهم بنو هاشم، ومواليهم].

    ودليل ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: ( إن الصدقة لا تحل لمحمد، ولا لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس )، وذكرنا أن عبد مناف جد النبي صلى الله عليه وسلم له أربعة أولاد: هاشم والمطلب ونوفل وعبد شمس ، وأن الهاشميين لا يأخذون من الزكاة، ويأخذون من خمس الخمس، وأما بالنسبة للمطلبيين فذكرنا الصواب أنهم يأخذون من الزكاة، وأيضاً يأخذون من خمس الخمس، وأما بالنسبة للنوفليين فهم يأخذون من الزكاة، ولا يأخذون من خمس الخمس، وكذلك أيضاً العبشميون يأخذون من الزكاة ولا يأخذون من خمس الخمس.

    وأيضاً تكلمنا هل للهاشميين أن يأخذوا من الزكاة إذا منعوا من خمس الغنيمة أو ليس لهم أن يأخذوا منها؟ ذكرنا في ذلك رأيين:

    الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم، أنهم ليس لهم أن يأخذوا؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( إنما هي أوساخ الناس ).

    والرأي الثاني: رأي شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أن الهاشميين إذا منعوا من خمس الخمس أنهم يأخذون الزكاة؛ لأن هذا موضع حاجة وضرورة.

    وأيضاً تكلمنا على مسألة وهي هل لهم أن يأخذوا الزكاة بعضهم من بعض أو ليس لهم ذلك؟

    ذكرنا فيها قولين:

    الرأي الأول: جمهور أهل العلم أنه ليس للهاشمي أن يأخذ زكاة هاشمي آخر.

    والرأي الثاني: أن الهاشمي له أن يأخذ زكاة هاشمي آخر، فالرأي الأول: هو قول جمهور أهل العلم، والرأي الثاني: هو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    وكذلك أيضاً بالنسبة للمطلبيين هل لهم أن يأخذوا الزكاة، أو ليس لهم أن يأخذوا الزكاة؟

    كلام المؤلف رحمه الله أن المطلبيين يأخذون من الزكاة، وإنما الذي يمنع من الزكاة هم بنو هاشم، وأما بالنسبة لبني المطلب فإنهم لا يمنعون من الزكاة، وهذا قول جمهور أهل العلم أن بني المطلب أنهم يأخذون من الزكاة، لعموم قول الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا [التوبة:60]، فيدخل في ذلك المطلبيون.

    الرأي الثاني: رأي الشافعي أن المطلبيين ليس لهم أن يأخذوا من الزكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم -كما ثبت ذلك في الصحيح-: ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد )، وقلنا: إن العلماء أجابوا عن هذا الحديث بأن المراد أنهم شيء واحد في النصرة، والمعاضدة؛ لأن بني المطلب ناصروا بني هاشم لما تعاقدت قريش على حصار بني هاشم في شعب أبي طالب ، لا يبايعوهم، ولا يناكحوهم، ولا يعاقدوهم... إلى آخره، فدخل بنو المطلب مع بني هاشم في هذه المناصرة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد )، وهذا هو الصواب، أن بني المطلب يأخذون من الزكاة، وعلى هذا بنو المطلب يجمعون بين أمرين، يأخذون من الزكاة، وكذلك أيضاً يأخذون من خمس الخمس.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ومواليهم ].

    يعني: الذين أعتقهم بنو هاشم، فالذين أعتقهم بنو هاشم لا يأخذون من الزكاة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( مولى القوم منهم ).

    حكم الزكاة على الأقارب

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا يجوز دفعها إلى الوالدين وإن علو، ولا إلى الولد وإن سفل).

    لا يجوز دفع الزكاة إلى الوالدين ولا للأولاد، وبالنسبة لدفع الزكاة للحواشي، وهم الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم، لأهل العلم في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: إذا كان يجب على الشخص أن ينفق عليهم، فلا يجوز له أن يدفع الزكاة لهم، ومتى يجب عليه أن ينفق عليهم؟ يجب عليه أن ينفق عليهم إذا كان وارثاً لهم، فإذا كان وارثاً لأخيه وهو غني وأخوه فقير، فيجب عليه أن ينفق عليه، وإذا وجب عليه أن ينفق عليه، فإنه لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة؛ لأنه حينئذٍ يكون مستغنياً بإنفاقه عليه، هذا هو الرأي الأول، أنه إذا كان الشخص يجب عليه أن ينفق على شخص، فإنه لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة، ومتى يجب عليه أن ينفق عليه؟ إذا كان وارثاً له، مثال ذلك: أخوان زيد وعمرو، زيد هذا غني، وعمرو هذا فقير، عمرو هذا ليس له أولاد، وأيضاً ليس له أب، الأب ليس موجوداً والأولاد ليسوا موجودين بحيث يحجبون أخاه عن الميراث، فزيد هذا يرث عمرو، زيد هذا غني، وعمرو فقير، عمرو ليس له أولاد، وأبوه أيضاً ليس موجوداً، فزيد يرث عمراً، فيجب على زيد أن ينفق على عمرو، فإذا وجب عليه أن ينفق عليه، فإنه لا يجب له أن يعطيه الزكاة؛ لأنه حينئذٍ يكون مستغنياً للنفقة عن الزكاة.

    مثال آخر: زيد غني، وعمرو فقير، وعمرو له ابن، زيد هنا لا يرث عمراً؛ لأنه محجوب بابنه، عمرو له ابن يحجب زيداً عن الميراث، لو مات عمرو حينئذٍ لا يرث عمراً، فإذا كان زيد لا يرث عمراً، فإنه لا يجب عليه أن ينفق عليه، فحينئذٍ يجب أن يعطيه من الزكاة.

    مثال ثالث: زيد وعمرو، زيد غني وعمرو فقير، عمرو أخ زيد فقير، وأبوهما موجود، زيد الآن هل يرث عمرا أو لا يرثه؟ لا يرثه؛ لأن زيداً محجوب بالأب، وإذا كان كذلك فزيد لا يجب عليه أن ينفق على عمرو؛ لأنه محجوب بالأب؛ لكونه لا يرثه للحجب، وحينئذٍ يجوز أن يعطيه من الزكاة، هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى.

    بالنسبة للحواشي يقولون: إذا كان يرثه، فإنه يجب عليه أن ينفق عليه، وحينئذٍ لا يجوز له أن يعطيه من الزكاة، وإذا كان لا يرثه لا يجب عليه أن ينفق عليه، وحينئذٍ يجوز له أن يعطيه من الزكاة، هذا هو الرأي الأول.

    الرأي الثاني: أنه يجوز للأخ أن يعطي أخاه.

    وعموماً يجوز أن تعطي الحواشي من الزكاة بدون تفصيل، يعني: سواء كان وارثاً لهم أو غير وارث، فإذا كان أخوك فقيراً يجوز لك أن تعطيه من الزكاة، كذلك أيضاً إذا كان ابن أخيك، إذا كان عمك... إلى آخره فقيراً، فإنه يجوز لك أن تعطيه من الزكاة، وهذا هو الرأي الثاني في هذه المسألة، والرأي الأول إذا سلكه الإنسان فهو أحوط وأبرأ للذمة، وإذا قلنا: بأن الأخ يعطي أخاه من الزكاة، فإنه يشترط أن لا يكون هناك من ينفق عليه؛ لأنه قد يوجد الأب ينفق على هذا الأخ، ما يجوز أن تعطيه من الزكاة، أو مثلاً: زوجها ينفق عليها، أو أبوها قادر على الإنفاق، حتى ولو كانت متزوجة؛ لأنه يجب على الوالد أن ينفق على ولده، وإذا كان كذلك فإنه يكون مستغنياً بالنفقة عن الزكاة.

    دفع الزكاة للزوجة

    قال المؤلف رحمه الله: (ولا من تلزمه مئونته).

    يدخل في ذلك الزوجة، فلا يجوز للزوج أن يدفع زكاته إلى زوجته؛ لأنها مستغنية بنفقته، الزوج يجب عليه أن ينفق على زوجته، وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز له أن يعطيها من الزكاة، وهذا باتفاق الأئمة، ولأنه إذا أعطاها الزكاة يكون حمى ماله، وأسقط الواجب عليه الذي هو النفقة؛ لكن نستثني من ذلك صوراً:

    الصورة الأولى: أن يعطي زوجته ما تقضي به ديناً عليها، فهذا لا بأس؛ لأن الزوج لا يجب عليه أن يقضي الدين عن زوجته؛ لكن لو كان الزوج يمنعها النفقة، الطعام، والشراب، واللباس، ثم تستدين، هل يعطيها من الزكاة لكي يسدد الدين الذي عليه؟ نقول: هذا لا يجوز، يجب على الزوج أن يعطيها النفقة، وإذا اقترضت يجب عليه أن يعطيها ما تسدد به هذه القرض؛ لأن سببه النفقة، فالقرض إذا كان سببه النفقة لا يجوز للزوج أن يوفيه من الزكاة؛ لأنه يجب عليه أن ينفق على زوجته، هذه الصورة الأولى، نقول: الصورة الأولى: أن يقضي ديناً على زوجته ليس سببه النفقة.

    الصورة الثانية: أن يعطيها الزكاة لكي تنفق على أولادها من غيره، فقد يكون لهذه الزوجة أولاد من غيره، فيعطيها الزكاة لكي تنفق عليهم، فنقول: هذا جائز ولا بأس به؛ لأنه لا يجب عليه أن ينفق عليهم، فإذا كانت الزوجة فقيرة لا تستطيع أن تنفق على هؤلاء الأولاد، فيجوز لزوجها أن يعطيها الزكاة لكي تنفق على أولادها من غيره، استثنينا هاتين الصورتين، وقلنا: بأنه اتفاق الأئمة، بل حكاه ابن المنذر إجماعاً على أن الزوج لا يجوز له أن يعطي زوجته الزكاة؛ لأنها مستغنية بإنفاقه.

    دفع الزكاة للزوج

    هل للزوجة أن تعطي زوجها الزكاة أو ليس لها ذلك؟

    للعلماء في ذلك قولان:

    الرأي الأول: رأي جمهور أهل العلم، قالوا: الزوجة لا يجوز لها أن تعطي الزكاة لزوجها؛ لأنها إذا أعطت الزكاة لزوجها فإن هذه الزكاة ترجع إليها، فإن الزوج سينفق هذه الزكاة على زوجته، وحينئذٍ قالوا: لا يجوز أن تعطي الزوجة زكاتها لزوجها.

    الرأي الثاني: رأي الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: ( زوجك وولدك أحق من تصدقت عليهم ).

    والأقرب في هذه المسألة أن يقال بالتفصيل: أنا أقول: يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها في صور:

    الصورة الأولى: إذا كان سيقضي ديناً عليه، فنقول: بأن هذا لا بأس به؛ لأن الزوجة لا يجب عليها أن تقضي دين زوجها.

    الصورة الثانية: إذا كان سينفق هذه الزكاة على أولاده من غيرها، فإن هذا جائز ولا بأس به.

    الصورة الثالثة: إذا كان سينفق هذه الزكاة في أموره الخاصة، مثلاً: سيشتري له ملابس خاصة به، سيصلح مركوبه، سيشتري له آلات كتابية خاصة به، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس به.

    الصورة الرابعة: إذا كان سينفق هذه الزكاة على الزوجة، أو على أولاده منها، فإن هذا لا يجوز؛ لأنه إذا كان سينفقها عليها فقد رجعت إليها الزكاة، وإذا كان سينفقها على أولاده منها فإنها حينئذٍ تكون أسقطت واجباًعنها، فإن الأم إذا لم يستطع الأب أن ينفق على الأولاد، فإن الأم يجب عليها أن تنفق عليهم.

    دفع الزكاة إلى الكافر

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا إلى كافر ].

    لا يجوز دفع الزكاة إلى الكافر، والدليل على هذا حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في بعث معاذ إلى اليمن، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( فإن هم أجابوك لذلك فأخبرهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم ) فدل ذلك على أنه لا يجوز دفعها إلى الكافر، وأيضاً قول الله عز وجل: إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ [التوبة:60]... إلى آخره، فخص الله عز وجل الزكاة بهؤلاء الأصناف الثمانية؛ لكن يستثنى من ذلك المؤلف قلبه كما تقدم لنا، فإذا كان هناك شخص قريب عهد بالإسلام، وإذا أعطيناه من الزكاة، فإن ذلك يدفعه إلى الإسلام، فنقول: بأن هذا جائز ولا بأس أن نعطيه من الزكاة، فنقول: نستثني من هذه المسألة إذا كان (مؤلفاً)، فالمؤلف يجوز أن تدفع له الزكاة حتى ولو كان كافراً. أما بالنسبة لصدقة التطوع فإنه يجوز أن تدفع إلى الكافر، ويدل لهذا قول الله عز وجل: لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ [الممتحنة:8]، وأيضاً حديث أسماء رضي الله تعالى عنها: ( أنها قالت للنبي صلى الله عليه وسلم: إن أمي أتت وهي راغبة أفأصلها؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: صليها )، فأمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تصلها وهي كافرة، وصفية رضي الله تعالى عنها حبست على أخ لها يهودي، وعمر رضي الله تعالى عنه كسا أخاً له مشركاً، فالصدقة على الكافر لا بأس بها، وبهذا نعلم أن باب صدقة التطوع أوسع من الصدقة المفروضة، فصدقة التطوع يجوز أن تعطيها الكافر، ويجوز أن تعطيها الغني وغير ذلك، هذا كله جائز ولا بأس به، ويجوز أن تعطيها لأبيك، ولأمك، ولإخوانك، فباب صدقة التطوع أوسع من باب الصدقة المفروضة؛ لكن لو أن شخصاً أعطاك صدقة تطوعاً، ودل الدليل اللفظي أو الدليل العرفي على أنها تدفع للفقراء، فإنه لا يجوز أن تعطى الأغنياء، يعني: أعراف الناس اليوم إذا أعطاك صدقة تتصدق بها فإنك تدفعها للفقراء، ما تعطيها للأغنياء، أو قال لك: أعطها للفقراء، فلا تعطه للأغنياء.

    1.   

    مصارف صدقة التطوع

    قال المؤلف رحمه الله: [ وأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء، وإلى غيرهم ].

    يعني: صدقة التطوع يجوز أن تدفعها إلى بني هاشم، ويجوز أن تدفعها إلى والديك، وإلى أولادك، إذا أردت أن تتصدق، هذا كله جائز ولا بأس به، ويجوز أن تدفعها للكافر وغير ذلك.

    واعلم أن بني هاشم بالنسبة لصدقة التطوع ينقسمون إلى قسمين، أما الصدقة المفروضة فتقدم أن بني هاشم ليس لهم أن يأخذوا من الصدقة المفروضة مطلقاً، أما صدقة التطوع، فهم ينقسمون إلى قسمين:

    القسم الأول: النبي صلى الله عليه وسلم، فالنبي عليه الصلاة والسلام لا يجوز أن يأخذ من الصدقة شيئاً، لا من الصدقة المفروضة، ولا من صدقة التطوع.

    القسم الثاني: بقية بني هاشم يجوز لهم أن يأخذوا من صدقة التطوع، وأما بالنسبة للصدقة المفروضة، فتقدم حكمهم.

    1.   

    النية في دفع الزكاة

    قال المؤلف رحمه الله: [ ولا يجوز دفع الزكاة إلا بنية، إلا أن يأخذها الإمام قهراً ].

    لا يجوز دفع الزكاة إلا بنية؛ لأن الزكاة عبادة من العبادات، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى ) فهي عبادة من العبادات، لا بد لها من نية القربة، وأيضاً هذه القربة تختلف، فمن القربة ما يكون فرضاً، ومن القربة ما يكون تطوعاً، فلا بد من النية التي تميز بين الفرض وبين التطوع.

    قال المؤلف: ( إلا أن يأخذها الإمام قهراً ).

    يعني: لو أن أحداً منع الزكاة، فإن الإمام يأخذها قهراً، ولا حاجة إلى النية؛ لكن هل تجزئه؟ نقول: أما ظاهراً فتجزئه، بمعنى أنه لا يطالب بها مرة أخرى، فإذا أخذها منه الإمام قهراً، فإنها تجزئه، ولا يطالبه بها الإمام مرة أخرى، وأما باطناً يعني: بينه وبين الله عز وجل، فإنها لا تجزئه، بحيث إن الإنسان لا يثاب عليها، ويأثم على منع هذه الصدقة.

    1.   

    الخطأ في دفع الزكاة لمن لا يستحقها

    قال المؤلف رحمه الله: [ وإذا دفع الزكاة إلى غير مستحقها لم يجزه إلا الغني إذا ظنه فقيراً ].

    فلو دفعها إلى رجل يظنه ابن سبيل منقطع، فتبين أنه ليس ابن سبيل، أو دفعها إلى رجل يظنه مجاهداً، فتبين أنه ليس مجاهداً، أو دفعها إلى رجل يظنه ليس من بني هاشم، فتبين أنه من بني هاشم، يقول المؤلف رحمه الله: (لم يجزه)؛ لأنه لم يدفعها إلى مستحقها، واستثنى المؤلف رحمه الله قال: (إلا الغني إذا ظنه فقيراً) يعني: هذا الرجل ظنه فقيراً فدفع الزكاة إليه، فتبين أن هذا الرجل غني، فيقول المؤلف رحمه الله: هذا يجزه، ودليلهم على ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال للرجلين اللذين طلبا الصدقة فرآهما جلدين: ( إن شئتما أعطيتكما، ولا حظ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب ).

    والصواب في هذه المسألة أنه لا فرق، وأن الإنسان إذا تحرى واجتهد في طلب من يستحق الزكاة، ثم وضعها في يد غير مستحقها أنه لا بأس بذلك، وأنها تجزئه عند الله عز وجل، فمثلاً كان يظنه مسلماً فتبين أنه كافر، أو يظنه فقيراً فتبين أنه غني، أو يظنه ابن سبيل، فتبين أنه ليس ابن سبيل... إلى آخره، نقول: بأنه يجزئه ذلك، إذا احتاط واجتهد؛ لكن إذا فرط الإنسان ولم يحتط، ولم يجتهد، ثم بعد ذلك دفعها إلى غير أهل، فنقول: بأنها لا تجزئه، وعليه ضمانها.

    1.   

    تفريق الغني زكاته بنفسه

    الأولى بالإنسان أن يفرق الزكاة بنفسه، هذا هو الأولى، وهذا إذا كان يعرف المستحق، ولا تشغله عما هو أهم، وهذا يترتب عليه فوائد:

    الفائدة الأولى: أنه اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم، فإن النبي عليه الصلاة والسلام كان يفرق الصدقة بنفسه، وأيضاً النبي عليه الصلاة والسلام أهدى مائة بدنة في حجة الوداع، ونحر بنفسه ثلاثاً وستين بدنة، هذا الأمر الأول.

    الأمر الثاني: أن هذا التفريق عبادة، تؤجر عليه عند الله عز وجل.

    الأمر الثالث: أن الإنسان يطمئن إلى إخراجها، ويطمئن أنها وضعت في مواضعها الشرعية؛ لكن إذا كان الإنسان لا يعرف المستحق، أو هو مشغول بما هو أهم، وأعظم من تفريق الصدقات، فنقول: يوكل وينيب من يقوم بإخراج هذه الصدقة.