إسلام ويب

شرح عمدة الفقه - كتاب الصلاة [7]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • من أعظم أركان الصلاة الركوع، فهو هيئة خضوع، وعلى المسلم أن يعظم فيه ربه، وأقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وللركوع والسجود هيئة إجزاء وهيئة كمال، ويختص كل ركن منهما بذكر معين.

    1.   

    تابع صفة الصلاة

    كيفية الركوع

    قال المؤلف رحمه الله: ( ثم يكبر ويركع ويرفع يديه كرفعه الأول ).

    هذا هو الموضع الثاني الذي ترفع فيه الأيدي، وتقدم لنا الموضع الأول الذي ترفع فيه الأيدي, وهو عند تكبيرة الإحرام، وهذا هو الموضع الثاني الذي ترفع فيه الأيدي، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا كبر رفع يديه، وإذا كبر للركوع أيضاً رفع يديه ).

    وقال المؤلف رحمه الله: ويرفع يديه كرفعه الأول, يعني: عند تكبيرة الإحرام، وتقدم لنا صفة الرفع عند تكبيرة الإحرام، وأنه ورد له صفتان:

    الصفة الأولى: أن يرفع حذو المنكبين.

    والصفة الثانية: أن يرفع حتى تكون يداه حذو أذنيه.

    وأيضاً ذكرنا وقت الرفع, هل يرفع مع التكبير أو قبل التكبير أو بعد التكبير, وذكرنا أن هذا ورد فيه ثلاث صفات عن النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله: (ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه).

    أشرنا فيما سبق أن الركوع له كيفيتان, كيفية مجزئة، وكيفية مستحبة.

    أما الكيفية المجزئة فاختلف أهل العلم رحمهم الله في ضابطها على رأيين:

    فالرأي الأول: أن تصل يداه إلى ركبتيه إذا كان وسط الخلقة، فإذا كان وسط الخلقة ووصلت يداه إلى ركبتيه فإن هذا الركوع ركوع مجزئ، وقيد العلماء رحمهم الله ذلك بما إذا كان وسط الخلقة، فإن كان ليس وسطاً في الخلقة فلا عبرة، وإنما ينحني بحيث تصل يداه إلى ركبتيه لو كان وسط الخلقة، فإن كان غير وسط الخلقة قلنا: هذا لا يعتبر، قد يوجد من الناس من تكون يداه طويلتين بحيث إن يديه تصل إلى ركبتيه وإن لم ينحن الانحناء المجزئ، وآخرون تكون يداه قصيرتين بحيث إنه ينحني انحناء شديداً، وقد يكون حصل الانحناء المجزئ، فالعبرة بما كان وسط الخلقة، فإن كان ليس وسط الخلقة فينحني بقدر ما تصل يداه ركبتيه لو كان وسط الخلقة، هذا هو الرأي الأول, وهو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    الرأي الثاني في هذه المسألة: أن يكون إلى الركوع المعتدل أقرب منه إلى القيام المعتدل، وهذا ما ذهب إليه المجد رحمه الله جد شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، هذه بالنسبة للكيفية الأولى, وهي الكيفية المجزئة للركوع.

    الكيفية الثانية هي الكيفية المستحبة للركوع، وذكرها المؤلف رحمه الله فقال: (ثم يضع يديه على ركبتيه ويفرج أصابعه)، فنقول: بالنسبة لليدين يضعهما على ركبتيه، وتكون أصابعه مفرجة، وهذا كما ورد في السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركع فرج أصابعه، وإذا سجد ضم أصابعه، فنقول: بالنسبة للكفين تكون على الركبتين كالقابض لهما، وتكون أصابعها مفرجة.

    قال المؤلف رحمه الله: (ويمد ظهره).

    وهذا دليله حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه: ( أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره ). فقوله: ( ثم هصر ظهره ) هذا دليل لما ذكره المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: ويمد ظهره, يجعل ظهره متساوياً.

    كذلك أيضاً قال: (ويجعل رأسه حياله), يعني: يجعل رأسه حيال ظهره، فلا يشخص رأسه، أي لا يرفعه، ولا ينزله، وإنما يكون رأسه حيال ظهره، ودليل ذلك: حديث أبي حميد وفيه: ( ولم يصوب رأسه ولم يقنع ) يعني: لم يخفض رأسه ولم يرفع رأسه، بل يكون رأسه حيال ظهره.

    فذكر المؤلف رحمه الله صفة الكفين، وذكر صفة الظهر، فبالنسبة لصفة الكفين يعتمد بكفيه على الركبتين ويجعلهما على ركبتيه كالقابض لهما ويكون مفرجاً لأصابعه، وأما بالنسبة لظهره فيهصره كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، بحيث إنه يمده، وأما بالنسبة لرأسه فيجعل رأسه حيال ظهره، لا يخفضه ولا يرفعه.

    كذلك أيضاً بالنسبة لعضديه يجافي عضديه عن جنبيه، ودليل ذلك: حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم وضع يديه على ركبتيه كأنه قابض عليهما، ووتر يديه فنحاهما عن جنبيه ). وهذا الحديث أخرجه أبو داود والدارمي وغيرهما.

    وهذا إذا كان إماماً أو كان منفرداً، فإن كان مأموماً فقد يصعب عليه أن يجافي عضديه عن جنبيه، فنقول: لا تفعل؛ لئلا تؤذي غيرك من أجل تحصيل سنة.

    فأصبح بالنسبة للكفين لها صفة، بالنسبة للظهر له صفة، بالنسبة للرأس له صفة، بالنسبة للعضدين له صفة، وما لم يرد له صفة في السنة فالأصل أن أعضاء الإنسان تكون على مقتضى الطبيعة، هذا الأصل.

    نقول: الأصل أن أعضاء الإنسان في الصلاة في أثناء السجود أو الجلوس أو القيام أن تكون على مقتضى الطبيعة، إلا إذا ورد في السنة بتحديد موضع هذا العضو، وعلى هذا بالنسبة للركبتين أو القدمين.. إلى آخره فإنها تكون على مقتضى الطبيعة.

    الذكر في الركوع

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يقول: سبحان ربي العظيم ثلاثاً ].

    يقول: سبحان ربي العظيم لحديث عقبة بن عامر رضي الله تعالى عنه ( لما نزل قوله تعالى: فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ [الواقعة:74] قال النبي صلى الله عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم ). وهذا الحديث أخرجه أبو داود وكذلك أيضاً ابن ماجه والإمام أحمد والحاكم وغيرهم، وهذا الحديث في إسناده ضعف، لكن نستدل على تسبيح الركوع بحديث حذيفة ، حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه في صحيح مسلم : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما ركع جعل يقول: سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم ).

    وقال المؤلف رحمه الله تعالى: (ثلاثاً) لورود ذلك في حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث ابن مسعود في الترمذي : ( إذا سجد أحدكم فليقل: سبحان ربي الأعلى ثلاثاً, وذلك أدناه )، فإذا كان يقال في السجود: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فكذلك أيضاً في الركوع يقول: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات، وهذا حديث ابن مسعود في الترمذي أيضاً في إسناده ضعف.

    لكن يستدل على الثلاث بأن هدي النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سلم سلم ثلاثاً, والعلماء رحمهم الله يقولون: بأن أدنى الكمال ثلاث.

    واعلم أن قدر التسبيح في الركوع أو السجود نقول: المصلي لا يخلو من ثلاث حالات:

    الحالة الأولى: أن يكون إماماً.

    والحالة الثانية: أن يكون مأموماً.

    والحالة الثالثة: أن يكون منفرداً.

    أما إن كان إماماً فإنه يسبح إلى عشر تسبيحات؛ لحديث أنس أنه قال: ( ما صليت صلاة أشبه بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم من هذا الفتى، فحزروا تسبيحاته في الركوع وفي السجود فوجوده يسبح عشر تسبيحات ).

    فنقول: الإمام المشروع له أن يسبح عشر تسبيحات، فيقول: سبحان ربي الأعلى.. إلى عشر، ويقول: سبحان ربي العظيم.. إلى عشر، وله أن يقول: سبحان ربي العظيم، ومقدار التسع الباقية يذكر فيها أذكاراً أخرى واردة، فمثلاً لو قال: ( سبوح قدوس رب الملائكة والروح )، أو قال: ( اللهم لك ركعت، وبك آمنت، ولك أسلمت ) .. إلى آخره من الأذكار الواردة في الركوع، المهم القدر الذي يكون للإمام قدر عشر تسبيحات, سواء استغرق هذا الزمن بهذه التسبيحات، جعل هذا القدر كله بقول: سبحان ربي العظيم، أو أنه أتى بتسبيحة الركوع سبحان ربي العظيم، وأتى بشيء آخر من الأذكار والأدعية الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذا بالنسبة للإمام.

    وأما بالنسبة للمأموم فأمره ظاهر، فإنه يكون تبعاً للإمام، فإنه يسبح ويذكر الله عز وجل بما ورد، ويعظم الله عز وجل في ركوعه إلى أن يرفع الإمام، فإذا رفع الإمام فإنه يرفع بعده، وليس له حد، فقد يطيل الإمام ويتجاوز السنة، ويصل إلى مقدار عشرين تسبيحة, نقول: المأموم يسبح، فيسبح إلى عشرين؛ لأن صلاته مرتبطة بصلاة الإمام، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( إذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا ).. إلى آخره، هذا بالنسبة للمأموم.

    وأما بالنسبة للمنفرد فهذا يصلي كيف شاء، فإذا أراد أن يطيل أطال، وإذا أراد أن يقصر قصر، ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( فإذا صلى أحدكم لنفسه فليطل ما شاء )، المصلي إذا كان منفرداً فهو أمير نفسه.

    واعلم أيضاً أن السنة أن تكون أفعال الصلاة متساوية، الركوع والرفع من الركوع والسجود والجلسة بين السجدتين، ما خلا القيام والتشهد، كما ورد استثناؤهما، ما عدا ذلك هذه الأربعة الأركان السنة أن تكون متساوية، كما في حديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال: ( رمقت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم فوجدت ركوعه فرفعه من الركوع فسجوده فجلسته بين السجدتين قريباً من السواء )، فالسنة أن تكون هذه الأشياء متساوية.

    وورد استثناء التشهد الأخير والقيام, هذان مستثنيان، فهذه الأشياء الأربعة السنة أن تكون متساوية، وعلى هذا السنة أن يسبح الإمام إلى عشر تسبيحات، هذا هو السنة أن يطبق سنة النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأنه لا يصلي لنفسه، وإنما يصلي لغيره من الناس، والعلماء رحمهم الله يقولون: إذا اختار الإنسان لنفسه فإن خياره خيار تشهي، وإذا اختار لغيره فإن خياره خيار مصلحة.

    قال المؤلف رحمه الله: ( ثم يقول: سبحان ربي العظيم ). وهذا يأتينا إن شاء الله في الواجبات، فهل قول: سبحان ربي العظيم واجب في الصلاة أو ليس واجباً هذا يأتي بيانه بإذن الله.

    الرفع من الركوع

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يرفع رأسه قائلاً: سمع الله لمن حمده، ويرفع يديه كرفعه الأول، فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا لك الحمد ].

    هذا هو الموضع الثالث من المواضع الذي ترفع فيه الأيدي في الصلاة، وهو ما إذا رفع من الركوع، ودليل ذلك: حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما السابق ( أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يرفع يديه إذا كبر، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع )، وهذا في الصحيحين، فهذا هو الموضع الثالث من مواضع رفع الأيدي.

    فعندنا تسميع وتحميد، الإمام والمنفرد كل منهما يجمع بين التسميع والتحميد، فالإمام يقول: سمع الله لمن حمده، ويقول أيضاً: ربنا ولك الحمد؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجمع بينهما، وكذلك أيضاً المنفرد يجمع بين التسميع والتحميد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث مالك بن الحويرث : ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، والنبي عليه الصلاة والسلام في صلاته يجمع بين التسميع والتحميد.

    بقينا في المأموم هل يجمع بينهما أو لا؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن المأموم لا يجمع بينهما، بل يكتفي بقول: ربنا ولك الحمد؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( فإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد )، ولم يقل النبي صلى الله عليه وسلم: فقولوا: سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد. هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني رأي الشافعي رحمه الله، وهو أن المأموم يجمع بينهما كالإمام وكالمنفرد، فالمأموم على مذهب الشافعي رحمه الله يقول: سمع الله لمن حمده، ويقول: ربنا ولك الحمد؛ لحديث مالك بن الحويرث رضي الله تعالى عنه فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( صلوا كما رأيتموني أصلي )، والنبي عليه الصلاة والسلام يجمع بين التسميع والتحميد، فكذلك أيضاً المأموم يجمع بين التسميع والتحميد.

    والصواب في هذه المسألة: ما ذهب إليه الإمام أحمد رحمه الله لما أوردناه من الدليل.

    قال: (فإذا اعتدل قائماً قال: ربنا ولك الحمد). والتحميد هذا ورد فيه أربع صفات:

    الصفة الأولى: أن يجمع بين اللهم والواو فيقول: اللهم ربنا ولك الحمد، هذه الصفة الأولى.

    الصفة الثانية: أن يجرد التحميد من اللهم والواو، فيقول: ربنا لك الحمد.

    والصفة الثالثة: أن يقتصر على اللهم.

    والصفة الرابعة: أن يقتصر على الواو.

    فالصفة الثالثة يقول: اللهم ربنا لك الحمد، والصفة الرابعة يقول: ربنا ولك الحمد، هذه أربع صفات.

    وقد أسلفنا أن الصفات الواردة عن النبي صلى الله عليه وسلم على وجوه متنوعة يستحب أن يأتي بهذا تارة وبهذا تارة, وهذه الأذكار إن شاء الله ستوزع عليكم بإذن الله.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد ].

    وأيضاً يكمل الذكر؛ لأن الرفع من الركوع وردت فيه أذكار، فذكر المؤلف يقول: ( ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد, وكلنا لك عبد، اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ).

    وأيضاً ورد من حديث حذيفة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول في صلاة الليل: ( لربي الحمد، لربي الحمد، لربي الحمد ).

    وأيضاً ورد أنه يقول: ( اللهم طهرني بالماء والثلج والبرد، اللهم نقني من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ).

    ينبغي للمصلي أن يحفظ هذه الأشياء؛ لكي يطبق سنة النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة, فيكون رفعه كركوعه، إذا كان ما يحفظ ما يستطيع أنه يأتي بالأذكار، قد يطيل الركوع لكن بالنسبة للرفع السنة أن يكون طوله كالركوع، فإذا حفظ هذه الأذكار فإنه يأتي بها، ويكون رفعه كركوعه، ويكون حينئذ حقق سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد ].

    هذا هو المشهور من مذهب الإمام أحمد ، يعني: أن المأموم ما يقول: ملء السموات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، فإذا كنت تصلي خلف الإمام إذا قمت واعتدلت قائماً تقول: ربنا ولك الحمد وتسكت، وهذا ليس صواباً، بل الصواب: أن الإنسان يأتي بالأذكار, يقول: ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد.. إلى آخره، ولو قال: لربي الحمد... لربي الحمد، وكرر ذلك فهذا مشروع؛ لوروده عن النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث حذيفة ، أو يقول الذكر الآخر الذي ذكرناه, إلى آخره. المهم أن قول المؤلف رحمه الله: ويقتصر المأموم على قول: ربنا ولك الحمد، فيه نظر.

    كيفية الخرور إلى السجود

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يخر ساجداً مكبراً، ولا يرفع يديه ].

    بالنسبة لرفع الأيدي عند السجود، إذا أراد الإنسان أن يسجد هل يرفع يديه؟

    إذا رفع من السجود هل يرفع يديه؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فجمهور أهل العلم على أنه لا يرفع يديه؛ لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما في الصحيحين، فإن ابن عمر ذكر ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يرفع إذا كبر للإحرام، وإذا كبر للركوع، وإذا رفع من الركوع، قال: وكان لا يفعل ذلك في السجود )، فقوله: ( وكان لا يفعل ذلك في السجود ) هذا دليل على عدم شرعية رفع الأيدي عند السجود، فـابن عمر ضبط الصلاة، ذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم يرفع في ثلاثة مواضع في الصحيحين، وفي البخاري أيضاً أضاف موضعاً رابعاً, وهو عند القيام من التشهد الأول، وأما بالنسبة للسجود قال: ( وكان لا يفعل ذلك في السجود ).

    وأيضاً حديث علي رضي الله تعالى قال: ( ولا يرفع يديه في شيء من صلاته وهو قاعد، وإذا قام من السجدتين رفع يديه وكبر ) يعني: إذا قام من التشهد الأول، وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي ، وصححه الإمام أحمد رحمه الله.

    فعندنا حديثان يدلان على أن الأيدي لا ترفع عند السجود، إذا أراد الإنسان أن يسجد أو يرفع من السجود أنه لا يفعل ذلك.

    والرأي الثاني: أنه يرفع يديه، وهذا دليله: حديث وائل بن حجر لما ذكر صفة صلاة النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( وإذا رفع من السجود رفع يديه )، وهذا أخرجه الإمام أحمد وأبو داود .

    وأيضاً حديث ابن الزبير : ( أنه كان يشير بكفيه حين يقوم وحين يركع وحين يسجد )، وهذا أخرجه أبو داود .

    وهذان الحديثان وغيرهما كحديث مالك بن الحويرث ضعيفان، والبخاري رحمه الله في كتابه جزء القراءة خلف الإمام أشار إلى ضعف هذه الأحاديث، أشار إلى ضعف هذه الأحاديث الواردة في رفع الأيدي عند السجود وأنها لا تثبت، وأمثل هذه الأحاديث حديث مالك بن الحويرث في سنن النسائي ، لكن كما أشرت البخاري رحمه الله في كتابه جزء القراءة خلف الإمام أشار إلى ضعف هذه الأحاديث، وإذا كان كذلك فإن الحركات في الصلاة حركات توقيفية، الصلاة عبادة لا بد لها من دليل، وحينئذ نقول: لا يشرع للإنسان أن يرفع يديه إذا أراد أن يسجد أو إذا رفع من السجود.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويكون أول ما يقع منه على الأرض ركبتاه، ثم كفاه، ثم جبهته وأنفه ].

    يعني: إذا أراد أن يهوي للسجود هل يبدأ بيديه أو يبدأ بركبتيه؟ يقول المؤلف رحمه الله: يبدأ بركبتيه، وهذا قول جمهور أهل العلم رحمهم الله، مذهب الإمام أبي حنيفة ومذهب الشافعي أن أول ما يبدأ الإنسان إذا أهوى يبدأ بركبتيه، وعند الإمام مالك رحمه الله أنه إذا هوى يقدم يديه.

    وهذه المسألة كثر فيها كلام أهل العلم رحمهم الله، وألفت فيها مؤلفات مستقلة، لكن نشير إلى أهم الأدلة في ذلك، فالذين قالوا: بأنه يبدأ بركبتيه كما ذهب إليه المؤلف رحمه الله استدلوا بحديث وائل بن حجر رضي الله تعالى عنه قال: ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه ). وهذا الحديث أخرجه أبو داود , والترمذي , وابن ماجه والنسائي ، وله شاهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.

    أما الذين قالوا: بأنه يضع يديه قبل ركبتيه كالإمام مالك رحمه الله فاستدلوا بحديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه )، الشاهد هنا قال: ( وليضع يديه قبل ركبتيه )، وهذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي ، وورد فعل ذلك عن ابن عمر في البخاري معلقاً.

    وكلا ما استدل به يعني: حديث وائل بن حجر قال: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه ), وحديث أبي هريرة : ( إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، وليضع يديه قبل ركبتيه ) كلا الحديثين في إسناده نظر، وحينئذ نرجع إلى الطبيعة؛ لأننا ذكرنا أن الأصل في أعضاء الصلاة أن تكون على وفق الطبيعة ما لم يرد في ذلك سنة توقيفية عن النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا كان كلاً من الحديثين في إسناده مقال فإننا نرجع إلى الأصل وإلى الطبيعة، وأنت إذا لاحظت طبيعة الإنسان إذا أراد أن يهوي فإنه يبدأ بركبتيه، هذا هو مقتضى الطبيعة.

    وأيضاً كونه يبدأ بيديه هذا يكون أشبه ما يكون بالبعير؛ لأن البعير هو الذي يبدأ بيديه، فهذا إذا نزل على يديه هذا أشبه ما يكون بنزول البعير، ولا شك وخصوصاً في الصلاة أن المصلي منهي عن مشابهة الحيوان، ولهذا نهى النبي عليه الصلاة والسلام أن يفترش الساجد ذراعيه في السجود افتراش الكلب، ونهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التفات كالتفات الثعلب، وإقعاء كإقعاء الكلب، ونقر كنقر الغراب، هذه كلها منهي عنها؛ لما فيها من التشبه بالحيوان، فالأقرب في ذلك أن الإنسان يبدأ بركبتيه, هذا هو مقتضى الطبيعة في ذلك، إلا إذا كان هناك حاجة من كبر في السن أو لمرض أو نحو ذلك لا يتمكن معه الإنسان من النزول على ركبتيه فإنه ينزل على يديه.

    كيفية السجود

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجافي عضديه عن جنبه، وبطنه عن فخذيه ].

    شرع الآن المؤلف رحمه الله في بيان كيفية السجود، فكذلك أيضاً نقول في السجود: له كيفيتان, كيفية مجزئة، وكيفية مستحبة كاملة.

    أما الكيفية المجزئة فكيفما سجد الإنسان إذا سجد على أعضائه السبعة التي ورد الأمر بالسجود عليها, فالمهم أنك تجعل يديك وركبتيك وقدميك وجبهتك وأنفك على الأرض، سواء جافيت أو لم تجاف، جعلت أصابعك تجاه القبلة أو لم تجعل أصابعك تجاه القبلة، جافيت بطنك عن فخذيك، وعضديك عن جنبيك أو لم تفعل، المهم أن تسجد على هذه الأعضاء السبعة التي أمرت بالسجود عليها, هذا هو السجود المجزئ.

    أما بالنسبة للسجود الكامل فبينه المؤلف رحمه الله قال: (ويجافي عضديه عن جنبيه وبطنه عن فخذيه).

    ودليل ذلك: حديث أبي حميد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم جافى عضديه عن إبطيه ).

    وحديث عبد الله بن بحينة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يجنح في سجوده حتى يرى وضح إبطيه )، وهذا في الصحيحين.

    وأيضاً ثبت أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يرقون للنبي صلى الله عليه وسلم من شدة مجافاته لعضديه عن جنبيه.

    فنقول: بالنسبة للعضدين السنة للإنسان أن يجافي حتى يرى بياض الإبط, كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يفعل، وهذا إذا كان الإنسان إماماً أو منفرداً ظاهر، أما إن كان مأموماً فقد يصعب عليه ذلك، لكن إذا لم يفعل هذه السنة إذا كان مأموماً فليفعل ذلك إذا كان إماماً أو كان منفرداً، هذا بالنسبة للعضدين.

    قال: (وبطنه عن فخذيه).

    ودليل ذلك: حديث أبي حميد : ( أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سجد فرج بين فخذيه غير حامل بطنه على شيء من فخذيه ).

    والنبي عليه الصلاة والسلام قال: ( اعتدلوا في السجود )، ومقتضى الاعتدال في السجود أن يكون الإنسان عدلاً وسطاً, لا يبالغ في الامتداد؛ لأن بعض الناس يمتد ويبالغ في الامتداد، ولا ينقبض، بل يكون الإنسان معتدلاً بحيث إنه يفرج بين بطنه وفخذيه، وبين فخذيه وساقيه، ما يكون منقبضاً بحيث يكون فخذاه على ساقيه، أو يكون بطنه على فخذيه، أو يكون ممتداً، بعض الناس أيضاً يبالغ في الامتداد، فالسنة للإنسان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: ( اعتدلوا في السجود ).

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويجعل يديه حذو منكبيه ].

    هذه بالنسبة لصفة اليدين تجعلها حذو منكبيك، هذه صفة.

    والصفة الثانية: تسجد بين يديك.

    وهاتان سنتان, كل من هاتين السنتين وردت عن النبي صلى الله عليه وسلم، فتارة تجعل يديك حذو منكبيك، وتارة تسجد بين يديك، تفعل هذا تارة، وهذا تارة أخرى.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويكون على أطراف قدميه ].

    يعني: يسجد على أطراف قدميه، ودليل ذلك: حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: ( أمرت أن أسجد على سبعة أعظم: الجبهة، واليدين، والركبتين، وأطراف القدمين ).

    الذكر في السجود

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يقول: سبحان ربي الأعلى ].

    الكلام في قول المؤلف: سبحان ربي الأعلى كالكلام فيما تقدم في قوله في الركوع: سبحان ربي العظيم، وما هو قدر ذلك للإمام, وما هو قدر ذلك للمأموم, وما هو قدر ذلك للمنفرد، هذا تقدم الكلام عليه.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثلاثاً ].

    فأصبح بالنسبة لكيفية السجود الكامل المستحب نقول: هناك صفة للعضدين أن يجنح، وبالنسبة للكفين تارة تكون حذو المنكبين، وتارة تكون حذو الأذنين، وبالنسبة للبطن يفرج بين بطنه وفخذيه، وبين فخذيه وساقيه يكون معتدلاً.

    هيئة أصابع القدمين والعقبين في السجود

    وأيضاً من صفات السجود الكامل أن يثني أصابع قدميه إلى تجاه القبلة, هذا هو السنة؛ لحديث أبي حميد في صحيح البخاري قال: ( فإذا سجد وضع يديه غير مفترش، ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة )، هذا الشاهد، قال: ( واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة ). فالسنة أن الإنسان إذا سجد أن يثني أصابع الرجلين, وتكون تجاه القبلة.

    بقينا في القدمين، هل يرص العقبين أو لا يرص العقبين؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، فذهب بعض أهل العلم إلى أن السنة أن يرص عقبيه, يعني: يقارب بين القدمين ويرصهما، واستدلوا على ذلك بحديث عائشة في صحيح مسلم : ( أنها فقدت النبي صلى الله عليه وسلم فخرجت تبحث عنه، قالت: فوقعت يدي على قدميه وهما منصوبتان )، فكونها تقع اليد على القدمين وهما منصوبتان هذا يظهر منه أن النبي عليه الصلاة والسلام قارب بينهما، هذا الذي يظهر، وإن كان ليس صريحاً في أن النبي عليه الصلاة والسلام رصهما، لكن يفهم من كون اليد وقعت عليهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قارب قدميه، وابن خزيمة بوب في صحيحه قال: باب ما جاء في رص العقبين, واستدل بحديث وائل قال: ( رص النبي عليه الصلاة والسلام عقبيه في السجود )، لكن هذا الحديث ضعيف.

    وعلى هذا نقول: بالنسبة للقدمين ما عندنا إلا ظاهر حديث عائشة ، يظهر أن الإنسان يقارب بينهما، أما كونه يرص القدمين ليس هناك سنة ظاهرة في هذا، يعني: ليس سنة صريحة في أن النبي عليه الصلاة والسلام رص القدمين في الصلاة، لكن نقول: بأن الإنسان يقارب بين قدميه, كما هو ظاهر حديث عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لأن الحديث الذي في صحيح ابن خزيمة في إسناده نظر، وعلى هذا نقول: الإنسان يقارب بين قدميه، أما كونه يرصهما فهذا ليس فيه شيء صريح عن النبي صلى الله عليه وسلم، هذه بالنسبة لصفة السجود الكامل.

    الجلوس بين السجدتين

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يرفع رأسه مكبراً ].

    يجلس الجلسة بين السجدتين, أيضاً لها كيفيتان:

    الكيفية الأولى: كيفية مجزئة كيفما جلس، كيفما جلس الإنسان فإن هذا مجزئ.

    والصفة الثانية: كيفية كاملة، والكيفية الكاملة بينها المؤلف رحمه الله قال: [ ويجلس مفترشاً، فيفرش رجله اليسرى، ويجلس عليها، وينصب اليمنى، ويثني أصابعها نحو القبلة ].

    ودليل ذلك حديث أبي حميد رضي الله تعالى عنه قال: ( ثم ثنى رجله اليسرى وقعد عليها ).

    وأيضاً قالت عائشة في صحيح مسلم : ( كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفرش رجله اليسرى وينصب رجله اليمنى، وينهى عن عقبة الشيطان ).

    فالسنة الكاملة أن تكون اليسرى مفروشة، ظهرها إلى الأرض، ويجلس على بطنها، وأما بالنسبة للرجل اليمنى فإنه ينصبها، ينصب رجله اليمنى، ويثني أصابعها نحو القبلة، تكون الرجل اليمنى منصوبة، وتكون أصابعها نحو القبلة.

    قال المؤلف رحمه الله: [ ويقول: ربي اغفر لي ثلاثاً ].

    وهذا دليله حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه: ( أن النبي صلى الله عليه وسلم لما جلس بين السجدتين قال: ربي اغفر لي، ربي اغفر لي )، والكلام في هذا أيضاً كالكلام في الركوع والسجود بالنسبة للذكر؛ لأن كما ذكرنا أن السنة أن تكون الأركان الأربعة: الركوع والرفع والسجود والجلسة بين السجدتين قريبة من السواء.

    وأيضاً ورد في حديث ابن عباس ( ربي اغفر لي وارحمني وعافني وارزقني واجبرني ), وفي لفظ: ( وارفعني )... إلى آخره.

    النهوض من السجدة الثانية إلى القيام

    قال المؤلف رحمه الله: [ ثم يسجد الثانية كالأولى، ثم يرفع رأسه مكبراً، وينهض قائماً, فيصلي الثانية كالأولى ].

    قول المؤلف رحمه الله: وينهض قائماً يفهم من كلام المؤلف رحمه الله تعالى أنه لا يجلس للاستراحة، وهذا قول جمهور أهل العلم أنه ليس في الصلاة ما يسمى بجلسة الاستراحة, فينهض قائماً، ودليل جمهور أهل العلم: أن أكثر الذين وصفوا صلاة النبي عليه الصلاة والسلام لم يذكروا جلسة الاستراحة.

    وأيضاً الصحابة الذين كانوا يلازمون النبي صلى الله عليه وسلم ويتأسون به ويحرصون على سنته لم يرد أنهم كانوا يفعلون هذه الجلسة، مثل ابن عمر .. ابن مسعود .. ابن عباس .. أبي سعيد .. ابن الزبير ، لم يكونوا يفعلون مثل هذه الجلسة.