إسلام ويب

شرح صحيح مسلم - كتاب الفضائل [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • فضائل رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة، منها فضيلته في نسبه، وأنه المصطفى من بني هاشم، ومنها ما كان يحصل من معجزات على يديه، فقد كان يسلم عليه الحجر، ونبع الماء من بين أصابعه، وبورك في الطعام بين يديه، وكثر ماء البئر بعد أن برك عليه.

    1.   

    فضل نسب رسول الله وتسليم الحجر عليه

    قال رحمه الله: [عن واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الله عز وجل اصطفى كنانة من ولد إسماعيل عليه الصلاة والسلام, واصطفى قريشاً من كنانة, واصطفى من قريش بني هاشم, واصطفاني من بني هاشم.

    وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة , حدثنا يحيى بن أبي بكير , عن إبراهيم بن طهمان , قال: حدثني سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث, إني لأعرفه الآن) .

    باب تفضيل نبينا صلى الله عليه وسلم على جميع الخلائق.

    وحدثني الحكم بن موسى أبو صالح ، قال: حدثنا هقل يعني ابن زياد عن الأوزاعي , قال: حدثني أبو عمار حدثني عبدالله بن فروخ , قال: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة, وأول من ينشق عنه القبر, وأول شافع, وأول مشفع).

    باب معجزات النبي صلى الله عليه وسلم

    وحدثني أبو الربيع سليمان بن داود العتكي, قال: حدثنا حماد يعني ابن زيد قال: حدثنا ثابت عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا بماءٍ فأتي بقدح رحراح, فجعل القوم يتوضئون, فحزرت ما بين الستين إلى الثمانين, قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه).

    وحدثني إسحاق بن موسى الأنصاري , حدثنا معن, حدثنا مالك , ح، وحدثني أبو الطاهر أخبرنا ابن وهب عن مالك بن أنس , عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة , عن أنس بن مالك أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر, فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوا, فأتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء, ووضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده, وأمر الناس أن يتوضئوا منه, قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه, فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم) ].

    فضل رسول الله في اصطفائه من خيار من خيار

    ذكر مسلم رحمه الله تعالى كتاب الفضائل، والفضائل: جمع فضيلة وهي الميزة, والمنقبة التي يمن الله عز وجل بها على بعض خلقه, سواء كان ذلك في الدين أو في النسب أو في الخلق أو العمل ونحو ذلك.

    قال: [حدثنا محمد بن مهران الرازي , ومحمد بن عبد الرحمن بن سهم جميعاً عن وليد, قال ابن مهران: حدثنا الوليد بن مسلم , قال: حدثنا الأوزاعي عن أبي عمار شداد أنه سمع واثلة بن الأسقع يقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( إن الله اصطفى كنانة -اصطفى يعني: اختار- من ولد إسماعيل )، أي: إسماعيل بن إبراهيم عليه الصلاة والسلام، (واصطفى قريشاً من كنانة).

    قريش اختلف فيه النسابون, فقيل بأنه فهر بن مالك , وقيل بأنه النضر بن كنانة . (واصطفى من قريش بني هاشم). يعني: المنسوبون إلى هاشم جد النبي صلى الله عليه وسلم، (واصطفاني من بني هاشم) يعني: اختارني من بني هاشم.

    هذا الحديث فيه مسائل؛ من مسائله: فضيلة نسب نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, حيث إن الله سبحانه وتعالى اصطفاه من بني هاشم, وبنو هاشم مختارون من قريش, وقريش من كنانة, وكنانة من إسماعيل عليه الصلاة والسلام, فهو خيار من خيار.

    وفيه أيضاً يستدل به الشافعية على أن بني هاشم لا يكافئهم في النكاح إلاّ الهاشميون أو المطلبيون؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل بني هاشم وبني المطلب شيئاً واحداً, والقرشيون لا يكافئهم من العرب إلا القرشيون, وأوسع الناس في الكفاءة في النسب هم الشافعية رحمهم الله, فهم يقسمون الناس, فقريش لا يكافئهم إلا القرشيون, يعني: العرب لا يكافئهم إلا العرب, والقرشيون لا يكافئهم إلاّ القرشيون، يعني: لا يتزوج عربي من قرشية, وبنو هاشم لا يكافئهم إلا الهاشميون أو المطلبيون فقط, يعني: لا يتزوج قرشي من هاشمية, هذا عند الشافعية.

    وهذا لا شك أنه باطل, عثمان رضي الله عنه ليس هاشمياً, ومع ذلك تزوج ابنة النبي صلى الله عليه وسلم, ولهذا شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أبطل ذلك, وشدد فيه، يعني: هذه التقسيمات ما أنزل الله بها من سلطان.

    النبي صلى الله عليه وسلم هنا ذكر فضيلته, وفضيلة بني هاشم, وفضيلة قريش, لكن لا يلزم من ذلك عدم التزاوج, أو القول بعدم الصحة والتحريم ونحو ذلك.

    الأنساب ليس لها ميزان عند الله سبحانه وتعالى: إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ [الحجرات:13], وفي هذا فضيلة قريش, حيث إن الله سبحانه وتعالى اصطفاها من كنانة.

    وفيه فضيلة بني هاشم حيث إن الله سبحانه وتعالى اصطفاهم من قريش.

    وفيه فضيلة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، حيث إن الله اصطفاه من بني هاشم.

    تسليم حجر بمكة على رسول الله صلى الله عليه وسلم

    وقوله: [وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة قال: حدثنا يحيى بن أبي بكير عن إبراهيم بن طهمان قال: حدثنا سماك بن حرب عن جابر بن سمرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم عليّ قبل أم أبعث، إني لأعرفه الآن)].

    هذا فيه آية من آيات نبينا محمد صلى الله عليه وسلم, وهو تسليم الحجر عليه.

    وفي هذا أيضاً أن الجمادات تسلم, وأيضاً تسبح بحمد الله عز وجل, وأيضاً تخشى الله عز وجل, فهي تسلم كما جاء في هذا الحديث, وأيضاً تسبح بحمد الله كما قال سبحانه وتعالى: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الإسراء:44], وأيضاً قول الله عز وجل: وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ [البقرة:74], فيه أنها تخشى الله, وأنها تسبحه، وأنها تسلم أيضاً, ففيها شي من التمييز, وتمييز كل شيء بحسبه, كما أن استلام كل شيء بحسبه, فاستلام الحجر الأسود أن تمسحه بيدك اليمنى, هذا استلامه, فكل شيء بحسبه.

    وقوله: [وحدثني الحكم بن موسى أبو صالح , قال: حدثنا هقل يعني ابن زياد عن الأوزاعي قال: حدثني أبو عمار, قال: حدثني عبدالله بن فروخ , قال: حدثني أبو هريرة قال: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)].

    في هذا فضيلة النبي صلى الله عليه وسلم, والسيد هو صاحب السؤدد، وهو الرفعة والشرف, فالنبي صلى الله عليه وسلم صاحب شرف ورفعة وسؤدد وسيادة يوم القيامة.

    وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم هو سيد ولد آدم يوم القيامة, وهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم في الدنيا أيضاً. لكن لماذا خص النبي صلى الله عليه وسلم السيادة بيوم القيامة مع أنه سيد في الدنيا وفي الآخرة؟

    لأن يوم القيامة ليس هناك منازع, الدنيا قد يكون فيها منازع, قد يكون هناك من يدعي السيادة, ويعاند في ذلك ويكابر, لكن في الآخرة ليس هناك أحد ينازع, وإلا فهو عليه الصلاة والسلام سيد ولد آدم في الدنيا وفي الآخرة, ورد بذلك قول الله عز وجل في يوم القيامة: لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ [غافر:16], وملك الله عز وجل في الدنيا وفي الآخرة.

    وفيه: أن النبي صلى الله عليه وسلم من ولد آدم, وفيه إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الآخر, وسُمي هذا اليوم بيوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه من قبورهم, وقيل: لقيام العدل فيه, وقيل: لأن الناس يقومون على أرجلهم, لا أحد يجلس في ذلك اليوم, كل مشغول بنفسه حتى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يجثون على ركبهم ويقولون: اللهم سلم سلم.

    قوله: (وأول من ينشق عنه القبر)، في هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أول من يبعث.

    وقوله: (وأول شافعٍ وأول مشفع)، فيه أيضاً من فضائل النبي صلى الله عليه وسلم أنه أول شافع، يعني يطلب الشفاعة, فأول من يتقدم بطلب الشفاعة هو النبي صلى الله عليه وسلم, (وأول مشفع)، أي: أول من يستجاب طلبه.

    1.   

    الجمع بين فضائل رسول الله ونهيه عن التفضيل بين الأنبياء

    وكيف الجمع بين هذا الحديث وبين قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( لا تفضلوا بين الأنبياء ), أي: نهيه صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء, مع قوله عليه الصلاة والسلام: ( أنا سيد ولد آدم

    هذا أجاب عنه العلماء رحمهم الله بأجوبة, ومن أحسن هذه الأجوبة: أن نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن التفضيل بين الأنبياء إذا كان سيترتب عليه منقصة لبعض الأنبياء, أي: تنقيص المفضول, أما إذا لم يكن يترتب عليه أي شيء من ذلك, فإنه لا بأس.

    وقال بعض العلماء: إن النهي فيما إذا كان سيترتب على ذلك فتنة وخصومة.

    وقيل بأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تفضلوا بين الأنبياء), المقصود أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما قاله على سبيل الأدب والتواضع.

    وقيل: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك قبل أن يعلم أنه سيد ولد آدم ..إلخ.

    قال رحمه الله: [وحدثني أبو الربيع سليمان بن داود العتكي , قال: حدثنا حماد يعني ابن زيد , قال: حدثنا ثابت عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم (دعا بماء فأوتي بقدح رحراح). القدح الرحراح: هو الواسع القصير الجدار, يعني قدح واسع وجداره قصير.

    قوله: (فجعل القوم يتوضئون فحرزت)، يعني خمنت.

    (ما بين الستين إلى الثمانين, قال: فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه)، ونبع الماء من بين أصابعه قال كثير من العلماء: إن المراد: هو أنه نبع من ذات الأصابع.

    وقال بعض العلماء: هو نبعه من بين الأصابع.

    وعلى كل حال سواء نبع من ذات أصابعه عليه الصلاة والسلام أو من بين أصابعه, فهو آية من آيات نبوته صلى الله عليه وسلم؛ لأنه أمر خارج عن العادة.

    وفي هذا إثبات الوضوء.

    وفيه استعانة المتبوع بالتابع, وأن هذا لا بأس به ولا يخل بالمروءة.

    وفيه سؤال الماء ونحو ذلك, إذا كان ذلك يترتب عليه مصلحة, فإن هذا أيسر مما ينهى عنه, يعني: كون الإنسان يدعو بماء لكي يتوضأ أو يسأل غيره ماء لكي يتوضأ به, فإن هذا لا بأس به.

    1.   

    معجزة رسول الله في نبع الماء من بين أصابعه

    قال رحمه الله: [وحدثني إسحاق بن موسى الأنصاري قال: حدثنا معن قال: حدثنا مالك ، ح، وحدثني أبو الطاهر قال: أخبرنا ابن وهب عن مالك بن أنس عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك أنه قال: (رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر, فالتمس الناس الوضوء)].

    الوضوء: هو الماء الذي يتوضأ به [فلم يجدوه، فأُتي رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء, فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده, وأمر الناس أن يتوضؤوا منه، قال: (فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه, فتوضأ الناس حتى توضؤوا من عند آخرهم).

    هذا فيه آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم, ويظهر -والله أعلم- أن هذا الحديث قبل نزول آية التيمم, وآية التيمم إنما نزلت في غزوة بني المصطلق.

    قال: [وحدثني أبو غسان المسمعي, قال: حدثنا معاذ - يعني: ابن هشام - قال: حدثني أبي عن قتادة , قال: حدثنا أنس بن مالك: (أن نبي الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه بالزوراء, قال: والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمة, دعا بقدح فيه ماء, فوضع كفه فيه, فجعل ينبع من بين أصابعه, فتوضأ جميع أصحابه, قال: قلت: كم كانوا يا أبا حمزة ؟ قال: كانوا زهاء الثلاثمائة)].

    وقوله في الحديث: (الزوراء). عرفها أنها بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثمة, يعني: قريباً منها.

    وقوله: (دعا بقدح فيه ماء, فوضع كفه.. إلخ)، وهذا فيه آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: [وحدثنا محمد بن المثنى , قال: حدثنا محمد بن جعفر , قال: حدثنا سعيد عن قتادة عن أنس (أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء, فأُتي بإناء ماء لا يغمر أصابعه, أو قدر ما يواري أصابعه), ثم ذكر نحو حديث ابن هشام.

    قال: وحدثنا سلمة بن شبيب , قال: حدثنا الحسن بن أعين , قال: حدثنا معقل عن أبي الزبير عن جابر (أن أم مالك كانت تهدي للنبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمناً, فيأتيها بنوها, فيسألون الأُدم وليس عندهم شيء, فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي صلى الله عليه وسلم, فتجد فيه سمناً, فما زال يقيم لها أُدم بيتها حتى عصرته, فأتت النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: عصرتها؟ قالت: نعم, قال: لو تركتها ما زال قائماً )].

    في هذا آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم وبركة من بركاته, حيث إن أم مالك رضي الله عنها كانت تهدي النبي صلى الله عليه وسلم في عكة لها سمناً, ويبقى شيء من هذا السمن, وتؤدمه لأولادها, ولا تزال تؤدمه لأولادها حتى عصرته.

    وفي هذا حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم حيث يقبل الهدية, النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ولا يقبل الصدقة.

    وفيه أن السنة أن تقبل الهدية وأن لا تردها, وأن رد الهدية هذا خلاف السنة, بل السنة أن تقبل الهدية, وأن تثيب عليها, يعني: إذا أهداك شخص تقبل منه وترد عليه هديته, هذا هدي النبي صلى الله عليه وسلم, فقد كان صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ويثيب عليها, وهذا من حسن خلقه ومن كرمه من وجه آخر, إلاّ إذا ترتب على الهدية محذور شرعي, فالإنسان يردها.

    (قالت: فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه إلى النبي صلى الله عليه وسلم فتجد فيه سمناً, فما زال يقيم لها أدم بيت حتى عصرته), فيه أن الشيء إذا كان فيه البركة, فأخذ كله, فإنه لا يبقى منه شيء, يعني: لو أن أم مالك رضي الله عنها لم تعصره, وتركته تأخذ منه لاستمر ذلك قائماً كما قال النبي صلى الله عليه وسلم, لكن كونها عصرته, فيؤخذ من هذا أن الشيء إذا كان مباركاً, فإنه يؤخذ منه ويترك الباقي.

    الله عز وجل قد يطرح البركة في طعام أو شراب أو في متاع أو في نقود, فإذا لمس المسلم البركة في هذه الأشياء, فإنه لا يأتي عليه كله, وإنما يأخذ منه ويترك شيئاً لكي تتجدد هذه البركة, ولهذا لما عصرته ذهب جميعه, قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( لو تركته ما زال قائماً ).

    قال: [وحدثني سلمة بن شبيب , قال: حدثنا الحسن بن أعين , قال: حدثنا معقل عن أبي الزبير , عن جابر (أن رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه فأطعمه شطر وسق شعير) يعني: نصف وسق، والوسق: يساوي ستين صاعاً، [(فما زال الرجل يأكل منه وامرأته وضيفهما حتى كاله, فأتى النبي صلى الله عليه وسلم, فقال: لو لم تكله لأكلتم منه ولقام لكم )].

    وهذا أيضاً يؤيد ما تقدم أن الإنسان إذا بورك له في شيء, فإنه يتركه لا يكيله, ولا يأتي عليه ولا يقوم بعده.. إلخ, فإن البركة لا تزال قائمة فيه.

    وفيه أيضاً أنه لا بأس للإنسان أن يسأل حاجته, فإن هذا الرجل أتى النبي صلى الله عليه وسلم يستطعمه, يعني: يطلب منه طعاماً.

    وفيه أيضاً كرم الصحابة رضي الله عنهم, فهذا الرجل ليس عنده شيء, ومع ذلك ضيف هذا الضيف, جعل يأكل الرجل منه وامرأته وضيفهما, يعني فيه كرم الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    1.   

    الجمع بين الصلاتين في غزوة تبوك

    قال: [وحدثنا عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي , قال: حدثنا أبو علي الحنفي , قال: حدثنا مالك - وهو ابن أنس - عن أبي الزبير المكي أن أبا الطفيل عامر بن واثلة أخبره أن معاذ بن جبل أخبره، قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزوة تبوك, فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعاً, والمغرب والعشاء جميعاً).

    في هذا دليل لما ذهب إليه أكثر أهل العلم من أن الجمع في حال الإقامة للمسافر جائز, لأن المسافر هل يشترط أن يكون جاداً في السفر؟ أي: أن يكون على ظهر السير, يسير لكي يجمع كما قال بذلك الإمام مالك ، أو أن ذلك ليس شرطاً حتى ولو كان مقيماً له حق الجمع.

    في هذا الحديث دليل على أنه حتى ولو كان مقيماً فله حق الجمع؛ لقوله: (فكان يجمع الصلاة فصلى الظهر والعصر جميعاً, والمغرب والعشاء جميعاً، حتى إذا كان يوماً أخر الصلاة ثم خرج ثم دخل), فقوله: (ثم خرج ثم دخل)، هذا يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان مقيماً.

    وقوله: (حتى إذا كان يوماً أخر الصلاة ثم خرج, فصلى الظهر والعصر جميعاً، ثم دخل، ثم خرج بعد ذلك فصلى المغرب والعشاء جميعاً), فيه كما تقدم أنه لا يشترط أن يكون جاداً في السير حتى ولو كان مقيماً لقوله: (ثم دخل ثم خرج).

    وفيه أيضاً أن المسافر إذا كان على ظهر سير فالسنة الجمع, وإن كان مقيماً فالجمع جائز, والأفضل عدم الجمع.

    ثم قال: ( إنكم ستأتون غداً إن شاء الله عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار، فمن جاءها منكم فلا يمس من مائها شيئاً حتى آتي, فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان والعين مثل الشراك, تبض بشيء من ماء), الشراك: هو سير النعل, تبض يعني: أن فيها شيئاً يسيراً من ماء.

    (قال: فسألهما رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل مسستما من مائها شيئاً؟ قالا: نعم, فسبهما النبي صلى الله عليه وسلم, وقال لهما ما شاء الله أن يقول).

    المقصود هنا: التوبيخ, وبخهما النبي صلى الله عليه وسلم, لأنه نهاهما أن يمسا شيئاً من مائها لحكمة كما سيأتي, فوبخهما النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا التعزير بالتوبيخ, وأن التعزير لا حد له، قد يكون بالتوبيخ, وقد يكون بالضرب، وقد يكون بالحبس، وقد يكون بأخذ المال, حتى أن جمعاً من العلماء أوصله إلى القتل.

    (قال: ثم غرفوا بأيديهم من العين قليلاً قليلاً حتى اجتمع في شيء, قال: وغسل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ويديه ووجهه ثم أعاده فيها, فجرت العين بماء منهمر).

    المنهمر: هو الماء كثير الصب والدفع, وهذا آية من آيات النبي صلى الله عليه وسلم.

    قال: ( أو قال غزير - شك أبو علي أيهما قال، حتى استقى الناس ثم قال: يوشك يا معاذ! إن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملئ جناناً ), يعني: بساتين, وهذا حصل الآن, تجد بساتين كثيرة, بسبب ترقي العلم في استخراج المياه ونحو ذلك.