إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب العتق [2]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • المدبر هو الذي علق عتقه بموت سيده، وقد اتفق الفقهاء على صحة التدبير، وأنه كالوصية ولا ينفذ إلا بعد الموت، ويبطل التدبير بالبيع مثل الوصية فلصاحبها أن يبطلها لأنها من عقود التبرعات.

    1.   

    باب بيع المدبر

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ باب بيع المدبر.

    عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال: ( دبر رجل من الأنصار غلاماً له )، وفي لفظ: ( بلغ النبي صلى الله عليه وسلم أن رجلاً من أصحابه أعتق غلاماً له عن دبر لم يكن له مال غيره، فباعه رسول الله صلى الله عليه وسلم بثمانمائة درهم، ثم أرسل بثمنه إليه ) ].

    الشرح:

    قال المؤلف رحمه الله: ( باب: بيع المدبر ).

    المدبر: هو الرقيق الذي علق عتقه بموت سيده.

    والحديث السابق اشتمل على مسائل:

    المسألة الأولى: صحة التدبير، وهو أن يقول السيد لرقيقه: أنت حر بعد موتي، وهذا متفق عليه بين العلماء رحمهم الله تعالى.

    المسألة الثانية: أن التدبير كالوصية، يكون من ثلث المال، ولا ينفذ إلا بعد الموت.

    المسألة الثالثة: إبطال التدبير بالبيع، سواء كان ذلك لحاجة، أو لغير حاجة؛ لأن الوصية يصح أن تبطل، فلو أنه أوصى أن هذا البيت وقف يصح أن يبطلها؛ لأن الوصية تبرع بالمال بعد الموت، كما ورد ذلك عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم، فنقول: له أن يبطل الوصية، كذلك أيضاً له أن يبطل التدبير، إذا أراد أن يبيع المدبر لحاجة أو لغير ذلك فإن هذا جائز ولا بأس به.

    أيضاً يستدل بهذا الحديث على إبطال الوقف، إذا لحق من أوقف دين، فهل يجوز أن نبطل الوقف لوفاء دين هذا الشخص الذي لحقه؟ مثلاً: لو أن شخصاً وقف بيتاً على أنها لله عز وجل، للفقراء والمساكين ونحو ذلك، ثم لحقه دين، فهل يجوز أن نبطل الوقف لكي نسدد الدين الذي عليه، أو نقول: لا يجوز؟

    للعلماء رأيان:

    الرأي الأول وهو قول جمهور أهل العلم: أنه لا يجوز؛ لأن هذا الوقف الآن خرج لله عز وجل، وما خرج لله عز وجل فإنه لا يجوز له أن يرجع فيه، لا يباع ولا يوهب ولا يورث.. إلى آخره، وخرج من ملك الموقف إلى ملك الله عز وجل.

    الرأي الثاني ينسب إلى شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن الموقف إذا لحقه دين فإنه لا بأس أن يبطل الوقف لكي يسدد الدين، ويدل لهذا القول هذا الحديث؛ لأن العتق أشد نفوذاً من الوقف، ومع ذلك أبطله النبي صلى الله عليه وسلم عندما قامت هذه الحاجة لهذا الشخص.

    والأقرب في مثل هذه المسائل الكبيرة أنه يرجع فيها إلى القاضي؛ لأن هذا قد يؤدي إلى التلاعب بالأوقاف وإبطالها ونحو ذلك.

    وفي هذا: أن الإمام الأعظم ونائب الإمام الأعظم من القضاة ونحو ذلك لهم أن يتصرفوا عن الشخص بما ينفعه، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الأنصاري أبطل التدبير وباعه، فلهم أن يتصرفوا على الشخص بما ينفعه.

    وأيضاً من مسائل هذا الحديث: أن الإنسان يبدأ بنفسه وبمن يعول، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( ابدأ بنفسك وبمن تعول ) فكونه يخرج هذا ويدبره وليس له مال غيره وهو محتاج وأهله محتاجون، فيه هذا تضييع لمن تحت يده، فالإنسان يبدأ بنفسه وبمن يعول.

    ويمكن أن يؤخذ من هذا الحديث أيضاً أن الصدقة بالمال أو إخراج المال كله لله عز وجل جائز بشرط ألا يؤدي ذلك إلى تضييع حق الغير، أما إذا أدى ذلك إلى تضييع حق الغير من الأقارب الأصول أو الفروع فإن هذا غير جائز.

    انتهى بحمد الله كتاب العمدة، ونسأل الله عز وجل أن ينفع به كاتبه وقارئه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.