إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الصيد [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • يحرم اقتناء الكلاب إلا ما استثناه الشارع، وقد رتب الشارع عقوبة لمن فعل ذلك، وذلك لما جبلت عليه الكلاب من القذارة، وتباعد الملائكة من البيوت التي توجد فيها الكلاب، والحيوان الأهلي من إبل وغنم وبقر يأخذ حكم المتوحش إذا ندّ ونفر ولم يتمكن منه إلا برميه.

    1.   

    شرح حديث: (من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية..)

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من اقتنى كلباً إلا كلب صيد أو ماشية فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان ). قال سالم : وكان أبو هريرة يقول: (أو كلب حرث)، وكان صاحب حرث.

    وعن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة من تهامة, فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلاً وغنماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور, فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت, ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير, فند منها بعير فطلبوه فأعياهم, وكان في القوم خيل يسيرة فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه الله. فقال: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا، قلت: يا رسول الله! إنا لاقوا العدو غداً, وليس معنا مدى أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكلوه, ليس السن والظفر, وسأحدثكم عن ذلك, أما السن فعظم, وأما الظفر فمدى الحبشة ) ].

    الشرح:

    حكم اقتناء الكلاب

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ( من اقتنى كلباً -إلا كلب صيد أو ماشية- فإنه ينقص من أجره كل يوم قيراطان ). قال سالم : وكان أبو هريرة يقول: (أو كلب حرث)، وكان صاحب حرث.

    في هذا الحديث يحرم اقتناء الكلاب، ويستثنى من اقتناء الكلاب ما استثناه النبي صلى الله عليه وسلم: ( إلا كلب صيد أو حرث أو ماشية ).

    وظاهر الحديث أيضاً أن اقتناء الكلاب من كبائر الذنوب؛ لأن الشارع رتب عليه عقوبة خاصة، وبهذا نعرف ما يقع فيه كثير من الناس اليوم من الخطأ من اقتناء الكلاب، وتقليد أهل الكفر والفسق من الغربيين وغيرهم، وأن هذا خلاف سنة النبي صلى الله عليه وسلم.

    الحكمة من تحريم اقتناء الكلاب

    والحكمة من ذلك ما جبل عليه الكلب من القذارة والضرر ونحو ذلك.

    وأيضاً من الحكم: مباعدة الملائكة للبيت الذي فيه الكلب، يعني: اتخاذ الكلاب وتربيتها، فجبريل عليه السلام لم يدخل بيت النبي صلى الله عليه وسلم لما كان تحت السرير جرو كلب للحسن يلعب به، فامتنع جبريل عليه السلام من الدخول حتى يخرج ذلك الكلب.

    ومن الحكم أيضاً: مباعدة الملائكة البررة عن المكان الذي فيه هذه الكلاب.

    وفيه: أنه يباح اقتناء الكلاب للمصلحة والحاجة، مثل: كلب الصيد والحرث والماشية، ومثل ذلك من الكلاب الآن التي ينتفع بها ويحتاج إليها في الأمن للكشف عن المخدرات والمجرمين ونحو ذلك، فهذه ملحقة بالمنصوص عليه على طريق القياس، والشريعة لا تفرق بين المتماثلات.

    1.   

    شرح حديث: (إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش)

    وقوله: [عن رافع بن خديج رضي الله عنه قال: ( كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بذي الحليفة )، تقدم لنا أن ذا الحليفة تصغير الحلفة، والحلفة نوع من الشجر في ذلك المكان، وذو الحليفة يبعد من المسجد النبوي بما يقرب من ستة أميال، والآن امتد إليه عمران المدينة.

    قوله: ( من تهامة, فأصاب الناس جوع فأصابوا إبلاً وغنماً، وكان النبي صلى الله عليه وسلم في أخريات القوم، فعجلوا وذبحوا ونصبوا القدور، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالقدور فأكفئت, ثم قسم فعدل عشرة من الغنم ببعير, فند -يعني: هرب وشرد- منها بعير فطلبوه فأعياهم -يعني: أتعبهم- ولم يتمكنوا منه, وكان في القوم خيل يسيرة فأهوى رجل منهم بسهم فحبسه -لما ضربه بالسهم توقف- فحبسه الله. فقال: إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش، فما ند عليكم منها فاصنعوا به هكذا ).

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن لهذه البهائم أوابد كأوابد الوحش)، يعني: أن لها توحشاً ونفوراً كما يكون للوحش نفور.

    قوله: ( قلت: يا رسول الله! إنا لاقوا العدو غداً, وليس معنا مدى ) المدى: جمع مدية وهي السكين.

    وقوله: ( أفنذبح بالقصب؟ قال: ما أنهر الدم, وذكر اسم الله عليه فكلوه, ليس السن والظفر, وسأحدثكم عن ذلك, أما السن فعظم, وأما الظفر فمدى الحبشة ).

    هذا الحديث اشتمل على مسائل، منها: قوله في أول الحديث: (كنا مع رسول الله بذي الحليفة من تهامة).

    الحلفة نبت معروف، لكنه ليس هو الميقات المعروف ميقات أهل المدينة؛ لأنه قال: (من تهامة)، وتهامة ما بين جبال الحجاز إلى البحر.

    قال: (فأصاب الناس جوع إلى آخره)، في هذا التعزير بإتلاف المال؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر بالقدور فأكفئت، وذلك أنهم تعجلوا فذبحوا، وكان الواجب أن يستأذنوا النبي صلى الله عليه وسلم، وهل يعزر بإتلاف المال، أو لا يعزر بإتلاف المال؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم، لكن إذا قضت المصلحة جاز ذلك، وهذا فعل النبي عليه الصلاة والسلام.

    قوله: (فعدل عشرة من الغنم ببعير) فيما يتعلق بالهدي، يعني: البعير هل يجزئ في الهدي والأضاحي عن عشرة أو عن سبعة؟

    هذا موضع خلاف، والحديث يدل على أنه يجزئ عن عشرة، لكن أجاب العلماء رحمهم الله عن ذلك فقالوا: هذا في باب قسمة الغنائم، وليس في باب الهدي والأضاحي، أما باب الهدي والأضاحي فلا يجزئ البعير إلا عن سبعة، والهدي لا يجزئ عن سبعة، لكن في باب الغنائم يجزئ عن عشرة.

    وفي هذا أيضاً أنه إذا توحش الأهلي فإنه يأخذ حكم المتوحش.

    الصيد المتوحش حكمه هل يذكى أو يجرح بأي مكان من بدنه؟

    نقول: يجرح في أي مكان في بدنه، فكذلك أيضاً الأهلي إذا توحش أخذ حكم المتوحش، نجرحه في أي مكان من بدنه، والعكس بالعكس، المتوحش إذا قدرنا عليه فإنه يأخذ حكم الأهلي، أي: لا بد من تذكيته.

    وفي هذا أيضاً: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قاعدة عامة، قال: (ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه فكله)، فكل شيء ينهر الدم ..، كل شيء له محدد لك أن تذكي به: الزجاج, الحديد, القصب, الحجر إذا كان له محدد، المهم أن النبي صلى الله عليه وسلم أجاب بجواب عام، قال: ( ما أنهر الدم وذكر اسم الله عليه فكله).

    وفي هذا أيضاً: أن التسمية شرط؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما)، وهذه شرطية.

    وفي هذا دليل على أن التسمية شرط في باب الصيد، وأنها لا تسقط.

    سبحانك اللهم وبحمدك، نشهد أن لا إله إلا أنت، نستغفرك ونتوب إليك.