إسلام ويب

الصوتيات

  1. الصوتيات
  2. محاضرات مفرغة
  3. خالد بن علي المشيقح
  4. شرح عمدة الأحكام
  5. شرح عمدة الأحكام - كتاب الأيمان والنذور [5]

شرح عمدة الأحكام - كتاب الأيمان والنذور [5]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الوسائل لها أحكام المقاصد إلا النذر فإن الوفاء به واجب وعقده مكروه، والنذر إنما يستخرج به من البخيل، ولا خير في النذر لأنه لا يرد من قضاء الله شيئاً، ومن نذر نذر طاعة لله فإنه يجب عليه الوفاء به، وأما غير الطاعة فلا يجب عليه الوفاء بنذره، وهل فيه كفارة عل

    1.   

    شرح حديث النهي عن النذر وأنه لا يأتي بخير وإنما يستخرج به من البخيل

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن النذر, وقال: إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل).

    وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً، فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب)].

    الشرح:

    نقل المؤلف رحمه الله تعالى في كتابه: عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أنه نهى عن النذر, وقال: إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل).

    في هذا الحديث النهي عن النذر، وسبق أن تكلمنا عن هذه المسألة، وذكرنا أن النذر ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: نذر مطلق.

    والقسم الثاني: نذر معلق.

    وأن الذي ينهى عنه هو النذر المعلق، كأن يعلق عبادةً من العبادات على حصول منحة أو تفريج كربة محنة.

    أما النذر المطلق مثل لو قال: لله علي أن أصوم يوماً أو يومين أو أن أصلي ركعتين ونحو ذلك، فهذا على الرأي الثالث أنه مستحب، وأن الذي ينهى عنه هو النذر المعلق، أن يعلق طاعةً على حصول منحة، أو تفريج كربة.

    قال: (إن النذر لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل) والبخيل هو الذي لا يقوم بما أوجب الله عز وجل عليه، فينذر هذا النذر فيتحتم عليه أن يقوم به وأن يؤديه، فيستخرج هذا النذر من هذا البخيل.

    وفيه أيضاً: التعليل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: (إنه لا يأتي بخير)، في هذا تعليل للأحكام، والأحكام منها ما جاء تعليله في الشرع، ومنها ما لم يأت تعليله في الشرع.

    1.   

    شرح حديث عقبة: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافية...)

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن عقبة بن عامر قال: (نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله الحرام حافيةً -يعني: غير منتعلة- فأمرتني أن أستفتي لها رسول الله صلى الله عليه وسلم، فاستفتيته، فقال: لتمش ولتركب)].

    الشرح:

    في هذا الحديث مسائل:

    المسألة الأولى: أن من نذر طاعة وغير طاعة فإنه يجب عليه أن يوفي بالطاعة، أما غير الطاعة فإنه لا يجب عليه أن يوفي بها، فهذه المرأة نذرت أن تمشي لبيت الله الحرام، وهذه طاعة، وأما مشيها حافية فهذا غير طاعة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم أن تمشي؛ لأن هذا هو الطاعة، وأن تركب، يعني: لا تمشي حافية، فلم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بذلك.

    وكذلك أيضاً في هذا: أن نذر الطاعة يجب أن يوفى به؛ لأن هذه المرأة نذرت أن تمشي إلى بيت الله الحرام، والمشي إلى بيت الله الحرام طاعة، فيجب أن يوفى به.

    وفيه: أن العبادات توقيفية، ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمرها إلا بما هو طاعة وعبادة، فالأصل في العبادات الحظر.

    وفي هذا أيضاً: بيان للعلة من نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر؛ لأنه يستخرج به من البخيل؛ ولأنه لا يرد القدر، وأيضاً أن الإنسان قد يعجز عن القيام به، وهذا يحصل كثيراً؛ تجد بعض الناس ينذر أنه يصوم كذا وكذا، أو أنه يتصدق بكذا وكذا.. إلى آخره، فيعجز عن القيام، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن النذر.

    وفي هذا: بيان لقسم من أقسام النذر، كما سبق أن ذكرنا أن النذر ينقسم إلى أقسام:

    القسم الأول: النذر المستحيل، فهذا لا يجب أن يوفى به بل لا ينعقد، ولا تجب فيه الكفارة.

    القسم الثاني: النذر المحرم، كما لو نذر معصيةً من المعاصي، مثل لو قال: لله علي نذر أن أشرب الدخان ونحو ذلك، فهذا لا يجب عليه أن يوفي به بالاتفاق، لكن هل تجب عليه كفارة، أو لا تجب عليه كفارة؟ المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أنه تجب فيه الكفارة، وقد جاء في ذلك حديث عمران بن حصين ، وورد أيضاً عن جمع من الصحابة رضي الله تعالى عنهم.

    والرأي الثاني وهو قول أكثر أهل العلم: أنه لا تجب عليه الكفارة؛ لحديث عقبة بن عامر في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (كفارة النذر كفارة يمين).

    القسم الثالث: نذر الطاعة، فهذا يجب أن يوفى به، ونذر الطاعة كما سلف لنا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: أن يكون مطلقاً، كما لو قال: لله علي أن أصوم يوماً، أو لله علي أن أتصدق بكذا وكذا.. إلى آخره.

    القسم الثاني: أن يكون معلقاً على حصول منحة أو النجاة من محنة، كما لو قال: إن نجحت في الامتحان فلله علي كذا وكذا، أو إن سلم مالي الغائب، أو إن شفيت من مرضي كذا وكذا، فيجب علي كذا وكذا، فهذا القسم -وهو نذر الطاعة- هو الذي يجب أن يوفى به.

    القسم الرابع: النذر المكروه، كما لو نذر أن يطلق زوجته.. إلى آخره، فهذا لا يجب عليه أن يوفي به، وإذا لم يوف به فإن عليه كفارة يمين.

    القسم الخامس: النذر المباح، كما لو نذر أن يلبس ثوبه، أو يركب سيارةً، أو يسافر، أو يخرج نزهةً ونحو ذلك، فهذا أيضاً لا يجب عليه أن يوفي به، لكن المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن النذر المباح يجب عليه فيه كفارة يمين؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عقبة في صحيح مسلم : (كفارة النذر كفارة يمين).

    وعند شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أن النذر المباح لا يجب أن يوفى به، ولا تجب فيه الكفارة، ومن أدلتهم هذا الحديث، فإن في حديث عقبة رضي الله تعالى عنه في قصة أخته لما نذرت أن تمشي إلى المسجد الحرام حافيةً، أمرها النبي صلى الله عليه وسلم أن تمشي إلى المسجد الحرام وهي منتعلة، ومع ذلك لم يأمرها النبي صلى الله عليه وسلم بكفارة يمين.

    1.   

    شرح حديث استفتاء سعد بن عبادة رسول الله في قضاء نذر كان على أمه

    ونقل المؤلف رحمه الله [ عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أنه قال: (استفتى سعد بن عبادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في نذر كان على أمه توفيت قبل أن تقضيه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فاقضه عنها)].

    الشرح:

    هذا الحديث مما يستدل به الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن من نذر نذراً وتمكن منه ومات قبل أن يوفيه، فإنه يشرع لوليه أن يقضيه، فمن نذر صلاةً، أو اعتكافاً، أو صياماً، أو حجاً، ثم مات قبل أن يقضيه، فإنه يشرع لوليه أن يقضيه عنه، فهذا الحديث مما يستدل به الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أن من نذر ثم مات، وقد تمكن من هذا النذر قبل أن يوفيه، فإنه يشرع لوليه أن يقضيه عنه، فإذا نذر أن يصلي ركعتين وتمكن منها ثم مات، فإنه يشرع لوليه أن يصلي هاتين الركعتين، أو نذر اعتكافاً ثم مات قبل أن يأتي به، وقد تمكن منه، أو نذر صياماً ثم مات، وقد تمكن من هذا الصيام، فإنه يشرع لوليه أن يقضيه، أو نذر حجاً ثم مات، فإنه يشرع لوليه أن يقضيه، بل إن خلف تركةً يجب على وليه أن يقضيه، هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد ، خلافاً لجمهور العلماء رحمهم الله، فإنهم لا يرون أنه يقضى النذر عن الميت.

    وهذا الحديث مما يستدل به الإمام أحمد رحمه الله تعالى، ومثله حديث ابن عباس في الصحيحين، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه)، ومثله حديث عائشة رضي الله عنها.

    بل كما سبق أن ذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يرى أنه يقضى عن الميت حتى ما وجب بأصل الشرع، يعني: كصيام رمضان، وكالكفارة، وكصيام المتعة.. إلى آخره، فإذا تمكن منها ولم يفعلها ثم مات فإنه يشرع لوليه أن يقضي هذا الصيام عنه؛ لعموم حديث عائشة وابن عباس رضي الله تعالى عنهم.

    وإن خلف تركةً كما سلف فإنه يجب على وليه أن يقضي عنه هذا الصيام، أو أن يطعم من التركة عن كل يوم مسكيناً.

    1.   

    شرح حديث توبة كعب بن مالك واشتراطه أن ينخلع من ماله صدقة لله ورسوله

    ونقل المؤلف رحمه الله [ عن كعب بن مالك قال: (قلت: يا رسول الله! إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله وإلى رسوله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)].

    الشرح:

    كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه تخلف عن غزوة تبوك، وتاب الله عز وجل عليه، ولما تاب الله عز وجل عليه نذر رضي الله تعالى عنه أن ينخلع من ماله، قال: (إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقةً إلى الله ورسوله)، نذر إن تاب الله عز وجل عليه أن يتصدق بماله، فإذا نذر شخص أن يتصدق بماله، فهل يجب عليه أن يتصدق بكل ماله أو أنه يكفيه بعض ماله؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى: أنه إذا نذر أن يتصدق بماله أنه يكفيه الثلث؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم لـكعب : (أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك)، فقالوا: يكفيه الثلث.

    واستدلوا أيضاً بحديث أبي لبابة ، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أمره أن يتصدق بالثلث.

    الرأي الثاني: أنه لا يتقيد ذلك بالثلث، وإنما يمسك من ماله ما يكفيه ويكفي أهله؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (وابدأ بمن تعول)، وقوله عليه الصلاة والسلام: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت).

    فالعلماء رحمهم الله لهم رأيان:

    الرأي الأول: أنه إذا نذر أن يتصدق بكل ماله يكفيه الثلث.

    والرأي الثاني: أنه يتصدق بماله لكن يمسك من ماله ما يكفيه ويكفي من يمونه؛ لما تقدم من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ابدأ بنفسك ثم بمن تعول)، وأيضاً قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت)، (وخير الصدقة ما كان عن ظهر غنى)، وهذا القول هو الأقرب، أنه يمسك من ماله ما يكفيه ويكفي أهله؛ ولأنه ما دام أنه نذر فالأصل أن يوفي بالنذر، لكن النفقة الشرعية هذه كالمستثناة، لا تكون داخلة في النذر؛ لأنها أمر واجب، فتكون كالمستثناة، وأما حديث أبي لبابة رضي الله تعالى عنه في مسند أحمد ، فالحديث هذا فيه ضعف، والأقرب في هذه المسألة هو ما ذهب إليه أهل الرأي الثاني.

    والله أعلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد.