إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الحدود [3]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الأمة إذا زنت ولم تحصن فإن حدها هو الجلد، وهو نصف ما على الحرة، والأقرب أن الأمة تغرب، وإذا تكرر منها الزنا وأقيم عليها الحد ولم يردعها الجلد فلتبع ولو بأقل ثمن لأنه لا خير في بقائها ولا فائدة في تأديبها، والزنا يثبت بالإقرار كما يثبت بالشهادة، ويجب على ا

    1.   

    تابع شرح حديث قضاء النبي صلى الله عليه وسلم على رجل وامرأة زنيا

    تقدم لنا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وزيد بن خالد الجهني رضي الله تعالى عنه، وذكرنا جملةً من فوائده ومسائله، وكذلك أيضاً من مسائله ما يكون عند أهل البادية من الجفاء والغلظة، وذلك لبعدهم عن العلم، حيث قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أنشدك الله)، يعني: أسألك بالله، (إلا قضيت بيننا بكتاب الله)، والنبي صلى الله عليه وسلم سيقضي بكتاب الله قطعاً؛ ولا حاجة أن يسأله بالله لكي يقضي بكتاب الله.

    وكذلك أيضاً في هذا الحديث: دليل لقاعدة وهي أن من فعل شيئاً بناءً على الظن ثم تبين عدمه فإنه لا أثر لفعله؛ لأن هذا الرجل أعطى الوليدة والغنم يظن أن هذا جائز عنه، ثم تبين أن هذا العمل غير جائز؛ لأنه لا أثر والصلح لا يصح؛ لأنه فعله بناءً على الظن، ثم تبين أن هذا الظن غير صحيح، فما ترتب عليه غير صحيح، وهذه مسألة مهمة جداً، أنه إذا فعل الشيء بناءً على الظن ثم تبين عدمه، فإن ما يترتب عليه لا يعفى، ولنضرب مثلاً: لو طلق زوجته بناءً على أنها عصته كأن تكلم فلاناً بالتلفون، وظنها تتكلم بكلام فاسد فطلقها، ثم تبين أنها ما كلمت أجنبياً، أو تكلم أجنبي بكلام مباح، هل يقع الطلاق أو لا يقع؟ نقول: الطلاق لا يقع؛ لأنه بني على سبب تبين عدمه، فما بني على سبب تبين عدمه نقول: لا عبرة فيه، أو أعطى هذا الرجل كتاباً على أنه طالب علم، ثم تبين أنه ليس طالب علم، فنقول: له أن يرجع عليه بهذا الكتاب، ولا يدخل هذا في حديث أبي هريرة : (العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه).

    وكذلك أيضاً في هذا الحديث دليل لقاعدة أخرى؛ وهي: أن الإذن بالتصرف مقيد بالتصرف الصحيح، سواء كان عقداً أو غير عقد، إذا أذن لك بالتصرف فإن هذا مقيد بالتصرف الصحيح، ولهذا الصلح مطلوب، لكن لما كان الصلح يخالف القرآن والسنة رده النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفي هذا أيضاً حسن خلق النبي صلى الله عليه وسلم.

    وفيه: إثبات اليد لله عز وجل بالصفات الخبرية، (والذي نفسي بيده)، فيه إثبات النفس لله تعالى.

    وفيه أيضاً: حلف النبي صلى الله عليه وسلم من غير استحلاف، والأصل أن المسلم يحفظ يمينه إلا إذا كان هناك مصلحة فإن هذا لا بأس به.

    وفيه أيضاً: أن الإنسان إذا أخطأ فإنه ينكر عليه الخطأ ويعلم، فهذا الرجل أخطأ في هذا الصلح، فنقول: ينكر عليه خطؤه ويعلم ما أخطأ به.

    1.   

    شرح حديث الأمة إذا زنت ولم تحصن

    قال رحمه الله: [عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود ، عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما قالا: (سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمة إذا زنت ولم تحصن؟ قال: إن زنت فاجلدوها, ثم إن زنت فاجلدوها, ثم إن زنت فاجلدوها, ثم بيعوها ولو بظفير).

    قال ابن شهاب : ولا أدري أبعد الثالثة أو الرابعة. والظفير: الحبل].

    الشرح:

    في هذا: أن الأمة إذا زنت وهي لم تحصن فإن عقوبتها الجلد.

    وفيه أيضاً: أن الذي يقوم بجلد الأمة هو سيدها، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: (أقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم)، هل يشمل جميع الحدود، أو نقول: بأنه خاص بالجلد؟ هذا موضع خلاف.

    والصواب أنه خاص بالجلد، أما القتل والقطع فهذا إلى الإمام، والأصل أن إقامة الحدود إلى الإمام، إلا ما يتعلق بالجلد مع ملك اليمين، فإن السيد له أن يقيمه.

    وفي هذا الحديث دليل لما ذهب إليه الحنابلة من أن الأمة لا تغرب، والنبي صلى الله عليه وسلم ما ذكر التغريب، قال: (إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بظفير)، وما ذكر النبي صلى الله عليه وسلم التغريب.

    والرأي الثاني: أنها تغرب لما تقدم من عمومات، مثل حديث عبادة : (والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام)، وهذا يشمل الحرة والأمة، وهذا الأقرب والله أعلم أن الأمة تغرب، وأما كون النبي صلى الله عليه وسلم لم يذكره هنا فالنبي صلى الله عليه وسلم لا يلزم أن يذكر في كل موضع ما يترتب عليه من أحكام.

    والصواب في ذلك أنه ما دام وجد الحكم العام فلا يلزم من ذلك أن يوجد الحكم الخاص، وهذه مسألة أشار إليها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله.

    وفي هذا أيضاً: مفارقة أهل الفسق، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بيعوها ولو بظفير)، يعني: أهل المعاصي وأهل الذنوب هؤلاء لا خير فيهم، فينبغي للمسلم أن يفارقهم، فهذه ما دام أنها زنت فارقها، ولو أن تبيعها بأرخص ثمن، فإنه لا خير في بقائها.

    وفيه أيضاً: أن الزنا عيب؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: (بيعوها)، لكن يجب على البائع إذا باع أمته التي تزني أن يخبر المشتري، فإن (الدين النصيحة)، ثم إذا علم المشتري فإن له الحق في الرد.

    1.   

    اعتراف ماعز بالزنا وإقامة الحد عليه

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: [عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: (أتى رجل من المسلمين رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في المسجد فناداه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت, فأعرض عنه، فتنحى تلقاء وجهه، فقال: يا رسول الله! إني زنيت, فأعرض عنه, حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات. فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أبك جنون؟ فقال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اذهبوا به فارجموه).

    قال ابن شهاب : فأخبرني أبو سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله رضي الله عنه يقول: (كنت فيمن رجمه, فرجمناه بالمصلى, فلما أذلقته الحجارة -يعني: أوجعته وأجهدته الحجارة- هرب, فأدركناه بالحرة), الحرة تقدم لنا أنها أرض يعلوها حجارة سوداء، (فرجمناه).

    الرجل هو ماعز بن مالك . وروى قصته جابر بن سمرة وعبد الله بن عباس وأبو سعيد الخدري وبريدة بن الحصيب الأسلمي ].

    الخلاف في ثبوت الزنا بالاعتراف مرة واحدة

    الشرح:

    هذا الحديث فيه خلاف بين العلماء رحمهم الله: هل يثبت الزنا بالاعتراف مرة واحدة، أو لا بد أن يكرر الاعتراف؟

    في هذا الحديث قال: (حتى ثنى ذلك عليه أربع مرات)، يعني: كرره أربع مرات، والمشهور من مذهب الإمام أحمد أنه لا يثبت الزنا إلا بأربعة إقرارات، أن يقر أربع مرات.

    والرأي الثاني: رأي مالك والشافعي : أنه يثبت بمرة واحدة، فإذا أقر مرةً واحدة كفى ذلك، ويدل لذلك قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ [النساء:135]، فهذا الرجل قام بالقسط وشهد على نفسه، فهذا يقام عليه الحد، وأيضاً كما تقدم لنا في قصة العسيف حديث أبي هريرة : (واغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، فاعترفت فرجمها)، فهذا يدل على أنه يكتفى بمرة واحدة.

    وأما قصة ماعز فإن النبي صلى الله عليه وسلم استشكل في أمره واشتبه عليه، ولهذا قال: (أبك جنون)؟ وأيضاً في بعض الألفاظ أمر النبي صلى الله عليه وسلم من يستنكهه، يعني: أن يشمه، هل شرب خمراً أو لا.. إلى آخره؟

    فوائد من قصة ماعز

    وفي هذا أيضاً: دليل على أن المجنون لا يعتبر إقراره؛ لأنه قد زال عقله.

    وفيه أيضاً: أن من زال عقله أو غطي على عقله فإنه لا يعتبر إقراره.

    وفي هذا أيضاً: أن إقامة الحدود منوط بالإمام.

    وفيه أيضاً: الوكالة بإقامة الحدود؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (اذهبوا به فارجموه).

    وفيه أيضاً: أن على القاضي الذي يحكم بين الناس إذا اشتبه عليه الأمر أن يستفصل كما استفصل النبي صلى الله عليه وسلم من ماعز رضي الله تعالى عنه.

    وفي هذا أيضاً دليل على أن المحصن لا يجمع له بين الجلد والرجم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم رجمه ولم يجلده.

    وفيه: أن حد المحصن إذا زنى أنه يرجم حتى يموت، والحكمة من ذلك أن هذه المعصية شملت كل البدن؛ لأن اللذة حصلت لجميع البدن، فكان العقاب لجميع البدن.

    وفي هذا أيضاً: أنه لا يشترط حضور الإمام.

    وفيه أيضاً: أن مصلى الجنائز لا يأخذ حكم المسجد، وكان في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مصلى الجنائز ومصلى العيد، وهذه لا تأخذ أحكام المسجد، ولهذا رجموه في مصلى الجنائز، فدل ذلك على أنه لا يأخذ أحكام المسجد.

    وفيه أيضاً: أن الحد كفارة للمعصية.

    وفيه فضيلة ماعز رضي الله تعالى عنه، فإن ماعزاً جاء للنبي صلى الله عليه وسلم تائباً.

    وفيه: أن الإنسان بشر ليس معصوماً ولو كان صحابياً، فإنه قد يقع منه الذنب والمعصية.

    وفيه: إعراض الإمام عن المقر بالزنا.

    وهل يلقن الرجوع عن الحد، أو لا نلقنه؟

    هذا موضع خلاف، فبعض العلماء كما هو المشهور من مذهب الإمام أحمد أنه يستحب أن يلقن أن يرجع عن الحد.

    الرأي الثاني: التفصيل في هذا: إن كان معروفاً بالشر والفسق فلا يلقن، وإن لم يكن معروفاً فإنه يلقن، وهذا أقرب.

    وفيه أيضاً: الرجوع عن الحد، إذا أقر بالحد ثم رجع عنه هل يقبل رجوعه أو لا يقبل رجوعه؟ جمهور العلماء يقولون: يقبل رجوعه، وشيخ الإسلام يرى التفصيل: إن جاء تائباً يقبل رجوعه كما في قصة ماعز فقد جاء تائباً، قال: (طهرني يا رسول الله)، وإن كان غير تائب فإنه لا يقبل رجوعه، قال بعض العلماء: إن وصف الفعل لا يقبل رجوعه، وإن لم يصف الفعل قبل رجوعه.

    والذي يظهر والله أعلم أن قصة ماعز أنه رجوع عن إقامة الحد، وليس رجوعاً عن الإقرار؛ لأنه قال: (لما أذلقته الحجارة -أوجعته- قال: ردوني على رسول الله صلى الله عليه وسلم)، فهو جاء تائباً وطلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يقيم عليه الحد، فيظهر والله أعلم أنه رجوع عن إقامة الحد، وليس رجوعاً عن الإقرار.

    وعلى هذا نقول: إذا أقر ثم رجع عن إقامة الحد، فإن كان أمره صلح وتاب إلى الله عز وجل وأناب ونحو ذلك، فهذا يقبل منه وإلا فلا.

    سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.