إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب القصاص [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • القصاص هو تتبع الأثر أو الدم بالقود، وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع، والأصل في المسلم أنه معصوم الدم، ولكن إذا زنى بعد إحصان أو قتل نفساً معصومة أو ارتد بعد إسلام فإنه يصير مباح الدم، أما استتابة المرتد قبل قتله ففيه خلاف.

    1.   

    مقدمات في القصاص

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ كتاب القصاص.

    عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة)].

    الشرح:

    سبق لنا حديث البراء بن عازب في الحضانة، وعرفنا الحضانة في اللغة والاصطلاح، وذكرنا حكم الحضانة، ومن يقدم في الحضانة، وهل نقدم أقارب المحضون من جهة الأب، أو أقارب المحضون من جهة الأم، وذكرنا خلاف الفقهاء مع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، وأن الفقهاء يرون أن أقارب الأم يقدمون على أقارب الأب، فالأخت من الأم مقدمة على الأخت من الأب، والخالة مقدمة على العمة، والجدة من قبل الأم مقدمة على الجدة من قبل الأب، وذكرنا أن شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله خالفهم في هذه المسألة، ويرى أن أقارب الأب مقدمون.. إلخ.

    وتكلمنا عمن يقدم وأن الفقهاء رحمهم الله يقولون: يقدم في باب الحضانة الأم، ثم بعد ذلك أمهاتها، ثم الأب، ثم أمهاته، ثم الجد ثم أمهاته إلى آخر ما تقدم، وذكرنا الصواب في هذه المسألة وأنها تنقسم إلى أربعة أقسام:

    القسم الأول: أن يتفقا في الجهة والدرجة، فإذا اتفقا في الجهة والدرجة فنقدم الأنثى منهما.

    القسم الثاني: أن يختلفا في الجهة كخالة وعمة، يعني: هذا من جهة الأب، وهذا من جهة الأم، فهذا موضع خلاف، وسبق أن ذكرنا الصواب في هذه المسألة وهو أننا نقدم جهة الأبوة، والفقهاء يستدلون بحديث البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الحضانة للخالة، وقال: ( الخالة بمنزلة الأم ) مع وجود العمة، فأجيب عن ذلك بأن العمة لم تطلب وأن العمة لو طلبت الحضانة مع وجود الخالة يصح الاستدلال، لكن هنا العمة لم تطالب بذلك.

    القسم الثالث: إذا اختلفا في الدرجة واتفقا في الجهة فهنا نقول: نقدم الأقرب، فالبنت مع ابنتها، والخالة مع ابنتها ونحو ذلك.

    القسم الرابع: إذا اختلفا في الجهة والدرجة.. إلخ.

    وحديث البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه فيه دليل لما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى، وهو أنه إذا تزوجت المرأة هل تسقط حضانتها أو لا تسقط حضانتها؟

    للعلماء رحمهم الله في ذلك رأيان:

    الرأي الأول: أن الحضانة لا تسقط بالزواج، وهذا مذهب الظاهرية، واستدلوا بهذا الحديث، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قضى بالحضانة للخالة، مع أن الخالة متزوجة تحت جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه.

    والرأي الثاني: أن الأم إذا تزوجت فإن حضانتها تسقط، ويدل لذلك حديث عبد الله بن عمرو رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أنت أحق به ما لم تنكحي ).

    ويجاب عن حديث البراء بن عازب الذي استدل به الظاهرية بجوابين:

    الجواب الأول: أن الأم إذا تزوجت من عصبات المحضون فإن حضانتها لا تسقط كما في هذا الحديث.

    الجواب الثاني: أنه لم يوجد منازع.

    ومتى تسقط حضانة الأم إذا تزوجت، هل تسقط بالعقد أو بالدخول؟

    هذا موضع خلاف بين أهل العلم رحمهم الله، بعض العلماء يرى أنها بمجرد العقد تسقط حضانتها، وبعض العلماء يقول بأنها لا تسقط حضانتها إلا بالدخول، قد يعقد ويتأخر الدخول.

    والذي يظهر والله أعلم هو القول الأول، وأنها تسقط بمجرد العقد؛ لأن المرأة إذا عقدت فإنها تشتغل بشأن الزواج، ونحو ذلك.. إلخ.

    تعريف القصاص ووسطية الأمة فيه

    ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب القصاص).

    الشرح:

    القصاص في اللغة: مأخوذ من القص، وهو تتبع الأثر.

    وأما في الاصطلاح: فهو تتبع الأثر بالقود، أو تتبع الدم بالقود.

    والقصاص مشروع في هذه الأمة، وهذا من رحمة الله عز وجل، وهذه الأمة وسط، وولي المجني عليه مخير بين القصاص وبين الدية، بخلاف النصارى فليس عندهم إلا دية، وبخلاف اليهود فليس عندهم إلا قصاص، لكن من رحمة الله عز وجل بهذه الأمة ومن محاسن هذا الدين أن ولي الجناية مخير بين القصاص وبين الدية؛ لحديث أبي هريرة في الصحيحين: ( من قتل له قتيل فأهله بخير النظرين: إما أن يودوا أو يقتلوا ).

    حكم القصاص

    والقصاص واجب وقد دل على وجوبه الكتاب والسنة والإجماع.

    أما القرآن فقول الله عز وجل: وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ [المائدة:45].

    وأما السنة فحديث الربيع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( كتاب الله القصاص ).

    والإجماع قائم على ذلك.

    والحكمة من القصاص بينها الله عز وجل بقوله: وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ [البقرة:179]، فالقصاص فيه الحياة؛ لأن ترك القصاص يؤدي إلى الثأر، وإلى سفك الدماء، وعدم الأمن والفوضى، فمن قتل له قتيل لن يسكت وسيأخذ بالثأر وسيقتل، وربما أنه يتعدى في القتل، ولهذا قال الله عز وجل: وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا [الإسراء:33].

    1.   

    شرح حديث: (لا يحل دم امرئ ومسلم...)

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).

    قوله: ( الثيب الزاني ) من وطئ امرأته في نكاح صحيح فهو ثيب إلى يوم القيامة حتى لو طلقها أو ماتت عنه، فهو ثيب محصن، وإذا زنى فإن حقه الرجم، فإذا وطئ يعني: غيب حشفة ذكره في فرج زوجته، فنقول: هذا محصن إلى يوم القيامة.

    ( والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة ) (التارك لدينه المفارق للجماعة) هذا هو المرتد، وفي حديث ابن عباس في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بدل دينه فاقتلوه )، وهذا الحديث فيه أحكام، ومنها: أن من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فهو معصوم الدم، ( كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه )، والمعصومون أربعة: المسلم والذمي والمستأمن والمعاهد.

    أما الحربي الذي بيننا وبينه حرب فهذا ليس معصوم الدم.

    وقوله: (يشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله) فيه دليل على أنه بمجرد هذه الشهادة فإن دمه يعصم.

    وفيه دليل على عظم شأن هذه الكلمة فهي موجبة لعصمة دمه، ولكن هذه الكلمة لها حقوق ولها واجبات، كما قال الزهري: (حرمت بعد ذلك محرمات، ووجبت واجبات، فلا يغتر بذلك مغتر). فلا بد من العمل بمقتضى هذه الكلمة، ولهذا كان الإمام أحمد رحمه الله يرى أن تارك الصلاة كافر، مع أنه يقول: لا إله إلا الله، وشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله حشد آثاراً كثيرة في كتابه (شرح العمدة) في كفر تارك الصلاة.

    وفي هذا الحديث: أن المحصن إذا زنا فإنه مباح الدم، وتقدم أن ذكرنا من هو المحصن، وهو من وطئ امرأته في نكاح صحيح، وأن عقوبته الرجم.

    وفيه أيضاً: أن من قتل نفساً معصومة فإن دمه مباح ( والنفس بالنفس ).

    وفي قوله: ( التارك لدينه المفارق للجماعة ) أن المرتد إذا لم يرجع إلى دينه فإنه مباح الدم، كما ذكرنا حديث ابن عباس في البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من بدل دينه فاقتلوه ).

    وهذا الحديث أيضاً مما استدل به من قال بأن تارك الصلاة لا يكفر ولا يقتل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن الذين يقتلون ثلاثة فقط، لكن الجواب عن هذا سهل، يقال: من ترك الصلاة فهو داخل في قول النبي صلى الله عليه وسلم: ( التارك لدينه ) فمن ترك الصلاة فلا دين له، كما قال عمر رضي الله تعالى عنه: (لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة، وفي مسند أحمد : ( أول ما تفقدون من دينكم الأمانة، وآخر ما تفقدون من دينكم الصلاة ) قال الإمام أحمد رحمه الله: (شيء فقد آخره لم يبق منه شيء)، وفي حديث بريدة : ( العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر ).

    وفي هذا أيضاً دليل على أن المرتد لا يستتاب، وهذه المسألة موضع خلاف بين أهل العلم، هل يستتاب المرتد أو لا يستتاب؟

    المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله أن المرتد يستتاب ثلاثة أيام لوروده عن عمر ، لكن إسناده ضعيف، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( التارك لدينه المفارق للجماعة ).

    والرأي الثاني: أنه يرجع إلى اجتهاد الإمام، وهذا اختيار شيخ الإسلام ، فإن رأى الإمام أن يستتيبه استتابه، وإن رأى ألا يستتيبه فإنه لا يستتيبه، فإذا قامت القرائن أن هذا الرجل بعيد عن الحق ولا يريده فحينئذٍ لا حاجة إلى استتابته، وإن قامت القرائن على أنه قريب من الحق، وأنه إذا بين له وخوّف فإنه يرجع فإنه يستتاب، والله أعلم.