إسلام ويب

شرح عمدة الأحكام - كتاب الرضاع [1]للشيخ : خالد بن علي المشيقح

  •  التفريغ النصي الكامل
  • الرضاع هو مص من هو دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو وطء، وقد دل عليه الكتاب والسنة والإجماع، ويحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والمحرمات سبع كما نص عليهن القرآن الكريم، وينتشر التحريم بالنسبة للمرضع وصاحب اللبن إلى الأصول والفروع والحواشي دون فروعهم، وبالن

    1.   

    مقدمات في الرضاع

    قال المصنف رحمه الله تعالى: [ وعنها قالت : ( إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما أنزل الحجاب؟ فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني, ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس , فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني, ولكن أرضعتني امرأته، فقال: ائذني له, فإنه عمك, تربت يمينك ).

    قال عروة : فبذلك كانت عائشة تقول: حرموا من الرضاعة ما يحرم من النسب.

    وفي لفظ: ( استأذن علي أفلح, فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك؟ فقلت: كيف ذلك؟ قال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي, قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: صدق أفلح, ائذني له, تربت يمينك )].

    الشرح:

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (كتاب الرضاع).

    الرضاع في اللغة: المص.

    وفي الاصطلاح: هو مص من دون الحولين لبناً ثاب عن حمل أو وطء أو شربه يعني: اجتمع عن حمل أو وطء أو شربه، ونحو ذلك, وستأتينا إن شاء الله شروط الرضاع المحرم.

    والأصل في الرضاع الكتاب والسنة والإجماع, أما الكتاب فقول الله عز وجل: وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ [النساء:23].

    وأما السنة فكما نقل المؤلف رحمه الله من هذه الأحاديث.

    وأما الإجماع فإنه قائم على ذلك, وهل يجب على المرأة أن ترضع ولدها أو لا يجب عليها أن ترضع ولدها؟

    هذا ينقسم إلى قسمين:

    القسم الأول: ألا تكون المرأة في حبال الزوج, يعني: طلقها الزوج فليست في حباله, فهنا لا يجب على المرأة أن ترضع ولدها, وعلى الأب أن يسترضع له, يعني: أن يطلب من يرضعه, وعلى هذا لو أن المرأة ليست في حبال الزوج, وقالت: لا أرضعه إلا بأجرة فإنه يجب على أبيه أن يبذل لها أجرة, لقول الله عز وجل: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ [الطلاق:6]، وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى [الطلاق:6]، فنقول: إذا لم تكن في حبال الزوج فلا يجب عليها، وعلى هذا لو طلبت أجرة وقالت: أنا لا أرضعه إلا بكذا وكذا من الدرهم, نقول: يجب عليه أن يعطيها, إلا إذا اضطر إليها فإنه يجب أن ترضعه, وأيضاً يدفع لها أبوه أجرة.

    القسم الثاني: أن تكون في حبال الزوج, يعني: هي زوجته، فهل يجب عليها أن ترضعه أو لا يجب؟ المشهور من المذهب أنه لا يجب عليها أن ترضعه, وعلى هذا لو أن الأم -الزوجة- قالت لزوجها: لا أرضع الولد إلا بكذا وكذا, فإنه يجب عليه أن يعطيها أجرة, هذا المشهور من مذهب الإمام أحمد رحمه الله.

    والرأي الثاني اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: أنها إذا كانت في حبال الزوج فإنه يجب عليها أن ترضعه؛ لأن الله سبحانه وتعالى قال: وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ [البقرة:233].

    وعلى هذا نقول: إن كانت في حبال الزوج فيجب، وإن كانت في غير حبال الزوج فإنه لا يجب.

    وإرضاع الأم لولدها أفيد من أن يرضع لبناً غير لبن ولدها, حتى الأطباء الآن ينصحون بإرضاع الأم لولدها وخصوصاً في الشهر الأول، هذا أفيد من جهة الصحة البدنية والصحة العقلية حتى العلماء يقولون: كون الأم ترضع ولدها أفيد من أن ترضعه امرأة أخرى، فكيف إذا رضع بلبن غير لبن آدمية!

    1.   

    شرح حديث: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب)

    قال المؤلف رحمه الله: [ وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في بنت حمزة : ( لا تحل لي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب ), وهي ابنة أخي من الرضاعة ].

    الشرح:

    حمزة رضي الله تعالى عنه أخو النبي صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، أرضعتهما ثويبة ، وثويبة مولاة لـأبي لهب , فقد أرضعت حمزة والنبي صلى الله عليه وسلم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم في ابنة حمزة : ( لا تحل لي، إنها ابنة أخي، يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، قوله: (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب) يعني: المحرمات في النسب سبع, بينها الله عز وجل في سورة النساء: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ [النساء:23]، هؤلاء سبع يحرمن من النسل: أمك وإن علت, بنتك وإن نزلت, أختك من أي جهة, عمتك وإن علت, خالتك وإن علت, بنت الأخ وإن نزلت، بنت الأخت وإن نزلت، هؤلاء يحرمن إلى يوم القيامة, مثلهن يحرم من الرضاع: أمك من الرضاع, بنتك من الرضاع, أختك, عمتك, بنت أخيك, بنت أختك من الرضاع, هؤلاء محرمات عليك.

    وقول النبي صلى الله عليه وسلم: ( يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب )، ذكر العلماء رحمهم الله ضابطاً لذلك, وتفصيله كما تقدم، المحرمات من النسب: سبع، يحرم مثلهن من الرضاع, والعلماء ذكروا ضابطاً في انتشار التحريم بالرضاع, فعندنا مرضعة وعندنا صاحب لبن وعندنا مرتضع, المرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيها, يعني: حواشي الإخوة والأعمام دون فروعهم, وصاحب اللبن أيضاً ينتشر التحريم إلى أصوله وفروعه وحواشيه دون فروعهم, يعني: صاحب اللبن مثل المرضعة تماماً, المرتضع ينتشر التحريم إلى فروعه فقط, وقولنا: المرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيها دون فروعهم، وعلى هذا لو أن زيداً رضع من هندٍ هل له أن يتزوج أم هند؟ لا. لأنه ينتشر إلى أصولها, وهل له أن يتزوج بنت هند؟ لا، لأنه بنت هند تكون أختاً له، ينتشر إلى فروعها, هل له أن يتزوج أخت هند؟ لا، تكون خالته، وهل له أن يتزوج بنت أخت هند؟ له ذلك؛ لأنها بنت خالته من الرضاع.

    فنقول: المرضعة ينتشر إلى أصولها وفروعها وحواشيها دون فروعهم, ومثل صاحب اللبن ينتشر إلى أصوله وفروعه وحواشيه دون فروعهم، فمثلاً: زينب رضعت من صالح، أبو صالح هل يتزوج زينب؟ لا؛ لأنه انتشر إلى أصوله, وابن صالح هل يتزوج زينب؟ لا، وأخو صالح صاحب اللبن هل يتزوج زينب؟ لا يتزوجها, لكن ابن أخ صالح هل يتزوجها أو لا يتزوجها؟ نقول: يتزوجها, وعلى هذا فقس.

    إذاً القاعدة تقول: المرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيها دون فروعهم, وصاحب اللبن ينتشر التحريم إلى أصوله وفروعه وحواشيه دون فروعهم, والمرتضع ينتشر التحريم إلى فروعه فقط, وعلى هذا صاحب اللبن له أن يتزوج أم ابنه؛ لأنه ما ينتشر التحريم إلا إلى الفروع فقط, لكن بنت ابنه من الرضاع ما يتزوجها, وأخت ابنه من الرضاع يتزوجها، التحريم ينتشر إلى الفروع فقط، أما الحواشي والأصول فلا ينتشر إليها.

    وفي هذا الحديث: ثبوت المحرمية بالرضاع.

    وفيه أيضاً: أنه يثبت من الرضاع ما يثبت من النسب.

    1.   

    شرح حديث استئذان أفلح في الدخول على عائشة

    قال المؤلف رحمه الله تعالى: (وعنها قالت: (إن أفلح أخا أبي القعيس استأذن علي بعدما أُنزل الحجاب، فقلت: والله لا آذن له حتى أستأذن النبي صلى الله عليه وسلم، فإن أخا أبي القعيس ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأة أبي القعيس , فدخل علي الرسول صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله! إن الرجل ليس هو أرضعني ولكن أرضعتني امرأته, فقال: ائذني له فإنه عمك تربت يمينك).

    الشرح:

    قول النبي صلى الله عليه وسلم: (تربت يمينك), هذا من الدعاء الذي يقصد لفظه ولا يقصد معناه, وإلا فإن معناه الدعاء بالفقر, يعني: التصقت يمينك بالتراب من الفقر، فهذا مما يقصد فيه اللفظ لكونه يجري على اللسان ولا يقصد به المعنى، ومثل ذلك قول: لعمري, ومثل ذلك قول: ثكلتك أمك, قول: لعمري ظاهره الحلف بغير الله عز وجل، لكن هذا مما جرى على اللسان ولا يقصد به الحلف بغير الله عز وجل, إنما هو مما يجري على اللسان، فعفا عنه الشارع.

    قال المؤلف رحمه الله: (قال عروة : فبذلك كانت عائشة تقول: يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب, وفي لفظ: استأذن علي أفلح فلم آذن له، فقال: أتحتجبين مني وأنا عمك, فقلت: كيف ذلك؟ فقال: أرضعتك امرأة أخي بلبن أخي، قالت: فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ( صدق أفلح، ائذني له تربت يمينك ).

    (تربت): أي: افتقرت، والعرب تدعو على الرجل ولا تريد وقوع الأمر به].

    في هذا الحديث أنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب, ومثله الحديث السابق حديث عائشة قالت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: ( إن الرضاعة تحرم ما يحرم من الولادة )، وذكرنا القاعدة في ذلك, وأن المحرمات من النسب سبع, ويحرم مثلهن من الرضاع, والقاعدة في ذلك: أن المرضعة ينتشر التحريم إلى أصولها وفروعها وحواشيها دون فروعهم.

    كذلك أيضاً صاحب اللبن ينتشر التحريم إلى أصوله وفروعه وحواشيه دون فروعهم, وأما المرتضع فإنه ينتشر التحريم إلى فروعه فقط.

    وقوله: (بعدما أنزل الحجاب) هذا يدل على أن الحجاب كان في أول الإسلام ليس مشروعاً، ثم بعد ذلك شرع في قول الله عز وجل: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ [الأحزاب:59]، وبهذا نعرف أن الحجاب له مرحلتان: الأولى: غير مشروع, ثم بعد ذلك شرع, وعلى هذا تسهل الإجابة, فالأدلة التي ورد فيها عدم الحجاب، لمن يستدل بأن كشف الوجه جائز، نقول: هذه الأدلة محمولة على ما قبل نزول آية الحجاب, مثلاً: حديث أبي سعيد لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم النساء في خطبة العيد قال: فقامت امرأة من وسط النساء سفعاء الخدين يعني: في خدها سواد, ما الذي أدرى الراوي أنها سفعاء الخدين, إلا أنها قد كشفت وجهها, فقال بعض العلماء: هذه من القواعد من النساء, والقواعد من النساء ليس عليهن جناح أن يضعن ثيابهن غير متبرجات بزينة.

    والجواب الثاني أسهل من ذلك: أن نقول: هذا قبل نزول آية الحجاب, والله أعلم.